فَصْلٌ
العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ٣١٬١٣١ إلى ٣١٬٢١٩
-
٩/١٨٤٩/١٨٤
قَالَ (وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ مِنْ الْمَوْلَى
-
الْإِلْحَاقِ بِهِ مَوْجُودًا وَهُوَ الضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِالْمُسْتَحَقِّ فِي التَّأْخِيرِ (فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ).
-
وَإِذَا (اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَمَةً وَوَطِئَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى) أَوْ بِإِذْنِهِ لَكِنَّهُ قَالَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِيَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا إذَا كَانَ بِإِذْنِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ فَعَلَيْهِ الْعُقْرُ يُؤْخَذُ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ) إلَى الْإِعْتَاقِ (وَإِنْ وَطِئَهَا عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ حَتَّى يُعْتَقَ) فِيمَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَ) حُكْمُ (الْمَأْذُونِ لَهُ كَذَلِكَ) قِنًّا كَانَ أَوْ مُدَبَّرًا، وَالْفَرْقُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ تَقْرِيرُهُ الْكِتَابَةُ أَوْجَبَتْ الشِّرَاءَ وَالشِّرَاءُ أَوْجَبَ سُقُوطَ الْحَدِّ وَسُقُوطُ الْحَدِّ أَوْجَبَ الْعُقْرَ، فَالْكِتَابَةُ أَوْجَبَتْ الْعُقْرَ،
-
وَلَا كَذَلِكَ النِّكَاحُ، وَبَاقِي كَلَامِهِ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْحٍ.
-
مَسَائِلُ هَذَا الْفَصْلِ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِ مَسَائِلِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَفَصَّلَهَا بِفَصْلٍ (قَوْلُهُ وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ مِنْ الْمَوْلَى) وَذَلِكَ
-
٩/١٨٥٩/١٨٥
فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ،
-
وَإِنْ شَاءَتْ عَجَّزَتْ نَفْسَهَا، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهَا تَلَقَّتْهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ عَاجِلَةٌ بِبَدَلٍ وَآجِلَةٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَتُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَنَسَبُ وَلَدِهَا ثَابِتٌ مِنْ الْمَوْلَى وَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ الْإِعْتَاقَ فِي وَلَدِهَا وَمَا لَهُ مِنْ الْمِلْكِ يَكْفِي لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ بِالدَّعْوَةِ.
-
وَإِذَا مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ أَخَذَتْ الْعُقْرَ مِنْ مَوْلَاهَا لِاخْتِصَاصِهَا بِنَفْسِهَا وَبِمَنَافِعِهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا.
-
ثُمَّ إنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ وَسَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الْكِتَابَةِ،
-
وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ وَتَرَكَتْ مَالًا تُؤَدَّى مِنْهُ مُكَاتَبَتُهَا وَمَا بَقِيَ مِيرَاثٌ لِابْنِهَا جَرْيًا عَلَى مُوجَبِ الْكِتَابَةِ،
-
وَإِنْ لَمْ تَتْرُكْ مَالًا فَلَا سِعَايَةَ
-
بِأَنْ ادَّعَاهَا (فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ،
-
وَإِنْ شَاءَتْ عَجَّزَتْ نَفْسَهَا) وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ سَوَاءٌ صَدَّقَتْهُ إذَا ادَّعَى أَوْ كَذَّبَتْهُ، لِأَنَّ لِلْمَوْلَى حَقِيقَةَ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهَا وَلَهَا حَقُّ الْمِلْكِ وَالْحَقِيقَةُ رَاجِحَةٌ فَيَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ وَإِنَّمَا تَتَخَيَّرُ (لِأَنَّهُ تَلَقَّتْهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ عَاجِلَةٌ بِبَدَلٍ وَآجِلَةٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَتَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا وَنَسَبُ وَلَدِهَا ثَابِتٌ مِنْ الْمَوْلَى) سَوَاءٌ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ (وَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ الْإِعْتَاقَ فِي وَلَدِهَا) لِأَنَّ الدَّعْوَى مِنْ الْمَوْلَى كَالتَّحْرِيرِ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ تَحْرِيرَ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ قَصْدًا، فَلَأَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ ضِمْنًا لِلدَّعْوَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
-
