بَابُ الْيَمِينِ)
العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ٢٦٬٧٩٣ إلى ٢٦٬٩٦٠
-
٨/١٧٠٨/١٧٠
لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْخَصْمَ إذَا أَنْكَرَ الدَّعْوَى وَعَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَطَلَبَ الْيَمِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْيَمِينِ. قَالَ (وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ إلَخْ) إذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَسْتَحْلِفُ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَك يَمِينُهُ»
-
٨/١٧١٨/١٧١
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ،
-
فَإِذَا طَالَبَهُ بِهِ يُجِيبُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِمَا رَوَيْنَا فَلَا يَكُونُ حَقُّهُ دُونَهُ، كَمَا إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً فِي الْمَجْلِسِ
-
فَإِذَا طَالَبَهُ بِهِ يُجِيبُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ فِي الْيَمِينِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ «قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِلْمُدَّعِي أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: لَك يَمِينُهُ» فَإِنَّهُ عليه الصلاة والسلام ذَكَرَ الْيَمِينَ بَعْدَمَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ
-
٨/١٧٢٨/١٧٢
وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ. قَالَ (وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» قَسَمَ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ، وَجَعَلَ جِنْسَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ
-
فَلَا يَكُونُ حَقُّهُ دُونَهُ كَمَا إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ،
-
وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ ﷺ قَسَمَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَجَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي عَدَمَ التَّمْيِيزِ وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِيهِ (قَوْلُهُ وَجَعَلَ جِنْسَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ فِي قَوْلِهِ
-
٨/١٧٣٨/١٧٣
وَلَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شَيْءٌ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله
-
قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ
-
- عليه الصلاة والسلام «وَالْيَمِينُ عَلَى مَا أَنْكَرَ» وَلَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شَيْءٌ) اسْتِدْلَالٌ آخَرُ بِالْحَدِيثِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَسَيَأْتِي.
-
قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ إلَخْ) وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لِمَا رَوَيْنَا، وَقَيَّدَ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ احْتِرَازًا عَنْ الْمُقَيَّدِ بِدَعْوَى النِّتَاجِ، وَعَنْ الْمُقَيَّدِ بِمَا إذَا ادَّعَيَا تَلَقِّيَ الْمِلْكِ مِنْ وَاحِدٍ وَأَحَدُهُمَا قَابِضٌ، وَبِمَا إذَا ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ اثْنَيْنِ وَتَارِيخُ أَحَدِهِمَا أَسْبَقُ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِالْإِجْمَاعِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: أَمَا انْتَقَضَ مُقْتَضَى الْقِسْمَةِ حَيْثُ قُبِلَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ وَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ. قُلْت: نَعَمْ لِأَنَّ قَبُولَهَا مِنْ حَيْثُ مَا ادَّعَى مِنْ الزِّيَادَةِ مِنْ النِّتَاجِ وَالْقَبْضِ وَسَبْقِ التَّارِيخِ فَهُوَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مُدَّعٍ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي.
-
فَإِنْ قُلْت: فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْخَارِجِ الْيَمِينُ لِكَوْنِهِ إذْ ذَاكَ مُدَّعًى عَلَيْهِ قُلْت لَا، لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَجِبُ عِنْدَ عَجْزِ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ وَهَاهُنَا لَمْ يَعْجِزْ،
-
وَإِذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِي الْمِلْكِ.
-
٨/١٧٤٨/١٧٤
وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى)
-
الْمُطْلَقِ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى لِعَدَمِ زِيَادَةٍ يَصِيرُ بِهَا ذُو الْيَدِ مُدَّعِيًا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْضَى بِبَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ لِأَنَّهَا اعْتَضَدَتْ بِالْيَدِ وَالْمُعْتَمَدُ أَقْوَى، فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَامَاهَا عَلَى نِتَاجِ دَابَّةٍ وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَقَامَاهَا عَلَى نِكَاحٍ وَلِأَحَدِهِمَا يَدٌ، فَإِنَّهُ يُقْضَى لِذِي الْيَدِ، وَصَارَ كَدَعْوَى الْمِلْكِ مَعَ الْإِعْتَاقِ بِأَنْ يَكُونَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى الْعِتْقِ،
-
وَكَذَلِكَ فِي دَعْوَى الِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ. وَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَكْثَرُ
-
٨/١٧٥٨/١٧٥
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْضَى بِبَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ لِاعْتِضَادِهَا بِالْيَدِ فَيَتَقَوَّى الظُّهُورُ وَصَارَ كَالنِّتَاجِ وَالنِّكَاحِ وَدَعْوَى الْمِلْكِ مَعَ الْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ. وَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا أَوْ إظْهَارًا لِأَنَّ قَدْرَ مَا أَثْبَتَتْهُ الْيَدُ لَا يُثْبِتُهُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ، إذْ الْيَدُ دَلِيلُ مُطْلَقِ الْمِلْكِ
-
إثْبَاتًا: يَعْنِي فِي عِلْمِ الْقَاضِي، أَوْ إظْهَارًا: يَعْنِي فِي الْوَاقِعِ،
-
فَإِنَّ بَيِّنَتَهُ تُظْهِرُ مَا كَانَ ثَابِتًا فِي الْوَاقِعِ لِأَنَّ قَدْرَ مَا أَثْبَتَتْهُ الْيَدُ لَا تُثْبِتُهُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ، لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ مُطْلَقِ الْمِلْكِ فَبَيِّنَتُهُ لَا تُثْبِتُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ،
-
بِخِلَافِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ فَإِنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ أَوْ تُظْهِرُهُ، وَمَا هُوَ أَكْثَرُ إثْبَاتًا فِي الْبَيِّنَاتِ فَهُوَ أَوْلَى لِتَوَفُّرِ مَا شُرِعَتْ الْبَيِّنَاتُ لِأَجْلِهِ فِيهِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: بَيِّنَةُ الْخَارِجِ تُزِيلُ مَا أَثْبَتَهُ بِالْيَدِ مِنْ الْمِلْكِ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ تُفِيدُ الْمِلْكَ وَلَا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ. أُجِيبَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُوجِبَةً بِنَفْسِهَا حَتَّى تُزِيلَ مَا ثَبَتَ بِالْيَدِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُوجِبَةً عِنْدَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَقَبْلَهُ يَكُونُ الْمِلْكُ ثَابِتًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِثْبَاتُ الثَّابِتِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَا تَكُونُ بَيِّنَتُهُ مُثْبِتَةً بَلْ مُؤَكِّدَةً لِمِلْكٍ ثَابِتٍ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ،
-
بِخِلَافِ النِّتَاجِ وَالنِّكَاحِ، لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ مُثْبِتَةً لَا مُؤَكِّدَةً، فَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ لِلْإِثْبَاتِ فَتُرَجَّحُ إحْدَاهُمَا بِالْيَدِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ
-
٨/١٧٦٨/١٧٦
بِخِلَافِ النِّتَاجِ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ،
-
وَكَذَا عَلَى الْإِعْتَاقِ وَأُخْتَيْهِ وَعَلَى الْوَلَاءِ الثَّابِتِ بِهَا
-
. قَالَ (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَأَلْزَمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْضَى بِهِ بَلْ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي،
-
فَإِذَا حَلَفَ يَقْضِي بِهِ لِأَنَّ النُّكُولَ يَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَالتَّرَفُّعَ عَنْ الصَّادِقَةِ وَاشْتِبَاهَ الْحَالِ فَلَا يَنْتَصِبُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَيَمِينُ الْمُدَّعِي دَلِيلُ الظُّهُورِ فَيُصَارُ إلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ النُّكُولَ دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ وَدَفْعًا
-
إثْبَاتًا لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْيَدَ وَالنِّتَاجَ، وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ تُثْبِتُ النِّتَاجَ لَا غَيْرُ. أُجِيبَ بِأَنَّ بَيِّنَةَ النِّتَاجِ لَا تُوجِبُ إلَّا أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ وَهُمَا تَسَاوَيَا فِي ذَلِكَ وَيَتَرَجَّحُ ذُو الْيَدِ بِالْيَدِ فَيُقْضَى لَهُ (قَوْلُهُ
-
وَكَذَا عَلَى الْإِعْتَاقِ) أَيْ الْيَدُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ، فَتَعَارَضَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ ثُمَّ تَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ (قَوْلُهُ وَعَلَى الْوَلَاءِ الثَّابِتِ بِهَا) أَيْ بِالْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْإِعْتَاقِ وَأُخْتَيْهِ تَدُلَّانِ عَلَى الْوَلَاءِ، إذْ الْوَلَاءُ حَاصِلٌ لِلْعَبْدِ بِتَصَادُقِهِمَا وَهَا قَدْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ وَتَرَجَّحَ صَاحِبُ الْيَدِ بِحُكْمِ يَدِهِ
-
(قَالَ: وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ إلَخْ) وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ قَضَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَأَلْزَمَهُ مَا ادَّعَاهُ
-
٨/١٧٧٨/١٧٧
لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ
-
عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بَلْ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي،
-
فَإِنْ حَلَفَ قَضَى بِهِ،
-
وَإِنْ نَكَلَ انْقَطَعَتْ الْمُنَازَعَةُ، لِأَنَّ نُكُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَالتَّرَفُّعَ عَنْ الصَّادِقَةِ وَيَحْتَمِلُ اشْتِبَاهَ الْحَالِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَنْتَصِبُ حُجَّةً،
-
بِخِلَافِ يَمِينِ الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ دَلِيلُ الظُّهُورِ فَيُصَارُ إلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ النُّكُولَ دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بَاذِلًا إنْ كَانَ النُّكُولُ بَذْلًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ مُقِرًّا إنْ كَانَ إقْرَارًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُمَا، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْوُجُوبِ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ: أَيْ جَانِبُ كَوْنِهِ بَاذِلًا إنْ تَرَفَّعَ، أَوْ مُقِرًّا إنْ تَوَرَّعَ، لِأَنَّ التَّرَفُّعَ أَوْ التَّوَرُّعَ إنَّمَا يَحِلُّ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ.
-
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْإِلْزَامَ بِالنُّكُولِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فَالْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ يُخَالِفُهُ.
-
وَقَالَ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَلَمْ يَذْكُرْ النُّكُولَ وَالْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ لِكَوْنِ الظَّاهِرِ شَاهِدًا لَهُ، وَبِنُكُولِهِ صَارَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْمُدَّعِي فَتَعُودُ الْيَمِينُ إلَى جَانِبِ الْمُدَّعِي، وَلِهَذَا بَدَأْنَا فِي اللِّعَانِ بِالْأَيْمَانِ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ لِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ،
-
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُلَوِّثُ فِرَاشَهُ كَاذِبًا وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَيْسَ فِيهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ، لِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَالْإِجْمَاعُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ حَلَّفَ الْمُدَّعِيَ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ.
-
رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّ الْمُنْكِرَ طَلَبَ مِنْهُ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، فَقَالَ: لَيْسَ لَك إلَيْهِ سَبِيلٌ، وَقُضِيَ بِالنُّكُولِ بَيْنَ يَدَيْ عَلِيٍّ رضي الله عنه ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قالون، وَهُوَ بِلُغَةِ أَهْلِ الرُّومِ أَصَبْت.
