بَابُ صَلَاةِ الْوِتْرِ
العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ٣٬٤٤٢ إلى ٣٬٥٧٢
-
١/٤٢٣١/٤٢٣
(الْوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَقَالَا سُنَّةٌ) لِظُهُورِ آثَارِ السُّنَنِ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤَذَّنُ
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمَفْرُوضَاتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ بَيَانِ أَوْقَاتِهَا وَكَيْفِيَّةِ أَدَائِهَا وَالْأَدَاءِ الْكَامِلِ وَالْقَاصِرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ صَلَاةٍ هِيَ دُونَ الْفَرْضِ وَفَوْقَ النَّفْلِ وَهِيَ صَلَاةُ الْوِتْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ إيرَادُ النَّوَافِلِ بَعْدَهَا لِيَكُونَ الْوَاجِبُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ كَمَا هُوَ حَقُّهُ (الْوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) قِيلَ لَيْسَ فِي الْوِتْرِ رِوَايَةٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الظَّاهِرِ، وَلَكِنْ رَوَى يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَرَوَى نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رحمهم الله ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ
-
١/٤٢٤١/٤٢٤
لَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ
-
عَنْهُ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَبِهِ أَخَذَ زُفَرُ، قَالُوا: أَظْهَرُ آثَارِ السُّنَنِ فِيهَا حَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ فَيَكُونُ سُنَّةً، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ،
-
فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ ظَهَرَ آثَارُ الْوَاجِبَاتِ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ فَيَكُونُ وَاجِبًا كَصَلَاةِ الْعِيدِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ سَلَّمْنَا لَكِنَّ الْمَجْمُوعَ مِنْ آثَارِ السُّنَنِ،
-
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَيْسَ لَهَا أَذَانٌ بَلْ قَوْلُهُمْ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ أَذَانٌ لَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ» رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ الْغِفَارِيُّ.
-
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ أَضَافَ الزِّيَادَةَ إلَى اللَّهِ، وَالسُّنَنُ إنَّمَا تُضَافُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ زَادَكُمْ وَالزِّيَادَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهَا مَحْصُورَةٌ بَعْدَ لَا فِي النَّوَافِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهَا. وَالثَّالِثُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الشَّيْءِ
-
١/٤٢٥١/٤٢٥
الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» أَمْرٌ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ
-
إنَّمَا تَتَحَقَّقُ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: زَادَ فِي ثَمَنِهِ إذَا وَهَبَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً،
-
وَلَا يُقَالُ: زَادَ عَلَى الْهِبَةِ إذَا بَاعَ وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ فَرْضٌ فَكَذَا الزَّائِدُ إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ قَطْعِيٍّ فَصَارَ وَاجِبًا.
-
وَالرَّابِعُ الْأَمْرُ فَإِنَّهُ لِلْوُجُوبِ
-
١/٤٢٦١/٤٢٦
وَلِهَذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِأَنَّ وُجُوبَهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَهُوَ يُؤَدَّى فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَاكْتَفَى بِأَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ.
-
قَالَ (الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لَا يُفْصَلُ بَيْنهنَّ بِسَلَامٍ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ»
-
قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْوِتْرِ وَاجِبًا (وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْإِجْمَاعِ) فَإِنَّ السُّنَنَ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا بِالْإِجْمَاعِ: قِيلَ الْمُرَادُ بِالْإِجْمَاعِ إجْمَاعُ أَصْحَابِنَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى خَارِجَ الْوَقْتِ.
-
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقْضَى.
-
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْإِجْمَاعِ إجْمَاعُ السَّلَفِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِطَرِيقِ الْآحَادِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَمْ يَكْفُرْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا حَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْجَاحِدَ إنَّمَا يَكْفُرُ إذَا كَانَ الدَّلِيلُ قَطْعِيًّا وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّ وُجُوبَهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ) يَعْنِي غَيْرَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ، وَكَلَامُهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ وُجُوبَهُ لَوْ ثَبَتَ بِغَيْرِ السُّنَّةِ كَفَرَ جَاحِدُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛
-
لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فَرْضًا لَا وَاجِبًا. وَفِي الْجُمْلَةِ كَلَامُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَخْلُو عَنْ تَسَامُحٍ وَلِكُلِّ جَوَادٍ كَبْوَةٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ وُجُوبِهِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ هُوَ (الْمَعْنِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ) وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ يُؤَدَّى فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَاكْتَفَى بِأَذَانِهِ) أَيْ أَذَانِ الْعِشَاءِ (وَإِقَامَتِهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ وَقَدْ عَلِمْت مَا وَرَدَ عَلَيْهِ.
