Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ

المبسوطHanafimasa’il 1681 to 2242

  1. 1/1691/169

    (مُصَلٍّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ رُعَافٍ بِغَيْرِ قَصْدِهِ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ اسْتِحْسَانًا،

  2. وَإِنْ تَكَلَّمَ وَاسْتَقْبَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ) وَفِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: يَبْنِي ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، فَعَابَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْحُجَجِ بِرُجُوعِهِ مِنْ الْآثَارِ إلَى الْقِيَاسِ.

  3. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطُ بَقَاءِ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ شَرْطُ ابْتِدَائِهَا فَكَمَا لَا يَتَحَقَّقُ شُرُوعُهُ فِي الصَّلَاةِ بِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ فَكَذَلِكَ بَقَاؤُهَا، وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» وَلَا بَقَاءَ لِلْعِبَادَةِ مَعَ وُجُودِ مَا يُنَافِيهَا.

  4. وَجْهُ قَوْلِنَا حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمَذْي فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» ،

  5. وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ وَبَنَى وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَاسْتَخْلَفَ وَتَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ عُثْمَانَ فَرَعَفَ فَانْصَرَفَ وَتَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالْآثَارِ.

  6. ثُمَّ الَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا أَوْ إمَامًا،

  7. فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ يَذْهَبُ فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ إتْمَامِ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ وَبَيْنَ الرُّجُوعِ إلَى مُصَلَّاهُ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا جَمِيعَ الصَّلَاةِ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَهُوَ أَفْضَلُ،

  8. وَإِنْ أَتَمَّ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إلَّا تَرْكُ الْمَشْيِ فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ،

  9. وَأَمَّا الْمُقْتَدِي إذَا فَرَغَ مِنْ الْوُضُوءِ،

  10. فَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ إمَامُهُ مِنْ الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ،

  11. وَلَوْ أَتَمَّ بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إمَامِهِ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ،

  12. وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَغَ إمَامُهُ يُخَيَّرُ هُوَ كَمَا بَيَّنَّا،

  13. وَإِنْ كَانَ إمَامًا تَأَخَّرَ وَقَدَّمَ رَجُلًا مِمَّنْ خَلْفَهُ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي هَذَا يُوَافِقُنَا،

  14. فَإِنَّ عَلَى أَصْلِهِ بِحَدَثِ الْإِمَامِ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا جَازَ صَلَاةُ الْقَوْمِ، فَيَسْتَخْلِفُ لَهُمْ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيَسْتَقْبِلُ، وَعِنْدَنَا يَسْتَخْلِفُ لِأَنَّهُ عَجَزَ

  15. 1/1701/170

    عَنْ إتْمَامِ مَا ضَمِنَ لَهُمْ الْوَفَاءَ بِهِ فَيَسْتَعِينُ بِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ بَعْدَ مَا افْتَتَحَ أَبُو بَكْرٍ الصَّلَاةَ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأَخَّرَ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْمُضِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} فَصَارَ هَذَا أَصْلًا فِي حَقِّ كُلِّ إمَامٍ عَجَزَ عَنْ الْإِتْمَامِ أَنَّهُ يَتَأَخَّرُ وَيَسْتَخْلِفُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ،

  16. فَإِنْ تَكَلَّمَ وَاسْتَقْبَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ شُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ وَأَقْرَبَ إلَى الِاحْتِيَاطِ،

  17. فَإِنْ كَانَ حِينَ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ بَالَ وَاسْتَمْشَى لَمْ يَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ عَمْدٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ أَوْ فَوْقَهُ فِي إفْسَادِ الصَّلَاةِ، وَجَوَازُ الْبِنَاءِ كَانَ بِالْآثَارِ فِي الْحَدَثِ الَّذِي يَسْبِقُهُ فَلَا يُقَاسُ مَنْ يَتَعَمَّدُ الْحَدَثَ؛ لِأَنَّ فِيمَا يَسْبِقُهُ بَلْوَى وَضَرُورَةً

  18. بِخِلَافِ مَا يَتَعَمَّدُهُ، وَلِهَذَا لَوْ اُبْتُلِيَ بِالْجَنَابَةِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْنِ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.

  19. قَالَ: (فَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا مُخْطِئًا أَوْ قَاصِدًا اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا لَا يَسْتَقْبِلُ إلَّا إذَا طَالَ كَلَامُهُ، وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَاعْتِمَادُهُ عَلَى حَدِيثِ «أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ إمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْعَصْرُ فَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَهَا فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ: بَعْضُ ذَلِكَ قَدْ كَانَ، فَنَظَرَ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقَالَ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَا: نَعَمْ، فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ» فَقَدْ تَكَلَّمَ نَاسِيًا ثُمَّ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَقَاسَ الْكَلَامَ بِالسَّلَامِ؛

  20. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاطِعٌ ثُمَّ فِي السَّلَامِ فَصْلٌ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فَكَذَلِكَ الْكَلَامُ،

  21. بِخِلَافِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْعَدِمُ بِهِ شَرْطُهَا فَسَوَّيْنَا بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ لِهَذَا، وَلَنَا مَا رَوَيْنَا، «وَلِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» ، فَدَلَّ أَنَّ بَعْدَ الْكَلَامِ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ قَطُّ، وَفِي حَدِيثِ «ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، قَالَ: فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ» .

  22. وَفِي حَدِيثِ «مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ

  23. 1/1711/171

    - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَطَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمَّاهُ مَالِي أَرَاكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ شَزْرًا، فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُمْ يُسَكِّتُونَنِي فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَاَللَّهِ، مَا رَأَيْت: مُعَلِّمًا أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مَا نَهَرَنِي وَلَا زَجَرَنِي وَلَكِنْ قَالَ: إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ لِلتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» وَمَا لَا يَصْلُحُ لِلصَّلَاةِ فَمُبَاشَرَتُهُ مُفْسِدَةٌ لِلصَّلَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا لِهَذَا، وَالْخُرُوجُ فِي الِاعْتِكَافِ كَذَلِكَ، وَالْجِمَاعُ فِي الْإِحْرَامِ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ طَالَ الْكَلَامُ كَانَ مُفْسِدًا،

  24. وَلَوْ كَانَ النِّسْيَانُ فِيهِ عُذْرًا لَاسْتَوَى فِيهِ أَنْ يُطَوِّلَ أَوْ يُقَصِّرَ كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ. وَالْقِيَاسُ فِي السَّلَامِ أَنَّهُ مُفْسِدٌ،

  25. وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَّا مَا فِيهِ لِمَعْنَى لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ جِنْسِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ،

  26. فَإِنَّ الْمُتَشَهِّدَ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَهُوَ اسْمُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أُخِذَ حُكْمُ الْكَلَامِ لِكَافِ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْخِطَابِ فِيهِ عِنْدَ الْقَصْدِ،

  27. وَإِذَا كَانَ نَاسِيًا شَبَّهْنَاهُ بِالْأَذْكَارِ،

  28. وَإِذَا كَانَ عَالِمًا شَبَّهْنَاهُ بِالْكَلَامِ،

  29. فَأَمَّا الْكَلَامُ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ فَكَانَ مُنَافِيًا لِلصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ عُذْرٌ فِي رَفْعِ الْإِصْرِ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْآيَةُ وَالْخَبَرُ،

  30. فَأَمَّا حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ فَقَدْ كَانَ فِي وَقْتٍ كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ انْتَسَخَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ كَانَ عَامِدًا بِالْكَلَامِ،

  31. وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالِاسْتِقْبَالِ (فَإِنْ قِيلَ:) كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَقَدْ قَالَ: صَلَّى بِنَا، وَحُرْمَةُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ ثَابِتَةً حِينَ جَاءَ مِنْ الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ (قُلْنَا:) مَعْنَى قَوْلِهِ: بِنَا بِأَصْحَابِنَا وَلَا وَجْهَ لِلْحَدِيثِ إلَّا هَذَا؛

  32. لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ بِبَدْرٍ وَاسْمُهُ مَشْهُورٌ فِي شُهَدَاءِ بَدْرٍ وَذَلِكَ قَبْلَ خَيْبَرَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ.

  33. قَالَ: (وَإِنْ قَهْقَهَ فِي صَلَاةٍ اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ عِنْدَنَا نَاسِيًا كَانَ أَوْ عَامِدًا) ؛ لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ أَفْحَشُ مِنْ الْكَلَامِ عِنْدَ الْمُنَاجَاةِ، وَلِهَذَا جُعِلَتْ نَاقِضَةً لِلْوُضُوءِ ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ وَفِي الْقَهْقَهَةِ أَوْلَى وَالْبِنَاءُ لِأَجْلِ الْبَلْوَى وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْقَهْقَهَةِ،

  34. وَإِنْ قَهْقَهَ بَعْدَ مَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ

  35. 1/1721/172

    يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى عِنْدَنَا وَلَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: الْقَهْقَهَةُ عَرَفْنَاهَا حَدَثًا بِالنَّصِّ

  36. بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَالنَّصُّ وَرَدَ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ، فَكُلُّ قَهْقَهَةٍ تُوجِبُ إعَادَةَ الصَّلَاةِ تُوجِبُ الْوُضُوءَ وَمَا لَا يُوجِبُ مُرَاعَاةَ الصَّلَاةِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

  37. (وَلَنَا) أَنَّ الضَّحِكَ صَادَفَ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ لِبَقَائِهَا مَا لَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَبِالنَّصِّ صَارَ الضَّحِكُ حَدَثًا لِمُصَادَفَتِهِ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ،

  38. فَإِنَّ الْجِنَايَةَ تَفْحُشُ بِالْقَهْقَهَةِ فِي حَالَةِ الْمُنَاجَاةِ، وَذَلِكَ بَاقٍ بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ فَأَلْزَمْنَاهُ الْوُضُوءَ لِهَذَا،

  39. فَأَمَّا إعَادَةُ الصَّلَاةِ فَلِبَقَاءِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ وَعَجْزِهِ عَنْهُ بِالْقَهْقَهَةِ لِفَسَادِ ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ هُنَا فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ لِهَذَا

  40. وَكَذَلِكَ لَوْ قَهْقَهَ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَيْهِمَا يَرْفَعُ السَّلَامَ دُونَ الْقَعْدَةِ، فَكَأَنَّهُ قَهْقَهَ بَعْدَ الْقَعْدَةِ قَبْلَ السَّلَامِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْعَوْدَ إلَى سُجُودِ السَّهْوِ يَرْفَعُ الْقَعْدَةَ كَالْعَوْدِ إلَى سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، فَعَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ تَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ.

  41. قَالَ: (وَإِنْ قَهْقَهَ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ جَمِيعًا،

  42. فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ سَبَقَ بِهَا فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْمِ) ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا خَارِجِينَ مِنْ الصَّلَاةِ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْهَا فَضَحِكَهُمْ لَمْ يُصَادِفْ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ

  43. (وَإِنْ قَهْقَهَ الْقَوْمُ أَوَّلًا ثُمَّ الْإِمَامُ فَعَلَى الْكُلِّ إعَادَةُ الْوُضُوءِ) ؛ لِأَنَّ قَهْقَهَةَ الْقَوْمِ صَادَفَتْ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ

  44. وَكَذَلِكَ قَهْقَهَةُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْهَا بِخُرُوجِ الْقَوْمِ،

  45. وَإِنْ ضَحِكُوا مَعًا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ضَحِكَ الْقَوْمِ لَمَّا اقْتَرَنَ بِضَحِكِ الْإِمَامِ كَانَ مُصَادِفًا حُرْمَةَ الصَّلَاةِ فِي حَقِّهِمْ،

  46. فَإِنَّ خُرُوجَهُمْ مِنْ حُكْمِ خُرُوجِ الْإِمَامِ فَيَعْقُبُهُ وَلَا يَقْتَرِنُ بِهِ.