-
٨/١٧٨٨/١٧٨
وَلَا وَجْهَ لِرَدِّ الْيَمِينِ
-
وَإِذَا ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بَطَلَ الْقِيَاسُ، عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَنَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ قَائِمَةٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ، فَكَانَ مَعْنَى الْيَمِينِ فِيهَا غَيْرَ مَقْصُودٍ،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النُّكُولُ لِاشْتِبَاهِ الْحَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الِاسْتِمْهَالَ مِنْ الْقَاضِي لِيَنْكَشِفَ الْحَالُ
-
٨/١٧٩٨/١٧٩
عَلَى الْمُدَّعِي لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
-
قَالَ (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ إنِّي أَعْرِضُ عَلَيْك الْيَمِينَ ثَلَاثًا،
-
فَإِنْ حَلَفْت وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك بِمَا ادَّعَاهُ) وَهَذَا الْإِنْذَارُ لِإِعْلَامِهِ بِالْحُكْمِ إذْ هُوَ مَوْضِعُ الْخَفَاءِ
-
. قَالَ (فَإِذَا كَرَّرَ الْعَرْضَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ) وَهَذَا التَّكْرَارُ ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ رحمه الله لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي إبْلَاءِ الْعُذْرِ،
-
فَأَمَّا الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَوْ قُضِيَ بِالنُّكُولِ بَعْدَ الْعَرْضِ مَرَّةً جَازَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى
-
لَا رَدُّ الْيَمِينِ، فَإِنَّ رَدَّ الْيَمِينِ لَا وَجْهَ لَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِهِ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي
-
(قَالَ: وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ إلَخْ) وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنِّي أَعْرِضُ عَلَيْك الْيَمِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ حَلَفْت وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك بِمَا ادَّعَاهُ، لِأَنَّ الْإِنْذَارَ لِإِعْلَامِهِ بِالْحُكْمِ، إذْ هُوَ مَوْضِعُ الْخَفَاءِ لِعَدَمِ دَلَالَةِ نَصٍّ عَلَى ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ بِالنُّكُولِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ،
-
فَإِنَّ لِلشَّافِعِيِّ خِلَافًا فِيهِ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
-
ثُمَّ الْعَرْضُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْلَى لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ، بَلْ الْمَذْهَبُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَضَى بِهِ بَعْدَ مَرَّةٍ جَازَ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ النُّكُولَ بَذْلٌ أَوْ إقْرَارٌ وَلَيْسَ التَّكْرَارُ بِشَرْطٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا. وَالْخَصَّافُ ذَكَرَهُ لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي إبْلَاءِ الْأَعْذَارِ فَصَارَ كَإِمْهَالِ الْمُرْتَدِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ أَوْلَى،
-
وَإِنْ قُتِلَ بِغَيْرِ إمْهَالٍ جَازَ لِأَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ (وَقَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ لَوْ قَضَى بِالنُّكُولِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يَنْفُذُ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ الْبَذْلِ وَالْإِقْرَارِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْرَارُ، وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْقَاضِي احْلِفْ بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْك مَا يَدَّعِيهِ وَهُوَ كَذَا
-
وَكَذَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ، فَإِنْ
-
٨/١٨٠٨/١٨٠
ثُمَّ النُّكُولُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا كَقَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا بِأَنْ يَسْكُتَ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا آفَةَ بِهِ مِنْ طَرَشٍ أَوْ خَرَسٍ هُوَ الصَّحِيحُ
-
نَكَلَ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَانِيًا:
-
فَإِنْ نَكَلَ يَقُولُ لَهُ بَقِيَتْ الثَّالِثَةُ ثُمَّ أَقْضِي عَلَيْك إنْ لَمْ تَحْلِفْ،
-
ثُمَّ يَقُولُ لَهُ ثَالِثًا فَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي
-
(قَالَ: وَإِذَا كَانَ الدَّعْوَى نِكَاحًا إلَخْ) ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَأَنْكَرَتْ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ ادَّعَى بَعْدَ الطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنَّهُ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ وَأَنْكَرَتْ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ ادَّعَى بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَنَّهُ فَاءَ إلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ وَأَنْكَرَتْ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ ادَّعَى الْمَجْهُولُ ذَلِكَ أَوْ اخْتَصَمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ أَوْ الْمُوَالَاةِ، أَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَلَدُهُ أَوْ وَالِدُهُ، أَوْ ادَّعَتْ عَلَى مَوْلَاهَا أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا مِنْ جَانِبِ الْأَمَةِ، لِأَنَّ الْمَوْلَى إذَا ادَّعَى ذَلِكَ ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهَا، أَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَذَفَهَا بِمَا يُوجِبُ اللِّعَانَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ، أَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَأَنْكَرَهُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ فِي هَذِهِ كُلِّهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ،
-
وَإِذَا نَكَلَ يُقْضَى بِالنُّكُولِ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَاللِّعَانِ. لَهُمَا أَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ السَّابِقِ