وَقَوْلُهُ (وَمَا لَهُ مِنْ الْمِلْكِ) دَلِيلُ قَوْلِهِ وَنَسَبُ وَلَدِهَا ثَابِتٌ مِنْ الْمَوْلَى، وَيَنْدَفِعُ بِهِ مَا عَسَى أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى فِي الْكِتَابَةِ نَاقِصٌ فَلَا تَصِحُّ دَعْوَتُهُ، لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهَا أَقْوَى مِنْ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ فِي مُكَاتَبَتِهِ بِدَلِيلِ جَوَازِ إعْتَاقِ الْمَوْلَى مُكَاتَبَتَهُ دُونَ الْمُكَاتَبِ، وَالْمُكَاتَبُ إذَا ادَّعَى نَسَبَ الْوَلَدِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ فَلَأَنْ يَثْبُتَ مِنْ الْمَوْلَى أَوْلَى،
-
(فَإِنْ اخْتَارَتْ الْكِتَابَةَ وَمَضَتْ عَلَيْهَا أَخَذَتْ الْعُقْرَ مِنْ مَوْلَاهَا) أَيْ مَهْرَ مِثْلِهَا (لِاخْتِصَاصِهَا بِنَفْسِهَا وَبِمَنَافِعِهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا) يَعْنِي قَبْلَ فَصْلِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَخَصَّ بِأَجْزَائِهَا تَوَسُّلًا إلَى الْمَقْصُودِ بِالْكِتَابَةِ (ثُمَّ إنْ مَاتَ الْمَوْلَى) يَعْنِي بَعْدَ مُضِيِّهَا عَلَى الْكِتَابَةِ (عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ وَسَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الْكِتَابَةِ) عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
-
فَإِنْ قِيلَ: وَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ لِأَنَّ الْأَكْسَابَ هَاهُنَا تُسَلَّمُ لَهَا وَهَذَا آيَةُ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُشْبِهُ الْمُعَاوَضَةَ، وَبِالنَّظَرِ إلَى ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ الْبَدَلُ وَتُشْبِهُ الشَّرْطَ، وَبِالنَّظَرِ إلَيْهِ يَسْقُطُ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ فَلَمَّا عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ بَطَلَتْ جِهَةُ الْكِتَابَةِ بِهِ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ، وَقُلْنَا بِسَلَامَةِ الْأَكْسَابِ عَمَلًا يُشْبِهُ الْمُعَاوَضَةَ، وَقُلْنَا بِسُقُوطِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَمَلًا يُشْبِهُ الشَّرْطَ (وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ وَتَرَكَتْ مَا لَا تُؤَدِّي مِنْهُ مُكَاتَبَتَهَا وَمَا بَقِيَ مِيرَاثٌ لِابْنِهَا جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ الْكِتَابَةِ،
-
وَإِنْ لَمْ تَتْرُكْ مَالًا فَلَا سِعَايَةَ
-
٩/١٨٦٩/١٨٦
عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّهُ حُرٌّ،
-
وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا آخَرَ لَمْ يَلْزَمْ الْمَوْلَى إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ لِحُرْمَةِ وَطْئِهَا عَلَيْهِ،
-
فَلَوْ لَمْ يَدَّعِ وَمَاتَتْ مِنْ غَيْرِ وَفَاءٍ سَعَى هَذَا الْوَلَدُ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ تَبَعًا لَهَا،
-
فَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى بَعْدَ ذَلِكَ عَتَقَ وَبَطَلَ عَنْهُ السِّعَايَةُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ إذْ هُوَ وَلَدُهَا فَيَتْبَعُهَا.
-
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمَوْلَى أُمَّ وَلَدِهِ جَازَ) لِحَاجَتِهَا إلَى اسْتِفَادَةِ الْحُرِّيَّةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ،
-
وَلَا يُنَافِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ تَلَقَّتْهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ (فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ) لِتَعَلُّقِ عِتْقِهَا بِمَوْتِ السَّيِّدِ (وَسَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ إيجَابِ الْبَدَلِ الْعِتْقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ،
-
فَإِذَا عَتَقَتْ قَبْلَهُ لَمْ يُمْكِنْ تَوْفِيرُ الْغَرَضِ عَلَيْهِ فَسَقَطَ وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ لِامْتِنَاعِ إبْقَائِهَا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ،
-
عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّهُ حُرٌّ وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا آخَرَ) وَهِيَ مَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابَةِ (لَمْ يَلْزَمْ الْمَوْلَى) بِالسُّكُوتِ لِأَنَّ نَسَبَ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ إذَا لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَ الْوَطْءِ وَهَذِهِ مُحَرَّمٌ وَطْؤُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّعْوَةِ، وَبَاقِي كَلَامِهِ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمَوْلَى أُمَّ وَلَدِهِ جَازَ) وَإِذَا كَاتَبَ الْمَوْلَى أُمَّ وَلَدِهِ جَازَ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ يُتَوَسَّلُ بِهَا إلَى مِلْكِ السَّيِّدِ فِي الْحَالِ، وَالْحُرِّيَّةُ عِنْدَ أَدَاءِ الْبَدَلِ وَحَاجَةُ أُمِّ الْوَلَدِ إلَى اسْتِفَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى كَحَاجَةِ غَيْرِهَا فَكَانَ جَائِزًا.