  47. قَالَ: (إمَامٌ أَحْدَثَ فَقَدَّمَ رَجُلًا قَدْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّي بِهِمْ بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ) وَالْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَدِّمَ مُدْرِكًا لَا مَسْبُوقًا؛ لِأَنَّ الْمُدْرِكَ أَقْدَرُ عَلَى إتْمَامِ صَلَاتِهِ مِنْ الْمَسْبُوقِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَلَّدَ إنْسَانًا عَمَلًا وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُؤْمِنِينَ» وَلَكِنْ مَعَ هَذَا الْمَسْبُوقِ شَرِيكُهُ فِي التَّحْرِيمَةِ وَصِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ بِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ وَالْحَاجَةِ إلَى إصْلَاحِ صَلَاتِهِ، فَجَازَ تَقْدِيمُهُ وَقَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ فَيُتِمُّ مَا بَقِيَ عَلَى الْأَوَّلِ،

  48. فَإِذَا انْتَهَى إلَى مَوْضِعِ السَّلَامِ تَأَخَّرَ وَقَدَّمَ رَجُلًا مِنْ الْمُدْرِكِينَ لِيُسَلِّمَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ السَّلَامِ لِبَقَاءِ رَكْعَةٍ عَلَيْهِ فَيَسْتَعِينُ بِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ،

  49. فَإِنَّ إتْمَامَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، فَلِهَذَا قَدَّمَ مُدْرِكًا لِيُسَلِّمَ بِهِمْ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْضِيَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ.

  50. قَالَ: (فَإِنْ تَوَضَّأَ الْأَوَّلُ وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ

  51. 1/1731/173

    فَإِنْ كَانَ صَلَّى بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ الثَّانِي مِنْ بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ)؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ تَحَوَّلَتْ إلَى الثَّانِي، وَصَارَ الْأَوَّلُ كَوَاحِدٍ مِنْ الْمُقْتَدِينَ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُقْتَدِي إذَا أَتَمَّ بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ جَازَ،

  52. وَلَوْ صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ الْإِمَامُ الثَّانِي فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُقْتَدِينَ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ.

  53. قَالَ: (فَإِنْ قَعَدَ الْإِمَامُ الثَّانِي فِي الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ قَهْقَهَ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ فَضَحِكُهُ حَصَلَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّهِ، وَصَلَاةُ الْقَوْمِ تَامَّةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمْ الْبِنَاءُ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: صَلَاةُ الْقَوْمِ فَاسِدَةٌ لِفَسَادِ مَا مَضَى،

  54. وَلَوْ ضَحِكُوا بِأَنْفُسِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَانَتْ صَلَاتُهُمْ تَامَّةً، فَضَحِكُ الْإِمَامِ فِي حَقِّهِمْ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا مِنْ ضَحِكِهِمْ،

  55. فَأَمَّا الْإِمَامُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ خَلْفَ الْإِمَامِ الثَّانِي مَعَ الْقَوْمِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُدْرِكِينَ،

  56. وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ لَمْ يَدْخُلْ مَعَ الْإِمَامِ الثَّانِي فِي الصَّلَاةِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: صَلَاتُهُ تَامَّةٌ. وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِأَوَّلِ صَلَاتِهِ فَيَكُونُ كَالْفَارِغِ بِقَعْدَةِ الْإِمَامِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ وَأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ؛

  57. لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ وَضَحِكُ الْإِمَامِ فِي حَقِّهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبِنَاءِ كَضَحِكِهِ،

  58. وَلَوْ ضَحِكَ هُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَكَذَلِكَ ضَحِكُ الْإِمَامِ فِي حَقِّهِ، وَرِوَايَةُ أَبِي حَفْصٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَأَنَّهُ غَلَطٌ وَقَعَ مِنْ الْكَاتِبِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ بِتَقْسِيمٍ ثُمَّ أَجَابَ فِي الْفَصْلَيْنِ بِأَنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ وَظَاهِرُ هَذَا التَّقْسِيمِ يَسْتَدْعِي الْمُخَالَفَةَ فِي الْجَوَابِ.

  59. قَالَ: (رَجُلٌ سَلَّمَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ نَاسِيًا ثُمَّ ذَكَرَ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فَاسْتَقْبَلَ التَّكْبِيرَ يَنْوِي بِهِ الدُّخُولَ فِي الظُّهْرِ ثَانِيَةً وَهُوَ إمَامُ قَوْمٍ وَكَبَّرُوا مَعَهُ يَنْوُونَ مَعَهُ ذَلِكَ فَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ الْأُولَى يُصَلُّونَ مَا بَقِيَ مِنْهَا وَيَسْجُدُونَ لِلسَّهْوِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ سَلَامَ الْإِمَامِ لَا يَقْطَعُ التَّحْرِيمَةَ، فَهُمْ فِي التَّحْرِيمَةِ فِي صَلَاتِهِمْ بَعْدُ قَدْ نَوَوْا إيجَادَ الْمَوْجُودِ وَذَلِكَ لَغْوٌ.

  60. بَقِيَ مُجَرَّدُ التَّكْبِيرِ وَهُوَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ،

  61. بِخِلَافِ مَنْ كَانَ فِي الظُّهْرِ فَنَوَى الْعَصْرَ وَكَبَّرَ؛ لِأَنَّهُ نَوَى إيجَادَ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَصَارَ خَارِجًا مِنْ الْأُولَى دَاخِلًا فِي الثَّانِيَةِ،

  62. فَإِنْ صَلَّوْا الْعَصْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ هَكَذَا،

  63. فَإِنْ قَعَدُوا فِي الثَّانِيَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُمْ، وَمَا زَادُوا مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ نَافِلَةٌ لَهُمْ،

  64. فَإِنْ لَمْ يَقْعُدُوا فِي الثَّانِيَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ لِاشْتِغَالِهِمْ بِالنَّفْلِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرْضِ، حَتَّى لَوْ سَلَّمَ سَاهِيًا بَعْدَ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَجَدَّدَ التَّكْبِيرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَا تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْعُدْ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِفَرْضِهِ

  65. قَالَ: (رَجُل صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ فَاقْتَدُوا بِهِ

  66. 1/1741/174

    فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ قَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْعُدْ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ، وَصَلَاةُ الْقَوْمِ فَاسِدَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا تَفْسُدُ؛

  67. لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ لِإِفْسَادِ صَلَاتِهِمْ،

  68. فَإِنَّ الضَّحِكَ وَالْحَدَثَ لَمْ يُوجَدَا مِنْهُمْ،

  69. فَلَوْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ إنَّمَا تَفْسُدُ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْإِمَامِ هُنَا، فَهُوَ قِيَاسُ ضَحِكهِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ صَارَ الْمَسْبُوقُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ يَقُومُ لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ سَلَامَ الْإِمَامِ وَكَلَامَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّهِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْبِنَاءِ، فَكَذَلِكَ ضَحِكُ الْإِمَامِ وَحَدَثُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: مَا لَمْ يُسَلِّمْ الْإِمَامُ فَالْمَسْبُوقُ مُقْتَدٍ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ، وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْقِيَامِ حَتَّى يُسَلِّمَ الْإِمَامُ، وَالضَّحِكُ وَالْحَدَثُ إذَا لَاقَى جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ كَانَ مُفْسِدًا لِذَلِكَ الْجُزْءِ، وَبِفَسَادِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ يَفْسُدُ مِثْلُهُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي، إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْجُزْءِ وَلَا يَضُرُّهُ، وَالْمَسْبُوقُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ فَفَسَادُ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَمْنَعُهُ مِنْ بِنَاءِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ضَحِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ، فَكَذَلِكَ فِعْلُ الْإِمَامِ فِي حَقِّهِ

  70. بِخِلَافِ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ، فَالسَّلَامُ مِنْهُ لِلصَّلَاةِ وَالْكَلَامُ قَاطِعٌ لَا مُفْسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِهِ شَرْطُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ،

  71. فَأَمَّا الضَّحِكُ وَالْحَدَثُ مُفْسِدٌ لَا قَاطِعٌ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِهِ شَرْطُ الصَّلَاةِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ، وَلِهَذَا قِيلَ: لَوْ تَكَلَّمَ الْإِمَامُ بَعْدَ مَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَعَلَى الْقَوْمِ أَنْ يُسَلِّمُوا،

  72. وَلَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ مُتَعَمِّدًا أَوْ قَهْقَهَ لَمْ يُسَلِّمْ الْقَوْمُ، وَخُرُوجُ الْإِمَامِ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي كَوْنِهِ قَاطِعًا لِكَلَامِهِ فَلَا يُفْسِدُ صَلَاةَ الْمَسْبُوقِينَ

  73. قَالَ: (وَإِذَا افْتَتَحَ الرَّجُلُ صَلَاةَ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ ثُمَّ أُقِيمَ لَهُ فِيهَا فَفِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ، إنْ كَانَ صَلَّى رَكْعَةً أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى وَقَعَدَ وَسَلَّمَ ثُمَّ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَهَا كَذَلِكَ كَانَ مُبْطِلًا عَمَلَهُ،

  74. فَإِنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَكُونُ صَلَاةً فَيُضِيفُ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى لِيَصِيرَ شَفْعًا ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ لِإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ،

  75. فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (فَإِنْ قِيلَ:) كَيْفَ يَقْطَعُ فَرْضَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا.؟ (قُلْنَا:) لَا يَقْطَعُهَا رَافِضًا لَهَا، وَإِنَّمَا يَقْطَعُهَا لِيُعِيدَهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا يَقْطَعُ الظُّهْرَ إذَا أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ،

  76. وَكَذَلِكَ إنْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالسَّجْدَةِ عَادَ فَقَعَدَ وَسَلَّمَ لِكَيْ لَا

  77. 1/1751/175

    تَفُوتَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُسَلِّمُ كَمَا هُوَ قَائِمًا؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْقِعْدَةِ كَانَ سُنَّةً، وَقِعْدَةُ الْخَتْمِ فَرْضٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى الْقِعْدَةِ ثُمَّ يُسَلِّمُ لِيَكُونَ مُتَنَفِّلًا بِرَكْعَتَيْنِ،

  78. فَإِنْ قَيَّدَ الثَّالِثَةَ بِالسَّجْدَةِ مَضَى فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَكْثَرِهَا وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكَمَالِ،

  79. فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بَعْدَهُمَا جَائِزٌ،

  80. وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ رُبَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَرَى الْجَمَاعَةَ، فَلِهَذَا دَخَلَ مَعَهُ،

  81. فَأَمَّا فِي الْعَصْرِ لَا يَدْخُلُ؛ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بَعْدَهُ مَكْرُوهٌ كَمَا بَيَّنَّا.