-
٨/١٨١٨/١٨١
قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى نِكَاحًا لَمْ يُسْتَحْلَفْ الْمُنْكِرُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ،
-
وَلَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْحُدُودِ وَاللِّعَانِ. وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَاللِّعَانِ
-
لِمَا قَدَّمْنَاهُ: يَعْنِي قَوْلَهُ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ،
-
فَإِنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ الثَّوَابِ بِإِجْرَاءِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِهِ مُعَظِّمًا لَهُ وَدَفْعَ تُهْمَةِ الْكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ وَإِبْقَاءَ مَالِهِ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَوْلَا هُوَ كَاذِبٌ فِي يَمِينِهِ لَمَا تَرَكَ هَذِهِ الْفَوَائِدَ الثَّلَاثَ، وَالْإِقْرَارُ يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَيَعْمَلُ بِالنُّكُولِ فِيهَا إلَّا أَنَّهُ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ سُكُوتٌ فَكَانَ حُجَّةً فِيمَا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا يَجْرِي فِي الْحُدُودِ وَاللِّعَانِ فِي مَعْنَى الْحُدُودِ فَلَا يَجْرِي فِيهِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ نُقُوضٌ إجْمَالِيَّةٌ
-
الْأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ: رَجُلٌ اشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْبَاقِيَ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَخَاصَمَهُ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ خَاصَمَهُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي فَأَنْكَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَيَسْتَحْلِفُ،
-
وَلَوْ كَانَ النُّكُولُ إقْرَارًا لَزِمَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ بِنُكُولِهِ
-
٨/١٨٢٨/١٨٢
وَصُورَةُ الِاسْتِيلَادِ أَنْ تَقُولَ الْجَارِيَةُ أَنَا أُمُّ وَلَدٍ لِمَوْلَايَ وَهَذَا ابْنِي مِنْهُ وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى، لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْمَوْلَى ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهَا. لَهُمَا أَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ فَكَانَ إقْرَارًا أَوْ بَدَلًا عَنْهُ، وَالْإِقْرَارُ يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَكِنَّهُ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحَدِّ
-
فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى كَمَا لَوْ أَقَرَّ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ. الثَّانِي: الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْبًا فِي الْمَبِيعِ وَاسْتُحْلِفَ فَنَكَلَ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ،
-
وَلَوْ كَانَ إقْرَارًا لَزِمَ الْوَكِيلَ. الثَّالِثُ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ تَكَلَّفْت لَك بِمَا يُقِرُّ لَك بِهِ فُلَانٌ فَادَّعَى الْمَكْفُولُ لَهُ عَلَى فُلَانٍ مَالًا
-
٨/١٨٣٨/١٨٣
فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَقَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْكَفِيلِ،
-
وَلَوْ كَانَ النُّكُولُ إقْرَارًا لَقُضِيَ بِهِ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ النُّكُولَ إمَّا إقْرَارٌ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ فَوْجُهُ الْإِقْرَارِ مَا تَقَدَّمَ. وَوَجْهُ كَوْنِهِ بَدَلًا أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَسْتَحِقُّ بِدَعْوَاهُ جَوَابًا يَفْصِلُ الْخُصُومَةَ، وَذَلِكَ بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ فَإِنْ أَقَرَّ فَقَدْ انْقَطَعَتْ،
-
وَإِنْ أَنْكَرَ لَمْ تَنْقَطِعْ إلَّا بِيَمِينٍ،
-
فَإِذَا نَكَلَ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْإِقْرَارِ بِقَطْعِ الْخُصُومَةِ، فَالنُّقُوضُ الْمَذْكُورَة إنْ وَرَدَتْ عَلَى اعْتِبَارِ كَوْنِهِ إقْرَارًا لَا تُرَدُّ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا مِنْهُ، وَمِثْلُ هَذَا يُسَمَّى فِي عِلْمِ النَّظَرِ تَغْيِيرُ الْمُدَّعِي.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النُّكُولَ بَذْلٌ وَهُوَ قَطْعُ الْخُصُومَةِ بِدَفْعِ مَا يَدَّعِيهِ الْخَصْمُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَبْقَى وَاجِبَةً مَعَ النُّكُولِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ إمَّا بَذْلٌ أَوْ إقْرَارٌ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، لَكِنَّ إنْزَالَهُ بَاذِلًا أَوْلَى كَيْ لَا يَصِيرَ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ السَّابِقِ، وَالْبَذْلُ لَا يَجْرِي
-
٨/١٨٤٨/١٨٤
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ بَذْلٌ لِأَنَّ مَعَهُ لَا تَبْقَى الْيَمِينُ وَاجِبَةً لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَإِنْزَالُهُ بَاذِلًا أَوْلَى كَيْ لَا يَصِيرَ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ
-
فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ مَثَلًا أَنَا حُرٌّ وَهَذَا الرَّجُلُ يُؤْذِينِي فَدَفَعْت إلَيْهِ نَفْسِي أَنْ يَسْتَرِقَّنِي، أَوْ قَالَ أَنَا ابْنُ فُلَانٍ وَلَكِنْ أَبَحْت لِهَذَا أَنْ يَدَّعِيَ نَسَبِي، أَوْ قَالَتْ أَنَا لَسْت بِامْرَأَتِهِ لَكِنْ دَفَعْت إلَيْهِ نَفْسِي وَأَبَحْت لَهُ الْإِمْسَاكَ لَا يَصِحُّ.
-
وَعَلَيْهِ نُقُوضٌ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَذْلًا لَمَا ضَمِنَ شَيْئًا آخَرَ إذَا اسْتَحَقَّ مَا أَدَّى بِقَضَاءٍ كَمَا لَوْ صَالَحَ عَنْ إنْكَارٍ وَاسْتَحَقَّ بَدَلَ الصُّلْحِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الْمُدَّعِيَ يَرْجِعُ إلَى الدَّعْوَى. الثَّانِي: لَوْ كَانَ بَذْلًا كَانَ إيجَابًا فِي الذِّمَّةِ ابْتِدَاءً وَهُوَ لَا يَصِحُّ.