-
قَالَ (الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ) الْوِتْرُ عِنْدَنَا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ (لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي قَوْلٍ يُوتِرُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» وَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ
-
١/٤٢٧١/٤٢٧
وَحَكَى الْحَسَنُ رحمه الله إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الثَّلَاثِ، هَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله ، وَفِي قَوْلٍ يُوتِرُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ
-
- رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ» وَحَكَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الثَّلَاثِ) وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالْعَبَادِلَةِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَأَى سَعِيدًا يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْبُتَيْرَاءُ لَتَشْفَعَنَّهَا أَوْ لَأُؤَدِّبَنَّك. إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ الْأَثَرَ اُشْتُهِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْبُتَيْرَاءِ. قِيلَ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا رُوِيَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ لَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ.
-
فَإِنْ قِيلَ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
-
١/٤٢٨١/٤٢٨
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رحمه الله ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا رَوَيْنَاهُ
-
(وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله بَعْدَهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَنَتَ فِي آخَرِ الْوِتْرِ» وَهُوَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ»
-
قَالَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» وَرُوِيَ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَبِتِسْعٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ فَمَا وَجْهُ ذَلِكَ؟. أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْوِتْرِ أَوْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ يَتَنَفَّلُ بِالرَّكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِالثَّلَاثِ وَكَذَا غَيْرُهُ.
-
(وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) فِي قَوْلِهِ الَّذِي يُوَافِقُنَا فِيهِ عَلَى الثَّلَاثِ يَقْنُتُ فِيهَا (بَعْدَ الرُّكُوعِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَنَتَ فِي آخِرِ الْوِتْرِ وَهُوَ بَعْدَ الرُّكُوعِ) وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ
-
١/٤٢٩١/٤٢٩
وَمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الشَّيْءِ آخِرُهُ
-
ابْنُ مَسْعُودٍ بَعَثَ أَمَةً لِتُرَاقِبَ وِتْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْت لَهُ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، قَرَأَ فِي الْأُولَى بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ بِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِثَةِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ
-
١/٤٣٠١/٤٣٠
وَيَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله
-
وَهَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْجَوَابُ عَمَّا رُوِيَ أَنَّهُ قَنَتَ فِي آخِرِ الْوِتْرِ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الشَّيْءِ فَهُوَ آخِرُهُ.
-
(وَيَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَقْنُتُ
-
١/٤٣١١/٤٣١
فِي غَيْرِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ «لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام
-
فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ لَا غَيْرُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ بِالْإِمَامَةِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ،
-
١/٤٣٢١/٤٣٢
لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه حِينَ عَلَّمَهُ دُعَاءَ الْقُنُوتِ
-
وَأَمَرَ بِالْقُنُوتِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْهُ. وَلَنَا قَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام
-
١/٤٣٣١/٤٣٣
اجْعَلْ هَذَا فِي وِتْرِك» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ (وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ الْوِتْرِ (فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى
-
لِلْحَسَنِ حِينَ عَلَّمَهُ دُعَاءَ الْقُنُوتِ (اجْعَلْ هَذَا فِي وِتْرِك مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ) وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ طُولُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُنُوتُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ فَذَلِكَ أَثَرُ الصَّحَابِيِّ. وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِهِ.