  82. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَدْخُلُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ،

  83. فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ فِي الْمُكْثِ تَطُولُ مُخَالَفَتُهُ لِلْإِمَامِ، وَفِي الْخُرُوجِ إنَّمَا يُظْهِرُ مُخَالَفَتَهُ فِي لَحْظَةٍ فَهُوَ أَوْلَى، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالسَّجْدَةِ كَيْفَ يَصْنَعُ،

  84. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا لِيَدْخُلَ مَعَ الْإِمَامِ فَيُحْرِزَ بِهِ ثَوَابَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الصَّلَاةِ حَتَّى إنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ لَا يَحْنَثُ عَلَى مَا دُونَ الرَّكْعَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ يَعُودُ إذَا لَمْ يُقَيِّدْهَا بِالسَّجْدَةِ فَكَذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَقْطَعُهَا لِيَدْخُلَ مَعَ الْإِمَامِ،

  85. (فَأَمَّا فِي الْفَجْرِ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى رَكْعَةً قَطَعَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى رَكْعَةً أُخْرَى تَمَّ فَرْضُهُ وَفَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْطَعَهَا لِيُعِيدَهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ،

  86. (وَإِنْ كَانَ قَيَّدَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ بِسَجْدَةٍ أَتَمَّهَا) ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى أَكْثَرَهَا ثُمَّ إنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَنَفِّلًا بَعْدَ الْفَجْرِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَاَلَّذِي رُوِيَ مِنْ حَالِ الرَّجُلَيْنِ حِينَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ صَلَاةَ الْفَجْرِ كَمَا رَوَيْنَا، فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّ تِلْكَ الْحَادِثَةَ كَانَتْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَلَئِنْ كَانَتْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَدْ كَانَ فِي وَقْتٍ لَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ صَلَاةٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ،

  87. ثُمَّ انْتَسَخَ بِالنَّهْيِ، (وَأَمَّا الْمَغْرِبُ،

  88. فَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً قَطَعَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى كَانَ مُؤَدِّيًا أَكْثَرَ الصَّلَاةِ فَلَا يُمْكِنُهُ الْقَطْعُ بَعْدَ ذَلِكَ،

  89. وَلَوْ قَطَعَ كَانَ مُتَنَفِّلًا بِرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَلِهَذَا قَطَعَ صَلَاتَهُ لِيُعِيدَهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ،

  90. وَإِنْ كَانَ قَيَّدَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ بِسَجْدَةٍ أَتَمَّ صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى أَكْثَرَهَا ثُمَّ لَا يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَإِنَّمَا لَا يَدْخُلُ لَا لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَعَهُ فَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ مَعَهُ فَيَكُونُ مُتَنَفِّلًا بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، أَوْ يُضِيفُ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى فَيَكُونُ

  91. 1/1761/176

    مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، فَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ مَعَهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُ،

  92. فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ فَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى لِيَصِيرَ شَفْعًا لَهُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُومَ لِإِتْمَامِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ كَالْمَسْبُوقِ وَهُوَ بِالشُّرُوعِ قَدْ الْتَزَمَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالنَّذْرِ فَيَلْزَمُهُ أَرْبَعٌ، وَعِنْدَنَا إنْ دَخَلَ فَعَلَ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ يُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ؛

  93. لِأَنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ كَانَ بِحُكْمِ الِاقْتِدَاءِ وَذَلِكَ جَائِزٌ كَالْمَسْبُوقِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي الْقَعْدَةِ يَقْعُدُ مَعَهُ وَابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ بِالْقَعْدَةِ، وَجَازَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الِاقْتِدَاءِ فَهَذَا مِثْلُهُ.

  94. قَالَ: (وَإِذَا صَلَّى الظُّهْرَ فِي بَيْتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ صَلَّى الْجُمُعَةَ مَعَ الْإِمَامِ فَالْجُمُعَةُ فَرْضُهُ وَيَصِيرُ الظُّهْرُ تَطَوُّعًا لَهُ) ؛ لِأَنَّ بِأَدَاءِ الظُّهْرِ مَا سَقَطَ عَنْهُ الْخِطَابُ بِالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ، فَكَانَ فِي أَدَائِهَا مُفْتَرِضًا وَلَا يَجْتَمِعُ فَرْضَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ،

  95. فَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ الْجُمُعَةِ فَرْضًا لَهُ أَنْ يَنْقَلِبَ مَا قَبْلَهُ تَطَوُّعًا، وَهَذَا

  96. بِخِلَافِ مَا إذَا صَلَّى الظُّهْرَ فِي بَيْتِهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثُمَّ أَدْرَكَهَا بِالْجَمَاعَةِ فَصَلَّاهَا، فَالْأُولَى فَرْضٌ وَالثَّانِيَةُ تَطَوُّعٌ، بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرْضِ هُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِشُهُودِ الْجَمَاعَةِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ،

  97. فَإِنْ شَهِدَهَا كَانَ مُتَنَفِّلًا. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ الْجُمُعَةَ أَقْوَى مِنْ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَدْعِي مِنْ الشَّرَائِطِ مَا لَا يَسْتَدْعِيهِ الظُّهْرُ، وَالضَّعِيفُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَوِيِّ،

  98. وَإِذَا ظَهَرَ الْقَوِيُّ بِأَدَائِهِ لِإِسْقَاطِ فَرْضِ الْوَقْتِ بِهِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الضَّعِيفِ وَكَانَ تَطَوُّعًا،

  99. فَأَمَّا الظُّهْرُ الْمُؤَدَّى فِي الْجَمَاعَةِ فِي حُكْمِ الْقُوَّةِ كَالْمُؤَدَّى فِي بَيْتِهِ،

  100. فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَسْتَدْعِي شَرْطًا لَا يَسْتَدْعِيهِ الْآخَرُ،

  101. فَإِذَا اسْتَوَيَا تَرَجَّحَ السَّابِقُ مِنْهُمَا لِإِسْقَاطِ فَرْضِ الْوَقْتِ بِهِ فَكَانَتْ الثَّانِيَةُ نَفْلًا.

  102. قَالَ: (وَإِذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَلَمْ يُقَدِّمْ أَحَدًا حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ،

  103. فَإِنَّ صَلَاةَ الْقَوْمِ فَاسِدَةٌ) ؛ لِأَنَّهُمْ مُقْتَدُونَ فِيهَا وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ إمَامٌ فِي مَكَانِهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْكِتَابِ حَالَ الْإِمَامِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ كَانَ الِاسْتِخْلَافُ لِيَصِيرَ هُوَ فِي حُكْمِ الْمُقْتَدَى بِهِ كَغَيْرِهِ فَبِتَرْكِ الِاسْتِخْلَافِ لَمَّا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ فَلَأَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ كَانَ أَوْلَى، وَذَكَرَ أَبُو عِصْمَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ؛

  104. لِأَنَّهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالْمُنْفَرِدِ،

  105. فَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَسَادُ صَلَاةِ الْقَوْمِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى فَسَادِ صَلَاةِ إمَامِهِمْ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عِصْمَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَسَادُ صَلَاةِ الْقَوْمِ اسْتِحْسَانٌ فَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ لَا تَفْسُدَ،

  106. فَإِنَّ بَعْدَ حَدَثِ الْإِمَامِ بَقُوا مُقْتَدِينَ بِهِ حَتَّى لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْمَسْجِدِ

  107. 1/1771/177

    فَتَوَضَّأَ وَعَادَ إلَى مَكَانِهِ وَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ أَجْزَأَهُمْ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، وَأُرَاهُ قَبِيحًا أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ فِي الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدٍ وَإِمَامُهُمْ فِي أَهْلِهِ،

  108. فَأَمَّا مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَكَأَنَّهُ فِي الْمِحْرَابِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ فِي كَوْنِهِ مَكَانَ الصَّلَاةِ كَبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مَا يُنَافِي الِاقْتِدَاءَ،

  109. فَأَمَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ فَقَدْ صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مَا يُنَافِي الِاقْتِدَاءَ فَلِهَذَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ.

  110. قَالَ: (فَإِنْ قَدَّمُوا رَجُلًا قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَصَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ) ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْقَوْمِ إيَّاهُ كَاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى لَا فَرْقَ بَيْنَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى رَجُلٍ وَبَيْنَ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي الِاسْتِخْلَافِ يَنْظُرُ لَهُمْ فِي إصْلَاحِ صَلَاتِهِمْ فَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا إلَى أَنْفُسِهِمْ أَيْضًا،

  111. فَإِنْ قَدَّمَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ الْقَوْمِ رَجُلًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهَا اُفْتُتِحَتْ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ إتْمَامُهَا بِإِمَامَيْنِ،

  112. وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ بِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ فَيَنْوِي كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَؤُمَّ نَفْسَهُ، وَهَذَا إذَا اسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فِي الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ،

  113. فَأَمَّا إذَا اقْتَدَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْقَوْمِ بِأَحَدِ الْإِمَامَيْنِ إلَّا رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ اقْتَدَيَا بِالثَّانِي فَصَلَاةُ مَنْ اقْتَدَى بِهِ الْجَمَاعَةُ صَحِيحَةٌ، وَصَلَاةُ الْآخَرَيْنِ فَاسِدَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ» ، وَقَالَ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الشُّورَى إنْ اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ وَخَالَفَهُمْ وَاحِدٌ فَاقْتُلُوهُ،

  114. فَأَمَّا إذَا اقْتَدَى بِكُلِّ إمَامٍ جَمَاعَةٌ وَأَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْ الْآخَرِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: صَلَاةُ الْأَكْثَرِينَ جَائِزَةٌ وَيَتَعَيَّنُ الْفَسَادُ فِي الْآخَرِينَ كَمَا فِي الْوَاحِدِ وَالْمَثْنَى،

  115. وَالْأَصَحُّ أَنْ تَفْسُدَ صَلَاةُ الْفَرِيقَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمْعٌ تَامٌّ يَتِمُّ بِهِ نِصَابُ الْجُمُعَةِ فَيَكُونُ الْأَقَلُّ مُسَاوِيًا لِلْأَكْثَرِ حُكْمًا، كَالْمُدَّعِيَيْنِ يُقِيمُ أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ وَالْآخَرُ عَشَرَةً مِنْ الشُّهُودِ،

  116. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي قَدَّمَ رَجُلَيْنِ فَهَذَا وَتَقْدِيمُ الْقَوْمِ إيَّاهُمَا سَوَاءٌ،

  117. وَإِنْ وَصَلَ أَحَدُهُمَا إلَى مَوْضِعِ الْإِمَامَةِ قَبْلَ الْآخَرِ تَعَيَّنَ لِلْإِمَامَةِ وَجَازَ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ اقْتَدَى بِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ كَانَ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ ارْتَفَعَتْ بِوُصُولِهِ إلَى مَوْضِعِ الْإِمَامَةِ، فَاسْتِخْلَافُ الْآخَرِ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.