-
الثَّالِثُ: أَنَّ الْحُكْمَ وَاجِبٌ عَلَى الْحَاكِمِ بِالنُّكُولِ وَالْبَذْلُ لَا يَجِبُ بِهِ الْحُكْمُ فَلَمْ يَكُنْ النُّكُولُ بَذْلًا. الرَّابِعُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَوْ كَانَ بَذْلًا
-
٨/١٨٥٨/١٨٥
وَالْبَذْلُ لَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَفَائِدَةُ الِاسْتِحْلَافِ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ فَلَا يُسْتَحْلَفُ، إلَّا أَنَّ هَذَا بَذْلٌ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ فَيَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ بِمَنْزِلَةِ الضِّيَافَةِ الْيَسِيرَةِ،
-
لَمَا قُضِيَ لِأَنَّ بَذْلَهُ بَاطِلٌ. الْخَامِسُ يُقْضَى بِالْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ بِالنُّكُولِ،
-
وَلَوْ كَانَ بَذْلًا لَمَا قُضِيَ لِأَنَّ الْبَذْلَ لَا يُتَحَمَّلُ فِيهَا. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ بَدَلَ الصُّلْحِ وَجَبَ بِالْعَقْدِ،
-
فَإِذَا اُسْتُحِقَّ بَطَلَ الْعَقْدُ فَعَادَ الْحُكْمُ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الدَّعْوَى،
-
فَأَمَّا هَاهُنَا فَالْمُدَّعِي يَقُولُ أَنَا آخُذُ هَذَا بِإِزَاءِ مَا وَجَبَ لِي فِي ذِمَّتِهِ بِالْقَضَاءِ فَإِذَا اسْتَحَقَّ رَجَعْت بِمَا فِي الذِّمَّةِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ صَحِيحٌ كَمَا فِي الْحَوَالَاتِ وَسَائِرِ الْمُدَايَنَاتِ.
-
وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجِبُ بِالْبَدَلِ الصَّرِيحِ،
-
وَأَمَّا مَا كَانَ بَذْلًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ كَالنُّكُولِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ بَلْ هُوَ مُوجَبٌ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ. وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ صِحَّةِ الْبَذْلِ مِنْ الْمَأْذُونِ بِمَا دَخَلَ تَحْتَ الْإِذْنِ كَإِهْدَاءِ الْمَأْكُولِ وَالْإِعَارَةِ وَالضِّيَافَةِ الْيَسِيرَةِ وَنَحْوِهَا. وَعَنْ الْخَامِسِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَذْلَ فِيهَا غَيْرُ عَامِلٍ، بَلْ هُوَ عَامِلٌ إذَا كَانَ مُفِيدًا، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ اقْطَعْ يَدِي وَبِهَا آكِلَةٌ لَمْ يَأْثَمْ بِقَطْعِهَا، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ النُّكُولُ مُفِيدٌ لِأَنَّهُ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْيَمِينِ، وَلَهُ وِلَايَةُ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْيَمِينِ.
-
لَا يُقَالُ: أَبُو حَنِيفَةَ تَرَكَ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» بِالرَّأْيِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَنْفِ وُجُوبَ الْيَمِينِ فِيهَا، لَكِنَّهُ يَقُولُ: لَمَّا لَمْ يُفِدْ الْيَمِينُ فَائِدَتَهَا وَهُوَ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ لِكَوْنِهِ بَذْلًا لَا يَجْرِي فِيهَا سَقَطَتْ كَسُقُوطِ الْوُجُوبِ عَنْ مَعْذُورٍ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ
-
(قَوْلُهُ وَفَائِدَةُ الِاسْتِحْلَافِ) يَعْنِي أَنَّ الْبَذْلَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَجْرِي فَفَاتَ فَائِدَةُ الِاسْتِحْلَافِ، لِأَنَّ فَائِدَتَهُ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ وَالنُّكُولُ بَذْلٌ وَالْبَذْلُ فِيهَا لَا يَجْرِي فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
-
وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّ هَذَا بَذْلٌ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْرِيرُهُ لَوْ كَانَ بَذْلًا لَمَا مَلَكَهُ الْمُكَاتَبُ، وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ
-
٨/١٨٦٨/١٨٦
وَصِحَّتُهُ فِي الدَّيْنِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِ الْمُدَّعِي وَهُوَ مَا يَقْبِضُهُ حَقًّا لِنَفْسِهِ، وَالْبَذْلُ مَعْنَاهُ هَاهُنَا تَرْكُ الْمَنْعِ وَأَمْرُ الْمَالِ هَيِّنٌ
-
قَالَ (وَيُسْتَحْلَفُ السَّارِقُ
-
لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّبَرُّعِ وَهُمَا لَا يَمْلِكَانِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَهُ آنِفًا أَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ التِّجَارَةِ وَبَذْلُهُمَا بِالنُّكُولِ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ.
-
وَقَوْلُهُ (وَصِحَّتُهُ فِي الدَّيْنِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّهُ لَوْ كَانَ بَذْلًا لَمَا جَرَى فِي الدَّيْنِ لِأَنَّهُ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ وَالْبَذْلُ لَا يَجْرِي فِيهَا.
-
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَذْلَ فِي الدَّيْنِ إنْ لَمْ يَصِحَّ،
-
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْقَابِضِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الدَّافِعِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا مَانِعَ ثَمَّةَ لِأَنَّهُ يَقْبِضُهُ حَقًّا لِنَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا أَيْ فِي الدَّيْنِ تَرْكُ الْمَنْعِ وَجَازَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْمَنْعَ.
-
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جُعِلَ فِي الْأَشْيَاءِ السَّبْعَةِ أَيْضًا تَرْكًا لِلْمَنْعِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهَا. أُجِيبَ بِأَنَّ أَمْرَ الْمَالِ هَيِّنٌ تَجْرِي فِيهِ الْإِبَاحَةُ،
-
بِخِلَافِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّ أَمْرَهَا لَيْسَ بِهَيِّنٍ حَيْثُ لَا تَجْرِي فِيهَا الْإِبَاحَةُ، وَجَعْلُهُ هَاهُنَا تَرْكُ الْمَنْعِ، وَفِي قَوْلِهِ إلَّا أَنَّ هَذَا بَذْلٌ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ غَيْرِ التَّرْكِ وَفِي ذَلِكَ تَسَامُحٌ فِي الْعِبَارَةِ. وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي مَطْلَعِ الْبَحْثِ مِنْ تَعْرِيفِهِ وَهُوَ قَوْلُنَا قَطْعُ الْخُصُومَةِ بِدَفْعِ مَا يَدَّعِيهِ الْخَصْمُ لَعَلَّهُ أَوْلَى.