-
لَا يُقَالُ: إنَّمَا احْتَجَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إجْمَاعٌ مَعْنًى،
-
فَإِنَّ أُبَيًّا كَانَ يَوْمًا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ خِلَافَ ابْنِ عُمَرَ قَدْ ثَبَتَ حَيْثُ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْقُنُوتَ إلَّا طُولَ الْقِيَامِ، وَمَعَ خِلَافِهِ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ (وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْوِتْرِ) بِالْإِجْمَاعِ، أَمَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ،
-
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّ وُجُوبَهُ لَمَّا كَانَ بِالسُّنَّةِ وَجَبَ الْقِرَاءَةُ فِي الْجَمِيعِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْقَطْعَ.
-
وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ إنَّمَا هُوَ عَلَى وُجُوبِ مُطْلَقِ الْقِرَاءَةِ،
-
وَأَمَّا عَلَى تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ وَضَمِّ سُورَةٍ إلَيْهَا فَلَا دَلَالَةَ لِلْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ نَعَمْ مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ،
-
وَأَمَّا إنَّهُ لَا يُعَيِّنُ سُورَةً بِعَيْنِهَا يَقْرَؤُهَا عَلَى الدَّوَامِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ،
-
وَلَوْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي بَعْضِ
-
١/٤٣٤١/٤٣٤
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ كَبَّرَ) لِأَنَّ الْحَالَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ (وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَنَتَ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَذَكَرَ مِنْهَا الْقُنُوتَ (وَلَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي الْفَجْرِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ « رضي الله عنه أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا»
-
الْأَوْقَاتِ كَانَ حَسَنًا (وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ كَبَّرَ؛ لِأَنَّ الْحَالَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ) مِنْ حَقِيقَةِ الْقِرَاءَةِ إلَى شَبِيهَتِهَا، وَالتَّكْبِيرَاتُ شُرِعَتْ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْحَالَاتِ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ اخْتِلَافِهَا أَفْعَالًا كَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ لَا أَقْوَالًا، أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ الِانْتِقَالِ مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ إلَى الْقِرَاءَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْحَالَةُ مِنْ الثَّنَاءِ إلَى الْقِرَاءَةِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ رَفْعُ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَرَفْعُهُمَا بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ فَكَانَ التَّكْبِيرُ ثَابِتًا بِهِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ بِالْأَثَرِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي خِلَافَهُ؛
-
لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ.
-
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَوَاطِنَ السَّبْعَةَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي سَبْعٍ وَإِنْ كَانَ الْمَوَاطِنُ مُذَكَّرًا عَلَى تَأْوِيلِ الْبِقَاعِ، وَالْمُرَادُ بِنَفْيِ رَفْعَ الْأَيْدِي عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ أَلَّا تُرْفَعَ عَلَى وَجْهِ سُنَّةِ الْهُدَى إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ لَا نَفِيهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ رَفْعَهَا عِنْدَ الدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ وَعَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي عَامَّةِ الْبُلْدَانِ، وَلَيْسَ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مُعَيَّنٌ سِوَى قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك،
-
فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا فِي الْقُنُوتِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِمَا عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فِي قُنُوتِهِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت إلَخْ،
-
وَلَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
-
قَالَ أَبُو نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَفِي غَيْرِهَا إنْ حَدَثَتْ حَادِثَةٌ،
-
فَإِنْ لَمْ تَحْدُثْ فَلَهُ قَوْلَانِ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا» وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ» وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ
-
١/٤٣٥١/٤٣٥
ثُمَّ تَرَكَهُ (فَإِنْ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَسْكُتُ مَنْ خَلْفَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله يُتَابِعُهُ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ، وَالْقُنُوتُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا مُتَابَعَةَ فِيهِ،
-
ثُمَّ قِيلَ يَقِفُ قَائِمًا لِيُتَابِعَهُ فِيمَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ،
-
وَقِيلَ يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ لِأَنَّ السَّاكِتَ شَرِيكُ الدَّاعِي وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ
-
«قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا» أَوْ قَالَ «أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَدْعُو عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ حِينَ قَتَلُوا الْقُرَّاءَ وَهْم سَبْعُونَ رَجُلًا أَوْ ثَمَانُونَ» وَقِيلَ فَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ تَرَكَ ذَلِكَ (فَإِنْ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَسْكُتُ مَنْ خَلْفَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُتَابِعُهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُتَابَعَةُ (وَالْقُنُوتُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ) فَلَا يُتْرَكُ الْأَصْلُ بِالشَّكِّ (وَلَهُمَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ) لِمَا رَوَيْنَا أَنَّهُ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَ (وَلَا مُتَابَعَةَ فِي الْمَنْسُوخِ) وَإِذَا لَمْ يُتَابِعْهُ مَاذَا يَفْعَلُ (قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقِفُ قَائِمًا لِيُتَابِعَهُ فِيمَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ،
-
وَقِيلَ يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّ السَّاكِتَ شَرِيكُ الدَّاعِي) أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُقْتَدِيَ لَا يَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ وَهُوَ شَرِيكُ الْإِمَامِ. لَا يُقَالُ: كَيْفَ يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ وَهِيَ مُفْسِدَةٌ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيمَا هُوَ مِنْ الْأَرْكَانِ أَوْ الشَّرَائِطِ مُفْسِدَةٌ لَا فِي غَيْرِهَا.