  118. قَالَ: (وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ صَارَ هُوَ إمَامًا قَدَّمَهُ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ نَوَى هُوَ الْإِمَامَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلِاسْتِخْلَافِ،

  119. فَإِنَّ صَلَاحِيَّتَهُ لِلِاسْتِخْلَافِ بِكَوْنِهِ شَرِيكَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا مُزَاحِمَ لَهُ وَالْحَاجَةُ فِي هَذَا إلَى الِاسْتِخْلَافِ أَوْ النِّيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ لَا عِنْدَ التَّعَيُّنِ،

  120. فَإِذَا تَوَضَّأَ الْإِمَامُ رَجَعَ وَدَخَلَ مَعَ هَذَا فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ تَحَوَّلَتْ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ

  121. 1/1781/178

    يَرْجِعْ الْإِمَامُ حَتَّى أَحْدَثَ هَذَا فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقْتَدِي بِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إمَامٌ فِي الْمَسْجِدِ،

  122. وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى رَجَعَ الْأَوَّلُ ثُمَّ خَرَجَ الثَّانِي فَقَدْ صَارَ الْإِمَامُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ،

  123. وَإِنْ جَاءَ ثَالِثٌ وَاقْتَدَى بِالثَّانِي ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ تَحَوَّلَتْ الْإِمَامَةُ إلَى الثَّالِثِ لِكَوْنِهِ مُتَعَيِّنًا،

  124. فَإِنْ أَحْدَثَ فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ قَبْلَ رُجُوعِ أَحَدِ الْأَوَّلَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمَا إمَامٌ فِي الْمَسْجِدِ،

  125. وَإِنْ كَانَ قَدْ رَجَعَ أَحَدُ الْأَوَّلَيْنِ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّالِثِ تَحَوَّلَتْ الْإِمَامَةُ إلَيْهِ بِخُرُوجِ الثَّالِثِ،

  126. فَإِنْ كَانَا رَجَعَا جَمِيعًا،

  127. فَإِنْ اسْتَخْلَفَ الثَّالِثُ أَحَدَهُمَا صَارَ هُوَ الْإِمَامُ،

  128. وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ حَتَّى خَرَجَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنْ الْآخَرِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - إذَا أَحْدَثَ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَوَجَدَ الْمَاءَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَوَضَّأَ، قَالَ: يُتِمُّ صَلَاتَهُ مُقْتَدِيًا بِالثَّانِي؛

  129. لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِلْإِمَامَةِ فَبِنَفْسِ انْصِرَافِهِ تَتَحَوَّلُ الْإِمَامَةُ إلَيْهِ،

  130. وَإِنْ كَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ فَتَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ عَادَ إلَى مَكَانِ الْإِمَامَةِ وَصَلَّى بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَمْ تَتَحَوَّلْ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا بِالِاسْتِخْلَافِ وَلَمْ يُوجَدْ.

  131. قَالَ: (إمَامٌ أَحْدَثَ فَانْفَتَلَ وَقَدَّمَ رَجُلًا جَاءَ سَاعَتئِذٍ،

  132. فَإِنْ كَانَ كَبَّرَ قَبْلَ الْحَدَثِ مِنْ الْإِمَامِ صَحَّ اسْتِخْلَافُهُ) ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ،

  133. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ فَلَمَّا اسْتَخْلَفَهُ كَبَّرَ يَنْوِي الِاقْتِدَاءَ بِهِ صَحَّ الِاسْتِخْلَافُ أَيْضًا إلَّا عَلَى قَوْلِ بِشْرٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْإِمَامِ؛ لِأَنَّ حَدَثَ الْإِمَامِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي كَحَدَثِهِ بِنَفْسِهِ، وَكَوْنُهُ مُحْدِثًا يَمْنَعُ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ ابْتِدَاءً فَيُمْنَعُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ أَيْضًا،

  134. فَإِنَّ بَقَاءَ الِاقْتِدَاءِ بَعْدَ الْحَدَثِ عَرَفْنَاهُ بِالسُّنَّةِ، وَالِابْتِدَاءُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْبَقَاءِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: التَّحْرِيمَةُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ بَاقِيَةٌ حَتَّى إذَا عَادَ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ،

  135. وَكَذَلِكَ صِفَةُ الْإِمَامَةِ لَهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ وَعَادَ إلَى مَكَانِ الْإِمَامَةِ جَازَ، فَاقْتِدَاءُ الْغَيْرِ بِهِ صَحِيحٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ،

  136. وَإِذَا صَحَّ الِاقْتِدَاءُ جَازَ اسْتِخْلَافُهُ،

  137. وَإِنْ كَانَ حِينَ كَبَّرَ نَوَى أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاةً مُسْتَقْبَلَةً وَلَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ بِالْأَوَّلِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ افْتَتَحَهَا مُنْفَرِدًا بِهَا وَقَدْ أَدَّاهَا وَصَلَاةُ الْقَوْمِ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُقْتَدِينَ بِالْأَوَّلِ فَلَا يُمْكِنُهُمْ إتْمَامُهَا مُقْتَدِينَ بِالثَّانِي،

  138. فَإِنَّ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ لَا تُؤَدَّى بِإِمَامَيْنِ،

  139. بِخِلَافِ خَلِيفَةِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فَكَأَنَّهُ هُوَ بِعَيْنِهِ، فَكَانَ الْإِمَامُ وَاحِدًا مَعْنًى،

  140. وَإِنْ كَانَ مَثْنَى فِي الصُّورَةِ، وَهُنَا الثَّانِي لَيْسَ بِخَلِيفَةِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ قَطُّ فَتَحَقَّقَ أَدَاءُ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ خَلْفَ إمَامَيْنِ صُورَةً وَمَعْنًى، فَلِهَذَا لَا يُجْزِئُهُمْ.

  141. قَالَ: (إمَامٌ أَحْدَثَ وَهُوَ مُسَافِرٌ وَخَلْفَهُ مُقِيمُونَ وَمُسَافِرُونَ

  142. 1/1791/179

    فَقَدَّمَ مُقِيمًا صَحَّ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ شَرِيكُهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ فَرْضُ الْمُسَافِرِينَ،

  143. بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْأَوَّلُ الْإِقَامَةَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَصَدُوا الِاقْتِدَاءَ بِالْأَوَّلِ فَقَدْ أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمْ حُكْمَ الِاقْتِدَاءِ، وَمَا قَصَدُوا الِاقْتِدَاءَ بِالثَّانِي إنَّمَا لَزِمَهُمْ الِاقْتِدَاءُ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إلَى إصْلَاحِ صَلَاتِهِمْ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ، وَعَلَى هَذَا قُلْنَا: لَوْ قَدَّمَ مُسَافِرًا فَنَوَى الثَّانِي الْإِقَامَةَ لَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُ الْمُسَافِرِينَ ثُمَّ عَلَى الثَّانِي أَنْ يُتِمَّ بِهِمْ صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ؛

  144. لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ الْأَوَّلِ فَيَأْتِي بِمَا كَانَ عَلَى الْأَوَّلِ،

  145. فَإِذَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ قَدَّمَ مُسَافِرًا لِيُسَلِّمَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ بِنَفْسِهِ لِبَقَاءِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ،

  146. ثُمَّ يَقُومُ هُوَ مَعَ الْمُقِيمِينَ فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ وُحْدَانًا، هَكَذَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَلَّى بِعَرَفَاتٍ: أَتِمُّوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ صَلَاتَكُمْ، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» فَإِنْ اقْتَدَوْا فِيمَا يَقْضُونَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ فِي مَوْضِعٍ يَحِقُّ فِيهِ الِانْفِرَادُ كَالِانْفِرَادِ فِي مَوْضِعٍ يَحِقُّ فِيهِ الِاقْتِدَاءُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُخَالَفَةِ فِي الْحُكْمِ،

  147. وَإِنْ مَضَى الْإِمَامُ الثَّانِي فِي صَلَاتِهِ حَتَّى أَتَمَّهَا صَلَاةَ الْإِقَامَةِ وَالْقَوْمُ مَعَهُ،

  148. فَإِنْ قَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَصَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْمُسَافِرِينَ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مُنْفَرِدٌ لَا تَتَعَلَّقُ صَلَاتُهُ بِصَلَاةِ غَيْرِهِ، وَالْمُسَافِرُونَ إنَّمَا اشْتَغَلُوا بِالنَّفْلِ بَعْدَ إكْمَالِ الْفَرْضِ فَلَا يَضُرُّهُمْ،

  149. فَأَمَّا صَلَاةُ الْمُقِيمِينَ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ الِانْفِرَادَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ،

  150. فَإِذَا اقْتَدَوْا بِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ،

  151. فَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ الثَّانِي فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ الْأَوَّلِ فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْأَوَّلُ لَوْ تَرَكَ الْقَعْدَةَ الْأُولَى فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ، فَكَذَلِكَ الثَّانِي إذَا تَرَكَهَا فَتَفْسُدُ بِهِ صَلَاةُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُقْتَدِينَ بِهِ.

  152. قَالَ: (إمَامٌ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ وَأَدْرَكَ مَعَهُ رَجُلٌ هَذَا الرُّكُوعَ الثَّانِي فَهُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ) ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ الْأَوَّلَ انْتَقَضَ بِالثَّانِي،

  153. فَإِنَّ الْأَوَّلَ سَبَقَ أَوَانَهُ؛ لِأَنَّ أَوَانَ الرُّكُوعِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ فَمَا سَبَقَهُ كَانَ مُنْتَقِضًا، وَالرُّكُوعُ الثَّانِي حَصَلَ فِي أَوَانِهِ فَهُوَ الْمُعْتَدُّ بِهِ، وَقَدْ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ،

  154. وَإِنْ كَانَ قَرَأَ قَبْلَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فَالرُّكُوعُ هُوَ الْأَوَّلُ،

  155. وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ الثَّانِي لَا يَصِيرُ بِهِ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَصَلَ فِي أَوَانِهِ فَهُوَ الْمُعْتَدُّ بِهِ، وَالثَّانِي وَقَعَ مُكَرَّرًا وَلَا تَكْرَارَ فِي الرُّكُوعِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَالْمُنْتَقَضُ مَا وَقَعَ مُكَرَّرًا، وَذَكَرَ فِي بَابِ السَّهْوِ فِي نَوَادِرِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الرُّكُوعُ الثَّانِي وَمُدْرِكُهُ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ اعْتِبَارَ الرُّكُوعِ بِاتِّصَالِ السُّجُودِ بِهِ، وَإِنَّمَا اتَّصَلَ السُّجُودُ بِالرُّكُوعِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، فَكَانَ الْمُنْتَقِضُ هُوَ الْأَوَّلُ،

  156. وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْفَرْضَ بِالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ صَارَ

  157. 1/1801/180

    مُؤَدَّى، فَيَقِفُ يَنْتَظِرُ السُّجُودَ فَيَجْعَلُ السُّجُودَ مُتَّصِلًا بِهِ حُكْمًا،

  158. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْدَثَ حِينَ فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ وَاسْتَخْلَفَ رَجُلًا،

  159. فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ يَعْتَدُّ بِذَلِكَ الرُّكُوعِ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَرَأَ قَبْلَهُ،

  160. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ قَبْلَهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَوَّلِ، فَحَالُهُ فِي هَذَا كَحَالِ الْأَوَّلِ.

  161. قَالَ: (إمَامٌ أَحْدَثَ فَقَدَّمَ رَجُلًا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَصَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ فَاسِدَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِخْلَافِ فَاشْتِغَالُهُ بِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ خَلِيفَةً لَهُ إعْرَاضٌ مِنْهُ عَنْ صَلَاتِهِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ وَهَذَا عِنْدَنَا،

  162. فَإِنَّ حَدَثَ الْإِمَامِ إذَا تَبَيَّنَ لِلْقَوْمِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ، فَكَذَلِكَ فِي حَالَةِ الِاسْتِخْلَافِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا اقْتَدَوْا بِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُحْدِثٌ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ،

  163. وَإِذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ فَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ فِي حَالَةِ الِاسْتِخْلَافِ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أَمَّ فِي صَلَاةٍ أَصْحَابَهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ جُنُبًا فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ. (وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَمَّ قَوْمًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَعَادَ صَلَاتَهُ وَأَعَادُوا» وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ حَتَّى ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ يَوْمًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ جُنُبًا، فَأَمَرَ مُؤَذِّنَهُ ابْنَ التَّيَّاحِ أَنْ يُنَادِيَ، أَلَا إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ جُنُبًا فَأَعِيدُوا صَلَاتَكُمْ، وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ عُمَرَ مَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ رَأَى أَثَرَ الِاحْتِلَامِ فِي ثَوْبِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَتَى أَصَابَهُ فَأَعَادَ صَلَاتَهُ احْتِيَاطًا، وَعِنْدَنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَجِبُ عَلَى الْقَوْمِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ.

