بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ١٬١٠٨ إلى ١٬٢٨٥
-
١/١٤٣١/١٤٣
(الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ) وَالْأَخْبَارُ فِيهِ مُسْتَفِيضَةٌ حَتَّى قِيلَ إنَّ مَنْ لَمْ يَرَهُ كَانَ مُبْتَدِعًا
-
إنَّمَا أَعْقَبَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ التَّيَمُّمَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَهَارَةُ مَسْحٍ، أَوْ؛ لِأَنَّهُمَا بَدَلَانِ عَنْ الْغُسْلِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا رُخْصَةٌ مُؤَقَّتَةٌ إلَى غَايَةٍ، وَكَانَ التَّيَمُّمُ بَدَلَ الْكُلِّ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَدَلُ الْبَعْضِ (وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ) أَيْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلِهِ (وَالْأَخْبَارُ فِيهِ مُسْتَفِيضَةٌ) أَيْ كَثِيرَةٌ شَائِعَةٌ جِدًّا قَوْلًا وَفِعْلًا.
-
أَمَّا الْفِعْلُ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَالْعَبَادِلَةُ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» .
-
وَأَمَّا الْقَوْلُ فَقَدْ رَوَى عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رضي الله عنه «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَكُنْت أَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهِ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقُلْت: أَنَسِيت غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ؟ فَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» وَعَنْ صَفْوَانِ بْنِ عَسَّالٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا: أَيْ مُسَافِرِينَ أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، لَا عَنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ.»
-
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَدْرَكْت سَبْعِينَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَرَوْنَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَلِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا قُلْت
-
١/١٤٤١/١٤٤
لَكِنَّ مَنْ رَآهُ ثُمَّ لَمْ يَمْسَحْ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ كَانَ مَأْجُورًا، وَيَجُوزُ
-
بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: خَبَرُ الْمَسْحِ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ لِشُهْرَتِهِ، وَعَنْ هَذَا قِيلَ: مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ: أَيْ لَمْ يَعْتَقِدْ جَوَازَهُ كَانَ مُبْتَدِعًا.
-
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: أَخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرَ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ فِيهِ جَاءَتْ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يُفَضِّلَ الشَّيْخَيْنِ: يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم ،
-
وَأَنْ يُحِبَّ الْخَتَنَيْنِ: يَعْنِي عُثْمَانَ وَعَلِيًّا رضي الله عنهما ،
-
وَأَنْ يَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
-
فَإِنْ قُلْت: فَمَا الْجَوَابُ عَمَّا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ " فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَأَنْ أَمْسَحَ عَلَى ظَهْرِ عِيرٍ فِي الْفَلَاةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها : لَأَنْ تُقْطَعَ قَدَمَايَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. قُلْت: قَدْ صَحَّ رُجُوعُهُمْ إلَى جَوَازِهِ. أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَدْ رَوَى تِلْمِيذُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ، وَأَمَّا عَائِشَةُ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهَا قَالَتْ «مَا زَالَ يَمْسَحُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ» وَرَوَى رُجُوعَهَا أَيْضًا شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ مَنْ رَآهُ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ مَنْ لَمْ يَرَهُ كَانَ مُبْتَدِعًا.
-
وَقَوْلُهُ: (كَانَ مَأْجُورًا) قِيلَ هَذِهِ رِوَايَةُ خَالَفْت رِوَايَةَ أُصُولِ الْفِقْهِ،
-
فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ كَالصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَالْعَزِيمَةُ لَمْ تَبْقَ مَشْرُوعَةً فِيهَا فَكَيْفَ يُؤْجَرُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ مَا دَامَ الْمُكَلَّفُ مُتَخَفِّفًا،
-
فَأَمَّا إذَا نَزَعَ خُفَّيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا وَلَهُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ لَحِقَهُ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ فَصَارَ ذَلِكَ كَمَنْ أَبْطَلَ سَفَرَهُ فَإِنَّهُ سَقَطَ عَنْهُ بِسَبَبِ رُخْصَتِهِ سُقُوطَ شَطْرِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا اللَّفْظُ: أَعْنِي قَوْلَهُ
-
١/١٤٥١/١٤٥
(مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ) خَصَّهُ بِحَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ لِأَنَّهُ لَا مَسْح مِنْ الْجَنَابَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِحَدَثٍ مُتَأَخِّرٍ لِأَنَّ الْخُفَّ عُهِدَ مَانِعًا،
-
وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ بِحَدَثٍ سَابِقٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ إذَا لَبِسَتْ عَلَى السَّيَلَانِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ
-
كَانَ مَأْجُورًا أَتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ فَتَابَعَهُ الْمُصَنِّفُ وَنِعْمَ الْمَتْبُوعُ.
-
فَإِنْ قُلْت: ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ الرُّسْتُغْفَنِيَّ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاطُ وَيَنْزِعُ خُفَّيْهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، إمَّا لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الرَّوَافِضِ،
-
وَإِمَّا؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ وَالنَّصْبِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ حَالَ عَدَمِ اللُّبْسِ وَيُمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَالَ اللُّبْسِ لِيَصِيرَ عَامِلًا بِالْقِرَاءَتَيْنِ،
-
فَمَنْ الْمُحِقُّ مِنْهُمَا؟ قُلْت: إنْ حَمَلْت قَوْلَ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى أَنْ يَمْسَحَ أَحْيَانًا وَلَا يَتْرُكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ تَوَافُقًا. فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَا يَمْسَحَ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ عَلَى الدَّوَامِ وَنَفْيُ التُّهْمَةِ يَحْصُلُ بِالْمَسْحِ أَحْيَانًا فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ دَفْعًا لِلتَّدَافُعِ.