-
وَلَا يُقَالُ: السَّاكِتُ إذَا كَانَ شَرِيكَ الدَّاعِي يَنْبَغِي أَلَّا يَقْعُدَ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ مَوْجُودٌ فِي الْقُعُودِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلَ الشَّرِكَةِ. إذَا لَمْ تُوجَدْ الْمُخَالَفَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ؛ لِأَنَّهُ قَاعِدٌ وَإِمَامُهُ قَائِمٌ.
-
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ) ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَشْرُوعٍ وَغَيْرِهِ، فَمَا كَانَ مَشْرُوعًا يَتْبَعُهُ فِيهِ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ لَا يَتْبَعُهُ فِيهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَلِّمُ قَبْلَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ اشْتَغَلَ بِالْبِدْعَةِ
-
١/٤٣٦١/٤٣٦
وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّفْعَوِيَّةِ وَعَلَى الْمُتَابَعَةِ فِي قِرَاءَةِ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ
-
فَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْإِمَامِ فِيمَا هُوَ مَشْرُوعٌ وَهُوَ السَّلَامُ.
-
(وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّفْعَوِيَّةِ) يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ اقْتِدَاءَ حَنَفِيِّ الْمَذْهَبِ بِشَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ جَائِزٌ.
-
وَالثَّانِي أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يُتَابِعُ إمَامَهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُتَابَعَةِ فِي قُنُوتِ الْفَجْرِ مَعَ أَنَّهُ اتِّبَاعٌ فِي الْخَطَإِ إجْمَاعٌ عَلَى الْمُتَابَعَةِ فِي الدُّعَاءِ الْمَسْنُونِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ صَوَابٌ بِيَقِينٍ. وَقَالَ أَبُو الْيُسْرِ: الِاقْتِدَاءُ بِشَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ غَيْرُ جَائِزٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْعَنَ فِي دِينِهِمْ؛
-
لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ النَّسَفِيُّ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ الشُّعَاعُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَجَعَلَ ذَلِكَ عَمَلًا كَثِيرًا، فَصَلَاتُهُمْ
-
١/٤٣٧١/٤٣٧
وَإِذَا عَلِمَ الْمُقْتَدِي مِنْهُ مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ كَالْفَصْدِ وَغَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ
-
فَاسِدَةٌ عِنْدَنَا فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ فِي الِابْتِدَاءِ لِجَوَازِ صَلَاةِ الْإِمَامِ إذْ ذَاكَ،
-
ثُمَّ قَوْلُهُ: بِالشَّفْعَوِيَّةِ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ؛ لِأَنَّ النِّسْبَةَ إلَى الشَّافِعِيِّ شَافِعِيٌّ بِحَذْفِ يَاءِ النِّسْبَةِ مِنْ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ:
-
(وَإِذَا عَلِمَ الْمُقْتَدِي مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ) يَعْنِي أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا تَحَامَى مَوَاضِعَ الْخِلَافِ بِأَنْ يَتَوَضَّأَ فِي الْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَبِأَلَّا يَنْحَرِفَ عَنْ الْقِبْلَةِ
-
١/٤٣٨١/٤٣٨
وَالْمُخْتَارُ فِي الْقُنُوتِ الْإِخْفَاءُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
(بَابُ النَّوَافِلِ)
-
انْحِرَافًا فَاحِشًا، وَلَا يَكُونُ شَاكًّا فِي إيمَانِهِ، وَأَلَّا يَتَوَضَّأَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الْقَلِيلِ،
-
وَأَنْ يَغْسِلَ ثَوْبَهُ مِنْ الْمَنِيِّ إنْ كَانَ رَطْبًا أَوْ يَفْرُكَ الْيَابِسَ مِنْهُ، وَأَلَّا يَقْطَعَ الْوِتْرَ، وَيُرَاعِيَ التَّرْتِيبَ فِي الْفَوَائِتِ وَأَنْ يَمْسَحَ رُبْعَ رَأْسِهِ،
-
فَإِنْ عَلِمَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ جَازَ وَيُكْرَهُ. هَذَا حُكْمُ الْفَسَادِ الرَّاجِعِ إلَى زَعْمِ الْمُقْتَدِي، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْفَسَادِ الرَّاجِعِ إلَى زَعْمِ الْإِمَامِ.
-
وَقَدْ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ إنَّ الْمُقْتَدِيَ إنْ رَأَى إمَامَهُ مَسَّ امْرَأَةً وَلَمْ يَتَوَضَّأْ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ مَشَايِخِنَا جَوَّزُوهُ.
-
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَقَوْلُ الْهِنْدُوَانِيِّ أَقْيَسُ لِمَا أَنَّ زَعْمَ الْإِمَامِ أَنَّ صَلَاتَهُ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ حِينَئِذٍ بِنَاءُ الْمَوْجُودِ عَلَى الْمَعْدُومِ فِي زَعْمِ الْإِمَامِ وَهُوَ الْأَصْلُ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ (وَالْمُخْتَارُ فِي الْقُنُوتِ الْإِخْفَاءِ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْقَانِتُ إمَامًا أَوْ مُقْتَدِيًا أَوْ مُنْفَرِدًا (لِأَنَّهُ دُعَاءٌ) وَخَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ؛
-
لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك أَنَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ لَا.
-
(بَابُ النَّوَافِلِ) :
-
١/٤٣٩١/٤٣٩
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ، وَتَرْجَمَ الْبَابَ بِالنَّوَافِلِ لِكَوْنِهَا أَعَمَّ
-
١/٤٤٠١/٤٤٠
وَأَشْمَلَ وَقَدَّمَ السُّنَنَ عَلَى النَّوَافِلِ وَهُوَ فِي مَحَزِّهِ، وَابْتَدَأَ بِذِكْرِ سُنَّةِ الْفَجْرِ لِكَوْنِهَا أَقْوَى، قَالَ ﷺ «صَلُّوهَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» أَوْ لِيُنَاسِبَ ذِكْرَ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ وَقْتِ الْفَجْرِ عَلَى غَيْرِهِ.
-
وَفِي الْمَبْسُوطِ قَدَّمَ ذِكْرَ سُنَّةِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ، وَأَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةُ الظُّهْرِ.
-
ثُمَّ اُخْتُلِفَ بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ فِي الْأَقْوَى، فَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: سُنَّةُ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدَعْهَا فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ،
-
ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ لِكَوْنِهَا مُتَّفَقًا عَلَيْهَا وَاَلَّتِي قَبْلَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا،
-
ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الْعِشَاءِ،
-
ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ،
-
ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعَصْرِ،
-
ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعِشَاءِ.
-
وَقِيلَ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ آكَدُ مِنْ غَيْرِهَا بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ، قِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ
-
١/٤٤١١/٤٤١
(السُّنَّةُ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ)
-
(وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَانِ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ،
-
وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا،
-
وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» وَفَسَّرَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ،
-
؛ لِأَنَّ فِيهَا وَعِيدًا مَعْرُوفًا، قَالَ ﷺ «مَنْ تَرَكَ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: الْأَفْضَلُ فِي السُّنَنِ أَدَاؤُهَا فِي الْمَنْزِلِ إلَّا التَّرَاوِيحَ؛ لِأَنَّ فِيهَا إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ.
-
وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ،
-
وَلَا تَخْتَصُّ الْفَضِيلَةُ بِوَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ مَا يَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ الرِّيَاءِ وَأَجْمَعَ لِلْإِخْلَاصِ،
-
ثُمَّ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: ﷺ مَنْ ثَابَرَ) وَالْمُثَابَرَةُ الْمُوَاظَبَةُ فَإِنَّ السُّنَّةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ تَرْكٍ (وَفَسَّرَ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ)
-
١/٤٤٢١/٤٤٢
غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعَصْرِ فَلِهَذَا سَمَّاهُ فِي الْأَصْلِ حَسَنًا وَخَيَّرَ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْأَرْبَعُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَلِهَذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَفِي غَيْرِهِ ذَكَرَ الْأَرْبَعَ فَلِهَذَا خُيِّرَ،
-
يَعْنِي الْمَبْسُوطَ أَوْ مُخْتَصَرَ الْقُدُورِيِّ.
-
قَوْلُهُ: (غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعَصْرِ) بَيَانُ مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ الْمُثَابَرَةِ،
-
فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ زَائِدٌ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَقَوْلُهُ: (فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ) أَيْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعَصْرِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْأَصْلِ (حَسَنًا وَخَيَّرَ) بِقَوْلِهِ وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ (لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ) ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» وَعَلِيًّا قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ» قَوْلُهُ: (وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْأَرْبَعُ) ؛
-
لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَدَدًا وَأَدْوَمُ تَحْرِيمَةً فَكَانَ أَكْثَرَ ثَوَابًا. وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَلِهَذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ) وَفِي كَلَامِهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَلِهَذَا: أَيْ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: أَيْ النَّبِيُّ ﷺ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعِشَاءِ كَانَ مُسْتَحَبًّا " فَقَوْلُهُ: لِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ عِلَّةٌ أُخْرَى لِكَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ الْمُثَابَرَةِ لِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ (وَذَكَرَ فِيهِ) أَيْ فِي حَدِيثِ الْمُثَابَرَةِ (رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ حَدِيثِ الْمُثَابَرَةِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كُنَّ كَمِثْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ» (ذَكَرَ الْأَرْبَعَ فَلِهَذَا) أَنْ فَلِلِاخْتِلَافِ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَالرَّكْعَتَيْنِ (خَيَّرَ)
-
١/٤٤٣١/٤٤٣
إلَّا أَنَّ الْأَرْبَعَ أَفْضَلُ خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ
-
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَوْ الْقُدُورِيُّ بِقَوْلِهِ وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّ الْأَرْبَعَ أَفْضَلُ خُصُوصًا إلَخْ) إشَارَةً إلَى مَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ،
-
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، وَجَعَلَ هَذِهِ فَرْعًا لِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ
-
١/٤٤٤١/٤٤٤
عِنْدَنَا، كَذَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ
-
مَثْنَى مَثْنَى أَفْضَلُ أَوْ أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَهُ الْأَرْبَعُ أَفْضَلُ وَعِنْدَهُمَا مَثْنَى مَثْنَى، وَهِيَ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَمْ يَعُدَّهُ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَقَّتَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا (كَذَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ ) رَوَى أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الزَّوَالِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقُلْت: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي تُدَاوِمُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَذِهِ سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَأُحِبُّ
-
١/٤٤٥١/٤٤٥
قَالَ (وَنَوَافِلُ النَّهَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى بِتَسْلِيمَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا) وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ.
-
أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ، فَقُلْت: أَفِي كُلِّهِنَّ قِرَاءَةٌ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقُلْت: أَبِتَسْلِيمَةٍ أَمْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، فَقَالَ: بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُؤَدِّيهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهِنَّ بِتَسْلِيمَتَيْنِ» . وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِتَسْلِيمَتَيْنِ: أَيْ بِتَشَهُّدَيْنِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْحَالِ وَإِرَادَةِ الْمَحَلِّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا التَّأْوِيلُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَالنَّهَارِ غَرِيبٌ، وَلَئِنْ ثَبَتَ فَمَعْنَاهُ شَفْعٌ لَا وَاحِدَةٌ نَفْيًا لِلْبُتَيْرَاءِ.
-
قَالَ (وَنَوَافِلُ النَّهَارِ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَمِّيَّةِ التَّنَفُّلِ لَيْلًا وَنَهَارًا بِحَسَبِ الْإِبَاحَةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ، فَأَمَّا الْإِبَاحَةُ
-
١/٤٤٦١/٤٤٦
وَأَمَّا نَافِلَةُ اللَّيْلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةِ جَازَ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ،
-
فِي النَّهَارِ فَهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ أَرْبَعًا، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ.
-
وَأَمَّا فِي اللَّيْلِ فَأَنْ يُصَلِّيَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: لَا فَائِدَةَ فِي تَخْصِيصِهِ أَبَا حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ كِلَا الْحُكْمَيْنِ الْجَوَازُ فِي نَافِلَةِ اللَّيْلِ إلَى الثَّمَانِ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَالْكَرَاهَةُ فِيمَا وَرَاءَهَا اتِّفَاقٌ فِي عَامَّةِ رِوَايَةِ الْكُتُبِ.
-
وَقُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ أَبِي حَنِيفَةَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ،
-
وَلَوْ زَادَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ.
-
١/٤٤٧١/٤٤٧
وَقَالَا: لَا يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يَذْكُرْ الثَّمَانِيَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْلَا الْكَرَاهَةُ لَزَادَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، وَالْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ
-
وَقَوْلُهُ: (وَقَالَا لَا يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ الْأَفْضَلِيَّةُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِمَا لَيْسَتْ بِمَكْرُوهَةٍ بِالِاتِّفَاقِ فِي اللَّيْلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
-
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يَذْكُرْ الثَّمَانِيَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ السِّتَّ.
-
وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْلَا الْكَرَاهَةُ لَزَادَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْأَصَحُّ
-
١/٤٤٨١/٤٤٨
رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَثْنَى مَثْنَى، وَفِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِيهِمَا مَثْنَى مَثْنَى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا
-
أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» فَتَكُونُ ثَمَانٍ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَثَلَاثٌ وِتْرًا وَرَكْعَتَانِ سُنَّةَ الْفَجْرِ، وَكَانَ يُصَلِّي هَذَا كُلُّهُ فِي الِابْتِدَاءِ،
-
ثُمَّ فَضَّلَ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا يُكْرَهُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
-
وَأَمَّا الْأَفْضَلِيَّةُ فَمَا ذُكِرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَثْنَى مَثْنَى، وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَثْنَى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَفِي
-
١/٤٤٩١/٤٤٩
أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ. لِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَلَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالتَّرَاوِيحِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ
-
النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَثْنَى مَثْنَى فِيهِمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ فِيهِمَا، لِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ: ﷺ
-
١/٤٥٠١/٤٥٠
رحمه الله «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا» رَوَتْهُ عَائِشَةُ رضي الله عنها ، وَكَانَ عليه الصلاة والسلام يُوَاظِبُ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي الضُّحَى، وَلِأَنَّهُ أَدْوَمُ تَحْرِيمَةً فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً وَأَزْيَدَ فَضِيلَةً لِهَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَعَلَى الْقَلْبِ يَخْرُجُ وَالتَّرَاوِيحُ تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَيُرَاعَى فِيهَا جِهَةُ التَّيْسِيرِ، وَمَعْنَى مَا رَوَاهُ شَفْعًا لَا وِتْرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
«صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَالتَّرَاوِيحُ تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ) جَوَابٌ عَنْ اعْتِبَارِهِمَا بِالتَّرَاوِيحِ فَيُرَاعَى فِيهَا جِهَةُ التَّيْسِيرِ بِالْقَطْعِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ أَدْوَمَ تَحْرِيمَةً كَانَ أَشَقَّ عَلَى النَّاسِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَعْنَى مَا رَوَاهُ شَفْعًا) جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
-
١/٤٥١١/٤٥١
(فَصْلٌ)
-
فِي الْقِرَاءَةِ (الْقِرَاءَةُ فِي الْفَرْضِ وَاجِبَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ، وَكُلُّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ تَيْسِيرًا.