  164. وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ الْمُحْدِثُ صَبِيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ وَصَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ تَخَلُّقٌ وَاعْتِيَادٌ أَوْ نَافِلَةٌ فَلَا يَصْلُحُ هُوَ خَلِيفَةً لِلْإِمَامِ فِي الْفَرْضِ، كَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ أَصْلًا بِنَفْسِهِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَصْلِنَا أَيْضًا،

  165. فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ الِاقْتِدَاءَ بِالصَّبِيِّ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَقَدْ مَرَّ.

  166. وَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِالصَّبِيِّ فِي التَّطَوُّعِ فَقَدْ جَوَّزَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نَفْلَ الصَّبِيِّ دُونَ نَفْلِ الْبَالِغِ حَتَّى لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ، وَبِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ لَا يَجُوزُ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالصَّبِيُّ لَا يَصْلُحُ ضَامِنًا لِفَلْسٍ» فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنْهُ الضَّمَانُ لِصَلَاةِ الْمُقْتَدِي.

  167. وَكَذَلِكَ إنْ قَدَّمَ الْإِمَامُ الْمُحْدِثُ امْرَأَةً فَصَلَاتُهُ وَصَلَاتُهَا وَصَلَاةُ الْقَوْمِ كُلُّهُمْ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» فَاشْتِغَالُهُ بِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ خَلِيفَةً لَهُ إعْرَاضٌ

  168. 1/1811/181

    مِنْهُ عَنْ الصَّلَاةِ، فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَبِفَسَادِ صَلَاتِهِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَمْ تَتَحَوَّلْ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَلَاةُ النِّسَاءِ صَحِيحَةٌ إنَّمَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ النِّسَاءِ إنَّمَا لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا الْجَوَابُ عَنْ كَلَامِهِ.

  169. قَالَ: (أُمِّيٌّ صَلَّى بِقَوْمٍ أُمِّيِّينَ وَقَارِئِينَ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ كُلِّهِمْ فَاسِدَةٌ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْأُمِّيِّينَ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ صَاحِبُ عُذْرٍ،

  170. فَإِذَا اقْتَدَى بِهِ مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ وَمَنْ لَا عُذْرَ بِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ، كَالْعَارِي يَؤُمُّ الْعُرَاةَ وَاللَّابِسِينَ، وَالْمُومِي يَؤُمَّ مَنْ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ وَمَنْ يُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَصَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ يَؤُمُّ مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ وَالْأَصِحَّاءَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - طَرِيقَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ لَمَّا جَاءُوا مُجْتَمِعِينَ لِأَدَاءِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ بِالْجَمَاعَةِ فَالْأُمِّيُّ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ صَلَاتَهُ بِالْقِرَاءَةِ بِأَنْ يُقَدِّمَ الْقَارِئَ، فَتَكُونُ قِرَاءَةُ إمَامِهِ قِرَاءَةٌ لَهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» ،

  171. فَإِذَا تَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ فَقَدْ تَرَكَ أَدَاءَ الصَّلَاةِ بِالْقِرَاءَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ أَيْضًا،

  172. بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْذَارِ فَلُبْسُ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ لُبْسًا لِلْمُقْتَدِينَ، وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ مِنْ الْإِمَامِ لَا يَنُوبُ عَنْ الْمُقْتَدِي، وَوُضُوءُ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ وُضُوءًا لِلْمُقْتَدِي فَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى إزَالَةِ هَذَا الْعُذْرِ بِتَقْدِيمِ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ (فَإِنْ قِيلَ:) لَوْ كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي وَحْدَهُ وَهُنَاكَ قَارِئٌ يُصَلِّي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ جَازَتْ صَلَاةُ الْأُمِّيِّ وَلَمْ يُنْظَرْ إلَى قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ صَلَاتَهُ بِقِرَاءَةٍ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْقَارِئِ (قُلْنَا:) ذَكَرَ أَبُو حَازِمٍ أَنَّ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ قُلْنَا: لَمْ يَظْهَرْ هُنَاكَ مِنْ الْقَارِئِ رَغْبَةٌ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ فِي حَقِّ الْأُمِّيِّ،

  173. بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ.

  174. (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) أَنَّ افْتِتَاحَ الْكُلِّ لِلصَّلَاةِ قَدْ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ أَوَانُ التَّكْبِيرِ، فَالْأُمِّيُّ قَادِرٌ عَلَيْهِ كَالْقَارِئِ فَبِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ صَارَ الْأُمِّيُّ مُتَحَمِّلًا فَرْضَ الْقِرَاءَةِ عَنْ الْقَارِئِ،

  175. ثُمَّ جَاءَ أَوَانُ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْوَفَاءِ بِمَا تَحَمَّلَ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَبِفَسَادِ صَلَاتِهِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ،

  176. بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْذَارِ، فَإِنَّهَا قَائِمَةٌ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ بِصَاحِبِ الْعُذْرِ ابْتِدَاءً (فَإِنْ قِيلَ:) لَوْ اقْتَدَى الْقَارِئُ بِالْأُمِّيِّ بِنِيَّةِ النَّفْلِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ،

  177. وَلَوْ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الِابْتِدَاءِ لَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ (قُلْنَا:) إنَّمَا لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَارِعًا فِي صَلَاةٍ لَا قِرَاءَةَ فِيهَا وَالشُّرُوعُ كَالنَّذْرِ،

  178. وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ

  179. 1/1821/182

    - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَكَذَلِكَ إذَا شَرَعَ فِيهَا.

  180. قَالَ: (أُمِّيٌّ تَعَلَّمَ سُورَةً وَقَدْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ فَقَرَأَهَا فِيمَا بَقِيَ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ مِثْلُ الْآخَرِينَ) لِزَوَالِ أُمِّيَّتِهِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ،

  181. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَارِئًا فِي الِابْتِدَاءَ فَصَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةٍ ثُمَّ نَسِيَ فَصَارَ أُمِّيًّا فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ مِثْلُ الْآخَرِينَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَفْسُدُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا تَعَلَّمَ السُّورَةَ اسْتَقْبَلَ،

  182. وَإِذَا نَسِيَ بَنَى اسْتِحْسَانًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إذْ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَارِئَ لَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَقَدْ قَرَأَ الْأُخْرَيَيْنِ أَجْزَأَهُ،

  183. فَإِذَا كَانَ قَارِئًا فِي الِابْتِدَاءِ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَعَجْزُهُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ كَتَرْكِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ،

  184. وَإِذَا تَعَلَّمَ السُّورَةَ وَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَ الْقِرَاءَةِ فَلَا يَضُرُّهُ عَجْزُهُ عَنْهُ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا لَا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: إذَا تَعَلَّمَ السُّورَةَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ فَلَوْ اسْتَقْبَلَهَا كَانَ مُؤَدِّيًا لَهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ فَأَمَرْنَاهُ بِالِاسْتِقْبَالِ،

  185. فَأَمَّا إذَا نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فَلَوْ أَمَرْنَاهُ بِالِاسْتِقْبَالِ كَانَ مُؤَدِّيًا جَمِيعَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، فَالْأَوْلَى هُوَ الْبِنَاءُ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا بَعْضَهَا بِقِرَاءَةٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ حِينَ افْتَتَحَهَا وَهُوَ أُمِّيٌّ، فَقَدْ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ بِصِفَةِ الضَّعْفِ، فَحِينَ تَعَلَّمَ السُّورَةَ فَقَدْ قَوِيَ حَالُهُ، وَبِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ لَا يَجُوزُ كَالْعَارِي إذَا وَجَدَ الثَّوْبَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ، وَكَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي خِلَالِهَا،

  186. وَإِذَا كَانَ قَارِئًا فِي الِابْتِدَاءِ فَقَدْ الْتَزَمَ أَدَاءَ جَمِيعِ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةٍ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ فَكَانَ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ فِي الْفَصْلَيْنِ، هَذَا

  187. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْإِمَامُ الْأَوَّلُ أَدَّى فَرْضَ الْقِرَاءَةِ وَلَيْسَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قِرَاءَةٌ، فَاسْتِخْلَافُ الْقَارِئِ وَالْأُمِّيِّ فِيهِ سَوَاءٌ.

  188. (وَلَنَا) أَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ تُؤَدَّى فِي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ،

  189. فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا فَقَدْ الْتَزَمَ أَدَاءَ جَمِيعِ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةٍ، وَالْأُمِّيُّ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَصْلُحُ خَلِيفَةً لَهُ، وَاشْتِغَالُهُ بِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ خَلِيفَةً لَهُ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، كَمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً، وَعَلَى هَذَا لَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ آخِرِ السَّجْدَةِ ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ عِنْدَنَا،

  190. فَأَمَّا إذَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَصَاحِبَيْهِ.

  191. قَالَ: (أُمِّيٌّ اقْتَدَى بِقَارِئٍ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً فَلَمَّا فَرَغَ الْإِمَامُ قَامَ الْأُمِّيُّ لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ فِي الْقِيَاسِ) وَهُوَ قَوْلُ

  192. 1/1831/183

    أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْقَارِئِ قَدْ الْتَزَمَ أَدَاءَ هَذِهِ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةٍ وَقَدْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ قَامَ لِلْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَقْضِي،

  193. فَلَا تَكُونُ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةً فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْتَزِمُ الْقِرَاءَةَ ضِمْنًا لِلِاقْتِدَاءِ وَهُوَ مُقْتَدٍ فِيمَا بَقِيَ عَلَى الْإِمَامِ لَا فِيمَا سَبَقَهُ بِهِ الْإِمَامُ، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ بَنَى كَانَ مُؤَدِّيًا بَعْضَ الصَّلَاةِ بِالْقِرَاءَةِ،

  194. وَلَوْ اسْتَقْبَلَ كَانَ مُؤَدِّيًا جَمِيعَهَا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَأَدَاءُ الْبَعْضِ مَعَ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى مِنْ أَدَاءِ الْكُلِّ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ.

  195. قَالَ: (رَجُلٌ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَطَوُّعًا وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ تُفْتَرَضُ الْقَعْدَةُ فِي آخِرِهَا، فَتَرْكُ الْقَعْدَةِ الْأُولَى هُنَا كَتَرْكِهَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْجُمُعَةِ فَتَفْسُدُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفَرِيضَةِ؛

  196. لِأَنَّ حُكْمَ التَّطَوُّعِ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْفَرِيضَةِ،

  197. وَيَجُوزُ أَدَاءُ الْفَرِيضَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِقَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَذَلِكَ التَّطَوُّعُ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي التَّطَوُّعِ يَجُوزُ الْأَرْبَعُ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفَرْضِ فَكَذَلِكَ فِي الْقَعْدَةِ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا لَوْ صَلَّى التَّطَوُّعَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ بِقَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بِالْقِيَاسِ عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ،

  198. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ بِالرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَيَفْسُدُ مَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَعْدَةُ وَبِفَسَادِهَا يَفْسُدُ مَا قَبْلَهُ. وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ تَطَوَّعَ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ بِقَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَجَوَّزَهَا بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّحْرِيمَةِ وَالتَّسْلِيمَةِ،

  199. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْسَانَهُ فِي الْأَرْبَعِ كَانَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفَرِيضَةِ، وَلَيْسَ فِي الْفَرَائِضِ سِتُّ رَكَعَاتٍ يَجُوزُ أَدَاؤُهَا فِي قَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيُعَادُ فِيهِ إلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ لِهَذَا.