-
قَالَ: وَيَجُوزُ الْمَسْحُ (مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ) خَصَّ الْقُدُورِيُّ الْمَسْحَ بِحَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ احْتِرَازًا عَنْ الْجَنَابَةِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ وَجَعَلَ الْحَدَثَ مُوجِبًا مَجَازًا فَإِنَّهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لَكِنَّهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِهِ فَجَازَ أَنْ يُضَافَ الْإِيجَابُ إلَيْهِ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
-
(قَوْلُهُ: وَبِحَدَثٍ مُتَأَخِّرٍ) أَيْ وَخَصَّهُ بِحَدَثٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ عُهِدَ مَانِعًا لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ لَا رَافِعًا لِلْحَدَثِ؛؛ لِأَنَّ الرَّافِعَ هُوَ الْمُطَهِّرُ وَالْخُفُّ لَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ:
-
وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ بِحَدَثٍ سَابِقٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ إذَا لَبِسَتْ وَالدَّمُ يَسِيلُ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ) وَتَوَضَّأَتْ فَإِنَّهَا لَا تَمْسَحُ؛ لِأَنَّ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ ظَهَرَ الْحَدَثُ السَّابِقُ،
-
وَكَذَلِكَ الْمُتَيَمِّمُ إذَا لَبِسَ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ وَتَوَضَّأَ لَا يَمْسَحُ؛ لِأَنَّ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ ظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ،
-
فَلَوْ جَوَّزْنَا الْمَسْحَ كَانَ الْخُفُّ رَافِعًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ:
-
ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، وَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ مُنْحَصِرًا فِيمَا ذَكَرَهُ وَهُوَ اللُّبْسُ عَلَى السَّيَلَانِ، بَلْ لَوْ كَانَ الدَّمُ سَائِلًا عِنْدَ الْوُضُوءِ دُونَ اللُّبْسِ أَوْ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ.
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ جَمِيعًا فَإِنَّهَا وَالصَّحِيحَةَ سَوَاءٌ. وَقَوْلُ الْقُدُورِيِّ: إذَا لَبِسَهُمَا
-
١/١٤٦١/١٤٦
وَالْمُتَيَمِّمُ إذَا لَبِسَ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ كَانَ رَافِعًا. وَقَوْلُهُ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ الْكَمَالِ وَقْتَ اللِّبْسِ بَلْ وَقْتَ الْحَدَثِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَكْمَلَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ أَحْدَثَ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ حُلُولَ الْحَدَثِ بِالْقَدَمِ
-
عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ كَمَالِهَا وَقْتَ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا خِلَافُ ذَلِكَ وَهُوَ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ وَقْتَ الْحَدَثِ.
-
وَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ مِنْ قَوْلِهِ لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ الْكَمَالِ إنْ كَانَ هَذَا التَّقْدِيرَ فَفِي كَلَامِ الْقُدُورِيِّ تَسَامُحٌ،
-
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ يُفِيدُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ غَسَلَ رَجُلَيْهِ) قِيلَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَتِيجَةِ مَا ذَكَرَ مِنْ اشْتِرَاطِ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ،
-
فَإِنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْمَسْحِ هُنَا بِاعْتِبَارِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ لَا بِاعْتِبَارِ اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ وَقْتَ اللُّبْسِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ مَا قَالَ وَلَوْ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ الرِّجْلَ الْأُخْرَى وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَحْدَثَ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عِنْدَنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ لَمْ يَنْزِعْ الْخُفَّ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ،
-
فَإِنْ نَزَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ لُبْسُهُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا أَثْبَتَ الْمُصَنِّفُ بِالدَّلِيلِ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ صَحَّ أَنْ يَبْنِيَ هَذَا الْفَرْعَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعُ حُلُولِ الْحَدَثِ بِالْقَدَمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا مَرَّ، وَكُلُّ مَا هُوَ مَانِعٌ حُلُولَ الْحَدَثِ بِالْقَدَمِ يُرَاعَى كَمَالُ الطَّهَارَةِ فِيهِ وَقْتَ الْمَنْعِ عَنْ حُلُولِ الْحَدَثِ؛
-
لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً عِنْدَ ذَلِكَ كَانَ الْخُفُّ رَافِعًا حَدَثًا كَانَ
-
١/١٤٧١/١٤٧
فَيُرَاعَى كَمَالُ الطَّهَارَةِ وَقْتَ الْمَنْعِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً عِنْدَ ذَلِكَ كَانَ الْخُفُّ رَافِعًا (وَيَجُوزُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» قَالَ (وَابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ) لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الْحَدَثِ فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ.
-
بِالرِّجْلَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ وَهُوَ شُرِعَ مَانِعًا لَا رَافِعًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا بَلْ يَكُونُ مَانِعًا حُلُولَ الْحَدَثِ بِالْقَدَمَيْنِ الطَّاهِرَتَيْنِ بِالْغَسْلِ،
-
فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ غَسْلُ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ بِمَجْمُوعِ الْغُسْلَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَكَانَ مَانِعًا لَا رَافِعًا.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّا قَدْ اتَّفَقْنَا أَنَّ الْمَسْحَ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَإِنْ اخْتَلَفْنَا فِي وَقْتِهَا،
-
فَلَوْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ نَاقِصَةً عِنْدَ حُلُولِ الْحَدَثِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ رَافِعًا لِلْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ الْحَالِّ بِالْقَدَمِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ زَالَ بِالْمَاءِ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ بَاقٍ حُكْمًا لِعَدَمِ التَّجَزُّؤِ، وَعَنْ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ أَيْضًا لِيَرِدَ الْمَسْحُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَكَانَ رَافِعًا لَا مَانِعًا وَلَزِمَ الْخَلَفُ،
-
فَإِنْ قُلْت: هَذَا يَقْتَضِي وُجُودَ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ وَقْتَ الْحَدَثِ وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَقُولُ إنَّهَا لَا تَكْفِي بَلْ يَحْتَاجُ إلَى وُجُودِهَا وَقْتَ اللُّبْسِ أَيْضًا وَمَا ذَكَرْتُمْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ. قُلْت: هَذَا نَاهِضٌ وَلَا دَافِعَ لَهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَدَافِعُهُ أَنَّ وُجُودَهَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ طَرَيَانِ مُزِيلِهَا وَهُوَ الْحَدَثُ تَحْقِيقًا لِلْإِزَالَةِ.
-
وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ مُسْتَغْنًى عَنْهَا فَلَا فَائِدَةَ فِي اشْتِرَاطِهَا.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً) يَجُوزُ الْمَسْحُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً (وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيُهَا) وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْمُقِيمُ لَا يَمْسَحُ أَصْلًا وَالْمُسَافِرُ مَسْحُهُ مُؤَبَّدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، إنَّ الْمُقِيمَ كَالْمُسَافِرِ. وَاحْتَجَّ لِلْأُولَى فِي الْمُقِيمِ بِأَنَّ الْمَسْحَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْمُقِيمِ، وَفِي الْمُسَافِرِ بِحَدِيثِ «عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَوْمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت يَوْمَيْنِ؟ فَقَالَ نَعَمْ حَتَّى انْتَهَيْت إلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : إذَا كُنْت فِي سَفَرٍ فَامْسَحْ مَا بَدَا لَك» وَلِلثَّانِيَةِ بِمَا رَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِيِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ رَوَوْا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ.