-
قَالَ (وَيُسْتَحْلَفُ السَّارِقُ إلَخْ) إذَا كَانَ مُرَادُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَخْذَ الْمَالِ يُسْتَحْلَفُ السَّارِقُ بِاَللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْك هَذَا الْمَالُ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ
-
٨/١٨٧٨/١٨٧
فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ وَلَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ الْمَنُوطَ بِفِعْلِهِ شَيْئَانِ: الضَّمَانُ وَيَعْمَلُ فِيهِ النُّكُولُ. وَالْقَطْعُ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَ عَلَيْهَا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ
-
. قَالَ (وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اُسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ،
-
فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ نِصْفَ الْمَهْرِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَجْرِي فِي الطَّلَاقِ عِنْدَهُمْ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْمَالُ،
-
فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِالنُّكُولِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: الْقَاضِي يَقُولُ لِلْمُدَّعِي مَاذَا تُرِيدُ؟
-
فَإِنْ قَالَ أُرِيدُ الْقَطْعَ يَقُولُ الْقَاضِي الْحُدُودُ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا فَلَيْسَ لَك يَمِينٌ،
-
وَإِنْ قَالَ أُرِيدُ الْمَالَ يَقُولُ لَهُ دَعْ دَعْوَى السَّرِقَةِ وَانْبَعِثْ عَلَى دَعْوَى الْمَالِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ وَلَمْ يَقْطَعْ لِأَنَّ الْمَنُوطَ بِفِعْلِهِ) يُرِيدُ بِهِ النُّكُولَ (شَيْئَانِ) : الضَّمَانُ وَيَعْمَلُ النُّكُولُ فِيهِ، وَالْقَطْعُ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَ عَلَيْهَا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ اشْتِمَالَ الْحُجَّةِ عَلَى الشُّبْهَةِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ بِفِعْلِهِ فِعْلَ السَّرِقَةِ
-
(وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا اُسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ،
-
فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ نِصْفَ الْمَهْرِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَجْرِي فِي الطَّلَاقِ عِنْدَهُمْ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْمَالَ) فَإِنْ قُلْت: هَلْ فِي تَخْصِيصِ ذِكْرِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَائِدَةٌ؟ قُلْت: هِيَ تَعْلِيمُ أَنَّ دَعْوَى الْمَهْرِ لَا تَتَفَاوَتُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِي كُلِّ الْمَهْرِ أَوْ نِصْفٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَوَهُّمُ
-
٨/١٨٨٨/١٨٨
وَكَذَا فِي النِّكَاحِ إذَا ادَّعَتْ هِيَ الصَّدَاقَ لِأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى الْمَالِ،
-
ثُمَّ يَثْبُتُ الْمَالُ بِنُكُولِهِ وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ،
-
وَكَذَا فِي النَّسَبِ إذَا ادَّعَى حَقًّا كَالْإِرْثِ وَالْحِجْرِ فِي اللَّقِيطِ
-
التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ (وَكَذَا فِي النِّكَاحِ إذَا ادَّعَتْ الصَّدَاقَ لِأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى الْمَالِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْمَالُ بِنُكُولِهِ وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ) فَإِنْ قُلْت: وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ النِّكَاحُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ. قُلْت: الْبَذْلُ لَا يَجْرِي فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ
-
(وَكَذَا فِي النَّسَبِ إذَا ادَّعَى حَقًّا كَالْإِرْثِ) بِأَنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَخُو الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَاتَ أَبُوهُمَا وَتَرَكَ مَالًا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي فَرْضَ النَّفَقَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْأُخُوَّةِ فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى النَّسَبِ،
-
فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ يُقْضَى بِالْمَالِ وَالنَّفَقَةِ دُونَ النَّسَبِ (وَ) كَذَا إذَا ادَّعَى (الْحَجْرَ فِي اللَّقِيطِ) بِأَنْ كَانَ صَبِيًّا لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فِي يَدِ مُلْتَقِطٍ فَادَّعَتْ أُخُوَّتَهُ حُرَّةٌ تُرِيدُ قَصْرَ يَدِ الْمُلْتَقِطِ لِحَقِّ حَضَانَتِهَا وَأَرَادَتْ اسْتِحْلَافَهُ فَنَكَلَ يَثْبُتُ لَهَا الْحَجْرُ دُونَ النَّسَبِ،
-
وَكَذَا إذَا وَهَبَ لِإِنْسَانٍ عَيْنًا ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهَا فَقَالَ
-
٨/١٨٩٨/١٨٩
وَالنَّفَقَةِ وَامْتِنَاعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هَذِهِ الْحُقُوقُ
-
الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْتَ أَخِي يُرِيدُ بِذَلِكَ إبْطَالَ حَقِّ الرُّجُوعِ اسْتَحْلَفَ الْوَاهِبُ،
-
فَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ وَلَا تَثْبُتُ الْأُخُوَّةُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هَذِهِ الْحُقُوقُ دَلِيلٌ لِلْمَجْمُوعِ: أَيْ دُونَ النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ،
-
فَإِنَّ فِيهِ تَحْمِيلَهُ عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَلِهَذَا إنَّمَا يَسْتَحْلِفُ فِي النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْأَبِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ دُونَ الِابْنِ، لِأَنَّ فِي دَعْوَاهَا الِابْنَ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ،
-
وَأَمَّا الْمَوْلَى وَالزَّوْجُ فَإِنَّ دَعْوَاهُمَا تَصِحُّ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَحْمِيلٌ عَلَى أَحَدٍ فَيُسْتَحْلَفُ،
-
٨/١٩٠٨/١٩٠
وَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ فِي النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْأَبِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، لِأَنَّ فِي دَعْوَاهَا الِابْنَ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ وَالْمَوْلَى وَالزَّوْجِ فِي حَقِّهِمَا.
-
قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى قِصَاصًا عَلَى غَيْرِهِ فَجَحَدَهُ اُسْتُحْلِفَ) بِالْإِجْمَاعِ (ثُمَّ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ،
-
وَإِنْ نَكَلَ فِي النَّفْسِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَقَالَا: لَزِمَهُ الْأَرْشُ فِيهِمَا لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ عِنْدَهُمَا فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ وَيَجِبُ بِهِ الْمَالُ، خُصُوصًا إذَا كَانَ امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ
-
وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النُّكُولَ بَدَلٌ مِنْ الْإِقْرَارِ فَلَا يَعْمَلُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَعْمَلُ فِيهِ الْإِقْرَارُ.
-
قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى قِصَاصًا عَلَى غَيْرِهِ فَجَحَدَ إلَخْ) وَمَنْ ادَّعَى قِصَاصًا عَلَى غَيْرِهِ فَجَحَدَهُ وَلَيْسَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ يُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي النَّفْسِ أَوْ فِيمَا دُونَهَا،
-
ثُمَّ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ الْقِصَاصُ، وَفِي النَّفْسِ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا:
-
٨/١٩١٨/١٩١
كَمَا إذَا أَقَرَّ بِالْخَطَأِ وَالْوَلِيُّ يَدَّعِي الْعَمْدَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَيَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ،
-
بِخِلَافِ الْأَنْفُسِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَهَذَا إعْمَالٌ لِلْبَذْلِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَهَذَا الْبَذْلُ مُفِيدٌ لِانْدِفَاعِ الْخُصُومَةِ بِهِ فَصَارَ كَقَطْعِ الْيَدِ لِلْآكِلَةِ وَقَلْعِ السِّنِّ لِلْوَجَعِ
-
لَزِمَهُ الْأَرْشُ فِيهِمَا لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ عِنْدَهُمَا فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ،
-
وَيَجِبُ بِهِ الْمَالُ إذَا كَانَ امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ خَاصَّةً، كَمَا إذَا أَقَرَّ بِالْخَطَإِ وَالْوَلِيُّ يَدَّعِي الْعَمْدَ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْإِقْرَارِ فَأَشْبَهَ الْخَطَأَ،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْ جَانِبِ مَنْ لَهُ كَمَا إذَا أَقَامَ مُدَّعِي الْقِصَاصِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْحُجَّةَ قَامَتْ بِالْقِصَاصِ لَكِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ وَلَمْ يُشْبِهْ الْخَطَأَ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ،
-
وَلَا تَفَاوُتَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا.
-
فَإِنْ قِيلَ: مِنْ أَيْنَ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَالسَّرِقَةِ حَيْثُ يَثْبُتُ الْمَالُ فِيهَا بَعْدَ انْتِفَاءِ الْقَطْعِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَمَا يَجِبُ بِالنُّكُولِ وَهَاهُنَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ دُونَ الشَّهَادَةِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَالَ ثَمَّةَ أَصْلٌ وَيَتَعَدَّى إلَى الْقَطْعِ،
-
وَإِذَا قُصِرَ لَمْ يَتَعَدَّ فَبَقِيَ الْأَصْلُ، وَهَاهُنَا الْأَصْلُ الْمَشْهُودُ بِهِ هُوَ الْقِصَاصُ،
-
ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى الْمَالِ إذَا وُجِدَ شَرْطُهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا بِطَرِيقِ الْمِنَّةِ لِلْخَصْمَيْنِ لِلْقَاتِلِ بِسَلَامَةِ نَفْسِهِ وَالْمَقْتُولِ بِصِيَانَةِ دَمِهِ عَنْ الْهَدَرِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي صُورَةِ الشَّهَادَةِ لِعَدَمِ شَبَهِهَا بِالْخَطَإِ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلنَّفْسِ كَالْأَمْوَالِ فَيَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مِنْ حَيْثُ إعْمَالُ الْبَذْلِ،
-
بِخِلَافِ الْأَنْفُسِ حَيْثُ لَا يَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ يُؤْخَذُ بِالْقِصَاصِ فِي رِوَايَةٍ وَبِالدِّيَةِ فِي أُخْرَى.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ الْأَطْرَافُ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ لَجَازَ قَطْعُ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ إذَا قَالَ اقْطَعْ يَدِي،
-
٨/١٩٢٨/١٩٢
وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْيَمِينُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ يُحْبَسُ بِهِ كَمَا فِي الْقَسَامَةِ
-
. قَالَ (وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ قِيلَ
-
كَمَا يُبَاحُ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ إذَا قَالَ خُذْ مَالِي.
-
أَجَابَ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَطْعُ مُفِيدًا كَالْقَطْعِ لِلْآكِلَةِ وَقَلْعِ السِّنِّ لِلْوَجَعِ لَمْ يَأْثَمْ بِفِعْلِهِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْبَذْلِ: أَيْ الَّذِي بِالنُّكُولِ مُفِيدٌ لِانْدِفَاعِ الْخُصُومَةِ بِهِ فَيَكُونُ مُبَاحًا، وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِمَا قَالَ فِي السَّرِقَةِ إنَّ الْقَطْعَ لَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ.
-
وَالثَّانِي أَنَّ الْخُصُومَةَ تَنْدَفِعُ بِالْأَرْشِ وَهُوَ أَهْوَنُ فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ أَوْلَى.
-
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، لِأَنَّهُمْ الْمُحْتَاجُونَ إلَيْهَا، فَتَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْأَمْوَالِ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ دَفْعَ الْخُصُومَةِ بِالْأَرْشِ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ بَعْدَ تَعَذُّرِ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَتَعَذَّرْ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ، فَظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَذْلَ فِي الْأَطْرَافِ جَائِزٌ فَيَثْبُتُ الْقَطْعُ بِهِ وَفِي الْأَنْفُسِ لَيْسَ بِجَائِزٍ فَيَمْتَنِعُ الْقِصَاصُ،
-
وَإِذَا امْتَنَعَ وَالْيَمِينُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ يُحْبَسُ بِهِ فِيهَا كَمَا فِي الْقَسَامَةِ فَإِنَّهُمْ إذَا نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ يُحْبَسُونَ حَتَّى يُقِرُّوا أَوْ يَحْلِفُوا.
-
قَالَ (وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ إلَخْ) وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ
-
٨/١٩٣٨/١٩٣
لِخَصْمِهِ أَعْطِهِ كَفِيلًا بِنَفْسِك ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) كَيْ لَا يَغِيبَ نَفْسُهُ فَيَضِيعَ حَقُّهُ وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَأَخْذُ الْكَفِيلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى اسْتِحْسَانٌ عِنْدَنَا لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلْمُدَّعِي وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْحُضُورَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى حَتَّى يُعَدَّى عَلَيْهِ وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَشْغَالِهِ فَصَحَّ التَّكْفِيلُ بِإِحْضَارِهِ وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَهُوَ الصَّحِيحُ،
-
وَلَا فَرْقَ فِي الظَّاهِرِ بَيْنَ الْخَامِلِ وَالْوَجِيهِ
-
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا،
-
فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا قِيلَ لَهُ أَعْطِهِ كَفِيلًا عَنْ نَفْسِك ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ،
-
فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا أُمِرَ بِمُلَازَمَتِهِ. أَمَّا جَوَازُ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ عِنْدَنَا فَقَدْ تَقَدَّمَ.
-
وَأَمَّا جَوَازُ التَّكْفِيلِ فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ يَأْبَاهُ قَبْلَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُضُورَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ عَنْهُ يُعْدَى عَلَيْهِ وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَشْغَالِهِ فَيَصِحُّ التَّكْفِيلُ بِإِحْضَارِهِ نَظَرًا لِلْمُدَّعِي وَضَرَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهِ يَسِيرٌ فَيُتَحَمَّلُ كَالْإِعْدَاءِ وَالْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَشْغَالِهِ.
-
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَمَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْوَجِيهِ وَالْخَامِلِ وَالْخَطِيرِ مِنْ الْمَالِ وَالْحَقِيرِ مِنْهُ هُوَ الصَّحِيحُ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ مَعْرُوفًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى شَخْصُهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ،
-
وَإِنْ سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ يُؤْخَذُ،
-
وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ حَقِيرًا لَا يُخْفِي الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ،
-
وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمُلَازَمَةِ فَلِئَلَّا يَضِيعَ حَقُّهُ،
-
فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَةَ لِي أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ لَا يَكْفُلُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، لِأَنَّ الْفَائِدَةَ هُوَ الْحُضُورُ عِنْدَ حُضُورِ الشُّهُودِ وَذَلِكَ فِي الْهَالِكِ مُحَالٌ، وَالْغَائِبُ كَالْهَالِكِ مِنْ وَجْهٍ، إذْ لَيْسَ كُلُّ غَائِبٍ يَئُوبُ،
-
وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَالْكَفَالَةُ وَالْمُلَازَمَةُ يُقَدَّرَانِ بِمِقْدَارِ مَجْلِسِ الْقَاضِي، إذْ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ ضَرَرٍ، وَفِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةُ ضَرَرٍ لِمَنْعِهِ عَنْ السَّفَرِ،
-
٨/١٩٤٨/١٩٤
وَالْحَقِيرِ مِنْ الْمَالِ وَالْخَطِيرِ،
-
ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ لِلتَّكْفِيلِ وَمَعْنَاهُ فِي الْمِصْرِ، حَتَّى لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَةَ لِي أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ لَا يُكْفَلُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ. قَالَ (فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا أُمِرَ بِمُلَازَمَتِهِ) كَيْ لَا يَذْهَبَ حَقُّهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا فَيُلَازِمَ مِقْدَارَ مَجْلِسِ الْقَاضِي)
-
وَكَذَا لَا يُكْفَلُ إلَّا إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِمَا لِأَنَّ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ وَالْمُلَازَمَةِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ إضْرَارًا بِهِ بِمَنْعِهِ عَنْ السَّفَرِ وَلَا ضَرَرَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ ظَاهِرًا، وَكَيْفِيَّةُ الْمُلَازَمَةِ نَذْكُرُهَا فِي كِتَابِ الْحَجْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَكَيْفِيَّةُ الْمُلَازَمَةِ سَتُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
٨/١٩٥٨/١٩٥
(فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ وَالِاسْتِحْلَافِ)
-
قَالَ (وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ عز وجل دُونَ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» (وَقَدْ تُؤَكَّدُ بِذِكْرِ أَوْصَافِهِ) وَهُوَ التَّغْلِيظُ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: قُلْ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالَمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ، مَا لِفُلَانٍ هَذَا عَلَيْك وَلَا قِبَلَك هَذَا الْمَالُ الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ كَذَا
-
وَكَذَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ. وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى هَذَا وَلَهُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُ، إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاطُ فِيهِ كَيْ لَا يَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