  200. قَالَ: (امْرَأَةٌ صَلَّتْ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَدْ نَوَى الْإِمَامُ إمَامَةَ النِّسَاءِ فَوَقَفَتْ فِي وَسَطِ الصَّفِّ، فَإِنَّهَا تُفْسِدُ صَلَاةَ مَنْ عَنْ يَمِينِهَا وَمَنْ عَنْ يَسَارِهَا وَمَنْ خَلْفَهَا بِحِذَائِهَا عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ أَحَدٍ بِسَبَبِ الْمُحَاذَاةِ؛

  201. لِأَنَّ مُحَاذَاةَ الْمَرْأَةِ الرَّجُلَ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ مُحَاذَاةِ الْكَلْبِ أَوْ الْخِنْزِيرِ إيَّاهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِصَلَاةِ الرَّجُلِ،

  202. وَلَوْ فَسَدَتْ الصَّلَاةُ بِسَبَبِ الْمُحَاذَاةِ لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ الْخُرُوجِ إلَى الْجَمَاعَةِ وَالِاخْتِلَاطِ بِالصُّفُوفِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ غَيْرُ مُفْسِدٍ عَلَى الرَّجُلِ صَلَاتَهُ، فَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.

  203. (وَلَنَا) أَنَّهُ تَرَكَ الْمَكَانَ الْمُخْتَارَ لَهُ فِي الشَّرْعِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ أَخَّرَهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا، فَالْمُخْتَارُ لِلرِّجَالِ التَّقَدُّمُ عَلَى النِّسَاءِ،

  204. فَإِذَا وَقَفَ بِجَنْبِهَا أَوْ خَلْفَهَا

  205. 1/1841/184

    فَقَدْ تَرَكَ الْمَكَانَ الْمُخْتَارَ لَهُ وَتَرَكَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ أَيْضًا،

  206. فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَهَا عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» وَالْمُرَادُ مِنْ الْأَمْرِ بِتَأْخِيرِهَا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَكَانَ مِنْ فَرَائِضِ صَلَاتِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَالَ الصَّلَاةِ حَالُ الْمُنَاجَاةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْطِرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ مِنْ مَعَانِي الشَّهْوَةِ فِيهِ، وَمُحَاذَاةُ الْمَرْأَةِ إيَّاهُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ عَادَةً، فَصَارَ الْأَمْرُ بِتَأْخِيرِهَا مِنْ فَرَائِضِ صَلَاتِهِ،

  207. فَإِذَا تَرَكَ تَفْسُدُ صَلَاتَهُ، وَإِنَّمَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالتَّأْخِيرِ لِلرَّجُلِ وَهُوَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَخَّرَ بِأَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِالْمُحَاذَاةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ هِيَ مُنَاجَاةٌ بَلْ هِيَ قَضَاءٌ لِحَقِّ الْمَيِّتِ،

  208. ثُمَّ لَيْسَ لَهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ مَقَامٌ لِكَوْنِهَا مَنْهِيَّةً عَنْ الْخُرُوجِ فِي الْجَنَائِزِ،

  209. وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ هُوَ عَلَى يَمِينِ مَنْ هُوَ عَلَى يَمِينِهَا،

  210. وَمَنْ عَلَى يَسَارِ مَنْ هُوَ عَلَى يَسَارِهَا إذْ هُنَاكَ حَائِلٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأُسْطُوَانَةِ، أَوْ كَانَ مِنْ الثِّيَابِ،

  211. فَإِنْ كَانَ صَفٌّ تَامٌّ مِنْ النِّسَاءِ وَرَاءَهُنَّ صُفُوفٌ مِنْ الرِّجَالِ فَسَدَتْ صَلَاةُ تِلْكَ الصُّفُوفِ كُلِّهَا اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ مِثْلُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ إلَّا صَلَاةُ صَفٍّ وَاحِدٍ خَلْفَ صُفُوفِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ تَحَقُّقَ الْمُحَاذَاةِ فِي حَقِّهِمْ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ حَدِيثَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ نَهْرٌ أَوْ طَرِيقٌ أَوْ صَفٌّ مِنْ النِّسَاءِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» وَلِأَنَّ الصَّفَّ مِنْ النِّسَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْحَائِطِ بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَبَيْنَ الْإِمَامِ، وَوُجُودُ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ فُرْجَةٌ بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَالْإِمَامِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّفِّ مِنْ النِّسَاءِ،

  212. فَأَمَّا الْمَرْأَتَانِ وَالثَّلَاثُ إذَا وَقَفْنَ فِي الصَّفِّ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ تُفْسِدَانِ صَلَاةَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: مَنْ عَنْ يَمِينِهِمَا وَمَنْ عَنْ يَسَارِهِمَا وَمَنْ خَلْفَهُمَا بِحِذَائِهِمَا، وَالثَّلَاثُ يُفْسِدْنَ صَلَاةَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِنَّ وَمَنْ عَنْ يَسَارِهِنَّ وَثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٍ خَلْفَهُنَّ إلَى آخِرِ الصُّفُوفِ، وَقَالَ: الثَّلَاثُ جَمْعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَهُوَ قِيَاسُ الصَّفِّ التَّامِّ،

  213. فَأَمَّا الْمَثْنَى فَلَيْسَتَا بِجَمْعٍ تَامٍّ فَهُمَا قِيَاسُ الْوَاحِدَةِ لَا يُفْسِدَانِ إلَّا صَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُمَا.

  214. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رِوَايَتَانِ فِي إحْدَاهُمَا جَعَلَ الثَّلَاثَ كَالِاثْنَيْنِ وَقَالَ لَا يُفْسِدْنَ إلَّا صَلَاةَ خَمْسَةِ نَفَرٍ: مَنْ عَنْ يَمِينِهِنَّ وَمَنْ عَنْ يَسَارِهِنَّ وَمَنْ خَلْفَهُنَّ بِحِذَائِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ جَاءَ فِي صَفٍّ تَامٍّ وَالثَّلَاثُ لَيْسَ بِصَفٍّ تَامٍّ مِنْ النِّسَاءِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى جَعَلَ الْمَثْنَى كَالثَّلَاثِ وَقَالَ: يُفْسِدَانِ صَلَاةَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِمَا وَمَنْ عَنْ يَسَارِهِمَا وَصَلَاةَ رَجُلَيْنِ خَلْفَهُمَا وَصَلَاةَ رَجُلَيْنِ خَلْفَهُمَا إلَى آخِرِ الصُّفُوفِ؛

  215. لِأَنَّ لِلْمَثْنَى حُكْمُ الثَّلَاثِ فِي الِاصْطِفَافِ حِينَ يَصْطَفَّانِ خَلْفَ الْإِمَامِ، قَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

  216. 1/1851/185

    «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» ،

  217. فَإِنْ وَقَفَتْ بِحِذَاءِ الْإِمَامِ تَأْتَمُّ بِهِ وَقَدْ نَوَى إمَامَتَهَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ بِسَبَبِ الْمُحَاذَاةِ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ تَفْسُدُ وَبِفَسَادِ صَلَاتِهِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْمُحَاذَاةَ اقْتَرَنَتْ بِشُرُوعِهَا فِي الصَّلَاةِ،

  218. وَلَوْ طَرَأَتْ كَانَتْ مُفْسِدَةً لِصَلَاتِهَا،

  219. فَإِذَا اقْتَرَنَتْ مَنَعَتْ صِحَّةَ اقْتِدَائِهَا، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُحَاذَاةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي صَلَاتِهَا، وَإِنَّمَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ إلَّا بَعْدَ شُرُوعِهَا؛ لِأَنَّ الْمُحَاذَاةَ مَا لَمْ تَكُنْ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ لَا تُؤَثِّرُ فِي صَلَاتِهَا إلَّا فَسَادًا، حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ إذَا وَقَفَا فِي مَكَان وَاحِدٍ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الرَّجُلِ؛

  220. لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْمَقَامِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ الْمُشَارَكَةِ كَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَالْإِمَامِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَأَنَا نَائِمَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مُعْتَرِضَةٌ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ، فَكَانَ إذَا سَجَدَ خَنَسْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهُمَا» .

  221. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ إمَامَتَهَا لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً فِي صَلَاتِهِ فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ بِالْمُحَاذَاةِ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهَا بِهِ،

  222. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ زُفَرُ،

  223. فَإِنَّ الرَّجُلَ صَالِحٌ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا،

  224. ثُمَّ اقْتِدَاءُ الرِّجَالِ بِالرَّجُلِ صَحِيحٌ،

  225. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، فَكَذَلِكَ اقْتِدَاءُ النِّسَاءِ، وَاسْتَدَلَّ بِالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ،

  226. فَإِنَّ اقْتِدَاءَ الْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ صَحِيحٌ فِيهِمَا،

  227. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا.

  228. (وَلَنَا) أَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا كَانَ يَلْحَقُ صَلَاتَهُ فَسَادٌ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ بِالنِّيَّةِ كَالْمُقْتَدِي لَمَّا كَانَتْ صَلَاتُهُ يَلْحَقُهَا فَسَادٌ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّا لَوْ صَحَّحْنَا اقْتِدَاءَهَا بِغَيْرِ النِّيَّةِ قَدَرَتْ عَلَى إفْسَادِ صَلَاةِ الرَّجُلِ كُلُّ امْرَأَةٍ مَتَى شَاءَتْ بِأَنْ تَقْتَدِيَ بِهِ، فَتَقِفُ إلَى جَنْبِهِ وَفِيهِ مِنْ الضَّرَرِ مَا لَا يَخْفَى، وَفِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهَا بِهِ مَا لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا،

  229. وَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ مُطْلَقًا فِي الْكِتَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ فَقَالَ: الضَّرُورَةُ فِي جَانِبِهَا هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ وَحْدَهَا وَلَا تَجِدُ إمَامًا آخَرَ تَقْتَدِي بِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ الْوُقُوفِ بِجَنْبِ الْإِمَامِ فِي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ لِكَثْرَةِ الِازْدِحَامِ فَصَحَّحْنَا اقْتِدَاءَهَا بِهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا،

  230. بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا إذَا وَقَفَتْ خَلْفَ الْإِمَامِ جَازَ اقْتِدَاؤُهَا بِهِ،

  231. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا ثُمَّ إذَا وَقَفَتْ إلَى جَنْبِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهَا لَا صَلَاةُ الرَّجُلِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

  232. 1/1861/186

    الْأَوَّلِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا إذَا وَقَفَتْ خَلْفَهُ فَقَصْدُهَا أَدَاءُ الصَّلَاةِ لَا فَسَادُ صَلَاةِ الرَّجُلِ فَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ،

  233. فَإِذَا وَقَفَتْ إلَى جَنْبِهِ فَقَدْ قَصَدَتْ إفْسَادَ صَلَاتِهِ فَرُدَّ قَصْدُهَا بِإِفْسَادِ صَلَاتِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَدْ نَوَى إمَامَتَهَا، فَحِينَئِذٍ هُوَ مُلْتَزِمٌ بِهَذَا الضَّرَرِ.