-
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ.
-
وَلَنَا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﷺ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» رَوَاهُ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَجَابِرٌ وَخُزَيْمَةَ وَصَفْوَانُ وَعَوْفُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالْمَشْهُورُ لَا يُتْرَكُ بِالشَّاذِّ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رحمه الله : رِجَالُهُ لَا يُعْرَفُونَ.
-
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قَدْ اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ، وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إسْنَادُهُ لَا يَثْبُتُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: إسْنَادُهُ مُضْطَرِبٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدِيثٌ مَجْهُولٌ، عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّ مُرَادَهُ ﷺ بَيَانُ أَنَّ الْمَسْحَ مُؤَبَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ لَا أَلَّا يَنْزِعَ خُفَّيْهِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَعَدَمُ الضَّرُورَةِ فِي الْمُقِيمِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ يَلْبَسُ الْخُفَّ حِينَ يُصْبِحُ وَيَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ النَّزْعُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى بَيْتِهِ لَيْلًا (وَابْتِدَاؤُهَا) أَيْ ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ (عَقِيبَ الْحَدَثِ) لَا مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيِّ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ جَوَازَهُ بِسَبَبِهِ فَتُعْتَبَرُ مِنْ
-
١/١٤٨١/١٤٨
(وَالْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ، يَبْدَأُ مِنْ قِبَلِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خُفَّيْهِ وَمَدَّهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْمَسْحِ عَلَى خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ»
-
وَقْتِهِ وَلَا مِنْ حِينِ الْمَسْحِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ لِأَجَلِهِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَنْ تَوَضَّأَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَعَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ يَمْسَحُ الْمُقِيمُ إلَى وَقْتِ الْحَدَثِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَهُوَ مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي إلَى وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَهُوَ وَقْتُ اللُّبْسِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ إلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَهُوَ وَقْتُ الْمَسْحِ،
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعُ سِرَايَةِ الْحَدَثِ: أَيْ وُصُولِهِ إلَى الرِّجْلِ وَالْمَانِعُ عَنْ الشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ مَانِعًا حَقِيقَةً عِنْدَ طَرَيَانِ الْمَمْنُوعِ وَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ عِنْدِهِ.
-
(وَالْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: السُّنَّةُ مَسْحُ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» .
-
وَقَوْلُهُ: خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ بِمَعْنَى مُخَطَّطٍ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ عَطَاءٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِتَثْلِيثِ الْمَسْحِ اعْتِبَارًا بِالْغَسْلِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُطُوطَ إنَّمَا تَبْقَى إذَا مَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَبْدَأَ فَيَضَعَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَأَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، وَيَمُدُّهُمَا إلَى السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ، وَيُفَرِّجُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ،
-
وَلَوْ وَضَعَ الْكَفَّ مَعَ الْأَصَابِعِ قِيلَ كَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا وَهُوَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خُفَّيْهِ وَمَدَّهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى أَعْلَاهُمَا» ، الْحَدِيثُ يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَضَعَ يَدَهُ وَلَمْ يَقُلْ وَضَعَ أَصَابِعَهُ وَمَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام مَسَحَ عَلَى أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ مِثْلُ أَبِي دَاوُد
-
١/١٤٩١/١٤٩
ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الظَّاهِرِ حَتْمٌ حَتَّى لَا يَجُوزَ عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَعَقِبِهِ وَسَاقِهِ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ فَيُرَاعَى فِيهِ جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَالْبُدَاءَةُ مِنْ الْأَصَابِعِ اسْتِحْبَابٌ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ (وَفَرْضُ ذَلِكَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ) وَقَالَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ.
-
وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ مَا يَلِي السَّاقَ وَمَا يَلِي الْأَصَابِعَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ (ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الظَّاهِرِ حَتْمٌ) أَيْ وَاجِبٌ (حَتَّى لَا يَجُوزَ لَهُ عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَعَقِبِهِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ. وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ) إذْ الْقِيَاسُ أَلَّا يَقُومَ الْمَسْحُ الَّذِي لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ مَقَامَ الْغَسْلِ الَّذِي يُزِيلُهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ دُونَ بَاطِنِهِمَا.
-
وَإِنَّمَا كَانَ الرَّأْيُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ يُلَاقِي الْأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ طِينٍ وَتُرَابٍ وَقَذَرٍ بِبَاطِنِهِ لَا بِظَاهِرِهِ،
-
وَإِذَا كَانَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ يُرَاعَى جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ (وَالْبُدَاءَةُ مِنْ الْأَصَابِعِ اسْتِحْبَابٌ) حَتَّى لَوْ بَدَأَ مِنْ السَّاقِ جَازَ أَيْضًا.
-
وَوَجْهُ الِاسْتِحْبَابِ الِاعْتِبَارُ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْكَعْبَ غَايَةً. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الشَّرْعُ وَرَدَ بِمَدِّ الْيَدَيْنِ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى أَعْلَاهُمَا فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ الْبُدَاءَةُ بِالْأَصَابِعِ حَتْمًا لَا مُسْتَحَبًّا كَالْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا، فَالِاعْتِبَارُ بِالْأَصْلِ تَرْكٌ لِمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ،
-
وَكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ تَرْكٌ لَهُ «فَإِنَّهُ عليه الصلاة والسلام مَدَّ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ» . وَالْجَوَابُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَدَّ إلَى السَّاقِ فَجُعِلَ الْمَفْرُوضُ فِي أَصْلِ الْمَسْحِ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ
-
١/١٥٠١/١٥٠
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ كَبِيرٌ يُبَيِّنُ مِنْهُ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ،
-
فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَازَ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ قَلَّ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ الْبَادِي وَجَبَ غَسْلُ الْبَاقِي. وَلَنَا أَنَّ الْخِفَافَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ خَرْقٍ عَادَةً فَيَلْحَقُهُمْ الْحَرَجُ فِي النَّزْعِ وَتَخْلُو عَنْ الْكَبِيرِ فَلَا حَرَجَ، وَالْكَبِيرُ أَنْ يَنْكَشِفَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعِ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ أَصْغَرُهَا
-
وَالْبُدَاءَةُ سُنَّةٌ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
-
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَبِإِشَارَةِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام (خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ) ،
-
فَإِنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ. وَاخْتُلِفَ فِي الْأَصَابِعِ فَذَهَبَ عَامَّةُ عُلَمَائِنَا إلَى أَنَّهَا أَصَابِعُ الْيَدِ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: أَصَابِعُ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ يَقَعُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَكْثَرُ الْمَمْسُوحِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا فِي الْخِرَقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ فَإِنَّ الْمَسْحَ فِعْلٌ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ لَا إلَى الْمَحَلِّ فَتُعْتَبَرُ الْآلَةُ كَمَا فِي الرَّأْسِ.
-
وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ وَضْعًا أَجْزَأَهُ.
-
وَقَالَ الْقُدُورِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِأَصَابِعِ الْيَدِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي التُّحْفَةِ: سَوَاءٌ كَانَ الْمَسْحُ طُولًا أَوْ عَرْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَوْ وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ وَضْعًا لَا يُقَيَّدُ بِشَيْءٍ مِنْ الطُّولِ وَالْعَرْضِ.
-
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ كَبِيرٌ) رُوِيَ كَثِيرٌ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنْ فَوْقُ وَكَبِيرٌ بِالْبَاءِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ تَحْتُ، وَالْأَوَّلُ يُقَابِلُهُ الْقَلِيلُ وَالثَّانِي يُقَابِلُهُ الصَّغِيرُ.
-
وَقَوْلُهُ: مِنْ بَعْدُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ شُمُولُ الْمَنْعِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهُوَ مَذْهَبُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي شُمُولُ الْجَوَازِ فِيهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ. وَالثَّالِثُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ.
-
وَالرَّابِعُ الْقَوْلُ بِغَسْلِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْقَدَمِ وَمَسْحُ مَا لَمْ يَظْهَرْ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. وَجْهُ الْأَوَّلِ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ لَمَّا كَانَ مَانِعًا كَانَ الْيَسِيرُ كَذَلِكَ كَالْحَدَثِ.
-
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْخُفَّ يَمْنَعُ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ، فَمَا دَامَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخُفِّ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ قَوْلِنَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ الْخِفَافَ لَا تَخْلُو عَنْ الْخَرْقِ الْقَلِيلِ عَادَةً،
-
١/١٥١١/١٥١
هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَدَمِ هُوَ الْأَصَابِعُ وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا فَيُقَامُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَاعْتِبَارُ الْأَصْغَرِ لِلِاحْتِيَاطِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِدُخُولِ الْأَنَامِلِ إذَا كَانَ لَا يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ، وَيُعْتَبَرُ هَذَا الْمِقْدَارُ فِي كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَةٍ فَيُجْمَعُ الْخَرْقُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَلَا يُجْمَعُ فِي خُفَّيْنِ لِأَنَّ الْخَرْقَ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ بِالْآخِرِ،
-
بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِلْكُلِّ وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ نَظِيرُ النَّجَاسَةِ.
-
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ)
-
فَإِنَّ الْخُفَّ وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا فَآثَارُ الدُّرُوزِ وَالْأَشَافِي خَرْقٌ فِيهِ وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ التُّرَابُ فَيَلْحَقُهُمْ الْحَرَجُ فِي النَّزْعِ فَجُعِلَ عَفْوًا وَتَخْلُو عَنْ الْكَثِيرِ فَلَا حَرَجَ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ اعْتِبَارِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ هُوَ رِوَايَةُ الزِّيَادَاتِ؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ إذَا كَانَ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنَعَ قَطْعَ السَّفَرِ، وَقَطْعُ السَّفَرِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالرِّجْلِ فَيُعْتَبَرُ أَصَابِعُهَا.
-
وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ شَيْئَيْنِ عَنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ ثَلَاثُ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ آلَةُ الْمَسْحِ، وَعَمَّا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْخَرْقِ أَكْبَرُ الْأَصَابِعِ إنْ كَانَ الْخَرْقُ عِنْدَ أَكْبَرِهَا، وَأَصْغَرُهَا إنْ كَانَ عِنْدَ أَصْغَرِهَا.
-
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْأَصْلَ) دَلِيلٌ عَلَى الْمِقْدَارِ وَالصِّغَرِ. وَقَوْلُهُ:
-
(وَلَا مُعْتَبَرَ بِدُخُولِ الْأَنَامِلِ) ظَاهِرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ إذَا كَانَ يَبْدُو قَدْرُ ثَلَاثِ أَنَامِلَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ.
-
قَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْنَعُ الْمَسْحُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُمْنَعُ. وَالشَّرْطُ أَنْ يَبْدُوَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ بِكَمَالِهَا، وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَقَوْلُهُ: (وَيُعْتَبَرُ هَذَا الْمِقْدَارُ فِي كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَةٍ فَيُجْمَعُ الْخَرْقُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ) ؛
-
لِأَنَّهُ يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ بِهِ (وَلَا يُجْمَعُ فِي خُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ بِالْآخَرِ) وَاضِحٌ. قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ فِي الْخُفَّيْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرِّجْلَيْنِ صَارَتَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ خِطَابٍ وَاحِدٍ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا صَارَتَا كَعُضْوِ وَاحِدٍ فِي حَقِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَالْخَرْقُ أَمْرٌ حِسِّيٌّ فَلَا يَكُونَانِ فِيهِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ، وَلِهَذَا لَوْ مَدَّ الْمَاءَ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْعَقِبِ جَازَ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ،
-
وَلَوْ مَدَّ الْمَاءَ مِنْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ إلَى الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ.
-
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلرِّجْلَيْنِ شَبَهًا بِعُضْوٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ دُخُولُهُمَا تَحْتَ خِطَابٍ وَاحِدٍ، وَبِعُضْوَيْنِ مِنْ حَيْثُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ، وَقُلْنَا بِعَدَمِ الْجَمْعِ نَظَرًا إلَى الشَّبَهِ الثَّانِي، وَبِعَدَمِ غَسْلِ مَا فِيهِ الْخَرْقُ دُونَ الْآخَرِ نَظَرًا إلَى الشَّبَهِ الْأَوَّلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِيمَا هُوَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ.
-
وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ) يَعْنِي إذَا كَانَ فِي أَحَدِ الْخُفَّيْنِ نَجَاسَةٌ قَلِيلَةٌ وَفِي الْآخَرِ كَذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ نَظِيرُ النَّجَاسَةِ فِي أَنَّ الْمَانِعَ انْكِشَافُ عَيْنِ الْعَوْرَةِ وَقَدْ وُجِدَ كَمَا أَنَّ الْمَانِعَ حَمْلُ النَّجَاسَةِ وَقَدْ وُجِدَ، وَوَجْهُ الرَّابِعِ وَاضِحٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ) قِيلَ صُورَتُهُ رَجُلٌ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَجْنَبَ ثُمَّ وَجَدَ
-
١/١٥٢١/١٥٢
لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا إلَّا عَنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ» وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تُكَرَّرُ عَادَةً فَلَا حَرَجَ فِي النَّزْعِ،
-
بِخِلَافِ الْحَدَثِ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ.
-
(وَيَنْقُضُ الْمَسْحَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لِأَنَّهُ بَعْضُ الْوُضُوءِ (وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا نَزْعُ الْخُفِّ) لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ حَيْثُ زَالَ الْمَانِعُ،
-
وَكَذَا نَزْعُ أَحَدِهِمَا لِتَعْذِرْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدَةٍ
-
مَاءً يَكْفِي لِلْوُضُوءِ وَلَا يَكْفِي لِلِاغْتِسَالِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَلَا يَمْسَحُ وَيَتَيَمَّمُ لِلْجَنَابَةِ.
-
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: الْجَنَابَةُ أَلْزَمَتْهُ غَسْلَ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَمَعَ الْخُفِّ لَا يَتَأَتَّى،
-
بِخِلَافِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ غَسْلَ أَعْضَاءٍ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الْخُفِّ. وَعَسَّالٌ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: بَيَّاعُ الْعَسَلِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ ظَاهِرٌ لَكِنْ يَقْتَضِي التَّصْوِيرَ،
-
فَإِنَّ السَّلْبَ يَقْتَضِي تَصَوُّرَ الْإِيجَابِ. وَقَالَ مَوْلَانَا حُمَيْدُ الدِّينِ: الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ النَّفْيِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّصَوُّرِ. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ شَرْعِيَّةَ الْمَسْحِ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَالْحَرَجُ فِيمَا يَتَكَرَّرُ وَهُوَ الْحَدَثُ دُونَ الْجَنَابَةِ.
-
قَالَ (وَيَنْقُضُ الْمَسْحَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) كُلُّ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَنْقُضُ الْمَسْحَ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْوُضُوءِ،
-
فَلَوْ لَمْ يَنْتَقِضْ بِهِ لَكَانَ مَا فَرَضْنَاهُ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ لَمْ يَكُنْ نَاقِضًا لَهُ بَلْ نَاقِضًا لِبَعْضِهِ هَذَا خَلَفٌ،
-
وَكَذَا يَنْقُضُهُ نَزْعُ الْخُفِّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ كَانَ مُمْتَنِعَ الْعَمَلِ بِوُجُودِ الْمَانِعِ وَهُوَ الْخُفُّ،
-
وَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ سَرَى الْحَدَثُ إلَى الْقَدَمِ وَعَمِلَ عَمَلَهُ، وَهَذَا كَمَا تَرَى عَلَى طَرِيقَةِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ وَالْمُخَلِّصُ مَعْلُومٌ،
-
وَكَذَا نَزْعُ أَحَدِهِمَا يَنْقُضُ الْمَسْحَ يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ،
-
١/١٥٣١/١٥٣
(وَكَذَا مُضِيُّ الْمُدَّةِ) لِمَا رَوَيْنَا (وَإِذَا تَمُتْ الْمُدَّةُ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَصَلَّى وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ)
-
وَكَذَا إذَا نَزَعَ قَبْلَ الْمُدَّةِ لِأَنَّ عِنْدَ النَّزْعِ يَسْرِي الْحَدَثُ السَّابِقُ إلَى الْقَدَمَيْنِ كَأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُمَا، وَحُكْمُ النَّزْعِ يَثْبُتُ بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ لِأَنَّهُ
-
وَقَيَّدَ بِالْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي غَيْرِهَا يَجْتَمِعَانِ كَغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ
-
(وَكَذَا مُضِيُّ الْمُدَّةِ لِمَا رَوَيْنَا) مِنْ رِوَايَةِ صَفْوَانَ: أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ،
-
وَلَوْ غَسَلَ قَدَمَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ نَزَعَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَكَذَا هَذَا.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْغَسْلِ شَرْعًا فِي وَقْتٍ مُقَدَّرٍ،
-
فَإِذَا مَضَى لَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَطَهَارَةِ الْمُتَيَمِّمِ. وَقَوْلُهُ:
-
(وَإِذَا تَمَّتْ الْمُدَّةُ) قِيلَ هُوَ تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ حُكْمُهُ مِنْ قَوْلِهِ
-
وَكَذَا مُضِيُّ الْمُدَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَمْهِيدًا لِمَا رُتِّبَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إلَى آخِرِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الرِّجْلَيْنِ قَدْ انْتَقَضَتْ بِمُضِيِّ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَانْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ فَصَارَ كَالْمُنْتَقِضِ بِالْحَدَثِ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدَثَ اسْمٌ لِخَارِجٍ نَجِسٍ وَالْمُضِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا سَرَى حَدَثٌ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لِلرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ غَسْلَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ قَدْ وُجِدَ عَنْ ذَلِكَ سِوَاهُمَا فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا ثَانِيًا مَا لَمْ يُوجَدْ الْحَدَثُ فِي حَقِّهِمَا، فَكَانَ هَذَا كَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ يَجِبُ غَسْلُهُمَا.
-
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةٍ فَنَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
-
وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا إذَا نَزَعَ قَبْلَ الْمُدَّةِ) مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ عِنْدَ النَّزْعِ) دَلِيلُ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَالنَّزْعُ قَبْلَ الْمُدَّةِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ آنِفًا فِي نَزْعِ الْخُفِّ، وَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا مَسَحَ الرَّأْسَ ثُمَّ حَلَقَ الشَّعْرَ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَسْحِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْ الرَّأْسِ خِلْقَةٌ فَمَسْحُهُ مَسْحُ الرَّأْسِ،
-
بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ مَانِعُ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى مَا تَحْتَهُ شَرْعًا،
-
فَإِذَا زَالَ سَرَى الْحَدَثُ إلَيْهِ (وَحُكْمُ النَّزْعِ) وَهُوَ النَّقْضُ (يَثْبُتُ بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنَ أَوْ السَّاقَ
-
١/١٥٤١/١٥٤
لَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي حَقِّ الْمَسْحِ،
-
وَكَذَا بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ هُوَ الصَّحِيحُ.
-
(وَمَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
-
عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ (لَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي حَقِّ الْمَسْحِ)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لَهُ، وَمَا لَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي حَقِّهِ فَالْخُرُوجُ إلَيْهِ نَاقِضٌ كَخُرُوجِهَا مِنْ الْخُفِّ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ) أَيْ يَثْبُتُ حُكْمُ النَّزْعِ بِخُرُوجِ أَكْثَرِ الْقَدَمِ إلَى سَاقِ الْخُفِّ (هُوَ الصَّحِيحُ) هَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ.
-
وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ خُرُوجِ الْقَلِيلِ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْصُلُ دُونَ الْقَصْدِ كَمَا إذَا كَانَ الْخُفُّ وَاسِعًا إذَا رَفَعَ الْقَدَمَ يَخْرُجُ الْعَقِبُ،
-
وَإِذَا وَضَعَهَا عَادَتْ الْعَقِبُ إلَى مَكَانِهَا،
-
فَلَوْ قُلْنَا بِنَقْضِ الْمَسْحِ فِي مِثْلِهِ وَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ،
-
بِخِلَافِ الْكَثِيرِ فَإِنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ لَيْسَ بِمُتَعَذِّرٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ أَكْثَرُ الْعَقِبِ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى السَّاقِ بَطَلَ مَسْحُهُ: يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ إذَا بَدَا لَهُ نَزْعُ الْخُفِّ فَحَرَّكَهُ لِلنَّزْعِ حَتَّى زَالَ عَقِبُهُ.
-
وَأَمَّا إذَا زَالَ بِاعْتِبَارِ سَعَةِ الْخُفِّ لَمْ يَبْطُلْ إجْمَاعًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
-
وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا يَبْقَى بِبَقَاءِ مَحَلِّ الْغَسْلِ فِي الْخُفِّ وَلَمْ يَبْقَ بِزَوَالِ الْعَقِبِ أَوْ أَكْثَرِهَا إلَى السَّاقِ فَلَا يَبْقَى الْمَسْحُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ فِي الْخُفِّ مِنْ الْقَدَمِ قَدْرُ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا: يَعْنِي إذَا قَصَدَ النَّزْعَ كَمَا ذَكَرْنَا اُعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ بَقَاءُ مِقْدَارِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ؛
-
لِأَنَّ خُرُوجَ مَا سِوَاهُ كَلَا خُرُوجٍ.
-
قَالَ (وَمَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ) هَذِهِ عَلَى أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ: فِي وَجْهٍ تَتَحَوَّلُ مُدَّتُهُ إلَى مُدَّةِ السَّفَرِ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَا إذَا سَافَرَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِضَ الطَّهَارَةُ الَّتِي لَبِسَ عَلَيْهَا الْخُفَّيْنِ وَانْتَقَضَتْ الطَّهَارَةُ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَإِنَّهُ تَتَحَوَّلُ مُدَّتُهُ إلَى مُدَّةِ السَّفَرِ بِالِاتِّفَاقِ.
-
وَفِي وَجْهٍ لَا تَتَحَوَّلُ مُدَّتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَا إذَا سَافَرَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ وَبَعْدَمَا اسْتَكْمَلَ مُدَّةَ الْمُقِيمِ. وَفِي وَجْهٍ وَهُوَ مَا إذَا سَافَرَ
-
١/١٥٥١/١٥٥
مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا) عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ آخِرَهُ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَكْمَلَ الْمُدَّةَ لِلْإِقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ لِأَنَّ الْحَدَثَ قَدْ سَرَى إلَى الْقَدَمِ وَالْخُفُّ لَيْسَ بِرَافِعٍ (وَلَوْ أَقَامَ وَهُوَ مُسَافِرٌ إنْ اسْتَكْمَلَ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ نَزَعَ) لِأَنَّ رُخْصَةَ السَّفَرِ لَا تَبْقَى بِدُونِهِ (وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ أَتَمَّهَا) لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ وَهُوَ مُقِيمٌ.
-
قَالَ (وَمَنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ رحمه الله فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ.
-
بَعْدَمَا أَحْدَثَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ مُدَّةِ الْمُقِيمِ تَتَحَوَّلُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ: الْمَسْحُ عِبَادَةٌ شَرَعَ فِيهَا عَلَى حُكْمِ الْإِقَامَةِ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ شَرَعَ فِيهَا عَلَى حُكْمِ الْإِقَامَةِ لَا تَتَغَيَّرُ بِالسَّفَرِ كَمَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ، وَكَمَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ فِي الْمِصْرِ ثُمَّ تَسِيرُ السَّفِينَةُ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهَا لَا تَتَغَيَّرُ؛
-
لِأَنَّ حَالَ الْإِقَامَةِ حَالُ الْعَزِيمَةِ وَحَالُ السَّفَرِ حَالُ رُخْصَةٍ،
-
فَإِذَا اجْتَمَعَا فِي عِبَادَةٍ غَلَبَتْ الْعَزِيمَةُ عَلَى الرُّخْصَةِ. وَلَنَا إطْلَاقُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مُسَافِرٍ وَمُسَافِرٍ فَيَمْسَحُ كَسَائِرِ الْمُسَافِرِينَ؛ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِيهِ آخِرُ الْوَقْتِ كَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ فِيهِ تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ.
-
وَالطَّاهِرَةُ إذَا حَاضَتْ فِيهِ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَالْمُسَافِرُ إذَا أَقَامَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَتَمَّ، وَالْمُقِيمُ إذَا سَافَرَ فِيهِ قَصَرَ وَلَيْسَ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَجَزَّآنِ، فَبِاعْتِبَارِ الْإِقَامَةِ فِي أَوَّلِ الصَّوْمِ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ، وَبِاعْتِبَارِ السَّفَرِ فِي آخِرِهِ يُبَاحُ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ،
-
وَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْإِقَامَةِ لِلِاحْتِيَاطِ.
-
وَأَمَّا الْوَقْتُ فَمَا يَتَجَزَّأُ فَلَمْ يَجْتَمِعْ الْإِقَامَةُ وَالسَّفَرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ لِلْمَوْجُودِ وَهُوَ السَّفَرُ. وَقَوْلُهُ:
-
(بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَكْمَلَ إلَخْ) ظَاهِرٌ.
-
قَالَ (وَمَنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ) يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ (مَسَحَ عَلَيْهِ) وَالْجُرْمُوقُ: مَا يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ وَسَاقُهُ أَقْصَرُ مِنْ الْخُفِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ بَدَلُ الرِّجْلِ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ: يَعْنِي بِالرَّأْيِ،
-
فَإِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلَيْنِ لَا غَيْرُ، فَتَجْوِيزُ الْمَسْحِ عَلَى
-
١/١٥٦١/١٥٦
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ» وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْخُفِّ اسْتِعْمَالًا وَغَرَضًا فَصَارَا كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ لَا عَنْ الْخُفِّ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا لَبِسَ الْجُرْمُوقَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ لِأَنَّ الْحَدَثَ حَلَّ بِالْخُفِّ فَلَا يَتَحَوَّلُ إلَى غَيْرِهِ،
-
وَلَوْ كَانَ الْجُرْمُوقُ مِنْ كِرْبَاسَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ إلَّا أَنْ تَنْفُذَ الْبَلَّةُ إلَى الْخُفِّ.
-
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ،
-
الْجُرْمُوقِ إقَامَةُ بَدَلٍ عَنْهُ بِالرَّأْيِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
-
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ «عُمَرَ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ» وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْخُفِّ اسْتِعْمَالًا وَغَرَضًا، أَمَّا الِاسْتِعْمَالُ فَإِنَّهُ يَدُورُ مَعَ الْخُفِّ مَشْيًا وَقِيَامًا وَقُعُودًا وَارْتِفَاعًا وَانْخِفَاضًا،
-
وَأَمَّا الْغَرَضُ فَإِنَّهُ وِقَايَةٌ لِلْخُفِّ كَمَا أَنَّ الْخُفَّ وِقَايَةٌ لِلرِّجْلِ فَصَارَ كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ. قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَّا وَجَبَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عِنْدَ نَزْعِ الْجُرْمُوقَيْنِ كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَ طَاقَيْهِ أَوْ كَانَ الْخُفُّ مُشْعِرًا فَمَسَحَ عَلَيْهِ ثُمَّ حَلَقَ الشَّعْرَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ لَيْسَ بِتَبَعٍ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَبِسَهُ مُنْفَرِدًا جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ وَتَبِعَ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِعْمَالُ وَالْغَرَضُ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِذَا لَبِسَهُ عَلَى الْخُفِّ صَارَ تَابِعًا وَكَانَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ،
-
وَإِذَا زَالَ بِالنَّزْعِ زَالَتْ التَّبَعِيَّةُ وَحَلَّ الْحَدَثُ مَا تَحْتَهُ فَيَجِبُ إعَادَةُ الْمَسْحِ.
-
وَأَمَّا طَاقَاتُ الْخُفِّ فَلِشِدَّةِ اتِّصَالِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَانَا كَالشَّعْرِ مَعَ الْبَشَرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلَى الرَّأْسِ ثُمَّ حَلَقَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ لَا عَنْ الْخُفِّ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْخَصْمِ الْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بَدَلُ الْخُفِّ وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ كَالْخُفِّ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ لَمْ يَنْعَقِدْ فِيهِ حُكْمُ الْمَسْحِ بَعْدُ، قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ عِنْدَ نَزْعِهِمَا كَمَا فِي نَزْعِ الْخُفَّيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَانَ بَدَلَ الْخُفِّ وَلَزِمَ بَدَلُ الْبَدَلِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَدَلُ الرِّجْلِ مَا لَمْ يَحِلَّ الْحَدَثُ بِالْخُفِّ،
-
فَإِذَا نُزِعَ زَالَتْ الْبَدَلِيَّةُ مِنْهُ وَحَلَّ الْحَدَثُ بِالْخُفِّ فَكَانَ الْخُفُّ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ إذْ ذَاكَ وَلَزِمَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ:
-
(وَلَوْ كَانَ الْجُرْمُوقُ مِنْ كِرْبَاسَ) ظَاهِرٌ.
-
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فِي وَجْهٍ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ أَلَّا يَكُونَا ثَخِينَيْنِ وَلَا مُنَعَّلَيْنِ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِصَاحِبَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَا ثَخِينَيْنِ غَيْرَ مُنَعَّلَيْنِ.
-
١/١٥٧١/١٥٧
وَقَالَا: يَجُوزُ إذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ لَا يَشِفَّانِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ» ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ إذَا كَانَ ثَخِينًا، وَهُوَ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْبَطَ بِشَيْءٍ فَأَشْبَهَ الْخُفَّ. وَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إلَّا إذَا كَانَ مُنَعَّلًا وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ،
-
وَعَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعِ وَالْقُفَّازَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي نَزْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالرُّخْصَةُ لَدَفْعِ الْحَرَجِ.
-
(وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ
-
يُقَالُ جَوْرَبٌ مُنَعَّلٌ وَمُنْعَلٌ إذَا وُضِعَ عَلَى أَسْفَلِهِ جِلْدَةٌ كَالنَّعْلِ لِلْقَدَمِ وَالْمُجَلَّدُ هُوَ الَّذِي وُضِعَ الْجِلْدُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ.
-
وَقَوْلُهُ: (لَا يَشِفَّانِ) تَأْكِيدٌ لِلثَّخَانَةِ، مِنْ شَفَّ الثَّوْبُ: إذَا رَقَّ حَتَّى رَأَيْت مَا وَرَاءَهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ. لَهُمَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ» ؛ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ إذَا كَانَ ثَخِينًا بِحَيْثُ يَسْتَمْسِكُ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ الرَّبْطِ فَأَشْبَهَ الْخُفَّ فَيَلْحَقُ بِهِ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِلْحَاقَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ فِيهِ دُونَ الْجَوْرَبِ إلَّا إذَا كَانَ مُنَعَّلًا وَهُوَ مَحْمَلُ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، عَلَى أَنَّ أَبَا دَاوُد طَعَنَ فِيهِ وَقَالَ: لَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ وَلَا بِالْقَوِيِّ.
-
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ قَالَ لِعُوَّادِهِ: فَعَلْت مَا كُنْت أَمْنَعُ النَّاسَ عَنْهُ. فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى قَوْلِهِمَا، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. قَوْلُهُ:
-
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إلَخْ) فِيهِ نَفْيُ قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ قَالُوا صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ. وَقُلْنَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ ثَبَتَ رُخْصَةً لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَلَا حَرَجَ فِي نَزْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْحَدِيثِ ضَعِيفٌ؛
-
لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ مَسْحِ غَيْرِ الرَّأْسِ، وَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ نَسْخٌ فَلَا يَجُوزُ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ.
-
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَ رَأَيْت صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ تَتَوَضَّأُ وَتَنْزِعُ خِمَارَهَا ثُمَّ تَمْسَحُ بِرَأْسِهَا، قَالَ نَافِعٌ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ، قَالَ مُحَمَّدٌ: بِهَذَا نَأْخُذُ لَا نَمْسَحُ عَلَى خِمَارٍ وَلَا عَلَى عِمَامَةٍ، بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ فَتُرِكَ.
-
وَالْقُفَّازُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ يُحْشَى بِالْقُطْنِ وَيَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ تَزِرُّ عَلَى السَّاعِدَيْنِ مِنْ الْبَرْدِ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فِي يَدَيْهَا، كَذَا فِي الصِّحَاحِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ) قَالَ قَاضِي خَانْ: هَذَا إذَا كَانَ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ،
-
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَضُرَّهُ فَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ،
-
١/١٥٨١/١٥٨
وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام فَعَلَهُ وَأَمَرَ عَلِيًّا بِهِ، وَلِأَنَّ الْحَرَجَ فِيهِ فَوْقَ الْحَرَجِ فِي نَزْعِ الْخُفِّ فَكَانَ أَوْلَى بِشَرْعِ الْمَسْحِ، وَيَكْتَفِي بِالْمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ رضي الله عنه ،
-
وَالْجَبَائِرُ جَمْعُ جَبِيرَةٍ وَهِيَ الْعِيدَانُ الَّتِي تُجْبَرُ بِهَا الْعِظَامُ، وَإِنَّمَا قَالَ (وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُرْبَطُ حَالَةَ الضَّرُورَةِ، وَاشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُفْضِي إلَى الْحَرَجِ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ وَأَمَرَ عَلِيًّا بِهِ حِينَ كُسِرَ زَنْدُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَقِيلَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَإِنَّهُ كَانَ حَامِلَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُسِرَ زَنْدُهُ وَسَقَطَ اللِّوَاءُ مِنْ يَدِهِ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام اجْعَلُوهَا فِي يَسَارِهِ فَإِنَّهُ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ مَا أَصْنَعُ بِالْجَبَائِرِ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : امْسَحْ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْغَاسِلِ وَغَيْرِهِ» .
-
وَ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْحَرَجَ فِيهِ ظَاهِرٌ) وَأَرَى أَنَّ فِي قَوْلِهِ وَيَجُوزُ الْمَسْحُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَسْحَ الْجَبَائِرِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَا وَاجِبٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ قَدْ اخْتَلَفَتْ. فَقَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالتَّجْرِيدِ: الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي الْمُحِيطِ وَاجِبٌ عِنْدَهُ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ خِلَافًا لَهُمَا، قَالَا أَمَرَ عَلِيًّا بِهِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَقَالَ: الْمَسْحُ يَقُومُ مَقَامَ غَسْلِ مَا تَحْتَهَا وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، فَكَذَا الْمَسْحُ، وَهَذَا يُرْشِدُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَيَكْتَفِي بِالْمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا) لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلَى بَعْضِ الْجَبَائِرِ دُونَ بَعْضٍ هَلْ يُجْزِيهِ أَوْ لَا. وَذَكَرَ فِي أَمَالِي الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلَى الْأَكْثَرِ أَجْزَأَهُ،
-
وَإِنْ مَسَحَ عَلَى النِّصْفِ لَا يُجْزِيهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِسْحِ الرَّأْسِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْأَكْثَرُ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ شُرِعَ بِالْكِتَابِ وَالْبَاءُ دَخَلَتْ الْمَحَلَّ فَأَوْجَبَتْ تَبْعِيضَهُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ إنْ كَانَ بِالْكِتَابِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِالسُّنَّةِ فَهِيَ أَوْجَبَتْ مَسْحَ الْبَعْضِ، فَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى
-
١/١٥٩١/١٥٩
وَلَا يَتَوَقَّتُ لِعَدَمِ التَّوْقِيتِ بِالتَّوْقِيتِ (وَإِنْ سَقَطَتْ الْجَبِيرَةُ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ) لِأَنَّ الْعُذْرَ قَائِمٌ وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا مَا دَامَ الْعُذْرُ بَاقِيًا (وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ) لِزَوَالِ الْعُذْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الْجَبَائِرِ فَإِنَّمَا ثَبَتَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْبَعْضِ، إلَّا أَنَّ الْقَلِيلَ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَأُقِيمَ الْأَكْثَرُ مَقَامَهُ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَتَوَقَّتُ) بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَسْحِ الْخُفِّ وَمَسْحِ الْجَبِيرَةِ وَذَلِكَ بِأُمُورٍ: مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّتُ بِوَقْتٍ مُقَدَّرٍ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ بِالتَّوْقِيتِ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ أَثَرٌ وَلَا خَبَرٌ، وَالْمَقَادِيرُ لَا تُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا فَيُمْسَحُ إلَى وَقْتِ الْبُرْءِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْجَبِيرَةَ إنْ سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَمْ يَبْطُلُ الْمَسْحُ،
-
بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ إذَا نُزِعَ بَطَلَ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ قَائِمٌ وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا مَا دَامَ الْعُذْرُ بَاقِيًا حَتَّى لَوْ مَسَحَ عَلَى جَبِيرَةِ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفِّ الرِّجْلِ الْأُخْرَى لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا بَيْنَ الْغَسْلِ حُكْمًا وَبَيْنَ الْمَسْحِ،
-
وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ لِزَوَالِ الْعُذْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ سُقُوطُهَا فِي الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ فَصَارَ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