-
لَا يُقَالُ: أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي الْعِتْقَ بِبَدَلٍ وَالْآخَرُ بِلَا بَدَلٍ وَالْعِتْقُ الْوَاحِدُ لَا يَثْبُتُ بِهِمَا فَكَانَا مُتَنَافِيَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِهِمَا جِهَتَيْ عِتْقٍ تَلَقَّتَاهَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَعُورِضَ بِأَنَّ مَالِيَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَكَيْفَ يُقَابِلُهَا بَدَلٌ مُتَقَوِّمٌ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى فِيهَا ثَابِتٌ يَدًا وَرَقَبَةً، وَالْكِتَابَةُ لِرَفْعِ الْأَوَّلِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ وَلِرَفْعِ الثَّانِي فِي الثَّانِي، وَالْمِلْكُ يَجُوزُ أَنْ يُقَابَلَ بِبَدَلٍ مُتَقَوِّمٍ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا كَمِلْكِ الْقِصَاصِ إذَا عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّهُ يُقَابِلُ حِصَّةَ الْآخَرِينَ بِالْمَالِ (فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ لِتَعَلُّقِ عِتْقِهَا بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَسَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ إيجَابِ الْبَدَلِ الْعِتْقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ،
-
فَإِذَا عَتَقَتْ قَبْلَهُ لَمْ يُمْكِنْ تَوْفِيرُ الْغَرَضِ عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ لِامْتِنَاعِ إبْقَائِهَا بِلَا فَائِدَةٍ) بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَدَلِ، وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ وَالْأَكْسَابِ يُعْتَقُ الْأَوْلَادُ وَتَخْلُصُ لَهَا الْأَكْسَابُ.
-
٩/١٨٧٩/١٨٧
غَيْرَ أَنَّهُ تُسَلَّمُ لَهَا الْأَكْسَابُ وَالْأَوْلَادُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ فِي حَقِّ الْبَدَلِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ وَالْأَوْلَادِ، لِأَنَّ الْفَسْخَ لِنَظَرِهَا وَالنَّظَرُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
-
وَلَوْ أَدَّتْ الْمُكَاتَبَةُ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِالْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ.
-
قَالَ (وَإِنْ كَاتَبَ مُدَبَّرَتَهُ جَازَ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَاجَةِ وَلَا تَنَافِي، إذْ الْحُرِّيَّةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ مُجَرَّدُ الِاسْتِحْقَاقِ (وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى
-
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْكِتَابَةُ عَقْدٌ وَاحِدٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ بُطْلَانُهُ وَعَدَمُ بُطْلَانِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ تَحْقِيقَ كَلَامِهِ أَنَّ بُطْلَانَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ يُتَصَوَّرُ بِاعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَبْطُلَ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ عَلَى إيفَاءِ الْبَدَلِ، وَالثَّانِي أَنْ تَبْطُلَ بِانْتِهَائِهِ بِإِيفَائِهِ، وَبِالْأَوَّلِ يَعُودُ رَقِيقًا وَأَوْلَادُهُ وَأَكْسَابُهُ لِمَوْلَاهُ، وَبِالثَّانِي يُعْتَقُ هُوَ وَأَوْلَادُهُ وَيَخْلُصُ لَهُ مَا بَقِيَ مِنْ أَكْسَابِهِ، وَحَيْثُ احْتَجْنَا هَاهُنَا إلَى بُطْلَانِ الْكِتَابَةِ نَظَرًا لِلْمُكَاتَبِ وَكَانَ النَّظَرُ لَهُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ صِرْنَا إلَيْهِ.
-
لَا يُقَالُ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ بُطْلَانَهُ بِامْتِنَاعِ بَقَائِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِالنَّظَرِ لَهُ، وَالْمَعْلُولُ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَا يُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، لِأَنَّ لِلْكِتَابَةِ جِهَتَيْنِ: جِهَةٌ هِيَ لِلْمُكَاتَبِ، وَجِهَةٌ هِيَ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَ الثَّانِيَةَ بِالْأُولَى وَالْأُولَى بِالثَّانِيَةِ فَتَأَمَّلْهُ فَلَعَلَّهُ سَدِيدٌ (وَلَوْ أَدَّتْ الْمُكَاتَبَةَ) بِالنَّصْبِ: أَيْ بَدَلَ الْكِتَابَةِ.