  234. قَالَ: (وَإِذَا سَبَقَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَا يَقْضِيَانِ فَوَقَفَتْ بِحِذَاءِ الرَّجُلِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ،

  235. وَلَوْ كَانَا لَاحِقَيْنِ بِأَنْ أَدْرَكَا أَوَّلَ الصَّلَاةِ ثُمَّ نَامَا أَوْ سَبَقَهُمَا الْحَدَثُ فَوَقَفَتْ الْمَرْأَةُ بِحِذَائِهِ فِيمَا يُتِمَّانِ فَصَلَاةُ الرَّجُلِ فَاسِدَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ فِيمَا يَقْضِي كَالْمُنْفَرِدِ حَتَّى تَلْزَمَهُ الْقِرَاءَةُ وَسُجُودُ السَّهْوِ إذَا سَهَا، فَلَمْ تُوجَدْ الْمُحَاذَاةُ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ،

  236. فَأَمَّا اللَّاحِقُ فِيمَا يُتِمُّ كَالْمُقْتَدِي حَتَّى لَا يَقْرَأَ،

  237. وَلَوْ سَهَا لَا يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ فَوُجِدَتْ الْمُحَاذَاةُ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ. وَفِقْهُ هَذَا الْحَرْفِ أَنَّ اللَّاحِقَ لَمَّا اقْتَدَى بِالْإِمَامِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ قَدْ الْتَزَمَ أَدَاءَ جَمِيعِ الصَّلَاةِ بِصِفَةِ الِاقْتِدَاءِ،

  238. فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ بِدُونِ هَذِهِ الصِّفَةِ،

  239. فَأَمَّا الْمَسْبُوقُ إنَّمَا الْتَزَمَ بِحُكْمِ الِاقْتِدَاءِ مَا بَقِيَ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ مَا فَرَغَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فَجَعَلْنَاهُ كَالْمُنْفَرِدِ فِيمَا يَقْضِي بِهَذَا.

  240. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي الظُّهْرَ فَائْتَمَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ تُرِيدَ التَّطَوُّعَ وَقَدْ نَوَى الْإِمَامُ إمَامَتَهَا ثُمَّ وَقَفَتْ بِحِذَائِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهَا) ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ صَحِيحٌ، فَوُجِدَتْ الْمُحَاذَاةُ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ، وَعَلَيْهَا قَضَاءُ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ كَانَ بَعْدَ صِحَّةِ شُرُوعِهَا بِسَبَبِ فَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ،

  241. وَإِنْ كَانَتْ نَوَتْ الْعَصْرَ لَمْ تُجْزِهَا صَلَاتُهَا وَلَمْ تُفْسِدْ عَلَى الْإِمَامِ صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّ تَغَايُرَ الْفَرْضَيْنِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ الْأَذَانِ، وَمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ شَارِعَةً فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا،

  242. بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالَ: الْجَوَابُ مَا ذَكَرَ فِي بَابِ الْأَذَانِ، وَمَعْنَى مَا ذَكَرَ هَاهُنَا أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَتَجْعَلُ هِيَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ بِنِيَّةِ الْعَصْرِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا، فَلِهَذَا لَا تَصِيرُ شَارِعَةً فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ.

  243. قَالَ: (وَيُصَلِّي الْعُرَاةُ وُحْدَانًا قُعُودًا بِإِيمَاءٍ) وَقَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُصَلُّونَ قِيَامًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ وَهُوَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَرْكَانِهَا، فَعَلَيْهِمْ الْإِتْيَانُ بِمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَسَقَطَ عَنْهُمْ مَا عَجَزُوا عَنْهُ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالَا: الْعَارِي يُصَلِّي قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ، وَلِأَنَّ الْقُعُودَ وَالْإِيمَاءَ أَسْتَرُ لَهُمْ، وَفِي الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ زِيَادَةُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الصَّلَاةِ، فَكُلُّ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَا يُمْكِنُهُ

  244. 1/1871/187

    أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إلَّا بِكَشْفِ الْعَوْرَةِ فَذَلِكَ حَرَامٌ،

  245. فَلَا يَكُونُ مِنْ أَرْكَانِ صَلَاتِهِ، فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ.

  246. وَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً قِيَامًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ أَجْزَأَهُمْ؛ لِأَنَّ تَمَامَ السَّتْرِ لَا يَحْصُلُ بِالْقُعُودِ فَتَرْكُهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهُمْ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِيَتَبَاعَدَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ،

  247. فَلَا يَقَعُ بَصَرُ بَعْضِهِمْ عَلَى عَوْرَةِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ يَحْصُلُ بِهِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى لِإِمَامِهِمْ إذَا صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ أَنْ يَقُومَ وَسَطَهُمْ لِكَيْ لَا يَقَعَ بَصَرُهُمْ عَلَى عَوْرَتِهِ،

  248. وَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ جَازَ أَيْضًا وَحَالُهُمْ فِي حَالِ الْمَوْضِعِ كَحَالِ النِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّينَ وَحْدَهُنَّ،

  249. فَإِنْ صَلَّيْنَ بِالْجَمَاعَةِ قَامَتْ إمَامُهُنَّ وَسَطَهُنَّ،

  250. وَإِنْ تَقَدَّمَتْهُنَّ جَازَ فَكَذَلِكَ حَالُ الْعُرَاةِ.

  251. وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَارِي ثَوْبٌ فِيهِ نَجَاسَةٌ،

  252. فَإِنْ كَانَ قَدْرُ الرُّبُعِ مِنْ الثَّوْبِ طَاهِرًا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ فَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا لَمْ تَجُزْ؛ لِأَنَّ الرُّبُعَ بِمَنْزِلَةِ الْكَمَالِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ أَلَا تَرَى أَنَّ نَجَاسَةَ الرُّبُعِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ كَنَجَاسَةِ الْكُلِّ فَكَذَلِكَ طَهَارَةُ الرَّبُعِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ كَطَهَارَةِ الْكُلِّ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ فِيهِ،

  253. وَأَمَّا إذَا كَانَ الثَّوْبُ كُلُّهُ مَمْلُوءًا دَمًا، أَوْ كَانَ الطَّاهِرُ مِنْهُ دُونَ رُبُعِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ إلَّا فِيهِ؛

  254. لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ مِنْ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا،

  255. فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ، فَكَذَلِكَ الْكَثِيرُ فِي قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ عَطَاءٌ مَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ سَبْعُونَ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى عُرْيَانًا كَانَ تَارِكًا لِفَرَائِضَ مِنْهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَمِنْهَا الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ،

  256. فَإِذَا صَلَّى فِيهِ كَانَ تَارِكًا فَرْضًا وَاحِدًا وَهُوَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ فَهَذَا الْجَانِبُ أَهْوَنُ.

  257. «وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: مَا خُيِّرَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا فَمَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا» وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: الْجَانِبَانِ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ سَوَاءٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَرُورَةٌ مَحْضَةٌ لَا تَجُوزُ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ فِي النَّفْلِ وَلَا فِي الْفَرْضِ يَعْنِي الصَّلَاةَ عُرْيَانًا وَالصَّلَاةُ فِي ثَوْبٍ مَمْلُوءٍ دَمًا، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ،

  258. فَإِذَا اسْتَوَيَا خُيِّرَ بَيْنَهُمَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالصَّلَاةِ، وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ عَنْ النَّجَاسَةِ تَخْتَصُّ بِهَا، فَلِهَذَا كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ.

  259. قَالَ: (وَإِذَا أَحْدَثَ الرَّجُلُ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ وَجَاءَ لَمْ يُجْزِئْهُ الِاعْتِدَادُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ قَدْ نَقَضَهُ، وَمَعْنَى

  260. 1/1881/188

    هَذَا أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَفْسُدَ جَمِيعُ الصَّلَاةِ بِالْحَدَثِ تَرَكْنَاهُ بِالنَّصِّ الْمُجَوِّزِ لِلْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ، فَبَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ فِي حَقِّ الرُّكْنِ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ ذَلِكَ الرُّكْنِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْبِنَاءِ، وَلِأَنَّ تَمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ عَنْهُ،

  261. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ رَفْعَ رَأْسِهِ بَعْدَ الْحَدَثِ إتْمَامًا لِذَلِكَ الرُّكْنِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ، وَأَدَاءُ جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِ،

  262. وَإِذَا جَاءَ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَعَلَيْهِ إتْمَامُ ذَلِكَ الرُّكْنِ،

  263. وَلَا يُمْكِنُهُ إتْمَامُهُ إلَّا بِإِعَادَتِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِهَذَا

  264. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ إمَامًا فَأَحْدَثَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَتَأَخَّرَ وَقَدَّمَ رَجُلًا مَكَثَ الرَّجُلُ رَاكِعًا كَمَا هُوَ حَتَّى يَكُونَ قَدْرَ رُكُوعِهِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ فِيمَا يُسْتَدَامُ كَالْإِنْشَاءِ، وَالثَّانِي قَائِمٌ مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إنْشَاءُ الرُّكُوعِ فَعَلَى الثَّانِي اسْتِدَامَتُهُ أَيْضًا،

  265. فَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ وَلَكِنَّ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَخَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ،

  266. فَإِنْ احْتَسَبَ بِذَلِكَ الرُّكُوعِ جَازَ،

  267. وَإِنْ أَعَادَهُ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ تَذَكُّرَهُ السُّجُودَ غَيْرُ نَاقِضٍ لِرُكُوعِهِ، وَلِأَنَّ رَفْعَ رَأْسِهِ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ إتْمَامًا لِلرُّكُوعِ بَعْدَ تَذَكُّرِهِ السَّجْدَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهَا إلَى آخِرِ صَلَاتِهِ جَازَ، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَعْتَدَّ بِهِ، وَالْإِعَادَةُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مَا قَصَدَ إتْمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ عَنْهُ إنَّمَا قَصَدَ إذَا تَذَكَّرَ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ؛

  268. لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ رُكْنٌ وَاجِبٌ فَالْتَحَقَتْ هَذِهِ السَّجْدَةُ بِمَحَلِّهَا وَبَطَلَ مَا أَدَّى مِنْ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ لِتَرْكِ التَّرْتِيبِ،

  269. فَأَمَّا عِنْدَنَا مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَبْدَأُ بِمَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهِ،

  270. وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ رُكْنًا لَمَا جَازَ لَهُ تَرْكُهَا بِعُذْرِ الْجَمَاعَةِ كَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ، وَلَئِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا فَقَدْ سَقَطَ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ عَلَيْهِ إعَادَةَ الرُّكُوعِ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْقَوْمَةَ الَّتِي بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ رُكْنٌ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الِاعْتِدَالَ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوْ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ رُكْنٌ، حَتَّى إنَّهُ إنْ لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ فِي الصَّلَاة وَلَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ تَجُوزُ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَيُكْرَهُ أَشَدُّ الْكَرَاهَةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَخْشَى أَنْ لَا تَجُوزَ صَلَاتُهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ أَصْلًا لِحَدِيثِ «الْأَعْرَابِيِّ، فَإِنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَخَفَّفَ فَقَالَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ حِينَ

  271. 1/1891/189

    عَلَّمَهُ قَالَ: لَهُ ارْكَعْ حَتَّى يَطْمَئِنَّ كُلُّ عُضْوٍ مِنْكَ،

  272. ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى يَطْمَئِنَّ كُلُّ عُضْوٍ مِنْكَ» الْحَدِيثَ وَرَأَى حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَجُلًا يُصَلِّي وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَقَالَ: مُذْ كَمْ تُصَلِّي هَكَذَا، فَقَالَ: مُذْ كَذَا، فَقَالَ: إنَّكَ لَمْ تُصَلِّ مُنْذُ كَذَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعْلَمُ بِالرَّأْيِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ سَمَاعًا.

