فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ وَالِاسْتِحْلَافِ
العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ٢٦٬٩٦١ إلى ٢٧٬٠١٧
-
٨/١٩٥٨/١٩٥
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ نَفْسِ الْيَمِينِ وَالْمَوَاضِعِ الْوَاجِبَةِ هِيَ فِيهَا ذَكَرَ صِفَتَهَا، لِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الشَّيْءِ وَهُوَ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُشَابَهَةُ واللَّامُشَابَهَةُ صِفَتُهُ، وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» وَكَلَامُهُ فِيهِ ظَاهِرٌ
-
٨/١٩٦٨/١٩٦
لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَالْقَاضِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ غَلَّظَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُغَلِّظْ فَيَقُولُ: قُلْ بِاَللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ،
-
وَقِيلَ: لَا يُغَلِّظُ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِالصَّلَاحِ وَيُغَلِّظُ عَلَى غَيْرِهِ،
-
وَقِيلَ: يُغَلِّظُ فِي الْخَطِيرِ مِنْ الْمَالِ دُونَ الْحَقِيرِ.
-
قَالَ (وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالْعَتَاقِ) لِمَا رَوَيْنَا،
-
وَقِيلَ فِي زَمَانِنَا إذَا أَلَحَّ الْخَصْمُ سَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْلِفَ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَكَثْرَةِ الِامْتِنَاعِ بِسَبَبِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ.
-
قَوْلُهُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالْعَتَاقِ) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَجَوَّزَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فِي زَمَانِنَا لِقِلَّةِ مُبَالَاةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا،
-
وَلَوْ قَضَى بِهِ لَمْ يَنْفُذْ قَضَاؤُهُ. وَابْنُ صُورِيَّا بِالْقَصْرِ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ " رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَأَى قَوْمًا مَرُّوا بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ سَخِمَ وَجْهُهُمَا فَسَأَلَ عَنْ حَالِهِمَا فَقَالُوا: إنَّهُمَا زَنَيَا: فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ ابْنِ صُورِيَّا وَهُوَ حَبْرُهُمْ فَقَالَ: أَنْشُدُك بِاَللَّهِ: أَيْ أُحَلِّفُك بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى
-
٨/١٩٧٨/١٩٧
قَالَ (وَيَسْتَحْلِفُ الْيَهُودِيَّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عليه السلام ، وَالنَّصْرَانِيَّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى عليه السلام ) «لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِابْنِ صُورِيَّا الْأَعْوَرِ أَنْشُدُك بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَنَّ حُكْمَ الزِّنَا فِي كِتَابِكُمْ هَذَا» وَلِأَنَّ الْيَهُودِيَّ يَعْتَقِدُ نُبُوَّةَ مُوسَى وَالنَّصْرَانِيَّ نُبُوَّةَ عِيسَى عليهما السلام فَيُغَلِّظُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ (وَ) يَسْتَحْلِفُ (الْمَجُوسِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ) وَهَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْأَصْلِ.
-
يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ أَحَدًا إلَّا بِاَللَّهِ خَالِصًا. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ رحمه الله أَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ غَيْرَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إلَّا بِاَللَّهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لِأَنَّ فِي ذِكْرِ النَّارِ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا وَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُعَظَّمَ،
-
بِخِلَافِ الْكِتَابَيْنِ لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ مُعَظَّمَةٌ (وَالْوَثَنِيُّ لَا يَحْلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ) لِأَنَّ الْكَفَرَةَ بِأَسْرِهِمْ يَعْتَقِدُونَ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ قَالَ (وَلَا يَحْلِفُونَ فِي بُيُوتِ عِبَادَتِهِمْ) لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا
-
مُوسَى أَنَّ حُكْمَ الزِّنَى فِي كِتَابِكُمْ هَذَا؟» وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَحْلِيفِ الْيَهُودِيِّ بِذَلِكَ
-
٨/١٩٨٨/١٩٨
بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ ذَلِكَ. .
-
قَالَ (وَلَا يَجِبُ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ ذَلِكَ، وَفِي إيجَابِ ذَلِكَ حَرَجٌ عَلَى الْقَاضِي حَيْثُ يُكَلَّفُ حُضُورَهَا وَهُوَ مَدْفُوعٌ.
-
قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ هَذَا عَبْدَهُ بِأَلْفٍ فَجَحَدَ اسْتَحْلَفَ بِاَللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ فِيهِ وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا بِعْت) لِأَنَّهُ قَدْ يُبَاعُ الْعَيْنُ ثُمَّ يُقَالُ فِيهِ
-
(وَيَسْتَحْلِفُ فِي الْغَصْبِ بِاَللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْك رَدَّهُ وَلَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا غَصَبْت) لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُ ثُمَّ يَفْسَخُ بِالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ (وَفِي النِّكَاحِ بِاَللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ)
-
وَلَا يَجِبُ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ ذَلِكَ وَفِي إيجَابِهِ حَرَجٌ عَلَى الْقَاضِي بِحُضُورِهِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ فِي قَسَامَةٍ أَوْ لِعَانٍ أَوْ فِي مَالٍ عَظِيمٍ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَعِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَفِي سَائِرِ الْبِلَادِ فِي الْجَوَامِعِ،
-
وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ، وَفِيهِ مَا مَرَّ مِنْ الْحَرَجِ عَلَى الْحَاكِمِ.
-
قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ هَذَا عَبْدَهُ بِأَلْفٍ فَجَحَدَ إلَخْ) هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ كَيْفِيَّةِ
-
٨/١٩٩٨/١٩٩
لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْخُلْعُ (وَفِي دَعْوَى الطَّلَاقِ بِاَللَّهِ مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْك السَّاعَةَ بِمَا ذَكَرْت وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا طَلَّقَهَا) لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ يُجَدَّدُ بَعْدَ الْإِبَانَةِ فَيَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى السَّبَبِ يَتَضَرَّرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
-
أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله يَحْلِفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ
-
الْيَمِينِ وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ أَوْ السَّبَبُ. وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ السَّبَبَ، إمَّا أَنْ كَانَ مِمَّا يَرْتَفِعُ بِرَافِعٍ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالتَّحْلِيفُ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَإِنْ تَضَرَّرَ الْمُدَّعِي بِالتَّحْلِيفِ عَلَى الْحَاصِلِ فَكَذَلِكَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ يَحْلِفْ عَلَى الْحَاصِلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعَلَى السَّبَبِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إلَّا إذَا عَرَضَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِرَفْعِ السَّبَبِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ قَوْلِ الْقَاضِي احْلِفْ بِاَللَّهِ مَا بِعْت أَيُّهَا الْقَاضِي إنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبِيعُ شَيْئًا ثُمَّ يُقَالُ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى الْحَاصِلِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
-
وَنُقِلَ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ يُنْظَرُ فِي إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ،
-
فَإِنْ أَنْكَرَ السَّبَبَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ، فَعَلَى الظَّاهِرِ إذَا ادَّعَى الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ الْعِتْقَ عَلَى مَوْلَاهُ وَجَحَدَ الْمُوَلَّى يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ بَعْدَ الِارْتِدَادِ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسْلِمِ لَيْسَ بِمُتَصَوَّرٍ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالِارْتِدَادِ،
-
بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ وَالْأَمَةِ مُطْلَقًا،
-
فَإِنَّ الرِّقَّ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَاللِّحَاقِ وَعَلَيْهَا بِالرِّدَّةِ وَاللِّحَاقِ،
-
٨/٢٠٠٨/٢٠٠
عَلَى السَّبَبِ إلَّا إذَا عَرَّضَ بِمَا ذَكَرْنَا فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ.
-
وَقِيلَ: يَنْظُرُ إلَى إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ أَنْكَرَ السَّبَبَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ. فَالْحَاصِلُ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ سَبَبًا يَرْتَفِعُ إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَنْ تَدَّعِيَ مَبْتُوتَةٌ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ وَالزَّوْجُ مِمَّنْ لَا يَرَاهَا، أَوْ ادَّعَى شُفْعَةً بِالْجِوَارِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَرَاهَا، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ يَصْدُقُ فِي يَمِينِهِ فِي مُعْتَقَدِهِ فَيَفُوتُ النَّظَرُ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي،
-
وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لَا يَرْتَفِعُ بِرَافِعٍ فَالتَّحْلِيفُ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِجْمَاعِ (كَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ إذَا ادَّعَى الْعِتْقَ عَلَى مَوْلَاهُ،
-
وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَبْتُوتَةُ نَفَقَةً وَالزَّوْجُ مِمَّنْ لَا يَرَاهَا أَوْ ادَّعَى شُفْعَةَ الْجِوَارِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَرَاهَا يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ لَصُدِّقَ فِي يَمِينِهِ فِي مُعْتَقَدِهِ فَيَتَضَرَّرُ الْمُدَّعِي.
-
فَإِنْ قِيلَ: بِالْحَلِفِ عَلَى السَّبَبِ يَتَضَرَّرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ اشْتَرَى وَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ أَوْ سَكَتَ عَنْ الطَّلَبِ وَلَيْسَ بِأَوْلَى بِالضَّرَرِ مِنْ الْمُدَّعِي؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ أَوْلَى بِذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِأَحَدِهِمَا وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي مَا هُوَ أَصْلٌ لِأَنَّ الشِّرَاءَ إذَا ثَبَتَ يَثْبُتُ الْحَقُّ لَهُ، وَسُقُوطُهُ إنَّمَا يَكُونُ بِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْعَارِضِ،
-
وَإِذَا ادَّعَى الطَّلَاقَ أَوْ الْغَصْبَ أَوْ النِّكَاحَ أَوْ الْبَيْعَ يَحْلِفُ عِنْدَهُمَا عَلَى الْحَاصِلِ بِاَللَّهِ مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْك السَّاعَةَ وَمَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْك رَدُّهُ وَمَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ أَوْ بَيْعٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ لِأَنَّ السَّبَبَ، مِمَّا يَتَكَرَّرُ فَبِالْحَلِفِ عَلَيْهِ يَتَضَرَّرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
-
٨/٢٠١٨/٢٠١
بِخِلَافِ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ الْكَافِرِ) لِأَنَّهُ يُكَرِّرُ الرِّقَّ عَلَيْهَا بِالرِّدَّةِ وَاللِّحَاقِ وَعَلَيْهِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَاللِّحَاقِ،
-
وَلَا يُكَرِّرُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ. .
-
قَالَ: (وَمَنْ وَرِثَ عَبْدًا وَادَّعَاهُ آخَرُ يَسْتَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ) لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا صَنَعَ الْمُوَرِّثُ فَلَا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ (وَإِنْ وَهَبَ لَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ) لِوُجُودِ الْمُطْلَقِ لِلْيَمِينِ إذْ الشِّرَاءُ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ وَضْعًا وَكَذَا الْهِبَةُ.
-
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ.
-
قَالَ (وَمَنْ وَرِثَ عَبْدًا وَادَّعَاهُ آخَرُ اُسْتُحْلِفَ عَلَى عِلْمِهِ إلَخْ) وَهَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْيَمِينُ عَلَى الْعِلْمِ أَوْ الْبَتَاتِ، الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الدَّعْوَى إذَا وَقَعَتْ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ كَانَ الْحَلِفُ عَلَى الْعِلْمِ،
-
وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى فِعْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَ عَلَى الْبَتَاتِ، وَنُوقِضَ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ،
-
فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا ادَّعَى أَنَّ الْعَبْدَ سَارِقٌ أَوْ آبِقٌ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَادَّعَاهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْبَائِعِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ مَا سَرَقَ مَعَ أَنَّهُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَبِالْمُودَعِ إذَا ادَّعَى قَبْضَ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ وَالْقَبْضُ فِعْلُ الْغَيْرِ، وَبِالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ وَسَلَّمَ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ الْمُوَكِّلَ قَبَضَ الثَّمَنَ وَأَنْكَرَهُ الْمُوَكِّلُ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ بِاَللَّهِ مَا قَبَضَ الْمُوَكِّلُ وَهُوَ فِعْلُ الْغَيْرِ، وَعَنْ هَذَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ التَّحْلِيفَ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ إذَا قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ،
-
فَأَمَّا إذَا قَالَ لِي عِلْمٌ بِذَلِكَ حَلَفَ عَلَى الْبَتَاتِ. وَفِي صُوَرِ النَّقْضِ يَدَّعِي الْعِلْمَ فَكَانَ الْحَلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ، وَتَخْرِيجُهَا عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ضَمِنَ الْبَائِعُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ سَلِيمًا عَنْ الْعُيُوبِ، فَالتَّحْلِيفُ يَرْجِعُ إلَى مَا ضَمِنَ بِنَفْسِهِ، وَفِي الْبَاقِيَيْنِ الْحَلِفُ يَرْجِعُ إلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ التَّسْلِيمُ لَا إلَى فِعْلِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ (وَإِذَا وَرِثَ عَبْدًا وَادَّعَاهُ آخَرُ اُسْتُحْلِفَ عَلَى عِلْمِهِ، لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا صَنَعَ الْمُوَرِّثُ فَلَا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ،
-
وَإِنْ وُهِبَ لَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ لِوُجُودِ الْمُطْلَقِ لِلْيَمِينِ، إذْ الشِّرَاءُ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ وَضْعًا
-
وَكَذَا الْهِبَةُ) فَإِنْ قِيلَ: الْإِرْثُ كَذَلِكَ. أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى
-
٨/٢٠٢٨/٢٠٢
قَوْلِهِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ سَبَبٌ اخْتِيَارِيٌّ يُبَاشِرُهُ بِنَفْسِهِ فَيُعْلَمُ مَا صَنَعَ
-
٨/٢٠٣٨/٢٠٣
قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا فَافْتَدَى يَمِينَهُ أَوْ صَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى عَشْرَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ) وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه .
-
قَالَ: وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا إلَخْ) وَمَنْ افْتَدَى عَنْ يَمِينِهِ أَوْ صَالَحَ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ مِثْلِ الْمَالِ الْمُدَّعَى بِهِ أَوْ أَقَلَّ جَازَ وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه وَلَفْظُ الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ. وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَأَعْطَى شَيْئًا وَافْتَدَى يَمِينَهُ وَلَمْ يَحْلِفْ، فَقِيلَ أَلَا تَحْلِفُ وَأَنْتَ صَادِقٌ؟
-
فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُوَافِقَ قَدْرَ يَمِينِي فَيُقَالُ هَذَا بِسَبَبِ يَمِينِهِ الْكَاذِبَةِ. وَذَكَرَ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ اسْتَقْرَضَ مِنْ عُثْمَانَ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَضَاهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَتَرَافَعَا إلَى عُمَرَ رضي الله عنه فِي خِلَافَتِهِ فَقَالَ الْمِقْدَادُ: لِيَحْلِفْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا يَقُولُ وَلْيَأْخُذْ سَبْعَةَ آلَافٍ فَقَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ أَنْصَفَك الْمِقْدَادُ احْلِفْ إنَّهَا كَمَا تَقُولُ وَخُذْهَا فَلَمْ يَحْلِفْ عُثْمَانُ، فَلَمَّا خَرَجَ الْمِقْدَادُ قَالَ عُثْمَانُ لِعُمَرَ: إنَّهَا كَانَتْ سَبْعَةَ آلَافٍ قَالَ فَمَا مَنَعَك أَنْ تَحْلِفَ وَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ إلَيْك؟
-
فَقَالَ عُثْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ. فَيَكُونُ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ عَلَى جَوَازِ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِي الْإِيفَاءَ عَلَى عُثْمَانَ.
-
٨/٢٠٤٨/٢٠٤
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى تِلْكَ الْيَمِينِ أَبَدًا) لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
-
وَبِهِ نَقُولُ. ثُمَّ لَمَّا بَطَلَ حَقُّهُ فِي الْيَمِينِ فِي لَفْظِ الْفِدَاءِ وَالصُّلْحِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى يَمِينَهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ لَمْ يُجْبَرْ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ، لِأَنَّ الشِّرَاءَ عَقْدُ تَمْلِيكِ الْمَالِ بِالْمَالِ وَالْيَمِينُ لَيْسَتْ بِمَالٍ.
-
٨/٢٠٥٨/٢٠٥
(بَابُ التَّحَالُفِ)
-
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الْبَيْعِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَمَنًا وَادَّعَى الْبَائِعُ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ اعْتَرَفَ الْبَائِعُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَبِيعِ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَكْثَرَ مِنْهُ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ قَضَى لَهُ بِهَا) لِأَنَّ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنْهَا (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى) لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ وَلَا تَعَارُضَ فِي الزِّيَادَةِ (وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى فِي الثَّمَنِ وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي أَوْلَى فِي الْمَبِيعِ) نَظَرًا إلَى زِيَادَةِ الْإِثْبَاتِ.