-
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَلَوْ أَدَّتْ الْكِتَابَةَ وَهُوَ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ (قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِالْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ)
-
(وَإِنْ كَاتَبَ مُدَبَّرَتَهُ) وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ مُنَاسِبَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أُمِّ الْوَلَدِ وَوَضْعُهَا فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْمُدَبَّرِ، وَإِنَّمَا جَازَ كِتَابَتُهَا لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الْحَاجَةُ،
-
فَإِنَّ الثَّابِتَ بِالتَّدْبِيرِ مُجَرَّدُ اسْتِحْقَاقِ الْحُرِّيَّةِ لَا حَقِيقَتُهَا وَانْتِفَاءُ الْمَانِعِ وَهُوَ عَدَمُ الْمُنَافَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ (وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى
-
٩/١٨٩٩/١٨٩
وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَهِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا أَوْ جَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَسْعَى فِي أَقَلَّ مِنْهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا وَثُلُثَيْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، فَالْخِلَافُ فِي الْخِيَارِ وَالْمِقْدَارِ، فَأَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمِقْدَارِ، وَمَعَ مُحَمَّدٍ فِي نَفْيِ الْخِيَارِ. أَمَّا الْخِيَارُ فَفَرْعُ تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَهُ لَمَّا تَجَزَّأَ بَقِيَ الثُّلُثَانِ رَقِيقًا وَقَدْ تَلَقَّاهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ بِبَدَلَيْنِ مُعَجَّلٌ بِالتَّدْبِيرِ وَمُؤَجَّلٌ بِالْكِتَابَةِ فَتُخَيَّرُ.
-
وَعِنْدَهُمَا لَمَّا عَتَقَ كُلُّهَا بِعِتْقِ بَعْضِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَجَبَ عَلَيْهَا أَحَدُ الْمَالَيْنِ فَتَخْتَارُ الْأَقَلَّ لَا مَحَالَةَ فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ.
-
وَأَمَّا الْمِقْدَارُ فَلِمُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُ قَابَلَ الْبَدَلَ بِالْكُلِّ وَقَدْ سَلَّمَ لَهَا الثُّلُثَ بِالتَّدْبِيرِ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَجِبَ الْبَدَلُ بِمُقَابَلَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ لَهَا الْكُلَّ بِأَنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ يَسْقُطُ كُلُّ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَهُنَا يَسْقُطُ الثُّلُثُ وَصَارَ كَمَا إذَا تَأَخَّرَ التَّدْبِيرُ عَنْ الْكِتَابَةِ.
-
وَلَهُمَا أَنَّ جَمِيعَ الْبَدَلِ مُقَابَلٌ بِثُلُثَيْ رَقَبَتِهَا فَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الْبَدَلَ وَإِنْ قُوبِلَ بِالْكُلِّ صُورَةً وَصِيغَةً لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا ذَكَرْنَا مَعْنًى وَإِرَادَةً لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ حُرِّيَّةَ الثُّلُثِ ظَاهِرًا،
-
وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهَا تَخَيَّرَتْ بَيْنَ السَّعْيِ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا مُدَبَّرَةً لَا قِنَّةً وَفِي جَمِيعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَدْ أَوْضَحَ كَلَامَهُ فَتَعْرِضُ لِبَعْضِهِ زِيَادَةُ إيضَاحٍ (قَوْلُهُ فَتَخَيَّرَ) لِأَنَّ فِي التَّخْيِيرِ فَائِدَةً وَإِنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَدَاءُ أَكْثَرِ الْمَالَيْنِ أَيْسَرَ بِاعْتِبَارِ الْأَجَلِ، وَأَدَاءُ أَقَلِّهِمَا أَعْسَرُ لِكَوْنِهِ حَالًّا فَكَانَ التَّخْيِيرُ مُفِيدًا (قَوْلُهُ وَجَبَ عَلَيْهَا أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ فَتَخْتَارُ الْأَقَلَّ) قَدْ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَمَّا لَمْ يَتَجَزَّأْ عِنْدَهُمَا عَتَقَ كُلُّهَا بِالتَّدْبِيرِ لِعِتْقِ بَعْضِهَا بِهِ وَانْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ فَوَجَبَتْ السِّعَايَةُ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا لَا غَيْرُ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّا قَدْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْكِتَابَةِ نَظَرًا لَهَا فَتَبْقِيَتُهَا لِذَلِكَ فَلِرُبَّمَا يَكُونُ بَدَلُهَا أَقَلَّ فَيَحْصُلُ النَّظَرُ بِوُجُوبِهِ.
-
وَقَوْلُهُ (أَنَّهُ قَابَلَ الْبَدَلَ بِالْكُلِّ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى ذَاتِهَا فَقَالَ كَاتَبْتُك عَلَى كَذَا وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لَهَا كَالْقِنَّةِ فَتَصِيرُ كُلُّهَا مُكَاتَبَةً (وَقَدْ سَلَّمَ لَهَا الثُّلُثَ بِالتَّدْبِيرِ) فَيَسْقُطُ مَا قَابَلَهُ مِنْ الْبَدَلِ وَإِلَّا لَكَانَ مَا فَرَضْنَاهُ سَالِمًا غَيْرَ سَالِمٍ هَذَا خُلْفٌ بَاطِلٌ.