  273. (وَلَنَا) مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَصْحَابِهِ فَدَخَلَ رَجُلٌ وَصَلَّى وَخَفَّفَ فَلَمَّا خَرَجَ أَسَاءُوا الْقَوْلَ فِيهِ فَقَالُوا: أَخَّرَهَا ثُمَّ لَمْ يُحْسِنْ أَدَاءَهَا، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَلَا أَحَدٌ يَشْتَرِي صَلَاتَهُ مِنْهُ، فَخَرَجَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَاشْتَرَاهَا بِدِرْهَمٍ فَأَبَى فَمَا زَالَ يَزِيدُ حَتَّى ضَجِرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا مَا بِعْتُكَهَا، فَعَادَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ الْمُصَلِّينَ» فَقَدْ جَعَلَ فِعْلَهُ صَلَاةً مُعْتَبَرَةً، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ صَلَاةِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ يَنْقُرُونَ نَقْرًا، فَقَالَ: ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ لَا شَيْءَ، وَلِأَنَّ الرُّكْنِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْيَقِينِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْأَدْنَى فَبَقِيَتْ الرُّكْنِيَّةُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ لِلْإِكْمَالِ، وَلَكِنَّ تَرْكَ مَا هُوَ لِإِكْمَالِ الْفَرِيضَةِ مِمَّا لَيْسَ بِرُكْنٍ لَا يُفْسِدُهُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ فِيمَا عَلَّمَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: «إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ أَتْمَمْتَ صَلَاتَكَ، وَإِنْ نَقَصْتَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ نَقَصَتْ صَلَاتُكَ» .

  274. إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقَوْمَةُ الَّتِي بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ رُكْنٌ، فَإِنَّهُ إذَا تَذَكَّرَ السَّجْدَةَ فِي الرُّكُوعِ إمَّا السَّجْدَةَ الصَّلَاتِيَّةَ أَوْ التِّلَاوِيَّةَ فَخَرَّ لَهَا سَاجِدًا وَلَمْ يَأْتِ بِتِلْكَ الْقَوْمَةِ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الرُّكُوعِ لِيَأْتِيَ بِتِلْكَ الْقَوْمَةِ.

  275. وَعِنْدَنَا تِلْكَ الْقَوْمَةُ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ فَتَرْكُهَا لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَالْأَوْلَى الْإِعَادَةُ لِيَأْتِيَ بِهَا.

  276. ثُمَّ قَدْرُ الرُّكْنِ مِنْ الرُّكُوعِ أَدْنَى الِانْحِطَاطِ عَلَى وَجْهٍ يُسَمَّى رَاكِعًا فِي النَّاسِ، وَفِي السُّجُودِ إمْسَاسُ جَبْهَتِهِ أَوْ أَنْفِهِ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالْمَفْرُوضُ مِنْ الرَّفْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَدْرُ مَا يُزَايِلُ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ الْأَرْضَ لِيَتَحَقَّقَ بِهِ الْفَصْلُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.

  277. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَرْفَعَ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى السُّجُودِ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ.

  278. قَالَ: (وَإِذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْمَغْرِبِ فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ يَقْضِي قَالَ: يُصَلِّي رَكْعَةً وَيَقْعُدُ) ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقْعُدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ فَيَقْضِي كَمَا فَاتَهُ، وَيُؤَيَّدُ هَذَا الْقِيَاسَ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ الرَّكْعَةَ ثَانِيَةُ هَذَا الْمَسْبُوقِ، وَالْقَعْدَةُ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي صَلَاةِ

  279. 1/1901/190

    الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الثَّالِثَةُ لِلْأُولَى، وَالثَّانِيَةُ لِلْأُولَى فِي حَقِّهِ هَذِهِ الرَّكْعَةُ، وَرُوِيَ أَنْ جُنْدُبًا وَمَسْرُوقًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - اُبْتُلِيَا بِهَذَا، فَصَلَّى جُنْدُبٌ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَعَدَ، وَمَسْرُوقٌ رَكْعَةً ثُمَّ قَعَدَ،

  280. ثُمَّ صَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى، فَسَأَلَا عَنْ ذَلِكَ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَقَالَ: كِلَاكُمَا أَصَابَ،

  281. وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَصَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ مَسْرُوقٌ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: كِلَاكُمَا أَصَابَ طَرِيقَ الِاجْتِهَادِ،

  282. فَأَمَّا الْحَقُّ فَوَاحِدٌ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ،

  283. ثُمَّ مَا يُصَلِّي الْمَسْبُوقُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرَ صَلَاتِهِ حُكْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْقِرَاءَةِ وَالْقُنُوتِ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَفِي حُكْمِ الْقَعْدَةِ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَمَذْهَبُهُ مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَذْهَبُهُمَا مَذْهَبُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ فِعْلًا وَحُكْمًا؛

  284. لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْآخِرُ إلَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ فِي الْأَدَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ فِي حَقِّهِ أَوَّلُ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا مُؤَدِّيًا لِأَوَّلِ الصَّلَاةِ كَانَ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ،

  285. وَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» فَهُوَ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ مُؤَدٍّ مَعَ الْإِمَامِ مَا أَدْرَكَ لَا مَا فَاتَهُ، وَلَكِنْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَهُ فِي حُكْمِ الْقِرَاءَةِ هَكَذَا احْتِيَاطًا حَتَّى تَلْزَمُهُ الْقِرَاءَةُ فِيمَا يَقْضِي؛

  286. لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مُكَرَّرَةٌ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ،

  287. وَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْقُنُوتِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ،

  288. فَلَوْ جَعَلْنَا مَا يُؤَدِّيهِ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَ الصَّلَاةِ لَلَزِمَهُ الْقُنُوتُ فِيمَا يَقْضِي، فَيُؤَدِّي إلَى تَكْرَارِ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ،

  289. فَأَمَّا فِي حُكْمِ الْقَعْدَةِ فَتَتِمُّ الصَّلَاةُ بِقَعْدَةٍ هِيَ رُكْنٌ، وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَجْعَلَ مَا يُؤَدِّيهِ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَ الصَّلَاةِ، فَلِهَذَا قَعَدَ إذَا صَلَّى رَكْعَةً، وَحُكِيَ عَنْ يَحْيَى الْبَنَّاءِ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَجَابَ بِمَا قُلْنَا، فَقَالَ عَلَى وَجْهِ السُّخْرِيَةِ: هَذِهِ صَلَاةٌ مَعْكُوسَةٌ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا أَفْلَحْتَ، قَالَ: وَكَانَ كَمَا قَالَ: أَفْلَحَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُفْلِحْ بِدُعَائِهِ.

  290. قَالَ: (وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ شَيْءٌ أَدْنَاهُ طُولُ ذِرَاعٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي الصَّحْرَاءِ فَلْيَتَّخِذْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةً» وَكَانَتْ الْعَنَزَةُ تُحْمَلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُرْكَزُ فِي الصَّحْرَاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إلَيْهَا، حَتَّى قَالَ عَوْنُ بْنُ جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْبَطْحَاءِ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، فَرَكَزَ بِلَالٌ الْعَنَزَةَ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي إلَيْهَا، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا» ، وَإِنَّمَا قَالَ: بِقَدْرِ ذِرَاعٍ طُولًا وَلَمْ يَذْكُرْ الْعَرْضَ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ

  291. 1/1911/191

    فِي غِلَظِ أُصْبُعٍ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، يُجْزِئُ مِنْ السُّتْرَةِ السَّهْمُ،

  292. فَإِنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَبْدُو لِلنَّاظِرِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَا دُونَ هَذَا لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ بُعْدٍ،

  293. (وَإِذَا اتَّخَذَ السُّتْرَةَ فَلْيَدْنُ مِنْهَا) لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيُرْهِقْهَا» ،

  294. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ، فَصَلَاتُهُ جَائِرَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِاِتِّخَاذِ السُّتْرَةِ لَيْسَ لِمَعْنًى رَاجِعٍ إلَى عَيْنِ الصَّلَاةِ،

  295. فَلَا يَمْنَعُ تَرْكُهُ جَوَازَ الصَّلَاةِ.

  296. وَإِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَارٌّ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ كَلْبٍ لَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ مُرُورُ الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ وَالْكَلْبِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يُفْسِدُ صَلَاتَهُ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ» ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنْ غَيْرِهِ، فَقَالَ: أَشْكَلَ عَلَيَّ مَا أَشْكَلَ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» .

  297. (وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَوْا رَدَّتْهُ «عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، فَإِنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةِ: يَا عُرْوَةُ مَاذَا يَقُولُ أَهْلُ الْعِرَاقِ.؟ قَالَ: يَقُولُونَ تَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، فَقَالَتْ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ وَالشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ قَرَنْتُمُونِي بِالْكِلَابِ وَالْحَمِيرِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ» وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُرُورَ الْمَرْأَةِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَرَادَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ فَوَقَفَ، ثُمَّ أَرَادَتْ زَيْنَبُ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَشَارَ عَلَيْهَا فَلَمْ تَقِفْ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: هُنَّ أَغْلَبُ صَاحِبَاتِ يُوسُفَ يَغْلِبْنَ الْكِرَامَ وَيَغْلِبهُنَّ اللِّئَامُ» وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُرُورَ الْحِمَارِ وَالْكَلْبِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ حَدِيثَ «ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: زُرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَخِي الْفَضْلِ عَلَى حِمَارٍ فِي الْبَادِيَةِ فَنَزَلْنَا فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَالْحِمَارُ يَرْتَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ» .

  298. وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَ الْمَارُّ عَنْ نَفْسِهِ لَا لِكَيْ لَا يُشْغِلَهُ عَنْ صَلَاتِهِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» إلَّا أَنَّهُ يَدْفَعُهُ بِالْإِشَارَةِ أَوْ الْأَخْذِ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ فِيهِ مَشْيٌ وَلَا عِلَاجٌ،

  299. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنْ لَمْ يَقِفْ بِإِشَارَتِهِ جَازَ دَفْعُهُ بِالْقِتَالِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ ابْنُ مَرْوَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقِفْ، فَلَمَّا حَاذَاهُ ضَرَبَهُ عَلَى صَدْرِهِ ضَرْبَةً أَقْعَدَهُ عَلَى

  300. 1/1921/192

    اسْتِهِ، فَجَاءَ إلَى أَبِيهِ يَشْكُو أَبَا سَعِيدٍ فَدَعَاهُ فَقَالَ: لِمَ ضَرَبْتَ ابْنِي، فَقَالَ: مَا ضَرَبْتُ ابْنَكَ إنَّمَا ضَرَبْتُ الشَّيْطَانَ، قَالَ: لِمَ تُسَمِّي ابْنِي شَيْطَانًا قَالَ: لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَأَرَادَ مَارٌّ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» يَعْنِي بِأَعْمَالِ الصَّلَاةِ، وَتَأْوِيلُ حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتٍ كَانَ الْعَمَلُ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ.