فَصْلٌ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ)
العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ٣٤٬٥١١ إلى ٣٤٬٥٨٢
-
١٠/٥١٠/٥
قَوْلُهُ (وَاللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ) يَرِدُ عَلَيْهِ لَبَنُ الْخَيْلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ حَيْثُ جَعَلَ لَبَنَهُ حَلَالًا مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ وَأَكْلَ لَحْمِهِ مُحَرَّمًا مَعَ أَنَّ لَبَنَ الْخَيْلِ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ قَيْدٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ فِيمَا لَمْ يَخْتَلِفْ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ عَدَمُ تَقْلِيلِ آلَةِ الْجِهَادِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي اللَّبَنِ فَكَانَ شُرْبُهُ مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ.
-
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» قِيلَ مَعْنَاهُ:
-
١٠/٦١٠/٦
نَهَانَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »،
-
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الشُّرْبِ فَكَذَا فِي الِادِّهَانِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَلِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِزِيِّ الْمُشْرِكِينَ وَتَنَعُّمٌ بِنِعَمِ الْمُتْرَفِينَ وَالْمُسْرِفِينَ، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: يُكْرَهُ وَمُرَادُهُ التَّحْرِيمُ وَيَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ لِعُمُومِ النَّهْيِ،
-
وَكَذَلِكَ الْأَكْلُ بِمِلْعَقَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالِاكْتِحَالُ بِمِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
-
وَكَذَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَالْمُكْحُلَةِ وَالْمِرْآةِ وَغَيْرِهِمَا لِمَا ذَكَرْنَا.
-
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ آنِيَةٍ الرَّصَاصِ وَالزُّجَاجِ
-
يُرَدِّدُ، مِنْ جَرْجَرَ الْفَحْلُ: إذَا رَدَّدَ صَوْتَهُ فِي حَنْجَرَتِهِ، وَنَارًا مَنْصُوبٌ عَلَى مَا هُوَ الْمَحْفُوظُ مِنْ الثِّقَاتِ، وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ) أَيْ لِأَنَّ الِادِّهَانَ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ فِي مَعْنَى الشُّرْبِ مِنْهَا، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اسْتِعْمَالٌ لَهَا وَالْمُحَرَّمُ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ. قِيلَ صُورَةُ الِادِّهَانِ الْمُحَرَّمِ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ آنِيَةَ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَيَصُبَّ الدُّهْنَ عَلَى الرَّأْسِ،
-
وَأَمَّا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا وَأَخَذَ الدُّهْنَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَى الرَّأْسِ مِنْ الْيَدِ لَا يُكْرَهُ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَأَرَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُكْحُلَةِ،
-
فَإِنَّ الْكُحْلَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهَا حِينَ الِاكْتِحَالِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّمَاتِ. الْمُضَبَّبُ الْمَشْدُودُ بِالضِّبَابِ جَمْعُ ضَبَّةٍ،
-
١٠/٧١٠/٧
وَالْبَلُّورِ وَالْعَقِيقِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي التَّفَاخُرِ بِهِ. قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ التَّفَاخُرُ بِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ الشُّرْبُ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالرُّكُوبُ عَلَى السَّرْجِ الْمُفَضَّضِ وَالْجُلُوسُ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْمُفَضَّضِ وَالسَّرِيرِ الْمُفَضَّضِ إذَا كَانَ يَتَّقِي مَوْضِعَ الْفِضَّةِ) وَمَعْنَاهُ: يَتَّقِي مَوْضِعَ الْفَمِ،
-
وَقِيلَ هَذَا وَمَوْضِعُ الْيَدِ فِي الْأَخْذِ وَفِي السَّرِيرِ وَالسَّرْجِ مَوْضِعُ الْجُلُوسِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ يُرْوَى مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُرْوَى مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِنَاءُ الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْكُرْسِيُّ الْمُضَبَّبُ بِهِمَا،
-
وَكَذَا إذَا جَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّيْفِ وَالْمِشْحَذِ وَحَلْقَةِ الْمَرْأَةِ، أَوْ جَعَلَ الْمُصْحَفَ مُذَهَّبًا أَوْ مُفَضَّضًا،
-
وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي اللِّجَامِ وَالرِّكَابِ وَالثَّفْرِ إذَا كَانَ مُفَضَّضًا،
-
وَكَذَا الثَّوْبُ فِيهِ كِتَابَةٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ عَلَى هَذَا، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا يَخْلُصُ، فَأَمَّا التَّمْوِيهُ الَّذِي
-
وَهِيَ حَدِيدَةٌ عَرِيضَةٌ. وَالْمِشْحَذُ: الْمِسَنُّ. وَالثُّفْرُ: مَا يُجْعَلُ تَحْتَ ذَنَبِ الدَّابَّةِ.
-
١٠/٨١٠/٨
لَا يَخْلُصُ فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ. لَهُمَا أَنَّ مُسْتَعْمِلَ جُزْءٍ مِنْ الْإِنَاءِ مُسْتَعْمِلَ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ فَيُكْرَهُ، كَمَا إذَا اسْتَعْمَلَ مَوْضِعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّوَابِعِ فَلَا يُكْرَهُ. كَالْجُبَّةِ الْمَكْفُوفَةِ بِالْحَرِيرِ وَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ وَمِسْمَارِ الذَّهَبِ فِي الْفَصِّ.
-
قَالَ (وَمَنْ أَرْسَلَ أَجِيرًا لَهُ مَجُوسِيًّا أَوْ خَادِمًا فَاشْتَرَى لَحْمًا فَقَالَ اشْتَرَيْته مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ وَسِعَهُ أَكْلُهُ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْكَافِرِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ لِصُدُورِهِ عَنْ عَقْلٍ وَدِينٍ يُعْتَقَدُ فِيهِ حُرْمَةُ الْكَذِبِ
-
وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَى قَبُولِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْمُعَامَلَاتِ
-
(وَإِنْ كَانَ
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّوَابِعِ) حُكِيَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَتْ فِي دَارِ أَبِي جَعْفَرٍ الدَّوَانِقِيِّ بِحَضْرَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَئِمَّةِ عَصْرِهِ رحمهم الله ، فَقَالَتْ الْأَئِمَّةُ: يُكْرَهُ، فَقِيلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: إنْ وَضَعَ فَمَه عَلَى الْفِضَّةِ يُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا، فَقِيلَ لَهُ: مَا الْحُجَّةُ فِيهِ؟
-
فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ فِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ فِضَّةٌ فَشَرِبَ مِنْ كَفِّهِ أَيُكْرَهُ؟ فَوَقَفَ كُلُّهُمْ وَتَعَجَّبَ أَبُو جَعْفَرٍ.
-
قَالَ (وَمَنْ أَرْسَلَ أَجِيرًا لَهُ مَجُوسِيًّا إلَخْ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ.
-
١٠/٩١٠/٩
غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ) مَعْنَاهُ: إذَا كَانَ ذَبِيحَةَ غَيْرِ الْكِتَابِيِّ وَالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَبِلَ قَوْلَهُ فِي الْحِلِّ أَوْلَى أَنْ يَقْبَلَ فِي الْحُرْمَةِ.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِي الْهَدِيَّةِ وَالْإِذْنِ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ وَالصَّبِيِّ) ؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا تُبْعَثُ عَادَةً عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ،
-
وَكَذَا لَا يُمْكِنُهُمْ اسْتِصْحَابُ الشُّهُودِ عَلَى الْإِذْنِ عِنْدَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالْمُبَايَعَةِ فِي السُّوقِ،
-
فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا قَالَتْ جَارِيَةٌ لِرَجُلٍ بَعَثَنِي مَوْلَايَ إلَيْك هَدِيَّةً وَسِعَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا أَخْبَرَتْ بِإِهْدَاءِ الْمَوْلَى غَيْرَهَا أَوْ نَفْسَهُ لِمَا قُلْنَا (قَالَ وَيُقْبَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ قَوْلُ الْفَاسِقِ،
-
وَلَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ إلَّا قَوْلُ الْعَدْلِ) ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمُعَامَلَاتِ يَكْثُرُ وُجُودُهَا فِيمَا بَيْنَ أَجْنَاسِ النَّاسِ،
-
فَلَوْ شَرَطْنَا شَرْطًا زَائِدًا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ
-
فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ فِيهَا عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا
-
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ لِمَا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحِلِّ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ وَسِعَهُ أَكْلُهُ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْحِلَّ لَا مَحَالَةَ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ فِي الْحُرْمَةِ، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مُرَجَّحَةٌ عَلَى الْحِلِّ دَائِمًا، وَأَتَى بِرِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ فِيهَا نَفْسُ الْجَارِيَةِ.
-
وَقَوْلُهُ (لِمَا قُلْنَا) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْهَدَايَا تُبْعَثُ عَادَةً عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ.