-
وَقَوْلُهُ (وَصَارَ كَمَا إذَا تَأَخَّرَ التَّدْبِيرُ عَنْ الْكِتَابَةِ) وَصُورَتُهُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يُدَبِّرُهُ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ ثُلُثُ الْبَدَلِ بِالِاتِّفَاقِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ حُرِّيَّةَ الثُّلُثِ ظَاهِرًا) أَيْ مَكْشُوفًا بَيِّنًا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، لِأَنَّ إخْرَاجَهَا عَنْ الْمِلْكِ بِغَيْرِ الْإِعْتَاقِ غَيْرُ صَحِيحٍ،
-
فَإِنْ أَعْتَقَهَا خَرَجَ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ،
-
وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ فَكَذَلِكَ
-
وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَنْ مَالٍ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ فَقَدْ
-
٩/١٩٠٩/١٩٠
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْتَزِمُ الْمَالَ بِمُقَابَلَةِ مَا يَسْتَحِقُّ حُرِّيَّتَهُ وَصَارَ كَمَا إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ كَانَ جَمِيعُ الْأَلْفِ بِمُقَابَلَةِ الْوَاحِدَةِ الْبَاقِيَةِ لِدَلَالَةِ الْإِرَادَةِ، كَذَا هَاهُنَا،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَتْ الْكِتَابَةُ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِيهِ لِأَنَّ الْبَدَلَ مُقَابَلٌ بِالْكُلِّ إذْ لَا اسْتِحْقَاقَ عِنْدَهُ فِي شَيْءٍ فَافْتَرَقَا قَالَ (وَإِنْ دَبَّرَ مُكَاتَبَتَهُ صَحَّ التَّدْبِيرُ) لِمَا بَيَّنَّا.
-
(وَلَهَا الْخِيَارُ، إنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ،
-
وَإِنْ شَاءَتْ عَجَّزَتْ نَفْسَهَا وَصَارَتْ مُدَبَّرَةً) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ فِي جَانِبِ الْمَمْلُوكِ،
-
فَإِنْ مَضَتْ عَلَى كِتَابَتِهَا فَمَاتَ الْمَوْلَى وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ سَعَتْ فِي ثُلُثَيْ مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: تَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْهُمَا، فَالْخِلَافُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي الْخِيَارِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
-
أَمَّا الْمِقْدَارُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ مَا بَيَّنَّا.
-
قَالَ (وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى مُكَاتَبَهُ عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِ) لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِيهِ (وَسَقَطَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَهُ إلَّا مُقَابَلًا بِالْعِتْقِ وَقَدْ حَصَلَ لَهُ دُونَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ،
-
اسْتَحَقَّتْ حُرِّيَّةَ كُلِّهَا، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهَا فَقَدْ اسْتَحَقَّتْ حُرِّيَّةَ ثُلُثِهَا فَاسْتِحْقَاقُ الثُّلُثِ ثَابِتٌ قَطْعًا (وَالظَّاهِرُ) الْبَيِّنُ (أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْتَزِمُ الْمَالَ بِمُقَابَلَةِ مَا يَسْتَحِقُّ حُرِّيَّتَهُ) فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْبَدَلِ بِمُقَابَلَةِ ثُلُثَيْ رَقَبَتِهَا فَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا عَتَقَ الْجَمِيعُ إذَا أَدَّتْ كُلَّ الْبَدَلِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الثُّلُثَيْنِ لَا الْكُلِّ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِتَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ،
-
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْجَوَابُ مَا مَرَّ أَنَّا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْكِتَابَةِ نَظَرًا لِلْمُدَبَّرِ، وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ أَنْ يَبْقَى بَعْضُهُ غَيْرَ حُرٍّ وَيَغْرَمُ كُلَّ الْبَدَلِ، فَاعْتَبَرْنَا الْمُقَابَلَةَ الصُّورِيَّةَ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى نَظَرًا لَهُ (قَوْلُهُ إذْ لَا اسْتِحْقَاقَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ فَيَكُونُ الْبَدَلُ فِي مُقَابَلَةِ الْكُلِّ،
-
فَإِذَا عَتَقَ بَعْضُ الرَّقَبَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّدْبِيرِ سَقَطَ حِصَّتُهُ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ (وَإِنْ دَبَّرَ مُكَاتَبَتَهُ صَحَّ التَّدْبِيرُ لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ تَلَقَّتْهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ (وَلَهَا الْخِيَارُ، إنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ،
-
وَإِنْ شَاءَتْ عَجَّزَتْ نَفْسَهَا وَصَارَتْ مُدَبَّرَةً، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ فِي جَانِبِ الْمَمْلُوكِ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَالْجِنَايَةَ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ،
-
وَإِذَا عَجَّزَ نَفْسَهُ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ (فَإِنْ مَضَتْ عَلَى كِتَابَتِهَا فَمَاتَ الْمَوْلَى وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا تَخَيَّرَتْ بَيْنَ السَّعْيِ فِي ثُلُثَيْ مَالِ الْكِتَابَةِ وَثُلُثَيْ قِيمَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا فِي الْأَقَلِّ مِنْهُمَا، فَاخْتَلَفُوا هَاهُنَا فِي الْخِيَارِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا) مِنْ تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ (وَأَمَّا الْمِقْدَارُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَمُحَمَّدٌ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى فَرْقٍ، وَالْفَرْقُ لَهُمَا بَيْنَ هَذِهِ وَمَا تَقَدَّمَتْ مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْبَدَلَ هَاهُنَا مُقَابَلٌ بِالْكُلِّ إلَخْ.
-
قَالَ (وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى مُكَاتَبَهُ إلَخْ) وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ وَسَقَطَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا كَانَ وَسِيلَةً إلَى تَحَصُّلِ شَيْءٍ وَحَصَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى سَقَطَ الْوَسِيلَةُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا.
-
٩/١٩١٩/١٩١
وَالْكِتَابَةُ وَإِنْ كَانَتْ لَازِمَةً فِي جَانِبِ الْمَوْلَى وَلَكِنَّهُ يُفْسَخُ بِرِضَا الْعَبْدِ وَالظَّاهِرُ رِضَاهُ تَوَسُّلًا إلَى عِتْقِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ مَعَ سَلَامَةِ الْأَكْسَابِ لَهُ لِأَنَّا نُبْقِي الْكِتَابَةَ فِي حَقِّهِ.
-
قَالَ (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ) اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ الْأَجَلِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ وَالدَّيْنُ مَالٌ فَكَانَ رِبًا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الْحُرِّ
-
فَإِنْ قِيلَ: الْكِتَابَةُ لَازِمَةٌ فِي جَانِبِ الْمَوْلَى فَلَا تَقْبَلُ الْفَسْخَ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالْكِتَابَةُ وَإِنْ كَانَتْ لَازِمَةً فِي جَانِبِ الْمَوْلَى وَلَكِنَّهُ يُفْسَخُ بِرِضَا الْعَبْدِ) وَاللُّزُومُ كَانَ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ،
-
فَإِذَا رَضِيَ بِالْفَسْخِ فَقَطْ أَسْقَطَ حَقَّهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ الْمَوْلَى أَوْ آجَرَهُ بِرِضَاهُ (وَالظَّاهِرُ رِضَاهُ تَوَسُّلًا إلَى عِتْقِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ) فَإِنَّهُ إذَا رَضِيَ بِهِ بِبَدَلٍ فَبِلَا بَدَلٍ يَكُونُ أَرْضَى، وَقَوْلُهُ (مَعَ سَلَامَةِ الْأَكْسَابِ لَهُ لِأَنَّا نُبْقِي الْكِتَابَةَ فِي حَقِّهِ) إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ مَا عَسَى أَنْ يُقَالَ قَدْ يَكُونُ رَاضِيًا بِبَدَلٍ نَظَرًا إلَى سَلَامَةِ الْأَكْسَابِ لَهُ فَقَدْ تَكُونُ الْأَكْسَابُ كَثِيرَةً تَفْضُلُ بَعْدَ أَدَاءِ الْبَدَلِ مِنْهَا لَهُ جُمْلَةً.
-
وَوَجْهٌ أَنَّ الْأَكْسَابَ سَالِمَةٌ لَهُ لِأَنَّا نُبْقِي الْكِتَابَةَ فِي حَقِّهِ لِتَبْقَى الْأَكْسَابُ عَلَى مِلْكِهِ نَظَرًا لَهُ، وَحِينَئِذٍ صَارَ الظَّاهِرُ كَالْمُتَحَقِّقِ الْوَاقِعِ فَيُعْتَقُ بِإِعْتَاقِهِ (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّ هَذَا الصُّلْحَ اعْتِيَاضٌ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ) بِمَا هُوَ مَالٌ (لِأَنَّ الْأَجَلَ لَيْسَ بِمَالٍ وَالدَّيْنُ مَالٌ) وَذَلِكَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ لَا يَجُوزُ وَعَقْدُ الْكِتَابَةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ،
-
وَإِذَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ كَانَ خَمْسَمِائَةٍ بَدَلًا عَنْ أَلْفٍ (وَذَلِكَ رِبًا) لَا يُقَالُ: هَلَّا جَعَلْت إسْقَاطًا لِبَعْضِ الْحَقِّ لِيَجُوزَ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمُسْتَحَقِّ وَالْمُعَجَّلُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ
-
٩/١٩٢٩/١٩٢
وَمُكَاتَبِ الْغَيْرِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْأَجَلَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ إلَّا بِهِ فَأُعْطِيَ لَهُ حُكْمُ الْمَالِ، وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَا تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ فَاعْتَدَلَا فَلَا يَكُونُ رِبًا، وَلِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ عَقْدٌ مِنْ وَجْهٍ
-
وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ،
-
وَكَذَا لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَى مُكَاتَبِ الْغَيْرِ أَلْفٌ إلَى سَنَةٍ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْأَجَلَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الْبَدَلِ إلَّا بِهِ فَأُعْطِيَ لَهُ حُكْمُ الْمَالِ وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَا تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ فَاعْتَدَلَا) وَكَانَا اعْتِيَاضًا عَمَّا هُوَ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ بِمَا هُوَ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ (فَلَمْ يَكُنْ) ثَمَّةَ (رِبًا) وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْمَالَ مَا يُتَمَوَّلُ بِهِ وَهُوَ يَعْتَمِلُ الْإِحْرَازَ وَذَلِكَ فِي الْأَجَلِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ فَأُعْطِيَ لَهُ حُكْمُ الْمَالِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَمَّا لَفْظًا فَلِأَنَّ أَعْطَى مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْهِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ بِاللَّامِ وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّهُ قَالَ الْأَجَلُ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ،
-
فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فَأُعْطِيَ لَهُ حُكْمَ الْمَالِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَاتَ الِاعْتِدَالُ إذْ الدَّيْنُ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ،
-
وَإِنْ أَرَادَ حُكْمَ الْمَالِ مِنْ وَجْهٍ فَهُوَ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ أَنَّ الْمَالَ مَا يُتَمَوَّلُ بِهِ وَيُحْرَزُ صَحِيحٌ إذَا كَانَ مَالًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَعَيْنِ الدَّرَاهِمِ لِتَوَقُّفِ قُدْرَةِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ تَوَقُّفَهَا عَلَى عَيْنِ الدَّرَاهِمِ، وَضَمَّنَ أَعْطَى مَعْنَى اعْتَبَرَ، وَمَعْنَاهُ اعْتَبَرَ لِلْأَجَلِ حُكْمَ الْمَالِ،
-
فَإِنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جِهَةً فِي شَيْءٍ وَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا، فَبَيَّنَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ لَهُ تِلْكَ الْجِهَةَ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ وَنَظَرًا لِلْمُكَاتَبِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ) وَجْهٌ آخَرُ لِلِاسْتِحْسَانِ.
-
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ عَقْدٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ شَبَهًا بِالتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ فَيَكُونُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَمِينًا وَالْأَجَلُ رِبًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَفِيهِ شُبْهَةُ الرِّبَا، وَشُبْهَةُ الرِّبَا إذَا وَقَعَتْ فِي شُبْهَةِ الْعَقْدِ كَانَتْ
-
٩/١٩٣٩/١٩٣
دُونَ وَجْهٍ وَالْأَجَلُ رِبًا مِنْ وَجْهٍ فَيَكُونُ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ،
-
بِخِلَافِ الْعَقْدِ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ رِبًا وَالْأَجَلُ فِيهِ شُبْهَةٌ.
-
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمَرِيضُ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ ثُمَّ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْأَلْفَيْنِ حَالًّا وَالْبَاقِيَ إلَى أَجَلِهِ أَوْ يُرَدُّ رَقِيقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْأَلْفِ حَالًّا وَالْبَاقِيَ إلَى أَجَلِهِ)
-
لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الزِّيَادَةَ بِأَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا وَصَارَ كَمَا إذَا خَالَعَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ عَلَى أَلْفٍ إلَى سَنَةٍ جَازَ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَلَهُمَا أَنَّ جَمِيعَ الْمُسَمَّى بَدَلُ الرَّقَبَةِ حَتَّى أُجْرِيَ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْأَبْدَالِ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُبْدَلِ فَكَذَا بِالْبَدَلِ، وَالتَّأْجِيلُ إسْقَاطٌ مَعْنًى فَيُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِ الْجَمِيعِ،
-
بِخِلَافِ الْخُلْعِ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِيهِ لَا يُقَابِلُ الْمَالَ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِالْمُبْدَلِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَلِ، وَنَظِيرُ هَذَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ دَارِهِ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَعِنْدَهُمَا يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي أَدِّ ثُلُثَيْ جَمِيعِ الثَّمَنِ حَالًّا وَالثُّلُثَ إلَى أَجَلِهِ وَإِلَّا فَانْقُضْ الْبَيْعَ، وَعِنْدَهُ يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ لَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى، قَالَ (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ يُقَالُ لَهُ أَدِّ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ حَالًّا أَوْ تُرَدُّ رَقِيقًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ هَاهُنَا فِي الْقَدْرِ وَالتَّأْخِيرِ فَاعْتُبِرَ الثُّلُثُ فِيهِمَا.
-
شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِهَا،
-
بِخِلَافِ الْعَقْدِ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ رِبًا وَالْأَجَلُ فِيهِ شُبْهَةٌ لَا شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ.
-
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمَرِيضُ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ الْأَجَلَ) لِأَنَّ الْمَرِيضَ تَصَرَّفَ فِيهِ وَهُوَ حَقُّهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ دَفْعًا لِضَرَرِ تَأْخِيرِ حَقِّهِمْ إلَى مُضِيِّ الْأَجَلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ (فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْأَلْفَيْنِ حَالًّا) وَهُوَ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ (وَالْبَاقِي) وَهُوَ سِتُّمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا وَثُلُثَا دِرْهَمٍ (إلَى أَجَلِهِ أَوْ يُرَدُّ رَقِيقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْأَلْفِ حَالًّا وَالْبَاقِي إلَى أَجَلِهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الزَّائِدَ عَلَى قِيمَتِهِ) وَمَنْ لَهُ تَرْكُ شَيْءٍ لَهُ تَرْكُ وَصْفِهِ وَالتَّعْجِيلُ وَصْفٌ فَيَجُوزُ تَرْكُهُ (وَصَارَ) ذَلِكَ (كَمَا إذَا خَالَعَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ عَلَى أَلْفٍ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بِغَيْرِ بَدَلٍ) وَلَوْ قَالَ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الزِّيَادَةَ وَثُلُثَ الْأَلْفِ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُمَا كَانَ أَحْسَنَ فَتَأَمَّلْ (وَلَهُمَا أَنَّ جَمِيعَ الْمُسَمَّى بَدَلُ الرَّقَبَةِ) بِدَلِيلِ جَرَيَانِ أَحْكَامِ الْأَبْدَالِ مِنْ جَوَازِ الْمُرَابَحَةِ عَلَى الْأَلْفَيْنِ وَجَوَازُ الْحَبْسِ عَلَى الْمُمَاطَلَةِ وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى وَهُوَ الْأَلْفَانِ، وَبَدَلُ الرَّقَبَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمُبْدَلِ،
-
فَإِنَّ الْمُبْدَلَ لَمَّا كَانَ مُتَقَوِّمًا كَانَ حُكْمُ بَدَلِهِ حُكْمَهُ فَجَمِيعُ الْمُسَمَّى يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ، وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ جَازَ لِلْمَرِيضِ إسْقَاطُ ثُلُثِهِ فَيَجُوزُ تَأْجِيلُهُ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ مَعْنًى،
-
بِخِلَافِ بَدَلِ الْخُلْعِ فَإِنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْمُبْدَلِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِمَالٍ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ اخْتِلَافُهُمْ إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ دَارِهِ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ إلَى سِتَّةٍ وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ التَّأْجِيلَ؛ فَعِنْدَهُمَا يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَدَاءِ ثُلُثَيْ جَمِيعِ الثَّمَنِ حَالًّا وَالثُّلُثِ إلَى أَجَلِهِ، وَبَيْنَ نَقْضِ الْبَيْعِ وَعِنْدَهُ يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ لَا فِي الزِّيَادَةِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى: يَعْنِي الدَّلِيلَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ أَدَّى ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ حَالًّا أَوْ يُرَدُّ رَقِيقًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ فِي الْقَدْرِ) وَهُوَ إسْقَاطُ أَلْفِ دِرْهَمٍ (وَالتَّأْخِيرِ) وَهُوَ تَأْجِيلُ الْأَلْفِ الْآخَرِ (فَاعْتُبِرَ الثُّلُثُ فِيهِمَا) أَيْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي ثُلُثِ قِيمَتِهِ فِي الْإِسْقَاطِ وَالتَّأْخِيرِ، لَكِنْ لَمَّا سَقَطَ ذَلِكَ الثُّلُثُ لَمْ يَبْقَ التَّأْخِيرُ أَيْضًا وَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِي ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ لَا فِي حَقِّ الْإِسْقَاطِ وَلَا فِي حَقِّ التَّأْخِيرِ.