-
١٠/١٠١٠/١٠
كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا عَبْدًا أَوْ حُرًّا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى دَفْعًا لِلْحَرَجِ. أَمَّا الدِّيَانَاتُ فَلَا يَكْثُرُ وُقُوعُهَا حَسَبِ وُقُوعِ الْمُعَامَلَاتِ فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهَا زِيَادَةَ شَرْطٍ،
-
فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا قَوْلُ الْمُسْلِمِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ مُتَّهَمٌ وَالْكَافِرَ لَا يَلْتَزِمُ الْحُكْمَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُسْلِمَ،
-
بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُمْكِنُهُ الْمَقَامُ فِي دِيَارِنَا إلَّا بِالْمُعَامَلَةِ.
-
وَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ الْمُعَامَلَةُ إلَّا بَعْدَ قَبُولِ قَوْلِهِ فِيهَا فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةً،
-
وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَسْتُورِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ وَالْفَاسِقُ فِيهِ سَوَاءٌ حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهِمَا أَكْبَرُ الرَّأْيِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا) أَيْ فِي الْعِبَادَاتِ (قَوْلُ الْمَسْتُورِ) وَقَوْلُهُ (جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَحَدِ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ لِيَكُونَ الْخَبَرُ مُلْزِمًا وَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ فَبَقِيَ اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ.
-
وَقَوْلُهُ (حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ (أَكْبَرُ الرَّأْيِ) .
-
١٠/١١١٠/١١
قَالَ (وَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالْأَمَةِ إذَا كَانُوا عُدُولًا) ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الْعَدَالَةِ الصِّدْقُ رَاجِحٌ وَالْقَبُولُ لِرُجْحَانِهِ.
-
فَمِنْ الْمُعَامَلَاتِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمِنْهَا التَّوْكِيلُ.
-
وَمِنْ الدِّيَانَاتِ الْإِخْبَارُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ حَتَّى إذَا أَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ مَرْضِيٌّ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ،
-
وَلَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورًا تَحَرَّى،
-
فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ،
-
وَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ ثُمَّ تَيَمَّمَ كَانَ أَحْوَطَ، وَمَعَ الْعَدَالَةِ يَسْقُطُ احْتِمَالُ الْكَذِبِ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِيَاطِ بِالْإِرَاقَةِ، أَمَّا التَّحَرِّي فَمُجَرَّدُ ظَنٍّ.
-
وَلَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الْكَذِبِ بِالتَّحَرِّي، وَهَذَا جَوَابُ الْحُكْمِ.
-
فَأَمَّا فِي الِاحْتِيَاطِ فَيَتَيَمَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِمَا قُلْنَا. وَمِنْهَا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَوَالُ الْمِلْكِ، وَفِيهَا تَفَاصِيلُ وَتَفْرِيعَاتٌ ذَكَرْنَاهَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى.
-
وَقَوْلُهُ (وَيُقْبَلُ فِيهَا) أَيْ فِي الدِّيَانَاتِ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْحَرِّ وَالْأَمَةِ، لِأَنَّ خَبَرَ هَؤُلَاءِ فِي أُمُورِ الدِّينِ كَخَبَرِ الْحُرِّ إذَا كَانُوا عُدُولًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ لِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ بِنَفْسِهِ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْغَيْرِ.
-
وَقَوْلُهُ (مَا ذَكَرْنَاهُ) إشَارَةٌ إلَى الْهَدِيَّةِ وَالْإِذْنِ، وَقَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ) يَعْنِي حُكْمًا لَا فِي الِاحْتِيَاطِ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي التَّيَمُّمِ بَعْدَ الْوُضُوءِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، قِيلَ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ. وَقَوْلُهُ (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ أَمَّا التَّحَرِّي فَمُجَرَّدُ ظَنٍّ فَفِيهِ احْتِمَالُ الْخَطَأِ، وَقَوْلُهُ (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الدِّيَانَاتِ (الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ) يُقْبَلُ فِيهِمَا خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ زَوَالَ الْمِلْكِ كَالْإِخْبَارِ بِحُرْمَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْعَدْلِ فَلَا يَحِلُّ الْأَكْلُ وَلَا الْإِطْعَامُ لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ، لِأَنَّ بُطْلَانَ الْمِلْكِ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِهِ.
-
وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بُطْلَانُ الْمِلْكِ.
-
وَأَمَّا إذَا تَضَمَّنَ زَوَالَهُ فَلَا يُقْبَلُ، كَمَا إذَا أَخْبَرَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ عَدْلٌ لِلزَّوْجَيْنِ بِأَنَّهُمَا ارْتَضَعَا مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ هَاهُنَا مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فَكَانَ مُتَضَمِّنًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا قُبِلَ قَوْلُهُ
-
١٠/١٢١٠/١٢
قَالَ (وَمَنْ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ أَوْ طَعَامٍ فَوَجَدَ ثَمَّةَ لَعِبًا أَوْ غِنَاءً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله : اُبْتُلِيت بِهَذَا مَرَّةً فَصَبَرْت. وَهَذَا لِأَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ. قَالَ عليه الصلاة والسلام «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» فَلَا يَتْرُكُهَا لِمَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنْ الْبِدْعَةِ مِنْ غَيْرِهِ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَاجِبَةُ الْإِقَامَةِ وَإِنْ حَضَرَتْهَا نِيَاحَةٌ،
-
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْمَنْعِ مَنَعَهُمْ،
-
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ يَصْبِرْ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى بِهِ،
-
فَإِنْ كَانَ مُقْتَدًى وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ يَخْرُجُ وَلَا يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ شِينُ الدِّينِ وَفَتْحُ بَابِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي الْكِتَابِ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُقْتَدًى بِهِ،
-
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْمَائِدَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْعُدَ،
-
أَيْ قَوْلُ الْمَجُوسِيِّ فِي الْحِلِّ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ فِي الْحُرْمَةِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَدَالَةَ فِي الْخَبَرِ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ غَيْرُ شَرْطٍ فَكَانَ كَلَامُهُ مُتَنَاقِضًا. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ ضِمْنِيًّا، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا،
-
فَلَا تَنَاقُضَ لِأَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا مَا كَانَ قَصْدِيًّا.
-
قَالَ (وَمَنْ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ أَوْ طَعَامٍ إلَخْ) قِيلَ الْوَلِيمَةُ طَعَامُ الْعُرْسِ وَالْغِنَاءُ بِالْكَسْرِ السَّمَاعُ. قَوْلُهُ (كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ) قِيلَ عَلَيْهِ إنَّهُ قِيَاسُ السُّنَّةِ عَلَى الْفَرْضِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَحْذُورِ لِإِقَامَةِ الْفَرْضِ تَحَمُّلُهُ لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ لِوُرُودِ الْوَعِيدِ عَلَى تَارِكِهَا، قَالَ ﷺ «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: وَجْهُ التَّشْبِيهِ اقْتِرَانُ الْعِبَادَةِ بِالْبِدْعَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ صِفَةِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ.
-
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْمَنْعِ مَنَعَهُمْ،
-
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ يَصْبِرُ) لِيَكُونَ عَامِلًا بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَائِدَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْعُدَ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ إنَّمَا جَازَ إذَا كَانَ الْغِنَاءُ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَائِدَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمَعِيَّةِ.
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْمَائِدَةِ
-
١٠/١٤١٠/١٤
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْحُضُورِ،
-
وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْحُضُورِ لَا يَحْضُرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا هَجَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَلَاهِيَ كُلَّهَا حَرَامٌ حَتَّى التَّغَنِّي بِضَرْبِ الْقَضِيبِ.
-
كَانَ قَاعِدًا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَقَوْلُهُ (وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَلَاهِيَ كُلَّهَا حَرَامٌ) لِأَنَّ مُحَمَّدًا رحمه الله أَطْلَقَ اسْمَ اللَّعِبِ وَالْغِنَاءِ بِقَوْلِهِ فَوُجِدَ ثَمَّةَ اللَّعِبُ وَالْغِنَاءُ فَاللَّعِبُ وَهُوَ اللَّهْوُ حَرَامٌ. لَا يُقَالُ: الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ وَالْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِحَرَامٍ؛
-
لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ بَعْضُ اللَّهْوِ، وَاللَّعِبُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهُوَ مَا اسْتَثْنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ «لَهْوُ الْمُؤْمِنِ بَاطِلٌ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَأْدِيبِهِ لِفَرَسِهِ، وَرَمْيِهِ عَنْ قَوْسِهِ، وَمُلَاعَبَتِهِ مَعَ أَهْلِهِ» . وَقَوْلُهُ (بِضَرْبِ الْقَضِيبِ) عَنَى بِهِ خَشَبَ الْحَارِسِ.
-
١٠/١٦١٠/١٦
وَكَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله اُبْتُلِيت، لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالْمُحَرَّمِ يَكُونُ.
-
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ.