Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

كِتَابُ الدِّيَاتِ

المبسوطHanafimasa’il 62177 to 62713

  1. 26/5826/58

    (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامِ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) اعْلَمْ بِأَنَّ الْقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِنَايَاتِ بَعْدَ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

  2. 26/5926/59

    {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} وَقَالَ النَّبِيُّ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَلَا إنَّ أَعْتَى النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِ أَبِيهِ وَرَجُلٌ قَتَلَ قَبْل أَنْ يَدْخُل الْجَاهِلِيَّةَ وَرَجُلٌ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ» ، وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ بِعَرَفَاتٍ «أَلَا إنَّ دِمَاءَكُمْ وَنُفُوسَكُمْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا فِي مَقَامِي هَذَا» «وَلَمَّا قَتَلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا يُرْحَمُ فَدُفِنَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ ثُمَّ دُفِنَ فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالَ: أَمَا إنَّهَا تَقْبَلُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ جُرْمًا مِنْهُ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَاكُمْ حُرْمَةَ الْقَتْلِ» وَفِي قَتْلِ النَّفْسِ إفْسَادُ الْعَالَمِ وَنَقْضُ الْبِنْيَةِ.

  3. وَمِثْلُ هَذَا الْفَسَادِ مِنْ أَعْظَمِ الْجِنَايَاتِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَانِيَ مَأْخُوذٌ عَنْ الْجِنَايَةِ إلَّا أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الزَّجْرِ بِالْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ مَا انْزَجَرَ إلَّا أَقَلَّ الْقَلِيلِ،

  4. فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ إنَّمَا يَنْزَجِرُونَ مَخَافَةَ الْعَاجِلَةِ بِالْعُقُوبَةِ، وَذَلِكَ بِمَا يَكُونُ مُتْلِفًا لِلْجَانِي أَوْ مُجْحِفًا بِهِ فَشَرَعَ اللَّهُ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ لِتُحَقِّقَ مَعْنَى الزَّجْرِ.

  5. وَهَذَا الْكِتَابُ لِبَيَانِ ذَلِكَ وَقَدْ سَمَّاهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِتَابَ الدِّيَاتِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ بِالْقَتْلِ أَعَمُّ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فَإِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِي الْخَطَأِ، وَفِي شَبَهِ الْعَمْدِ، وَفِي الْعَمْدِ عِنْدَ تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ،

  6. وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ تَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا، وَالْقِصَاصُ لَا يَتَنَوَّعُ فَلِهَذَا رَجَحَ جَانِبُ الدِّيَةِ فِي نِسْبَةِ الْكِتَابِ إلَيْهَا وَاشْتِقَاقُ الدِّيَةِ مِنْ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مُودَى فِي مُقَابِلَةِ مُتْلَفٍ لَيْسَ بِمَالٍ وَهُوَ النَّفْسُ، وَالْأَرْشُ الْوَاجِبُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ مُؤَدًّى أَيْضًا.

  7. وَكَذَلِكَ الْقِيمَةُ الْوَاجِبَةُ فِي سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ إلَّا أَنَّ الدِّيَةَ اسْمٌ خَاصٌّ فِي بَدَلِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَطْرُدُونَ الِاشْتِقَاقَ فِي جَمِيعِ مَوَاضِعِهِ؛ لِقَصْدِ التَّخْصِيصِ بِالتَّعْرِيفِ، وَسُمِّيَ بَدَلُ النَّفْسِ عَقْلًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا اعْتَادُوا ذَلِكَ مِنْ الْإِبِلِ فَكَانُوا يَأْتُونَ بِالْإِبِلِ لَيْلًا إلَى فِنَاءِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَتُصْبِحُ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ، وَالْإِبِلُ مَعْقُولَةٌ بِفِنَائِهِمْ فَلِهَذَا سَمَّوْهُ عَقْلًا.

  8. ثُمَّ بَدَأَ الْكِتَابَ فَقَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٌ وَخَطَأٌ وَشِبْهُ الْعَمْدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَقُولُ: الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ وَمَا لَيْسَ بِعَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ وَلَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ

  9. أَمَّا الْعَمْدُ فَهُوَ مَا تَعَمَّدْتَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَتْلُ، وَقَصْدُ إزْهَاقِ الْحَيَاةِ، وَهِيَ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ لِقَصْدِ أَخْذِهَا فَيَكُونُ الْقَصْدُ إلَى إزْهَاقِ الْحَيَاةِ بِالضَّرْبِ بِالسِّلَاحِ الَّذِي هُوَ جَارِحٌ عَامِلٌ فِي الظَّاهِرِ، وَالْبَاطِنِ جَمِيعًا ثُمَّ الْمُتَعَلِّقُ بِهَذَا الْفِعْلِ أَحْكَامٌ مِنْهَا: الْمَأْثَمُ وَذَلِكَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا

  10. 26/6026/60

    فِيهَا} الْآيَةَ.

  11. وَمِنْهَا الْقِصَاصُ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي قَوْله تَعَالَى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} وَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَتَبَهُ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا فَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْنَا مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ النَّسْخِ فِيهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْنَا فَقَالَ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ، وَفِيهِ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَيَاةٌ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ؛

  12. لِأَنَّ مَنْ قَصَدَ قَتْلَ عَدُوِّهِ فَإِذَا تَفَكَّرَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ أَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ انْزَجَرَ عَنْ قَتْلِهِ فَكَانَ حَيَاةً لَهُمَا.

  13. وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَيَاةٌ بِطَرِيقِ دَفْعِ سَبَبِ الْهَلَاكِ فَإِنَّ الْقَاتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ يَصِيرُ حَرْبًا عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ فَهُوَ يَقْصِدُ إفْنَاءَهُمْ؛ لِإِزَالَةِ الْخَوْفِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالشَّرْعُ مَكَّنَهُمْ مِنْ قَتْلِهِ قِصَاصًا لِدَفْعِ شَرِّهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِحْيَاءُ الْحَيِّ فِي دَفْعِ سَبَبِ الْهَلَاكِ عَنْهُ، وَقَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ الْقَوَدُ فَإِنَّ نَفْسَ الْعَمْدِ لَا يَكُونُ قَوَدًا، وَقَالَ: صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» أَيْ حُكْمُ اللَّهِ، وَالْقِصَاصُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُسَاوَاةِ، وَفِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ هُوَ اتِّبَاعُ الْأَثَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} وَاتِّبَاعُ أَثَرِ الشَّيْءِ فِي الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، فَجُعِلَ عِبَارَةً عَنْ الْمُسَاوَاةِ لِذَلِكَ.

  14. وَمِنْ حُكْمِهِ: حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ بَعْدَ صَاحِبِ الْبَقَرَةِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «لَا شَيْءَ لِلْقَاتِلِ» أَيْ مِنْ الْمِيرَاثِ.

  15. وَمِنْ حُكْمِهِ: وُجُوبُ الْمَالِ بِهِ عِنْدَ التَّرَاضِي أَوْ عِنْدَ تَعَذُّرِ إيجَابِ الْقِصَاصِ لِلشُّبْهَةِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

  16. {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} أَيْ فَمَنْ أُعْطِيَ لَهُ مِنْ دَمِ أَخِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ بِمَعْنَى الْفَضْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ويَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ} ، وَالْمُرَادُ بِهِ إذَا رَغِبَ الْقَاتِلُ فِي أَدَاءِ الدِّيَةِ فَالْمَوْلَى مَنْدُوبٌ إلَى مُسَاعَدَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى الْقَاتِلِ أَدَاؤُهُ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ إذَا سَاعَدَهُ الْوَلِيُّ، وَهَذِهِ الدِّيَةُ تَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ إذَا كَانَ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ وَالتَّرَاضِي فَكَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ،

  17. وَأَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَلِأَنَّ فِي الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ مَعْنَى الزَّجْرِ، وَمَعْنَى الزَّجْرِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ مُجْحِفًا بِهِ، وَهُوَ الْكَثِيرُ مِنْ مَالِهِ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ بِهَذَا الْفَصْلِ عِنْدَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِهِ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ بِالْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ إلَّا أَنْ يُصَالِحَ الْوَلِيُّ الْقَاتِلَ عَلَى الدِّيَةِ وَلِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ قَوْلَانِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: مُوجِبُ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِ الْمَوْلَى، وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: مُوجِبُهُ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَخْتَارَ أَخْذَ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ» فَهَذَا تَنْصِيصٌ

  18. 26/6126/61

    عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبُ الْقَتْلِ،

  19. وَأَنَّ الْوَلِيَّ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا «، وَلَمَّا أُتِيَ بِالْقَاتِلِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْوَلِيِّ أَتَعْفُو فَقَالَ: لَا فَقَالَ أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ فَقَالَ: لَا فَقَالَ الْقَتْلَ فَقَالَ نَعَمْ» فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ الْوَلِيَّ يَسْتَبِدُّ بِأَخْذِ الدِّيَةِ كَمَا يَسْتَبِدُّ بِالْعَفْوِ، وَالْقَتْلِ.

  20. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذَا إتْلَافُ حَيَوَانٍ مُتَقَوِّمٍ فَيَكُونُ مُوجِبًا ضَمَانَ الْقِيمَةِ كَإِتْلَافِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَقِيمَةُ النَّفْسِ الدِّيَةُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَإِتْلَافُ الْمُقَوَّمِ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ يُوجِبُ الْقِيمَةَ، وَقِيمَةُ النَّفْسِ الدِّيَةُ بِدَلِيلِ حَالَةِ الْخَطَأِ فَإِنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْإِتْلَافِ لَا بِصِفَةِ الْخَطَأِ؛

  21. لِأَنَّهُ عُذْرٌ مُسْقِطٌ، وَالْمُتْلِفُ فِي حَالَةِ الْعَمْدِ مَا هُوَ الْمُتْلِفُ فِي حَالَةِ الْخَطَأِ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْقِصَاصَ بِمَعْنَى الِانْتِقَامِ وَشِفَاءِ الصَّدْرِ لِلْوَلِيِّ، وَدَفْعِ الْغَيْظِ عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ

  22. بِخِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ، وَالْإِتْلَافُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِمُقَابَلَةِ الْإِتْلَافِ وَهُوَ لَيْسَ بِمِثْلٍ.

  23. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالْوَاحِدِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِمَعْنَى زِيَادَةِ النَّظَرِ لِلْوَلِيِّ، وَذَلِكَ فِي أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّهُ فِي الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ بَلْ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا فِيهِ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ وَيَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءُ أَوْ نَاقِصَةٌ بِأُصْبُعٍ فَإِنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ بِغَيْرِ رِضَا الْجَانِي لِهَذَا الْمَعْنَى؛

  24. وَلِأَنَّ النَّفْسَ مُحْتَرَمَةٌ بِحُرْمَتَيْنِ، وَفِي إتْلَافِهَا هَتْكُ الْحُرْمَتَيْنِ جَمِيعًا حُرْمَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحُرْمَةِ حَقِّ صَاحِبِ النَّفْسِ وَجَزَاءُ حُرْمَةِ اللَّهِ الْعُقُوبَةُ زَجْرًا وَجَزَاءُ هَتْكِ حُرْمَةِ الْعَبْدِ الْغَرَامَةُ جَبْرًا.

  25. وَلَكِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا هَاهُنَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ حَتَّى يَعْمَلَ فِيهِ إسْقَاطُهُ وَيُورَثُ عَنْهُ وَيَسْقُطُ بِإِذْنِهِ،

  26. وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ لِمُسْتَحِقٍّ وَاحِدٍ بِمُقَابَلَةِ مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَأَثْبَتْنَا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، وَقُلْنَا: إنْ شَاءَ مَالَ إلَى جَانِبِ هَتْكِ حُرْمَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَوْفَى الْعُقُوبَةَ،

  27. وَإِنْ شَاءَ مَالَ إلَى جِهَةِ حُرْمَةِ حَقِّ الْعِبَادِ فَاسْتَوْفَى الدِّيَةَ.

  28. وَلَا خِلَافَ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ فِي الدَّمِ إذَا عَفَا أَنَّ لِلْآخَرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَالَ،

  29. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَالُ وَاجِبًا لَهُ بِنَفْسِ الْقَتْلِ لَمَا وَجَبَ بِالْعَفْوِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ مُسْقِطٌ،

  30. وَلَوْ وَجَبَ بِالْعَفْوِ لَوَجَبَ عَلَى الْعَافِي،

  31. وَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا كَضَمَانِ الْإِعْتَاقِ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتِقِ إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَلَمَّا وَجَبَ الْمَالُ لِلْآخَرِ عَلَى الْقَتْلِ عَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِ الْقَتْلِ، وَلَمَّا ظَهَرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَفْوِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْفُ فَكَذَلِكَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْعَافِي إذَا عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ فَقُلْنَا: يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الْمَالِ؛

  32. وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الدِّيَةِ بَعْدَمَا اسْتَحَقَّتْ نَفْسُهُ قِصَاصًا مُلْقٍ نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ، فَيَكُونُ مَمْنُوعًا شَرْعًا كَالْمُضْطَرِّ إذَا وَجَدَ طَعَامًا يَشْتَرِيهِ، وَمَعَهُ ثَمَنُهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ شَرْعًا لِهَذَا الْمَعْنَى

  33. 26/6226/62

    فَكَذَا هَاهُنَا.

  34. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» فَقَدْ أَدْخَلَ الْأَلِفَ، وَاللَّامَ فِي الْعَمْدِ، وَذَلِكَ لِلْمَعْهُودِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِلْجِنْسِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا مَعْهُودٌ فَكَانَ لِلْجِنْسِ، وَفِيهِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ جِنْسَ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ فَمَنْ جَعَلَ الْمَالَ وَاجِبًا بِالْعَمْدِ مَعَ الْقَوَدِ فَقَدْ زَادَ عَلَى النَّصِّ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِهِ الْعَمْدُ قَوَدٌ،

  35. وَلَا مَالَ لَهُ فِيهِ وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَا: فِي دَمٍ عَمْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ عَفَا أَحَدُهُمَا انْقَلَبَ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا فَتَخْصِيصُهُمَا غَيْرَ الْعَافِي بِوُجُوبِ الْمَالِ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَافِيَ لَا شَيْءَ لَهُ فَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ «فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ» فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ فَإِنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا فَادَوْا» .

  36. ، وَالْمُفَادَاةُ عَلَى مِيزَانِ الْمُفَاعَلَةِ يَقْتَضِي وُجُودَ الْقَتْلِ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِالتَّرَاضِي، وَذَلِكَ أَخْذُ الدِّيَةِ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ، وَتَأْوِيلُ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَالَ:

  37. وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ مِنْ جِهَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ رِضَا الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَدَاءِ الْمَالِ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَنْ سَفِهَتْ نَفْسُهُ؛

  38. لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ لِإِبْقَاءِ مَنْفَعَةِ الْمَالِ سَفَهٌ،

  39. وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بَعْدَمَا تَلِفَتْ نَفْسُهُ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خُذْ سَلَمَك أَوْ رَأْسَ مَالِك» ، وَهُوَ فِي أَخْذِ رَأْسِ الْمَالِ يَحْتَاجُ إلَى رِضَا الْمُسَلِّمِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ.

  40. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ لَا يُجْبَرَ الْوَلِيُّ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ شَاءَ أَوْ أَبَى لَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ غَيْرَهُ عَلَى أَدَاءِ الدِّيَةِ بِدَلِيلِ قِصَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَفِّ عَنْ الْقَتْلِ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَمَّا أَنْتُمْ يَا مَعَاشِرَ خُزَاعَةَ فَقَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاَللَّهِ عَاقِلَتُهُ فَوَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ الْيَوْمِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ» فَقَدْ أَجْبَرَ الْوَلِيَّ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ انْتَسَخَ،

  41. وَأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ بَعْدَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عَرَضَ الدِّيَةَ عَلَى الْوَلِيِّ، وَهَذَا لَا يَنْفِي كَوْنَ رِضَا الْقَاتِلِ مَشْرُوطًا فِيهِ، وَلَكِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ التَّبَرُّعَ بِأَدَاءِ الدِّيَةِ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ رِضَا الْقَاتِلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ رَغْبَةَ الْمَوْلَى فِي أَخْذِ الدِّيَةِ ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِاسْتِرْضَاءِ الْقَاتِلِ كَمَنْ سَعَى بِالصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَسْتَرْضِي أَحَدَهُمَا فَإِذَا تَمَّ لَهُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ اسْتَرْضَى الْآخَرَ.

  42. وَالْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَتْلَفَ شَيْئًا مَضْمُونًا فَيَتَقَدَّرُ ضَمَانُهُ بِالْمِثْلِ مَا أَمْكَنَ كَإِتْلَافِ الْمَالِ وَتَفْوِيتُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ يَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهَا

  43. 26/6326/63

    الْمِثْلُ إذَا أَمْكَنَ.

  44. وَهَذَا لِأَنَّ ضَمَانَ الْمُتْلَفَاتِ مُقَدَّرٌ بِالْمِثْلِ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

  45. {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ؛ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمِثْلِ ظُلْمٌ عَلَى الْمُتَعَدِّي، وَفِي النُّقْصَانِ يَحْسُنُ بِالْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ، وَذَلِكَ بِالْمِثْلِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الدِّيَةُ لَيْسَتْ بِمَالٍ لِلْمُتْلِفِ، وَالْقِصَاصُ مِثْلٌ أَمَّا بَيَانُ أَنَّ الدِّيَةَ لَيْسَتْ بِمِثْلٍ؛

  46. فَلِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ تُعْرَفُ صُورَةً أَوْ مَعْنًى،

  47. وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْمَالِ، وَالْآدَمِيِّ صُورَةً،

  48. وَلَا مَعْنًى، وَالنَّفْسُ مَخْلُوقَةٌ لِأَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالِاشْتِغَالِ بِطَاعَتِهِ؛ لِيَكُونَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، وَالْمَالُ مَخْلُوقٌ لِإِقَامَةِ مَصَالِحِ الْآدَمِيِّ بِهِ لِيَكُونَ مُبْتَذَلًا فِي حَوَائِجِهِ.

  49. فَأَمَّا الْقِصَاصُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ؛ فَلِأَنَّهُ قَتْلٌ بِإِزَاءِ قَتْلٍ وَإِزْهَاقُ حَيَاةٍ بِإِزْهَاقِ حَيَاةٍ،

  50. وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَالْمَقْصُودُ بِالْقَتْلِ لَيْسَ إلَّا الِانْتِقَامُ، وَالثَّانِي فِي مَعْنَى الِانْتِقَامِ كَالْأَوَّلِ، وَبِهَذَا سُمِّيَ قِصَاصًا ثُمَّ الْمِثْلُ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ،

  51. وَلَا يُجْعَلُ جُبْرَانُ الْحَيَاةِ بِالْمَالِ، وَإِنَّمَا جُبْرَانُ الْحَيَاةِ بِحَيَاةٍ مِثْلِهَا، وَذَلِكَ فِي الْقِصَاصِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى أَنَّ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةً فَعَلَيْنَا أَنْ نَعْقِدَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقِصَاصِ عَقَلْنَاهُ أَوْ لَمْ نَعْقِلْهُ،

  52. ثُمَّ هُوَ مَعْقُولٌ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ حَيَاةٌ بِطَرِيقِ دَفْعِ سَبَبِ الْهَلَاكِ، وَلَكِنْ لِلْوَلِيِّ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَقْتُولِ كَمَا أَنَّ الْمَالَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَقْتُولِ،

  53. وَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى إثْبَاتِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ بِالْقِصَاصِ، وَهُوَ مَحْضُ حَقِّ الْعَبْدِ،

  54. وَلَا حَقَّ لِلْعَبْدِ إلَّا فِي الْمِثْلِ،

  55. فَأَمَّا أَجْزِيَةُ الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ فَتَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا حَاجَتُنَا إلَى أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِلنَّفْسِ وَقَدْ أَثْبَتنَا ذَلِكَ فَقُلْنَا: لَا يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ النَّفْسِ الْمُتْلَفَةِ قَتْلًا إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ بِتَعَذُّرِ إيجَابِ الْمِثْلِ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْمَالُ بِالنَّصِّ

  56. بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ فِي حَالَةِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَاتِ الْمُعَجَّلَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْخَاطِئُ مَعْذُورٌ فَتَعَذَّرَ إيجَابُ الْمِثْلِ عَلَيْهِ، وَنَفْسُ الْمَقْتُولِ مُحَرَّمَةٌ لَا يَسْقُطُ جُزْءٌ مِنْهَا بِعُذْرِ الْخَاطِئِ فَوَجَبَ صِيَانَتُهَا عَنْ الْهَدَرِ فَأَوْجَبَ الشَّرْعُ الْمَالَ فِي حَالَةِ الْخَطَأِ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ عَنْ الْإِهْدَارِ لَا بِطَرِيقِ أَنَّهُ مِثْلٌ كَمَا أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى الشَّيْخِ الْفَانِي عِنْدَ وُقُوعِ الْيَأْسِ بِهِ عَنْ الصَّوْمِ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِطْعَامَ مِثْلُ الصَّوْمِ،

  57. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ وُجُوبَ الْمَالِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ اسْتِيفَاءِ مِثْلِ حَقِّهِ لَا مَعْنَى لِإِيجَابِ الْمَالِ وَكَمَا ثَبَتَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْخَطَأِ قُلْنَا: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ مَوَاضِعِ الْعَمْدِ بِتَحَقُّقِ هَذَا الْمَعْنَى نُوجِبُ هَذَا الْمَالَ أَيْضًا؛

  58. لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ مِنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ يَلْحَقُ بِهِ مَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَالْأَبُ إذَا قَتَلَ ابْنَهُ عَمْدًا يَجِبُ الْمَالُ لِتَعَذُّرِ إيجَابِ الْقِصَاصِ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ.

  59. وَإِذَا

  60. 26/6426/64

    عَفَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ يَجِبُ لِلْآخَرِ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِمَعْنًى فِي الْقَاتِلِ، وَهُوَ أَنَّهُ حَتَّى يَقُصَّ نَفْسَهُ بِعَفْوِ الشَّرِيكِ فَكَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَوَجَبَ الْمَالُ لِلْآخَرِ،

  61. وَلَا يَجِبُ لِلْعَافِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ عَلَى الْعَافِي بِإِسْقَاطِهِ مِنْ جِهَتِهِ لَا بِمَعْنًى فِي الْقَاتِلِ،

  62. ثُمَّ إقْدَامُ الْعَافِي عَلَى الْعَفْوِ يَكُونُ تَعْيِينًا مِنْهُ لِحَقِّهِ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ يُعْتَرَفُ فِيهِ بِالْإِسْقَاطِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَعْيِينِ حَقِّهِ فِيهِ، وَمَعَ تَعْيِينِ حَقِّهِ فِي الْقِصَاصِ لَا يَجِبُ لَهُ الْمَالُ.

  63. وَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنَّمَا لَا نُوجِبُ الْمَالَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخَاطِئِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ إيجَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَانَ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فَلَوْ أَلْحَقْنَا هَذَا بِالْخَاطِئِ لِمَعْنَى التَّعَذُّرِ كَانَ قِيَاسًا، وَالْمَخْصُوصُ مِنْ الْقِيَاسِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ،

  64. وَإِذَا كَانَتْ يَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءَ فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ هَاهُنَا عَاجِزٌ عَنْ اسْتِيفَاءِ مِثْلِ حَقِّهِ بِصِفَتِهِ لَا لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بَلْ لِمَعْنًى فِي الْجَانِي فَإِنْ شَاءَ تَجَوَّزَ بِدُونِ حَقِّهِ،

  65. وَإِنْ شَاءَ مَالَ إلَى اسْتِيفَاءِ الْأَرْشِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَتْلَفَ عَلَى آخَرَ كُرَّ حِنْطَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ إلَّا كُرًّا رَدِيئًا فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِدُونِ حَقِّهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُطَالِبَ بِالْقِيمَةِ؛ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمِثْلِ بِصِفَتِهِ

  66. بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْقَاطِعِ ظُلْمًا؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الِاسْتِيفَاءِ هَاهُنَا لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ

  67. بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ فِي سَرِقَةٍ أَوْ قِصَاصٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْأَرْشُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ هُنَاكَ فِي مَعْنَى الْقَائِمِ حُكْمًا حِينَ قَضَى بِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَيَكُونُ كَالسَّالِمِ لَهُ حُكْمًا فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ، وَمَا قَالَ أَنَّ فِي النَّفْسِ حُرْمَتَيْنِ فَنَقُولُ فِي نَفْسِ الْقَاتِلِ حُرْمَتَانِ كَمَا فِي نَفْسِ الْمَقْتُولِ فَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ يَحْصُلُ بِهِ مُرَاعَاةُ الْحُرْمَتَيْنِ جَمِيعًا،

  68. ثُمَّ الْقِصَاصُ لَا يَجِبُ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْحُرْمَتَيْنِ جَمِيعًا،

  69. وَإِذَا اعْتَبَرْنَاهُمَا لِإِيجَابِ الْقِصَاصِ لَا يَبْقَى حُرْمَةٌ أُخْرَى تُعْتَبَرُ لِإِيجَابِ الْمَالِ،

  70. وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى الَّذِي قَالَهُ صَحِيحًا لَوَجَبَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا اسْتِيفَاءً كَمَنْ قَتَلَ صَيْدًا مَمْلُوكًا فِي الْحَرَمِ يَجْمَعُ بَيْنَ وُجُوبِ الْكَفَالَةِ؛ لِحُرْمَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَوُجُوبِ الضَّمَانِ لِحَقِّ الْمَالِكِ.

  71. وَفِيمَا قَرَّرْنَا جَوَابٌ عَمَّا قَالَ: إنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ

  72. بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى هُوَ الْقِصَاصُ عُلِمَ أَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ، وَاَلَّذِي قَالَ: إنَّهُ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الدِّيَةِ يُسَلِّمُ نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ ضَعِيفٌ،

  73. فَإِنَّ إلْقَاءَ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ إنَّمَا كَانَ بِالْقَبِيلِ السَّابِقِ فَأَمَّا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الدِّيَةِ يُسَلِّمُ نَفْسَهُ لِإِيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ أَدَاءِ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ بِهِ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ.

  74. وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ: فَهُوَ مَا تَعَمَّدْت ضَرْبَهُ بِالْعَصَا أَوْ السَّوْطِ أَوْ الْحَجَرِ أَوْ الْيَدِ فَإِنَّ فِي هَذَا الْفِعْلَ مَعْنَيَيْنِ: الْعَمْدِ بِاعْتِبَارِ قَصْدِ الْفَاعِلِ إلَى الضَّرْبِ، وَمَعْنَى الْخَطَأِ بِاعْتِبَارِ

  75. 26/6526/65

    انْعِدَامِ الْقَصْدِ مِنْهُ إلَى الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْآلَةَ الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا آلَةُ الضَّرْبِ لِلتَّأْدِيبِ دُونَ الْقَتْلِ، وَالْعَاقِلُ إنَّمَا يَقْصِدُ كُلَّ فِعْلٍ بِآلَتِهِ فَاسْتِعْمَالُهُ آلَةَ التَّأْدِيبِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ إلَى الْقَتْلِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ خَطَأٌ لِشِبْهِ الْعَمْدِ صُورَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَانَ قَاصِدًا إلَى الضَّرْبِ، وَإِلَى ارْتِكَابِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ.

  76. وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ لَا أَدْرِي مَا شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِنَّمَا الْقَتْلُ نَوْعَانِ عَمْدٌ وَخَطَأٌ، وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ عَلَى مَا رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَفِيهِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» ، وَالصَّحَابَةُ اتَّفَقُوا عَلَى شِبْهِ الْعَمْدِ حَيْثُ أَوْجَبُوا الدِّيَةَ فِيهِ مُغَلَّظَةً مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي صِفَةِ التَّغْلِيظِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شِبْهُ الْعَمْدِ الضَّرْبَةُ بِالْعَصَا وَالْعَزْقَةُ بِالْحَجَرِ الْعَظِيمِ.

  77. فَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِ شِبْهُ الْعَمْدِ فَنَقُولُ: إنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ؛ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ، وَالْخَطَأِ مِنْ حَيْثُ انْعِدَامُ الْقَصْدِ إلَى الْقَتْلِ، وَالْقِصَاصُ عُقُوبَةٌ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَهِيَ تَعَمُّدُ الْمُسَاوَاةِ،

  78. وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ قَتْلٍ مَقْصُودٍ وَقَتْلٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ،

  79. ثُمَّ هَذَا الْقَتْلُ لَمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَالْآخَرُ يَمْنَعُ تَرَجَّحَ الْمَانِعُ عَلَى الْمُوجِبِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ فِي إبْقَاءِ النَّفْسِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ،

  80. فَإِنَّ الْإِبْقَاءَ حَيَاةٌ حَقِيقَةً، وَفِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ حُكْمًا فَلِهَذَا لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ،

  81. وَإِذَا تَعَذَّرَ إيجَابُ الْقَوَدِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَهِيَ مُغَلَّظَةٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ «أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الدِّيَةَ مُغَلَّظَةً فِي شِبْهِ الْعَمْدِ، وَهَذَا التَّغْلِيظُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي أَسْنَانِ الْإِبِلِ إذَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ مِنْهَا لَا فِي شَيْءٍ آخَرَ، وَهَذِهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ بِمَنْزِلَةِ الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمِّ يَقُولُ: لَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِحَالٍ؛

  82. لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} «؛ وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي رِمْثَةَ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ أَمَّا أَنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» أَيْ لَا يُؤْخَذُ بِجِنَايَتِك،

  83. وَلَا تُؤْخَذُ بِجِنَايَتِهِ. وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ يَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ دُونَ غَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ، وَهَذَا أَوْلَى

  84. ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْمُتْلِفِ فِي إتْلَافِ النَّفْسِ أَعْظَمُ مِنْ جِنَايَتِهِ فِي إتْلَافِ الْأَمْوَالِ، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ عَقْلَ جِنَايَةِ كُلِّ بَطْنٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَيْهِمْ» ، وَفِي حَدِيثِ «حَمْدَانَ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَابِغَةَ قَالَ: كُنْت بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي فَضَرَبَتْ أَحَدُهُمَا بَطْنَ صَاحِبَتِهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ أَوْ بِمِسْطَحِ خَيْمَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَاخْتَصَمَ أَوْلِيَاؤُهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -

  85. 26/6626/66

    لِأَوْلِيَاءِ الضَّارِبَةِ دُوهُ فَقَالَ أَخُوهَا عِمْرَانُ بْنُ عُوَيْمِرٌ الْأَسْلَمِيُّ أَنَدِي مَنْ لَا صَاحَ،

  86. وَلَا اسْتَهَلَّ، وَلَا شَرِبَ،

  87. وَلَا أَكَلَ وَمِثْلُ دَمِهِ بَطَلَ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْكُهَّانِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «دَعْنِي، وَأَرَاجِيزَ الْعَرَبِ قُومُوا فَدُوهُ» الْحَدِيثَ.

  88. فَفِيهِ تَنْصِيصٌ عَلَى إيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ ثُمَّ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ إنَّمَا يَقْصِدُهُ الْقَاتِلُ بِزِيَادَةِ قُوَّةٍ لَهُ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّنَاصُرِ الظَّاهِرِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِهَذَا التَّنَاصُرِ أَسْبَابٌ مِنْهَا مَا يَكُونُ بَيْنَ أَهْلِ الدِّيوَانِ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي الدِّيوَانِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْعَشَائِرِ، وَأَهْلِ الْمَحَالِّ، وَأَهْلِ الْحِرَفِ فَإِنَّمَا يَكُونُ تَمَكُّنُ الْفَاعِلِ مِنْ مُبَاشَرَتِهِمْ بِنُصْرَتِهِمْ فَيُوجِبُ الْمَالَ عَلَيْهِمْ؛

  89. لِيَكُونَ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ غَلَبَةِ سُفَهَائِهِمْ؛ وَبَعْثًا لَهُمْ عَلَى الْأَخْذِ عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِهِمْ لِكَيْ لَا تَقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الْحَادِثَةِ هَذَا فِي شِبْهِ الْعَمْدِ،

  90. وَكَذَلِكَ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ قَلَّمَا يُبْتَلَى بِهِ الْمَرْءُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَّا لِضَرْبِ اسْتِهَانَةٍ وَقِلَّةِ مُبَالَاةٍ تَكُونُ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِنَصْرِهِ مَنْ يَنْصُرُهُ ثُمَّ الدِّيَةُ مَالٌ عَظِيمٌ، وَفِي إيجَابِ الْكُلِّ عَلَى الْقَاتِلِ إجْحَافٌ بِهِ فَأَوْجَبَ الشَّرْعُ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛

  91. دَفْعًا لِضَرَرِ الْإِجْحَافِ عَنْ الْقَاتِلِ كَمَا أَوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ؛ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْحَاجَةِ.

  92. وَلِهَذَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مُؤَجَّلًا عَلَى وَجْهٍ يَقِلُّ مَا يُؤَدِّيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي كُلِّ نَجْمٍ لِيَكُونَ الِاسْتِيفَاءُ فِي نِهَايَةٍ مِنْ التَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُبْتَلَى بِمِثْلِ ذَلِكَ فَهَذَا يُوَاسِي ذَلِكَ إذَا اُبْتُلِيَ بِهِ، وَذَلِكَ يُوَاسِي هَذَا فَيُدْفَعُ ضَرَرُ الْإِجْحَافِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَحْصُلُ مَعْنَى صِيَانَةِ دَمِ الْمَقْتُولِ عَنْ الْهَدَرِ، وَمَعْنَى الْإِعْسَارِ لِوَرَثَتِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّا لَا نَجْعَلُ وِزْرَ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا نُوجِبُ مَا نُوجِبُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ فِي الْمُوَاسَاةِ، وَبِهَذَا لَا نُوجِبُ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُتْلَفُ مَالًا؛

  93. لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَلَّ مَا يَعْظُمُ هُنَاكَ بَلْ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمُتْلَفِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى الْإِجْحَافِ بِالْمُتْلِفِ أَنْ لَوْ ضَمِنَ بِهِ، وَهَذَا لَا نُوجِبُ الْقَلِيلَ مِنْ الْأَرْشِ، وَهُوَ مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ.

  94. وَمِنْ مُوجِبِ شِبْهِ الْعَمْدِ أَيْضًا حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ أَصْلِ الْفِعْلِ، وَهُوَ مَا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَمِنْ مُوجِبِهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ أَصْلِ الْفِعْلِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَبِهَذَا ثَبَتَ فِي الْخَطَأِ الْمَحْضِ فَفِي شِبْهِ الْعَمْدِ أَوْلَى،

  95. وَأَمَّا الْخَطَأُ فَهُوَ مَا أَصَبْت مِمَّا كُنْت تَعَمَّدْت غَيْرَهُ.

  96. وَالْخَطَأُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْصِدَ الرَّمْيَ إلَى صَيْدٍ أَوْ هَدَفٍ أَوْ كَافِرٍ فَيُصِيبُ مُسْلِمًا فَهَذَا خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ انْعَدَمَ مِنْهُ الْقَصْدُ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي أَصَابَ وَالثَّانِي: أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ يَظُنُّهُ صَيْدًا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ فَهَذَا خَطَأٌ بِاعْتِبَارِ مَا فِي قَصْدِهِ،

  97. وَإِنْ كَانَ هُوَ قَاصِدًا إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي أَصَابَهُ

  98. وَحُكْمُ

  99. 26/6726/67

    الْخَطَأِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ مَوْضُوعٌ عَنَّا رَحْمَةً مِنْ الشَّرْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} وَقَالَ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .

  100. فَإِذَا تَعَذَّرَ إيجَابُ الْقِصَاصِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

  101. {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} وَبَيَّنَّا الْمَعْنَى فِيهِ؛ لِصِيَانَةِ دَمِ الْمَقْتُولِ عَنْ الْهَدَرِ فَاسْتِحْقَاقُ صِيَانَةِ نَفْسِهِ لَا يَسْقُطُ بِعُذْرِ الْخَاطِئِ،

  102. وَمِنْ مُوجِبِهِ الْكَفَّارَةُ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِهَذَا النَّصِّ أَيْضًا، وَالْمَعْنَى فِيهِ مَعْقُولٌ فَإِنَّ الْقَتْلَ أَمْرٌ عَظِيمٌ قَلَّ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْمَرْءُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ تَهَاوُنٌ فِي التَّحَرُّزِ، وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّحَرُّزِ لِكَيْ لَا يُبْتَلَى بِمِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ،

  103. فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ هُوَ مُلْتَزِمًا بِتَرْكِ التَّحَرُّزِ فَنُوجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ جَزَاءً عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ لَا يُبْتَلَى بِهِ الْمَرْءُ إلَّا بِنَوْعِ خِذْلَانٍ، وَهَذَا الْخِذْلَانُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ ذُنُوبٍ سَبَقَتْ مِنْهُ، وَالْحَسَنَةُ تُذْهِبُ السَّيِّئَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} فَنُوجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ؛

  104. لِتَكُونَ مَاحِيَةً لِلذُّنُوبِ السَّابِقَةِ،

  105. فَلَا يُبْتَلَى بِمِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ بَعْدَهَا، وَفِي سَيِّئَةِ الْعَمْدِ مَعْنَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ أَظْهَرُ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمَأْثَمِ بِالْقَصْدِ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ.

  106. وَفِيهِ حَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ حَيْثُ قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَوْجَبَ النَّارَ بِالْقَتْلِ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يَعْتِقْ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» ، وَإِيجَابُ النَّارِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِقْدَامِ عَلَى قَتْلٍ مُحَرَّمٍ، وَقَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ فِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ فَعَرَفْنَا: أَنَّ الْمُرَادَ شِبْهُ الْعَمْدِ ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَعْنَى فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْقَتْلِ أَنَّهُ نَقَّصَ مِنْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ أَحَدَهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَحْضُرُ الْجُمَعَ، وَالْجَمَاعَاتِ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ نَفْسٍ مَقَامَ مَا أَتْلَفَ،

  107. وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إحْيَاءً فَعَلَيْهِ إقَامَةُ مَقَامِ النَّفْسِ الْمُتْلَفَةِ تَحْرِيرًا؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَيَاةٌ، وَالرِّقُّ تَلَفٌ.

  108. وَبِهَذَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْعَامِدِ، وَقُلْنَا نَحْنُ: إنَّمَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ سَلَّمَ لَهُ نَفْسَهُ شُكْرًا لِلَّهِ حِين أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَوَدَ بِعُذْرِ الْخَطَأِ مَعَ تَحَقُّقِ إتْلَافِ النَّفْسِ مِنْهُ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ نَفْسٍ مَقَامَ نَفْسِهِ شُكْرًا لِلَّهِ، وَذَلِكَ فِي أَنَّ تَحَرُّرَ نَفْسٍ مِنْهُ؛

  109. لِتَشْتَغِلَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ شُكْرًا لِلَّهِ حَيْثُ سَلَّمَ لَهُ نَفْسَهُ، وَبِهَذَا لَا نُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْعَامِدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ وَنُوجِبُهَا فِي شِبْهِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ سَلَّمَ لَهُ نَفْسَهُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ.

  110. وَتَرْجِيحُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ يُبَيَّنُ فِي مَسْأَلَةِ كَفَّارَةِ الْعَمْدِ إذَا انْتَهَيْنَا إلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ إطْعَامٌ عِنْدَنَا، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَّارَةِ

  111. 26/6826/68

    الظِّهَارِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ قِيَاسَ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْمَنْصُوصِ يَجُوزُ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ فِي حَادِثَيْنِ يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا، وَمَوْضِعُ بَيَانِهِ أُصُولُ الْفِقْهِ.

  112. فَأَمَّا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيّ فَهُوَ النَّائِمُ إذَا انْقَلَبَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِعَمْدٍ،

  113. وَلَا خَطَأٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصَوُّرَ لِلْقَصْدِ مِنْ النَّائِمِ حَتَّى يُتَصَوَّرَ مِنْهُ تَرْكُ الْقَصْدِ أَوْ تَرْكُ التَّحَرُّزِ، وَلَكِنَّ الِانْقِلَابَ الْمُوجِبَ لِتَلَفِ مَا انْقَلَبَ عَلَيْهِ يَتَحَقَّقُ مِنْ النَّائِمِ فَيَجْرِي هَذَا مَجْرَى الْخَطَأِ حَتَّى تَجِبَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالْكَفَّارَةُ وَيَثْبُتُ بِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ؛

  114. لِيُوهِمَ أَنْ يَكُونَ مُتَهَاوِنًا، وَلَمْ يَكُنْ نَائِمًا قَصْدًا مِنْهُ إلَى اسْتِعْجَالِ الْمِيرَاثِ، وَأَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ الْقَصْدَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ.

  115. فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِعَمْدٍ،

  116. وَلَا خَطَأٍ، وَلَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ فَهُوَ حَافِرُ الْبِئْرِ وَوَاضِعُ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ فَلَيْسَ بِمُبَاشِرٍ لِلْقَتْلِ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْقَتْلِ بِإِيصَالِ فِعْلٍ مِنْ الْقَاتِلِ بِالْمَقْتُولِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَإِنَّمَا اتَّصَلَ فِعْلُهُ بِالْأَرْضِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِقَاتِلِ عَمْدٍ،

  117. وَلَا شِبْهِ عَمْدٍ، وَلَا خَطَأٍ،

  118. وَلَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ بَلْ هُوَ بِسَبَبٍ مُتَعَدٍّ فَنُوجِبُ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى صِيَانَةِ النَّفْسِ الْمُتْلَفَةِ عَنْ الْهَدَرِ،

  119. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ،

  120. وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ عَلَى مَا يَأْتِيك بَيَانُهُ فِي بَابِهِ قَالَ: وَفِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، مَعْنَاهُ بِسَبَبِ إتْلَافِ النَّفْسِ فَإِنَّ حَرْفَ فِي لِلظَّرْفِ حَقِيقَةً، وَالنَّفْسُ لَا تَكُونُ ظَرْفًا لِلدِّيَةِ بَلْ قَتْلُهَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ كَمَا يُقَالُ فِي النِّكَاحِ حَلَّ، وَفِي الشِّرَاءِ مَلَكَ.

  121. وَهَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} وَقَالَ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، وَمَا لَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ فِيهِ كَالْمَرْفُوعِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

  122. وَفِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا لَا ثَانِيَ لَهُ فِي الْبَدَنِ مِنْ أَعْضَاءٍ أَوْ مَعَانٍ مَقْصُودَةٍ فَإِتْلَافُهَا كَإِتْلَافِ النَّفْسِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ بِهَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَالْأَعْضَاءُ الَّتِي هِيَ أَفْرَادٌ ثَلَاثَةٌ الْأَنْفُ، وَاللِّسَانُ، وَالذَّكَرُ وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ» ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ قَطْعُ الْأَنْفِ تَفْوِيتُ جَمَالٍ كَامِلٍ وَمَنْفَعَةٍ كَامِلَةٍ وَامْتِيَازُ الْآدَمِيِّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ فَاتَ بِهِمَا فَتَفْوِيتُهُمَا فِي مَعْنَى تَفْوِيتِ النَّفْسِ فَكَمَا تَجِبُ الدِّيَةُ بِقَطْعِ جَمِيعِ الْأَنْفِ بِحَيْثُ يُقْطَعُ الْمَارِنُ؛

  123. لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْجَمَالِ بِهِ يَحْصُلُ،

  124. وَكَذَلِكَ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي الْأَنْفِ اجْتِمَاعُ الرَّوَائِحِ فِي قَصَبَةِ الْأَنْفِ؛ لِنَقْلِهِ مِنْهَا إلَى الدِّمَاغِ، وَذَلِكَ تَفْوِيتٌ بِقَطْعِ الْمَارِنِ وَالْمَارِنُ: مَا دُونَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ

  125. وَكَذَلِكَ فِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ قَدْ امْتَازَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ بِاللِّسَانِ وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى عِبَادِهِ فَقَالَ تَعَالَى: {خَلَقَ الإِنْسَانَ} {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}

  126. 26/6926/69

    وَذَلِكَ يَفُوتُ بِقَطْعِ اللِّسَانِ فَفِيهِ تَفْوِيتُ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ فِي الْآدَمِيِّ.

  127. وَكَذَلِكَ فِي قَطْعِ بَعْضِ اللِّسَانِ إذَا مَنَعَ الْكَلَامَ،

  128. وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَمْنَعُ بَعْضَ الْكَلَامِ دُونَ الْبَعْضِ فَالْجَوَابُ الظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ حُكُومَةَ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ تَفْوِيتُ الْمَقْصُودِ بِهَذَا الْقَدْرِ، وَإِنَّمَا تَمَكَّنَ فِيهِ نُقْصَانٌ فَيَجِبُ بِاعْتِبَارِهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - إنَّ الدِّيَةَ تُقَسَّمُ عَلَى الْحُرُوفِ فَحِصَّةُ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَحِّحَهُ مِنْ الْحُرُوفِ تَسْقُطُ عَنْهُ، وَحِصَّةُ مَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَحِّحَهُ مِنْ الْحُرُوفِ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ إلَّا الْحُرُوفُ الَّتِي تَكُونُ بِاللِّسَانِ فَأَمَّا الْهَاءُ، وَالْحَاءُ، وَالْعَيْنُ لَا عَمَلَ لِلِّسَانِ فِيهَا فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ.

  129. وَفِي الْكِتَابِ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي اللِّسَانِ بِالدِّيَةِ، وَفِي الْأَنْفِ بِالدِّيَةِ قَالَ: وَفِي الذَّكَرِ دِيَةٌ» ؛ لِأَنَّ فِي الذَّكَرِ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةِ مِنْ الْآدَمِيِّ، وَهِيَ مَنْفَعَةُ النَّسْلِ، وَمَنْفَعَةُ اسْتِمْسَاكِ الْبَوْلِ، وَالرَّمْيِ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ،

  130. وَكَذَلِكَ فِي الْحَشَفَةِ الدِّيَةُ كَامِلَةً؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْمَقْصُودِ يَحْصُلُ بِقَطْعِ الْحَشَفَةِ كَمَا يَحْصُلُ بِقَطْعِ جَمِيعِ الذَّكَرِ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ بِاعْتِبَارِهِ.

  131. وَالْمَعَانِي الَّتِي هِيَ أَفْرَادٌ فِي الْبَدَنِ الْعَقْلُ، وَالسَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالذَّوْقُ، وَالشَّمُّ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ ضَرَبَ عَلَى رَأْسِهِ فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَمَنْفَعَةَ ذَكَرِهِ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْعَقْلَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْآدَمِيُّ، وَبِهِ يَنْتَفِعُ بِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ، وَبِهِ يَمْتَازُ مِنْ الْبَهَائِمِ، فَالْمُفَوِّتُ لَهُ كَالْمُبْدِلِ لِنَفْسِهِ الْمُلْحِقِ لَهُ بِالْبَهَائِمِ،

  132. وَكَذَلِكَ مَنْفَعَةُ السَّمْعِ فَإِنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ بِهَا يَنْتَفِعُ الْمَرْءُ بِنَفْسِهِ،

  133. وَكَذَلِكَ مَنْفَعَةُ الْبَصَرِ فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ.

  134. (أَلَا تَرَى) أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ لِلَّذِي لَا بَصَرَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يُدْفَنْ،

  135. وَكَذَلِكَ مَنْفَعَةُ الشَّمِّ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الْبَدَنِ وَمَنْفَعَةُ الذَّوْقِ كَذَلِكَ فَتَفْوِيتُهَا مِنْ وَجْهٍ اسْتِهْلَاكٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً فَيُوجِبُ كَمَالَ الدِّيَةِ،

  136. وَكَذَلِكَ فِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ كَامِلَةً إذَا مَنَعَ الْجِمَاعَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ، وَهِيَ مَنْفَعَةُ النَّسْلِ،

  137. وَكَذَلِكَ إذَا حَدِبَ فَإِنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ جَمَالٍ كَامِلٍ؛ لِأَنَّ الْجَمَالَ لِلْآدَمِيِّ فِي كَوْنِهِ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ، قِيلَ فِي مَعْنَى: قَوْله تَعَالَى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} : مُنْتَصِبُ الْقَامَةِ، وَذَلِكَ يَفُوتُ إذَا حَدِبَ، وَالْجَمَالُ لِلْآدَمِيِّ مَطْلُوبٌ كَالْمَنْفَعَةِ فَتَفْوِيتُ الْجَمَالِ الْكَامِلِ يُوجِبُ دِيَةً كَامِلَةً فَإِنْ عَادَ إلَى حَالِهِ، وَلَمْ يَنْقُصْهُ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنَّ فِيهِ أَثَرَ الضَّرْبَةِ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ؛

  138. لِأَنَّهُ نَفَى بَعْضَ الشَّيْئَيْنِ بِبَقَاءِ أَثَرِ الضَّرْبَةِ فَيَجِبُ بِاعْتِبَارِهِ حُكْمَ عَدْلٍ.

  139. وَمِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْإِفْضَاءُ فِي الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ بِحَيْثُ لَا تَسْتَمْسِكُ الْبَوْلَ فَإِنَّهُ يُوجِبَ كَمَالَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةٍ كَامِلَةٍ

  140. 26/7026/70

    لَا ثَانِيَ لَهَا فِي الْبَدَنِ، وَهِيَ مَنْفَعَةُ اسْتِمْسَاكِ الْبَوْلِ.

  141. وَذَكَر الْمُبَرِّدُ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: فِي الصَّعْرِ الدِّيَةُ» وَفَسَّرَ الْمُبَرِّدُ ذَلِكَ بِتَعْوِيجِ الْوَجْهِ، وَفِيهِ تَفْوِيتُ جَمَالٍ كَامِلٍ.

  142. وَأَمَّا مَا يَكُونُ زَوْجًا فِي الْبَدَنِ فَفِي قَطْعِهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ» ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: الْأَعْضَاءُ الَّتِي هِيَ أَزْوَاجٌ فِي الْبَدَنِ الْعَيْنَانِ، وَالْأُذُنَانِ الشَّاخِصَتَانِ، وَالْحَاجِبَانِ، وَالشَّفَتَانِ، وَالْيَدَانِ وَثَدْيَا الْمَرْأَةِ، وَالْأُنْثَيَانِ، وَالرِّجْلَانِ أَمَّا فِي الْعَيْنَيْنِ إذَا فُقِئَا الدِّيَةُ كَامِلَةً بِتَفْوِيتِ الْجَمَالِ، وَالْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ،

  143. وَأَمَّا فِي الْأُذُنَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ فَالدِّيَةُ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّ فِي قَطْعِهِمَا تَفْوِيتَ الْجَمَالِ الْكَامِلِ، وَتَفْوِيتَ الْمَنْفَعَةِ أَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْوَاتَ تَجْتَمِعُ فِيهَا، وَتَنْفُذُ إلَى الدِّمَاغِ، وَبِهِمَا تُقَى الْأَذَى عَنْ الدِّمَاغِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ،

  144. وَكَذَلِكَ فِي الْحَاجِبَيْنِ إذَا حَلَقَهُمَا عَلَى وَجْهٍ أَفْسَدَ الْمَنْبَتَ أَوْ نَتَفَهُمَا فَأَفْسَدَ الْمَنْبَتَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ جَمَالٍ كَامِلٍ فَيَجِبُ فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي فُصُولِ الشَّعْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

  145. وَفِي الشَّفَتَيْنِ مَعْنَى الْجَمَالِ الْكَامِلِ، وَالْمَنْفَعَةِ الْكَامِلَةِ فَبِقَطْعِهَا تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَبِقَطْعِ إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَالْعُلْيَا، وَالسُّفْلَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: فِي السُّفْلَى ثُلُثَا دِيَةٍ، وَفِي الْعُلْيَا ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْعُلْيَا جَمَالًا فَقَطْ، وَفِي السُّفْلَى جَمَالًا وَمَنْفَعَةً، وَهِيَ اسْتِمْسَاكُ الرِّيقِ بِهَا،

  146. وَكَذَلِكَ فِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّ مَنْفَعَةَ الْبَطْشِ فِي الْآدَمِيِّ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فَفِي قَطْعِهِمَا تَفْوِيتُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ، وَفِي قَطْعِ إحْدَاهُمَا تَنْقِيصُهُ،

  147. وَكَذَلِكَ فِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَامِلَةٌ، وَهِيَ مَنْفَعَةُ رَضَاعِ الْوَلَدِ، وَكَمَا تَجِبُ الدِّيَةُ بِقَطْعِ ثَدْيَيْهَا تَجِبُ بِقَطْعِ حَلَمَتَيْهَا؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْمَنْفَعَةِ يَحْصُلُ بِقَطْعِ الْحَلَمَةِ كَمَا يَحْصُلُ بِقَطْعِ جَمِيعِ الثَّدْيِ فَهُوَ نَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَشَفَةِ مَعَ الذَّكَرِ، وَالْمَارِنِ مَعَ الْأَنْفِ، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَهِيَ مَنْفَعَةُ الْإِمْنَاءِ، وَالنَّسْلِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَهِيَ مَنْفَعَةُ الْمَشْيِ، وَانْتِفَاعُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا تَمَكَّنَ الْمَرْءِ مِنْ الْمَشْيِ فَقَطْعُ الرِّجْلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِهْلَاكِهِ حُكْمًا.

  148. وَأَمَّا مَا يَكُونُ أَرْبَاعًا فِي الْبَدَنِ فَهُوَ أَشْفَارُ الْعَيْنَيْنِ يَجِبُ فِي كُلِّ شَفْرٍ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَيَسْتَوِي إنْ نَتَفَ الْأَهْدَابَ فَأَفْسَدَ الْمَنْبَتَ أَوْ قَطَعَ الْجُفُونَ كُلَّهَا بِالْأَشْفَارِ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْجَمَالِ يَتِمُّ بِذَلِكَ،

  149. وَكَذَلِكَ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ الْأَهْدَابَ، وَالْجُفُونَ تَقِي الْأَذَى عَنْ الْعَيْنَيْنِ وَتَفْوِيتُ ذَلِكَ بِنَقْصٍ مِنْ الْبَصَرِ، وَيَكُونُ آخِرُهُ الْعَمَى فَيَجِبُ فِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَهِيَ أَرْبَاعٌ فِي الْبَدَنِ فَتُوَزَّعُ الدِّيَةُ عَلَيْهَا

  150. 26/7126/71

    فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا رُبُعُ الدِّيَةِ.

  151. فَأَمَّا مَا يَكُونُ أَعْشَارًا فِي الْبَدَنِ كَالْأَصَابِعِ يَعْنِي أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ فَإِنَّ قَطْعَ أَصَابِعِ الْيَدِ يُوجِبُ كَمَالَ الدِّيَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ، وَالْبَطْشُ بِدُونِ الْأَصَابِعِ لَا يَتَحَقَّقُ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ هَكَذَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ» ، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مَذْكُورٌ فِيمَا «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَفِيهَا: وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» ، وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الِابْتِدَاءِ يَقُولُ فِي الْخِنْصَرِ سِتٌّ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْبِنْصِرِ تِسْعٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْوُسْطَى عَشْرٌ، وَفِي السَّبَّابَةِ، وَالْإِبْهَامِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ إلَى الْحَدِيثِ فَقَالَ: الْأَصَابِعُ كُلُّهَا سَوَاءٌ.

  152. وَاَلَّذِي تَبَيَّنَّاهُ فِي أَصَابِعِ الْيَدِ كَذَلِكَ فِي أَصَابِعِ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ فِي قَطْعِهَا تَفْوِيتَ مَنْفَعَةِ الْمَشْيِ، وَمَنْفَعَةُ الْمَشْيِ كَمَنْفَعَةِ الْبَطْشِ، وَالصَّغِيرُ، وَالْكَبِيرُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ فِي أَعْضَائِهِ عُرْضَةً لِهَذِهِ الْمَنَافِعِ مَا لَمْ يُصِبْهَا آفَةٌ فَفِي تَفْوِيتِهَا تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ كَمَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ.

  153. وَأَمَّا مَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَدَنِ فَهِيَ الْأَسْنَانُ يَجِبُ فِي كُلِّ سِنٍّ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْأَنْيَابُ، وَالنَّوَاجِذُ، وَالضَّوَاحِكُ، وَالطَّوَاحِينُ وَمِنْ النَّاسِ مِنْ فَضَّلَ الطَّوَاحِينَ عَلَى الضَّوَاحِكِ لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْمَنْفَعَةِ، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِذَلِكَ؛

  154. لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ثُمَّ إنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ فَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةُ جَمَالٍ، وَالْجَمَالُ فِي الْآدَمِيِّ كَالْمَنْفَعَةِ حَتَّى قِيلَ: إذَا قَلَعَ جَمِيعَ أَسْنَانِهِ فَعَلَيْهِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا؛

  155. لِأَنَّ الْأَسْنَانَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا فَإِذًا الْوَاجِبُ فِي كُلٍّ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ خَمْسُمِائَةٍ بَلَغَتْ الْجُمْلَةُ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ جِنْسٌ يَجِبُ بِتَفْوِيتِهِ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِ الدِّيَةِ سِوَى الْأَسْنَانِ فَإِنْ قَلَعَ جَمِيعَ أَسْنَانِ الْكَوْسَجِ فَعَلَيْهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا؛ لِأَنَّ أَسْنَانَهُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ، هَكَذَا حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِزَوْجِهَا: يَا كَوْسَجُ: فَقَالَ إنْ كُنْت كَوْسَجًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ تُعَدُّ أَسْنَانُهُ فَإِنْ كَانَتْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فَلَيْسَ بِكَوْسَجٍ،

  156. وَإِنْ كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ فَهُوَ كَوْسَجٌ.

  157. قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: فِي الرَّأْسِ إذَا حُلِقَ وَلَمْ يَنْبُتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَبِهَذَا أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَقَالَ إذَا حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِ إنْسَانٍ حَتَّى أَفْسَدَ الْمَنْبَتَ فَعَلَيْهِ كَمَالُ الدِّيَةِ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ حُكُومَةُ عَدْلٍ،

  158. وَكَذَلِكَ فِي اللِّحْيَةِ إذَا حُلِقَتْ فَلَمْ تَنْبُتْ كَمَالُ الدِّيَةِ عِنْدَنَا

  159. 26/7226/72

    وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُسْتَمَدٌّ مِنْ الْبَدَنِ بَعْدَ كَمَالِ الْخِلْقَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِحَلْقِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ كَشَعْرِ الصَّدْرِ وَالسَّاقِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَلْقِ الشَّعْرِ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ كَامِلَةٍ إنَّمَا فِيهِ فَقَطْ تَفْوِيتُ بَعْضِ الْجَمَالِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ نَوْعُ شَيْنٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لِغَيْرِ الْكَوْسَجِ بِقِلَّةِ شَعْرِهِ، وَوُجُوبِ كَمَالِ الدِّيَةِ يُعْتَبَرُ بِتَفْوِيتِ مَنْفَعَةٍ كَامِلَةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مَا يُوجِبُ فِي الْحُرِّ كَمَالَ الدِّيَةِ يُوجِبُ فِي الْعَبْدِ كَمَالَ الْقِيمَةِ، وَبِالِاتِّفَاقِ لَوْ حَلَقَ لِحْيَةَ عَبْدِ إنْسَانٍ لَا يَلْزَمُهُ كَمَالُ الْقِيمَةِ،

  160. وَإِنْ أَفْسَدَ الْمَنْبَتَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ النُّقْصَانُ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْحُرِّ.

  161. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّ مَا نُقِلَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ كَالْمَرْفُوعِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْتَدْرَكُ بِالرَّأْيِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ جَمَالًا كَامِلًا فَيَلْزَمُهُ كَمَالُ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأُذُنَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ فِي اللِّحْيَةِ جَمَالًا كَامِلًا فِي أَوَانِهِ،

  162. وَكَذَلِكَ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ جَمَالٌ كَامِلٌ.

  163. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ عَدِمَ ذَلِكَ خِلْقَةً تَكَلَّفَ لِسَتْرِهِ، وَإِخْفَائِهِ،

  164. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ جَمَالًا كَامِلًا، وَبَعْضَ الْمَنْفَعَةِ أَيْضًا فَمَا يَحْصُلُ لَهَا بِالْجَمَالِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَعْظَمُ وُجُوهِ الْمَنْفَعَةِ،

  165. وَكَذَلِكَ فِي اللِّحْيَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تَسْبِيحُهُمْ سُبْحَانَ مَنْ زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللُّحَى وَالنِّسَاءَ بِالْقُرُونِ وَالذَّوَائِبِ» ثُمَّ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ يُوجِبُ كَمَالَ الدِّيَةِ كَمَا إذَا ضُرِبَ عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى انْقَطَعَ مَاؤُهُ فَكَذَلِكَ تَفْوِيتُ الْجَمَالِ الْكَامِلِ يُوجِبُ كَمَالَ الدِّيَةِ؛

  166. لِأَنَّ الْغَرَضَ لِلْعُقَلَاءِ فِي الْجَمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ فِي الْمَنْفَعَةِ

  167. بِخِلَافِ شَعْرِ الصَّدْرِ، وَالسَّاقِ فَلَيْسَ فِي حَلْقِهِ تَفْوِيتُ جَمَالٍ كَامِلٍ فَلِهَذَا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي النُّقْصَانِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ.

  168. فَأَمَّا فِي لِحْيَةِ الْعَبْدِ فَرِوَايَتَانِ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ كَمَالُ الْقِيمَةِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَجِبُ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي قَطْعِ الْأُذُنَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ مِنْ الْعَبْدِ فَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ قَالَ: الْقِيمَةُ فِي الْعَبْدِ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ فَمَا يَجِبُ بِتَفْوِيتِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ فِي الْحُرِّ يَجِبُ بِتَفْوِيتِهِ كَمَالُ الْقِيمَةِ فِي الْعَبْدِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ: الْجَمَالُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلْمَوْلَى مِنْ عَبْدِهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَنْفَعَةُ الِاسْتِخْدَامِ وَبِحَلْقِ لِحْيَتِهِ أَوْ قَطْعِ الْأُذُنَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ مِنْهُ لَا يَفُوتُ هَذَا الْمَقْصُودُ؛

  169. فَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِهِ كَمَالُ الْقِيمَةِ فَأَمَّا الْجَمَالُ فَمَقْصُودٌ فِي الْأَحْرَارِ وَبِتَفْوِيتِهِ يَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَتَكَلَّمُوا فِي حَلْقِ لِحْيَةِ الْكَوْسَجِ،

  170. وَالْأَصَحُّ فِي ذَلِكَ مَا فَصَّلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ كَانَ الثَّابِتُ عَلَى ذَقَنِهِ شَعَرَاتٌ مَعْدُودَةُ فَلَيْسَ فِي حَلْقِ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ لَا يُزَيِّنُهُ، وَرُبَّمَا يَشِينُهُ، وَإِنْ

  171. 26/7326/73

    كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَكَانَ عَلَى الذَّقَنِ، وَالْخَدِّ جَمِيعًا، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا بَعْضَ الْجَمَالِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِكَامِلٍ فَيَجِبُ بِتَفْوِيتِهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ،

  172. وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا فَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَوْسَجٍ، وَفِي لِحْيَتِهِ مَعْنَى الْجَمَالِ الْكَامِلِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا فَسَدَ الْمَنْبَتُ فَإِنْ نَبَتَ حَتَّى اسْتَوَى كَمَا كَانَ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِفِعْلِ الْجَانِي أَثَرٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الضَّرْبَةِ الَّتِي لَا يَبْقَى أَثَرُهَا فِي الْبَدَنِ، وَلَكِنَّهُ يُؤَدَّبُ عَلَى ذَلِكَ؛

  173. لِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ،

  174. وَإِنْ نَبَتَتْ بَيْضَاءَ فَقَدْ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْجَمَالَ يَزْدَادُ بِبَيَاضِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ بَيَاضَ الشَّعْرِ جَمَالٌ فِي أَوَانِهِ،

  175. فَأَمَّا فِي غَيْرِ أَوَانِهِ فَيَشِينُهُ فَيَجِبُ حُكُومَةُ الْعَدْلِ بِاعْتِبَارِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَيَسْتَوِي الْجَوَابُ إنْ انْخَسَفَتْ أَوْ ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ أَوْ ابْيَضَّتْ حَتَّى ذَهَبَ الْبَصَرُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْعَيْنِ تَفُوتُ فِي هَذَا كُلِّهِ،

  176. وَقِيلَ: ذَهَابُ الْبَصَرِ بِمَنْزِلَةِ فَوَاتِ الْعَيْنِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَائِهَا بَعْدَمَا ذَهَبَ الْبَصَرُ.

  177. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ خَنَقَ إنْسَانًا حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ كَمَالُ الدِّيَةِ،

  178. وَإِنْ كَانَتْ النَّفْسُ بَاقِيَةً عَلَى حَالِهَا،

  179. وَكَذَلِكَ الْيَدُ إذَا شُلَّتْ حَتَّى لَا يَنْتَفِعَ بِهَا فَفِيهَا أَرْشُهَا كَامِلًا إمَّا؛ لِأَنَّ الشَّلَلَ دَلِيلُ مَوْتِهَا أَوْ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ تَحَقَّقَ فَوَاتُهُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ فَهُوَ، وَمَا لَوْ قُطِعَتْ الْيَدُ سَوَاءٌ فِي إيجَابِ الْأَرْشِ.

  180. قَالَ: وَفِي الْمُوضِحَةِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَالْكَلَامُ فِي مَعْرِفَةِ الشِّجَاجِ أَنْ يَقُولَ: الشِّجَاجُ الْحَارِصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ وَمِنْهُ يُقَالُ: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ ثُمَّ الدَّامِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا قَدْرُ الدَّمْعِ مِنْ الدَّمِ ثُمَّ الدَّامِيَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا قَدْرُ الدَّمْعِ مِنْ الدَّمِ ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُبْضِعُ بَعْضَ اللَّحْمِ ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَقْطَعُ أَكْثَرَ اللَّحْمِ.

  181. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمُتَلَاحِمَةَ قَبْلَ الْبَاضِعَةِ، وَهُوَ اخْتِلَافٌ فِي مَأْخَذِ الْكَلِمِ لَا فِي الْحُكْمِ فَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُتَلَاحِمَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِك الْتَحَمَ الشَّيْئَانِ إذَا اتَّصَلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَالْمُتَلَاحِمَةُ مَا تُظْهِرُ اللَّحْمَ،

  182. وَلَا تَقْطَعُهُ، وَالْبَاضِعَةُ بَعْدَهَا، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْمُتَلَاحِمَةُ: مَا تَعْمَلُ فِي قَطْعِ أَكْثَرِ اللَّحْمِ فَهِيَ بَعْدَ الْبَاضِعَةِ ثُمَّ السِّمْحَاقُ: وَهِيَ الَّتِي تَقْطَعُ اللَّحْمَ وَتُظْهِرُ الْجِلْدَةَ الرَّقِيقَةَ بَيْنَ اللَّحْمِ، وَالْعَظْمِ فَتِلْكَ الْجِلْدَةُ تُسَمَّى سِمْحَاقًا، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْعَظْمُ الرَّقِيقُ سَمَاحِيقَ ثُمَّ الْمُوضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ حَتَّى يَبْدُوَ ثُمَّ الْهَاشِمَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَكْسِرُ الْعَظْمَ ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الْعَظْمُ أَوْ تَجْعَلُ الْعَظْمَ كَالنَّقْلَةِ، وَهِيَ كَالْحَصَى ثُمَّ الْآمَّةُ، وَهِيَ الَّتِي تُظْهِرُ الْجِلْدَ بَيْنَ الْعَظْمِ، وَالدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى تِلْكَ الْجِلْدَةُ أُمَّ الرَّأْسِ ثُمَّ الدَّامِغَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَجْرَحُ الدِّمَاغَ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَذْكُرْ الدَّامِغَةَ؛

  183. لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَبْقَى

  184. 26/7426/74

    بَعْدَهَا عَادَةً فَيَكُونُ ذَلِكَ قَتْلًا لَا شَجَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَارِصَةَ، وَالدَّامِيَةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُمَا أَثَرٌ، وَبِدُونِ بَقَاءِ الْأَثَرِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ.

  185. فَأَمَّا بَيَانُ الْأَحْكَامِ فَنَقُولُ: أَمَّا فِي الْمُوضِحَةِ: فَيَجِبُ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَهَكَذَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَفِيمَا يَرْوِيهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمُوضِحَةُ خَطَأً فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَفِيهَا الْقِصَاصُ؛

  186. لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُسَاوَاةِ فِيهَا مُمْكِنٌ فَإِنَّ عَمَلَهَا فِي اللَّحْمِ دُونَ الْعَظْمِ، وَالْجِنَايَاتُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ تُوجِبُ الْقِصَاصَ إذَا أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهَا،

  187. فَأَمَّا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ مِنْ الشِّجَاجِ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ إذَا كَانَتْ خَطَأً،

  188. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ عَمْدًا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارُ فَرُبَّمَا يَبْقَى مِنْ أَثَرِ فِعْلِ الثَّانِي فَوْقَ مَا يَبْقَى مِنْ أَثَرِ فِعْلِ الْأَوَّلِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَقُولُ: فِيهَا الْقِصَاصُ؛

  189. لِأَنَّ عَمَلَهَا فِي الْجِلْدِ أَعْظَمُ، وَالْمُسَاوَاةُ فِيهَا مُمْكِنَةٌ بِأَنْ يُسْبَرَ غَوْرَهَا بِالْمِسْبَارِ ثُمَّ يَتَّخِذُ حَدِيدَةً بِقَدْرِ ذَلِكَ فَيَقْطَعُ بِهَا مِقْدَارَ مَا قَطَعَ، وَإِيجَابُ حُكُومَةِ الْعَدْلِ فِي هَذِهِ الشِّجَاجِ مَرْوِيٌّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ الشِّجَاجِ بِمَنْزِلَةِ الْخُدُوشِ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ.

  190. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي السِّمْحَاقِ بِأَرْبَعٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِقْدَارَ حُكُومَةِ عَدْلٍ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي مَعْرِفَةِ حُكُومَةِ الْعَدْلِ فَقَالَ الطَّحَاوِيُّ السَّبِيلُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا بِدُونِ هَذَا الْأَثَرِ وَيُقَوَّمَ مَعَ هَذَا الْأَثَرِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ كَمْ هُوَ؟

  191. فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ نِصْفِ الْعُشْرِ يَجِبُ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ،

  192. وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ رُبُعِ الْعُشْرِ يَجِبُ رُبُعُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَكَانَ الْكَرْخِيُّ يَقُولُ: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَرُبَّمَا يَكُونُ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ بِالشِّجَاجِ الَّتِي قَبْلَ الْمُوضِحَةِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ، فَيُؤَدِّي هَذَا الْقَوْلِ إلَى أَنْ يُوجِبَ فِي هَذِهِ الشِّجَاجِ مِنْ الدِّيَةِ فَوْقَ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ فِي الْمُوضِحَةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنْ يَنْظُرَ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ؟

  193. لِأَنَّ وُجُوبَ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَمَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى فِيهِ.

  194. فَأَمَّا فِي الْهَاشِمَةِ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عُشْرُ وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَفِي الْآمَّةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَتُسَمَّى الْمَأْمُومَةُ أَيْضًا، وَذَلِكَ فِيمَا كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ «فِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِي الْآمَّةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» ، وَالْجَائِفَةُ كَالْآمَّةِ يَجِبُ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ؛

  195. لِأَنَّ الْجَائِفَةَ وَاصِلَةٌ إلَى أَحَدِ الْجَوْفَيْنِ، وَهُوَ جَوْفُ الْبَطْنِ فَتَكُونُ كَالْوَاصِلَةِ

  196. 26/7526/75

    إلَى جَوْفِ الرَّأْسِ، وَهِيَ الدِّمَاغُ،

  197. وَإِنْ نَفَذَتْ الْجَائِفَةُ فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْجَائِفَتَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ جَانِبِ الْبَطْنِ، وَالْأُخْرَى مِنْ جَانِبِ الظَّهْرِ فَيَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْ الْأَصَابِعِ ثُلُثُ دِيَةِ الْأُصْبُعُ إذَا كَانَ فِيهَا ثَلَاثَةِ مَفَاصِل وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَفْصِلَانِ فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ؛

  198. لِأَنَّ الْمَفَاصِلَ لِلْأُصْبُعِ كَالْأَصَابِعِ لِلْيَدِ فَكَمَا أَنَّ دِيَةَ الْيَدِ تَتَوَزَّعُ عَلَى الْأَصَابِعِ عَلَى التَّسَاوِي فَكَذَلِكَ دِيَةُ الْأُصْبُعِ تَتَوَزَّعُ عَلَى الْمَفَاصِلِ عَلَى التَّسَاوِي، فَالْأُصْبُعُ إذَا كَانَتْ ذَاتَ مَفْصِلَيْنِ كَالْإِبْهَامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ،

  199. وَإِذَا كَانَتْ ذَاتَ ثَلَاثَةِ مَفَاصِلَ فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ ثُلُثُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا لَا يُفَضَّلُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا عِشْرُونَ جَذَعَةً وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ بِنْتُ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ ابْنُ مَخَاضٍ.

  200. وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي فُصُولٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الدِّيَةَ مِنْ الْإِبِلِ مِائَةٌ عَلَى مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الدَّرَاهِمَ، وَالدَّنَانِيرَ فِي الدِّيَةِ أَصْلٌ أَمْ بِاعْتِبَارِ قِيمَةِ الْإِبِلِ، فَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا أَصْلٌ، وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ يَدْخُلَانِ عَلَى وَجْهِ قِيمَةِ الْإِبِلِ وَتَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ قِيمَةِ الْإِبِلِ وَيُحْكَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلًا وُجُوبُهُمَا عَلَى سَبِيلِ قِيمَةِ الْإِبِلِ، وَلَكِنَّهُمَا قِيمَةٌ مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا بِالنَّصِّ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا،

  201. وَلَا يُنْقَصُ عَنْهَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: هُمَا أَصْلَانِ فِي الدِّيَةِ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ أُوقِيَّةٌ ثُمَّ غَلَبَ الْإِبِلُ فَصَارَتْ قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ أُوقِيَّةً وَنِصْفًا ثُمَّ غَلَبَتْ فَصَارَتْ قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ أُوقِيَّتَيْنِ فَمَا زَالَتْ تَعْلُو حَتَّى جَعَلَهَا عُمَرُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ» ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَضَى فِي الدِّيَةِ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ قِيمَتُهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ» .

  202. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «دِيَةُ كُلِّ ذِي عَمْدٍ فِي عَمْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ» وَذَكَرَ الشَّعْبِيُّ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَضَاؤُهُ ذَلِكَ كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ.

  203. وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِالدِّيَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَلَوْ كَانَ الْأَصْلُ فِي الدِّيَةِ الْإِبِلَ، وَهِيَ دَيْنٌ، وَالدَّرَاهِمُ، وَالدَّنَانِيرُ بَدَلٌ عَنْهَا كَانَ هَذَا دَيْنًا بِدَيْنٍ وَنَسِيئَةً بِنَسِيئَةٍ، وَذَلِكَ حَرَامٌ شَرْعًا

  204. 26/7626/76

    يُوَضِّحُهُ: أَنَّ الْآدَمِيَّ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَالْأَصْلُ فِي الْقِيمَةِ الدَّرَاهِمُ، وَالدَّنَانِيرُ إلَّا أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْإِبِلِ كَانَ بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَابَ الْإِبِلِ، وَكَانَتْ النُّقُودُ تَتَعَسَّرُ مِنْهُمْ؛ وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَوْفُونَ الدِّيَةَ عَلَى أَظْهَرِ الْوُجُوهِ؛ لِيَنْدَفِعَ بِهَا بَعْضُ الشَّرِّ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ فِي الْإِبِلِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي النُّقُودِ فَكَانَتْ

  205. بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ بِهَا مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي قِيمَةِ الْمُتْلَفَاتِ.

  206. ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ مِنْ الْإِبِلِ تَجِبُ أَخْمَاسًا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالسِّنُّ الْخَامِسُ عِنْدَنَا ابْنُ مَخَاضٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ابْنُ لَبُونٍ فَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَضَى فِي الدِّيَةِ بِمِائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ» يَعْنِي مِنْ الْأَسْنَانِ الَّتِي تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ، وَابْنُ مَخَاضٍ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ، وَلِابْنِ اللَّبُونِ مَدْخَلٌ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ» .

  207. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «دِيَةُ الْخَطَأِ أَخْمَاسٌ عِشْرُونَ جَذَعَةً وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، عِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» ، وَاسْمُ الْإِبِلِ مُطْلَقًا يَتَنَاوَلُ أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْهُ وَابْنُ الْمَخَاضِ أَدْنَى مِنْ ابْنِ اللَّبُونِ؛

  208. وَلِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ ابْنَ اللَّبُونِ بِمَنْزِلَةِ بِنْتِ الْمَخَاضِ فِي الزَّكَاةِ فَإِيجَابُ ابْنِ اللَّبُونِ هَاهُنَا فِي مَعْنَى إيجَابِ أَرْبَعِينَ مِنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ فَالْمُرَادُ إعْطَاءُ الدِّيَةِ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ عَنْ عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ لِحَاجَتِهِمْ لَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْأَسْنَانِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الصَّدَقَةِ ثُمَّ ابْنُ الْمَخَاضِ يَدْخُلُ فِي الصَّدَقَةِ عِنْدَنَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَدْخُلُ ابْنُ اللَّبُونِ؛

  209. لِأَنَّ ابْنَ اللَّبُونِ عِنْدَنَا يُسْتَوْفَى بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَكَذَلِكَ ابْنُ الْمَخَاضِ،

  210. وَأَمَّا فِي شِبْهِ الْعَمْدِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ تَجِبُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَاعًا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ابْنَةَ مَخَاضٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ ابْنِ لَبُونٍ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدٌ: تَجِبُ أَثْلَاثًا ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إلَى بَازِلٍ وَكُلُّهَا خَلِفَةٌ، وَالْخَلِفَةُ هِيَ الْحَامِلُ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَجِبُ أَثْلَاثًا ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ خَلِفَةً.

  211. وَقَالَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَجِبُ أَثْلَاثًا مِنْ هَذِهِ الْأَسْنَانِ مِنْ كُلِّ سِنٍّ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَاحْتَجَّ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ فِي خُطْبَةِ عَامِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ

  212. 26/7726/77

    «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلَ السَّوْطِ، وَالْعَصَا فِيهِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَقَضَاؤُهُ كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ احْتَجَّا بِحَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَضَى فِي الدِّيَةِ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَاعًا» ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْخَطَأَ؛

  213. لِأَنَّهَا فِي الْخَطَأِ تَجِبُ أَخْمَاسًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَقَالَ: «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْهُ وَمَا قُلْنَاهُ أَدْنَى، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ عِوَضًا عَنْ الْمَقْتُولِ، وَالْحَامِلُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَحَقَّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ فَكَذَلِكَ لَا تُسْتَحَقُّ فِي الدِّيَةِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ صِفَةَ الْحَمْلِ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَنِينَ مِنْ وَجْهٍ كَالْمُنْفَصِلِ فَيَكُونُ هَذَا فِي مَعْنَى إيجَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ عَدَدًا، وَبِالِاتِّفَاقِ صِفَةُ التَّغْلِيظِ لَيْسَتْ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ بَلْ مِنْ حَيْثُ السِّنُّ ثُمَّ الدِّيَاتُ تُعْتَبَرُ بِالصَّدَقَاتِ.

  214. وَالشَّرْعُ نَهَى عَنْ أَخْذِ الْحَوَامِلِ فِي الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّهَا كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فَكَذَلِكَ فِي الدِّيَاتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ مِنْهُمْ لِلْقَاتِلِ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَاتِ فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ فَلَا يَكَادُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ فِي عِدَادِ الصِّبْيَانِ، وَقَدْ خَفِيَ الْحَدِيثُ عَلَى كِبَارِ الصَّحَابَةِ حَتَّى اخْتَلَفُوا بَيْنَهُمْ عَلَى أَقَاوِيلَ كَمَا بَيَّنَّا، وَلَمْ تَجْرِ الْمُحَاجَّةُ بَيْنَهُمْ بِالْحَدِيثِ فَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَا اخْتَلَفُوا مَعَ هَذَا النَّصِّ،

  215. وَلَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ،

  216. وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَامَّ الْمُتَّفَقَ عَلَى قَبُولِهِ أَوْلَى بِالْأَخْذِ بِهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْخَاصِّ،

  217. وَلَا خِلَافَ أَنَّ صِفَةَ التَّغْلِيظِ فِي الدِّيَةِ لَا تَثْبُتُ إلَّا فِي أَسْنَانِ الْإِبِلِ، وَبِهِ يَسْتَدِلُّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّيَةِ الْإِبِلُ فَقَطْ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَا عَرَفْنَا صِفَةَ التَّغْلِيظِ إلَّا بِالنَّصِّ فَإِنَّ الدِّيَةَ بَدَلٌ عَنْ الْمُتْلَفِ،

  218. وَلَا يَخْتَلِفُ التَّلَفُ بِالْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ صِفَةُ التَّغْلِيظِ بِمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ خَاصَّةً قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةً، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةً، وَالْحُلَّةُ: اسْمٌ لِثَوْبَيْنِ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: الدِّيَةُ مِنْ الدَّرَاهِمِ تَتَقَدَّرُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ مِمَّا تَكُونُ الْفِضَّةُ فِيهَا غَالِبَةً عَلَى الْغِشِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: مِنْ الدَّرَاهِمِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ؛

  219. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِثْلَ دِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ

  220. 26/7826/78

    فَكَأَنَّمَا حَرَّرَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ.»

  221. وَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ الدِّيَةَ مِنْ الدَّرَاهِمِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهَا مِنْ الدَّنَانِيرِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَكَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ دِينَارٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ بَعْدَمَا قَالَ: الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ رُبُعَ دِينَارٍ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ دِرْهَمٍ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا.

  222. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ دُحَيْمٍ «أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى عَلَيْهِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ خَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ» ، وَقَضَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي تَقْدِيرِ الدِّيَةِ بِعَشَرَةِ آلَافٍ وَقَدْ كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِحَدِيثٍ

  223. بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ خِلَافُ مَا قَضَى بِهِ عُمَرُ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ، وَلَمَا تَرَكُوا الْمُحَاجَّةَ بِهِ ثُمَّ الْمَقَادِيرُ لَا تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ فَمَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ مِنْ التَّقْدِيرِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَمُسَاعَدَةُ الصَّحَابَةِ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اتِّفَاقِ جَمَاعَتِهِمْ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْمِقْدَارِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛

  224. وَلِأَنَّ الدِّيَةَ مِنْ الدَّنَانِيرِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَقَدْ كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ دِينَارٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدَلِيلِ النَّصِّ الْمَرْوِيِّ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ حَيْثُ قَالَ: «لَا قَطْعَ إلَّا فِي دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ ضَجِرَ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَيْتَ لِي بِكُلِّ عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ صَرْفَ الدَّنَانِيرِ بِالدَّرَاهِمِ، وَنِصَابُ الزَّكَاةِ مِنْهُمَا عَلَى أَنَّ قِيمَةَ كُلِّ دِينَارٍ كَانَتْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَخَذَا بِظَاهِرِ حَدِيثِ عُمَرَ وَقَالَا: الدِّيَةُ مِنْ الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَعَلَهَا مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، وَقَدَّرَ كُلَّ صِنْفٍ مِنْهُ بِمِقْدَارٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَا كَانَ يُتَّفَقُ الْقَضَاءُ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ الْمِقْدَارِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ.

  225. وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ: الدِّيَةُ مِنْ الْإِبِلِ، وَالدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ وَقَدْ اُشْتُهِرَتْ الْآثَارُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِنَّمَا أَخَذَ عُمَرُ مِنْ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْحُلَلِ فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمْوَالَهُمْ فَكَانَ الْأَدَاءُ مِنْهَا أَيْسَرَ عَلَيْهِمْ، وَأَخْذُهَا بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ بَيَانِ التَّقْدِيرِ لِلدِّيَةِ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ فَلَمَّا صَارَتْ الدَّوَاوِينُ، وَالْإِعْطَاءَاتُ جُلَّ أَمْوَالِهِمْ الدَّرَاهِمُ، وَالدَّنَانِيرُ، وَالْإِبِلُ فَقَضَى بِالدِّيَةِ مِنْهَا ثُمَّ لَا مَدْخَلَ لِلْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ فِي قِيمَةِ الْمُتْلَفَاتِ أَصْلًا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الدُّورِ، وَالْعَبِيدِ، وَالْجَوَارِي، وَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَدْخُلَ الْإِبِلُ إلَّا أَنَّ الْآثَارَ اشْتَهَرَتْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِذَلِكَ فِي الْإِبِلِ خَاصَّةً، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِهِمَا فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ صَالَحَ

  226. 26/7926/79

    الْوَلِيُّ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ شَاةٍ أَوْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ أَوْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَافَ فِي الدِّيَةِ أُصُولٌ مُقَدَّرَةٌ عِنْدَهُ كَمَا هِيَ عِنْدَهُمَا.

  227. قَالَ وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ فِي دِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ، وَمَا دُونَهَا وَبِهِ نَأْخُذُ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ هَكَذَا إلَّا فِي أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، وَأَرْشِ السِّنِّ فَإِنَّهَا تَسْتَوِي فِي ذَلِكَ بِالرَّجُلِ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ: إنَّهَا تُعَادِلُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهَا يَعْنِي إذَا كَانَ الْأَرْشُ بِقَدْرِ ثُلُثِ الدِّيَةِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ فَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ فِيهِ سَوَاءٌ،

  228. فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَحِينَئِذٍ حَالُهَا فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ، وَبَيَانُهُ فِيمَا حُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مَا تَقُولُ فِيمَنْ قَطَعَ أُصْبُعَ امْرَأَةٍ؟ قَالَ عَلَيْهِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ قُلْت فَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعَيْنِ مِنْهَا؟ قَالَ: عَلَيْهِ عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ قُلْت فَإِنْ قَطَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ؟

  229. قَالَ: عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ قُلْت فَإِنْ قَطَعَ أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ مِنْهُ؟ قَالَ: عَلَيْهِ عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ قُلْت سُبْحَانَ اللَّهِ لَمَّا كَثُرَ أَلَمُهَا وَاشْتَدَّ مُصَابُهَا قَلَّ أَرْشُهَا قَالَ: أَأَعْرَابِيٌّ أَنْتَ فَقُلْت لَا بَلْ جَاهِلٌ مُسْتَرْشِدٌ أَوْ عَاقِلٌ مُسْتَفْتٍ فَقَالَ: إنَّهُ السُّنَّةُ.

  230. فَبِهَذَا أَخَذَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: السُّنَّةُ إذَا أُطْلِقَتْ فَالْمُرَادُ بِهَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَرْوُونَ حَدِيثًا أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «تُعَادِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ» وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ رَبِيعَةُ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِقَطْعِ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْهَا ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ مَا سَقَطَ بِقَطْعِ الْأُصْبُعِ الرَّابِعِ عَشْرٌ مِنْ الْوَاجِبِ؛

  231. لِأَنَّ تَأْثِيرَ الْقَطْعِ فِي إيجَابِ الْأَرْشِ لَا فِي إسْقَاطِهِ فَهَذَا مَعْنًى يُحِيلُهُ الْعَقْلُ ثُمَّ بِالْإِجْمَاعِ بَدَلُ نِصْفِهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ بَدَلِ نَفْسِ الرَّجُلِ، وَالْأَطْرَافُ تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ تَابِعَةً إذَا أَخَذْنَا حُكْمَهَا مِنْ حُكْمِ النَّفْسِ إلَّا إذَا أَفْرَدْنَاهَا بِحُكْمٍ آخَرَ، وَقَوْلُ سَعِيدٍ: إنَّهُ السُّنَّةُ يَعْنِي سُنَّةَ زَيْدٍ، وَقَدْ أَفْتَى كِبَارُ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَوْا نَادِرٌ، وَمِثْلُ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي يُحِيلُهُ عَقْلُ كُلِّ عَاقِلٍ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالشَّاذِّ النَّادِرِ.

  232. وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَكَانَ يَقُولُ: فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي أَرْشِ السِّنِّ، وَالْمُوضِحَةِ اسْتِدْلَالًا بِمَا «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنِينِ فَإِنَّهُ قَضَى بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ» وَيُسَوِّي بَيْنَ الذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ، وَبَدَلُ الْجَنِينِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ فَلِهَذَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَذَلِكَ أَرْشُ السِّنِّ، وَالْمُوضِحَةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ فِي الْجَنِينِ: إنَّمَا قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛

  233. لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَى صِفَةِ الذُّكُورَةِ، وَالْأُنُوثَةِ فِي الْجَنِينِ خُصُوصًا إذَا لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ؛ وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ قَطْعِ السُّرِّ فَقَطْ، وَالذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَهَاهُنَا الْوُجُوبُ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ، وَحَالُ

  234. 26/8026/80

    الْأُنْثَى فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَالِ الذَّكَرِ فَالذَّكَرُ أَهْلٌ لِمَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ، وَالْمَالِ جَمِيعًا، وَالْأُنْثَى أَهْلٌ لِمَالِكِيَّةِ الْمَالِ دُونَ النِّكَاحِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَفِي هَذَا أَرْشُ الْمُوضِحَةِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ سَوَاءٌ.

  235. قَالَ: وَفِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَالرِّجْلِ الْعَرْجَاءِ، وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الْعَوَرِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ وَذَكَرِ الْعِنِّينِ حُكْمُ عَدْلٍ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ إيجَابَ كَمَالِ الْأَرْشِ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ الْمَنْفَعَةِ الْكَامِلَةِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ كَانَتْ فَائِتَةً قَبْلَ جِنَايَتِهِ.

  236. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ إنْسَانٍ حَتَّى شُلَّتْ أَوْ عَلَى عَيْنِهِ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَرْشُ فَلَوْلَا تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ لِمَا حَلَّ بِهَا لَمَا لَزِمَهُ كَمَالُ الْأَرْشِ،

  237. فَلَوْ أَوْجَبْنَا بِالْقَطْعِ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْشًا كَامِلًا مَرَّةً أُخْرَى أَدَّى إلَى إيجَابِ أَرْشَيْنِ كَامِلَيْنِ عَنْ عُضْوٍ وَاحِدٍ وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَجِبُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْأَرْشُ كَامِلًا، وَنَقُولُ: فِي قَطْعِهَا تَفْوِيتُ الْجَمَالِ الْكَامِلِ، وَالْجَمَالُ مَطْلُوبٌ مِنْ الْآدَمِيِّ كَالْمَنْفَعَةِ بَلْ الْجَمَالُ يَرْغَبُ فِيهِ الْعُقَلَاءُ فَوْقَ رَغْبَتِهِمْ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْمَقْصُودُ الْمَنْفَعَةَ، وَالْجَمَالُ تَبَعٌ فَبِاعْتِبَارِهِ لَا تَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ فِي الْأَرْشِ.

  238. ثُمَّ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الْعَوْرَاءِ جَمَالٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْحَالِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ فَلَا، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَعْنَى الْحَالِ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ غَيْرَ كَامِلَةٍ بَعْدَ فَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ فَلِوُجُودِ بَعْضِ الْجَمَالِ فِيهَا أَوْجَبْنَا حُكْمَ عَدْلٍ فَلِانْعِدَامِ الْكَمَالِ فِيهَا لَا يُوجِبُ كَمَالَ الْأَرْشِ، وَفِي الضِّلْعِ حُكْمُ عَدْلٍ، وَفِي السَّاعِدِ إذَا كُسِرَ أَوْ كُسِرَ أَحَدُ الزَّنْدَيْنِ حُكْمُ عَدْلٍ، وَفِي السَّاقِ إذَا انْكَسَرَتْ حُكْمُ عَدْلٍ، وَفِي التَّرْقُوَةِ حُكْمُ عَدْلٍ عَلَى قَدْرِ الْجِرَاحَةِ.

  239. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِظَامِ إذَا كُسِرَتْ إلَّا فِي السِّنِّ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ» ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَنْبَنِي عَلَى الْمُسَاوَاةِ،

  240. وَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ فِي كَسْرِ الْعَظْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْكَسِرُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرَادُ كَسْرُهُ، وَبِدُونِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فَإِذَا تَعَذَّرَ إيجَابُ الْقِصَاصِ، وَلَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا حُكْمَ عَدْلٍ فَأَمَّا فِي السِّنِّ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى فِي الْقِصَاصِ فِي السِّنِّ وَبَيَّنَ الْأَطِبَّاءُ كَلَامًا فِي السِّنِّ أَنَّهُ عَظْمٌ أَوْ طَرَفُ عَصَبٍ يَابِسٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ كَوْنَ السِّنِّ عَظْمًا؛

  241. لِأَنَّهُ يَحْدُثُ وَيَنْمُو بَعْدَ تَمَامِ الْخِلْقَةِ وَيَلِينُ بِالْحِلِّ فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعِظَامِ مَتَى ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَظْمٍ وَلَئِنْ قُلْنَا: إنَّهُ عَظْمٌ، وَفِي سَائِرِ الْعِظَامِ لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ هَاهُنَا؛

  242. لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَبْرُدَ بِالْمِبْرَدِ بِقَدْرِ مَا كُسِرَ مِنْهُ،

  243. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَلَعَ السِّنَّ فَإِنَّهُ لَا يُقْلَعُ مِنْهُ قِصَاصًا لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ فَرُبَّمَا تَفْسُدُ

  244. 26/8126/81

    بِهِ لَهَاتُهُ وَلَكِنْ يَبْرُدُ بِالْمِبْرَدِ إلَى مَوْضِعِ أَصْلِ السِّنِّ فَأَمَّا إذَا كَانَ خَطَأً فَالْوَاجِبُ فِيهِ الْأَرْشُ كَمَا بَيَّنَّا، وَهُوَ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعِظَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِسَائِرِ الْعِظَامِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا يَكُونُ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا وَلِهَذَا قُلْنَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ؛

  245. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا ثُمَّ إنْ - ضَرَبَ عَلَى سِنِّهِ حَتَّى اسْوَدَّتْ أَوْ احْمَرَّتْ أَوْ اخْضَرَّتْ فَعَلَيْهِ أَرْشُ السِّنِّ كَامِلًا؛ لِأَنَّ الْجَمَالَ، وَالْمَنْفَعَةَ يَفُوتُ بِذَلِكَ.

  246. وَقَالَ: السَّوَادُ فِي السِّنِّ دَلِيلُ مَوْتِهَا فَإِذَا اصْفَرَّتْ فَقَدْ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ فِيهَا حُكْمَ عَدْلٍ وَذَكَرَ هِشَامٌ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ فِيهَا حُكْمَ عَدْلٍ، وَفِي الْحُرِّ لَا شَيْءَ، وَفِي الْمَمْلُوكِ حُكْمُ عَدْلٍ وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهَا حُكْمُ عَدْلٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ؛

  247. لِأَنَّ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ فِي بَيَاضِ السِّنِّ فَبِالصُّفْرَةِ يَنْقُصُ مَعْنَى الْجَمَالِ فِيهَا، وَلِهَذَا يَجِبُ فِي الْمَمْلُوكِ حُكْمُ عَدْلٍ فَكَذَلِكَ فِي الْحُرِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: الصُّفْرَةُ مِنْ أَلْوَانِ السِّنِّ فَلَا يَكُونُ دَلِيلَ مَوْتِ السِّنِّ، وَالْمَطْلُوبُ بِالسِّنِّ فِي الْإِحْرَازِ الْمَنْفَعَةُ، وَهِيَ قَائِمَةٌ بَعْدَمَا اصْفَرَّتْ فَأَمَّا حَقُّ الْمَوْلَى فِي الْمَمْلُوكِ فَالْمَالِيَّةُ وَقَدْ تُنْتَقَصُ بِاصْفِرَارِ السِّنِّ وَعَلَى هَذَا لَوْ قُلِعَ سِنٌّ فَنَبَتَتْ صَفْرَاءَ أَوْ نَبَتَتْ كَمَا كَانَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛

  248. لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَرْشِ بِاعْتِبَارِ فَسَادِ الْمَنْبَتِ، وَحِينَ نَبَتَتْ كَمَا كَانَتْ عَرَفْنَا أَنَّهُ مَا فَسَدَ الْمَنْبَتُ ثُمَّ وُجُوبُ الْأَرْشِ بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْأَثَرِ، وَلَمْ يَبْقَ أَثَرٌ حِينَ نَبَتَتْ كَمَا كَانَتْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْجِرَاحَاتِ الَّتِي تَنْدَمِلُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ تَجِبُ حُكُومَةٌ بِقَدْرِ مَا لَحِقَهُ مِنْ الْأَلَمِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَرْجِعُ عَلَى الْجَانِي بِقَدْرِ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ الدَّوَاءِ وَأُجْرَةِ الْأَطِبَّاءِ حَتَّى انْدَمَلَتْ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ؛

  249. لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِمُجَرَّدِ الْأَلَمِ.

  250. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ ضُرِبَ ضَرْبَةً تَأَلَّمَ بِهَا، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ شَيْءٌ لَا يَجِبُ شَيْءٌ أَرَأَيْت لَوْ شَتَمَهُ شَتِيمَةً أَكَانَ عَلَيْهِ أَرْشٌ بِاعْتِبَارِ إيلَامٍ حَلَّ فِيهِ.

  251. قَالَ: وَفِي الْيَدِ إذَا قُطِعَتْ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ دِيَةُ الْيَدِ وَحُكْمُ عَدْلٍ فِيمَا بَيْنَ الْكَفِّ إلَى السَّاعِدِ،

  252. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمِرْفَقِ كَانَ فِي الذِّرَاعِ بَعْدَ دِيَةِ الْيَدِ حُكْمُ عَدْلٍ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجِبُ فِيهِ إلَّا أَرْشُ الْيَدِ إذَا قَطَعَهَا مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ،

  253. وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا قَطَعَهَا مِنْ الْمَنْكِبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا أَرْشُ الْيَدِ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ» ، وَالْيَدُ: اسْمٌ لِلْجَارِحَةِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْآبَاطِ وَقَدْ رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حَارِثَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَضَى

  254. 26/8226/82

    عَلَى قَاطِعِ الْيَدِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ خَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ».

  255. وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَطَعَهَا مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ؛ وَلِأَنَّ السَّاعِدَ لَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَيَكُونُ تَبَعًا لِمَا لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَالْكَفِّ فَإِنَّ بِالْإِجْمَاعِ يَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ بِقَطْعِ الْأَصَابِعِ ثُمَّ لَوْ قَطَعَ الْكَفَّ مَعَ الْأَصَابِعِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَتُجْعَلُ الْكَفُّ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ لِهَذَا الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ إذَا قَطَعَ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ أَوْ الْمِرْفَقِ أَوْ الْمَنْكِبِ؛

  256. لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ بَدَلٌ مُقَدَّرٌ سِوَى الْأَصَابِعِ.

  257. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الْمَارِنَ أَوْ الْحَشَفَةَ يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ وَلَوْ قَطَعَ جَمِيعَ الْأَنْفِ أَوْ جَمِيعَ الذَّكَرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: مَا زَادَ عَلَى الْكَفِّ مِنْ السَّاعِدِ إمَّا أَنْ يُجْعَلَ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ أَوْ الْكَفِّ، وَلَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ؛

  258. لِأَنَّ الْكَفَّ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَالتَّابِعُ مَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْأَصْلِ،

  259. وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَبَعًا لِلْكَفِّ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ فِي نَفْسِهِ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ،

  260. وَلَا تَبِعَ لِلتَّبَعِ فَإِذَا تَعَذَّرَ جَعْلُهُ تَبَعًا،

  261. وَلَا يَجُوزُ إهْدَارُهُ عَرَفْنَا أَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَيَجِبُ حُكْمُ عَدْلٍ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ الْمِفْصَلِ أَوَّلًا فَبَرَأَتْ ثُمَّ عَادَ فَقَطَعَ السَّاعِدَ،

  262. وَلَا حُجَّةَ فِي الْحَدِيثَيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ إذَا ذُكِرَتْ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ فَالْمُرَادُ بِهِ مِنْ مَفْصِلِ الزَّنْدِ بِدَلِيلِ آيَةِ السَّرِقَةِ.

  263. وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ شَاذٌّ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْأَحْكَامِ فَإِذَا كُسِرَ الْأَنْفُ فَفِيهِ حُكْمُ عَدْلٍ؛ لِمَا أَنَّ كَسْرَ الْأَنْفِ جِنَايَةٌ لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَيَجِبُ فِيهَا حُكْمُ عَدْلٍ كَكَسْرِ السَّاعِدِ، وَالسَّاقِ فَإِنْ قَطَعَ الْيَدَ، وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ دِيَةِ الْيَدِ، وَيَدْخُلُ أَرْشُ الْكَفِّ فِي أَرْشِ الْأَصَابِعِ هَاهُنَا بِالِاتِّفَاقِ؛

  264. لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَصَابِعِ لَمَّا كَانَتْ قَائِمَةً جُعِلَ كَقِيَامِ جَمِيعِهَا فَيَكُونُ الْكَفُّ تَابِعًا لَهَا، وَإِقَامَةُ الْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْكَفِّ أُصْبُعَانِ أَوْ أُصْبُعٌ فَقَطَعَ الْكَفَّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَلْزَمُهُ أَرْشُ مَا كَانَ قَائِمًا مِنْ الْأَصَابِعِ وَيَدْخُلُ أَرْشُ الْكَفِّ فِي ذَلِكَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَنْظُرُ إلَى أَرْشِ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَصَابِعِ، وَإِلَى أَرْشِ الْكَفِّ، وَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ يَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِيهِ؛

  265. لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَصَابِعِ هَاهُنَا فَائِتَةٌ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ كَفَوَاتِ الْكُلِّ،

  266. وَلَوْ قَطَعَ الْكَفَّ وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَصَابِعِ كَانَ عَلَيْهِ حُكْمُ عَدْلٍ؛ فَهَذَا مِثْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّ بِبَقَاءِ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ تَبْقَى مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ،

  267. وَإِنْ كَانَ يَتَمَكَّنُ فِيهَا نُقْصَانٌ فَيُعْتَبَرُ تَفْوِيتُ ذَلِكَ فِي إيجَابِ الْأَرْشِ،

  268. وَأَمَّا بِبَقَاءِ أُصْبُعٍ وَاحِدٍ فَلَا يَبْقَى مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ،

  269. وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي إيجَابِ الْأَرْشِ فَيَجِبُ حُكْمُ عَدْلٍ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَرْشِ الْأُصْبُعِ الْمَقْطُوعَةِ بِالنَّصِّ وَمِنْ اعْتِبَارِ حُكُومَةِ الْعَدْلِ فِي الْكَفِّ لِمَا قُلْنَا، وَلَا

  270. 26/8326/83

    وَجْهَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِالْإِتْلَافِ فَاعْتَبَرْنَا الْأَكْثَرَ مِنْهُمَا فَجَعَلْنَا الْأَقَلَّ تَابِعًا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ فِي بَابِ الْأَرْشِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: أَرْشُ الْأُصْبُعِ مُقَدَّرٌ شَرْعًا، وَلَيْسَ لِلْكَفِّ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا، وَمَا لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ شَرْعًا يُجْعَلُ تَبَعًا لِمَا هُوَ مُقَدَّرٌ شَرْعًا، وَلِهَذَا جَعَلَ الْكَفَّ تَبَعًا لِجَمِيعِ الْأَصَابِعِ، وَهَذَا لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُقَدَّرَ شَرْعًا ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ فَهُوَ ثَابِتٌ بِالرَّأْيِ، وَالرَّأْيُ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ، وَالْمَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْقُوَّةِ.

  271. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الرَّأْيِ، وَالتَّقْوِيمِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَا تَتَحَقَّقُ عِنْدَ إمْكَانِ إيجَابِ الْأَرْشِ الْمُقَدَّرِ بِالنَّصِّ وَسِوَى هَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا: عَلَيْهِ أَرْشُ الْأُصْبُعِ، وَحُكُومَةُ الْعَدْلِ فِي الْكَفِّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ جَعْلَ الْكَفِّ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَعْنَى الْبَطْشِ يَكُونُ بِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْأُصْبُعِ الْوَاحِدِ،

  272. وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْأُصْبُعِ تَبَعًا لِلْكَفِّ؛ لِأَنَّ لِلْأُصْبُعِ أَرْشًا مُقَدَّرًا شَرْعًا فَلَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ عَنْ ذَلِكَ بِالرَّأْيِ،

  273. فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ اتِّبَاعُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلًا فَيَجِبُ أَرْشُهُمَا،

  274. وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْأُصْبُعِ الْقَائِمَةِ، وَمَوْضِعُهَا مِنْ الْكَفِّ يَكُونُ تَبَعًا لَهُ وَيَلْزَمُهُ حُكُومَةُ عَدْلٍ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْكَفِّ؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً كَانَ مَوْضِعُ كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ الْكَفِّ تَبَعًا لِذَلِكَ الْأُصْبُعِ فَعِنْدَ قِيَامِ الْبَعْضِ يُعْتَبَرُ الْبَعْضُ بِالْكُلِّ ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،

  275. وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا مَفْصِلٌ مِنْ أُصْبُعٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَرْشُ ذَلِكَ الْمَفْصِلِ وَيُجْعَلُ الْكَفُّ تَبَعًا لَهُ؛ لِأَنَّ أَرْشَ ذَلِكَ الْمَفْصِلِ مُقَدَّرٌ شَرْعًا، وَمَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْأَصْلِ فَإِنْ قَلَّ فَلَا حُكْمَ لِلتَّبَعِ كَمَا إذَا بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْخُطَّةِ مِنْ الْمَحَلَّةِ لَا يُعْتَبَرُ السُّكَّانُ.

  276. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: إذَا كَانَ الْبَاقِي دُونَ أُصْبُعٍ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَقَلُّ، وَالْأَكْثَرُ فَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْأُصْبُعِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَأَمَّا أَرْشُ كُلِّ مَفْصِلٍ فَغَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِنَوْعِ رَأْيٍ، وَكَوْنُهُ أَصْلًا بِاعْتِبَارِ النَّصِّ فَإِذَا لَمْ يَرِدْ النَّصُّ فِي أَرْشِ مَفْصِلٍ وَاحِدٍ اعْتَبَرْنَا فِيهِ الْأَقَلَّ، وَالْأَكْثَرَ لِمَا بَيَّنَّا وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ.

  277. قَالَ: وَفِي ثَدْيِ الرَّجُلِ حُكْمُ عَدْلٍ وَيُسَمَّى الثَّنْدُوَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ،

  278. وَلَا جَمَالٌ كَامِلٌ فَإِنَّهُ مَسْتُورٌ بِالثِّيَابِ عَادَةً لَكِنَّ فِيهِ بَعْضَ الْجَمَالِ، وَفِيمَا يَبْقَى مِنْ أَثَرِهِ بَعْدَ الْقَطْعِ بَعْضُ الشَّيْنِ فَيَجِبُ بِحُكْمِ عَدْلٍ بِاعْتِبَارِهِ.

  279. وَفِي الْأُذُنِ إذَا يَبِسَتْ أَوْ انْخَسَفَتْ وَرُبَّمَا تَقُولُ: انْخَنَسَتْ حُكْمُ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ لَا تَفُوتُ بِهِ وَهُوَ إيصَالُ الصَّوْتِ إلَى الصِّمَاخِ،

  280. وَكَذَلِكَ لَا يَفُوتُ بِهِ الْجَمَالُ كُلُّهُ بَلْ يَتَمَكَّنُ فِيهِ النُّقْصَانُ؛ لِأَجْلِهِ يَجِبُ حُكْمُ عَدْلٍ قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ

  281. 26/8426/84

    إلَّا خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا وَبِهِ نَأْخُذُ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَطَأِ يَبْلُغُ نِصْفَ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ خَمْسَمِائَةٍ أَوْ نِصْفَ عُشْرِ دِيَةِ الْمَرْأَةِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَهَذَا عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَمَا دُونَ ذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي حَالًّا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ» وَلِأَنَّ مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ فِي مَعْنَى ضَمَانِ الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّقْوِيمِ، وَهُوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ شَرْعًا، وَضَمَانُ الْجِنَايَةِ إنَّمَا يُفَارِقُ ضَمَانَ الْمُتْلَفَاتِ فِي كَوْنِهِ مُقَدَّرًا شَرْعًا، وَأَدْنَى ذَلِكَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فَمَا دُونَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ حَالًّا فِي مَالِهِ، وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ فَمَا زَادَ عَلَيْهِ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ يَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَخَذَ الْفَضْلَ فِي سَنَةٍ أُخْرَى إلَى تَمَامِ الثُّلُثَيْنِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ أَخَذَ ذَلِكَ الْفَضْلَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ إلَى تَمَامِ الدِّيَةِ بَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ فَرَضَ الْعَطَاءَ، وَجَعَلَ الدِّيَةَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ الثُّلُثَ فِي سَنَةٍ، وَالنِّصْفَ فِي سَنَتَيْنِ، وَالثُّلُثَيْنِ فِي سَنَتَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ التَّأْجِيلُ فِي جَمِيعِ الدِّيَةِ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، وَأَنَّهُ يَسْتَوْفِي كُلَّ ثُلُثٍ فِي سَنَةٍ، وَلَمَّا ثَبَتَ التَّأْجِيلُ فِي ثُلُثِ الدِّيَةِ سَنَةً وَاحِدَةً ثَبَتَ فِي أَبْعَاضِ ذَلِكَ الثُّلُثِ مِمَّا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ،

  282. وَكَذَلِكَ الثُّلُثُ الثَّانِي لَمَّا ثَبَتَ التَّأْجِيلُ فِي جَمِيعِهِ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ فَكَذَلِكَ فِي أَبْعَاضِهِ.

  283. قَالَ: وَدِيَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ رِجَالُهُمْ كَرِجَالِهِمْ وَنِسَاؤُهُمْ كَنِسَائِهِمْ،

  284. وَكَذَلِكَ جِرَاحَاتُهُمْ وَجِنَايَاتُهُمْ بَيْنَهُمْ وَمَا دُونَ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ مَعَاقِلُ يَتَعَاقَلُونَ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ،

  285. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعَاقِلُ فَفِي مَالِ الْجَانِي؛ وَهَذَا لِأَنَّهُمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ الْتَزَمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ فَيَثْبُتُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْحِكْمَةِ مَا هُوَ ثَابِتٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَدِيَتُهُمْ مِثْلُ دِيَةِ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ: دِيَةُ الْكِتَابِيِّ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي قَوْلٍ آخَرَ: دِيَةُ الْكِتَابِيِّ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ اسْتِدْلَالًا بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْكُفَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} وَلِقَوْلِهِ {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} وَقَالَ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» فَدَلَّ أَنَّ دِمَاءَ غَيْرِهِمْ لَا تُكَافِئُ دِمَاءَهُمْ، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَضَى فِي دِيَةِ الْكِتَابِيِّ بِثُلُثِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ بِنِصْفِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى فِي دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ؛

  286. وَلِأَنَّ نُقْصَانَ الْكُفْرِ فَوْقَ نُقْصَانِ الْأُنُوثَةِ،

  287. وَإِذَا كَانَتْ الدِّيَةُ تَنْقُصُ بِصِفَةِ الْأُنُوثَةِ فَبِالْكُفْرِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا

  288. 26/8526/85

    انْتَقَصَتْ بِصِفَةِ الْأُنُوثَةِ؛ لِنُقْصَانِ دِينِ النِّسَاءِ كَمَا وَصَفَهُنَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: «إنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ» وَتَأْثِيرُ عَدَمِ الدَّيْنِ فَوْقَ تَأْثِيرِ نُقْصَانِ الدَّيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ بَدَلَ النَّفْسِ يُنْتَقَصُ بِالرِّقِّ، وَالرِّقُّ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ، وَأَثَرُ الشَّيْءِ دُونَ أَصْلِهِ فَلَأَنْ يُنْتَقَصَ بِأَصْلِ الْكُفْرِ كَانَ أَوْلَى، وَيَتَفَاحَشُ النُّقْصَانُ إذَا انْضَمَّ إلَى كُفْرِهِ عَدَمُ الْكِتَابِ نِسْبَةً فَتَنَاهِي النُّقْصَانِ نِسْبَةً حَتَّى لَا يُوجِبَ إلَّا مَا قَضَى بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ.

  289. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَى الْعَامِرَ بَيْنَ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ وَكَانَا مُسْتَأْمَنَيْنِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِيَةِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: دِيَةُ كُلِّ ذِي عَمْدٍ فِي عَمْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ» وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا قَالَا: دِيَةُ الذِّمِّيِّ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الذِّمَّةَ وَبَذَلُوا الْجِزْيَةَ؛

  290. لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا، وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا وَمَا نَقَلُوا فِيهِ مِنْ الْآثَارِ

  291. بِخِلَافِ هَذَا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ دِيَةِ الذِّمِّيِّ فَقَالَ: مِثْلُ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فَقُلْت: إنَّ سَعِيدًا يَرْوِي

  292. بِخِلَافِ ذَلِكَ قَالَ ارْجِعْ إلَى قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الشَّاذَّةَ لَا تُقْبَلُ فِيمَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْكِتَابِ.

  293. ثُمَّ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ قَضَى بِثُلُثِ الدِّيَةِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا قَضَى بِهِ وَعِنْدَ تَعَارُضِ الْأَخْبَارِ يَتَرَجَّحُ الْمُثْبِتُ لِلزِّيَادَةِ، وَقَوْلُهُ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دِمَاءَ غَيْرِهِمْ لَا تُكَافِئُهُمْ فَتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ، وَالْمُرَادُ بِالْآثَارِ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ دُونَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَإِنَّا نَرَى الْمُسَاوَاةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا،

  294. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الْخُلْفُ فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى.

  295. وَالْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يَسْتَوُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ فَيَسْتَوُونَ بِهِمْ فِي الدِّيَةِ كَالْفُسَّاقِ مَعَ الْعُدُولِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ نُقْصَانَ الدِّيَةِ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ الْمَالِكِيَّةِ وَلِهَذَا تَنَصَّفَتْ بِالْأُنُوثَةِ لِتَنَصُّفِ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ أَهْلُ مِلْكِ الْمَالِ دُونَ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَانْتَقَصَ عَنْ ذَلِكَ بِصِفَةِ الِاجْتِنَانِ فِي الْبَطْنِ؛

  296. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْحَالِ،

  297. وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَرَضِيَّةٌ أَنْ يَصِيرَ أَهْلًا فِي الثَّانِي، وَانْتَقَصَ بِنُقْصَانِ الرِّقِّ بِخُرُوجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِمَالِكِيَّةِ الْمَالِ وَمَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ لِإِظْهَارِ خَطَرِ الْمَحَلِّ وَصِيَانَتِهِ عَنْ الْهَدَرِ، وَهَذَا الْخَطَرُ

  298. 26/8626/86

    بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ وَبِصِفَةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ يَصِيرُ مُتَبَدِّلًا إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَا تَأْثِيرَ لِلْكُفْرِ، وَعَدَمِ الْكِتَابِ فِي نُقْصَانِ الْمَالِكِيَّةِ فَتَسْتَوِي دِيَةُ الْكَافِرِ بِدِيَةِ الْمُسْلِمِ.

  299. وَالثَّانِي: أَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْإِحْرَازِ وَالْإِحْرَازُ يَكُونُ بِالدَّارِ لَا بِالدَّيْنِ، وَالْإِحْرَازُ بِالدَّيْنِ مِنْ حَيْثُ اعْتِقَادُ الْحُرْمَةِ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ نَعْتَقِدُهُ دُونَ مَا لَا نَعْتَقِدُ فَأَمَّا الْإِحْرَازُ بِقُوَّةِ أَهْلِ الدَّارِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ سَاوَوْا الْمُسْلِمِينَ فِي الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ وَلِهَذَا يَسْتَوِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِيمَةِ الْأَمْوَالِ فَكَذَلِكَ فِي قِيمَةِ النُّفُوسِ،

  300. وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْإِنَاثُ فَإِنَّهُمْ فِي الْإِحْرَازِ يُسَاوِينَ الذُّكُورَ، وَلَكِنْ تُنَصَّفُ الدِّيَةُ فِي حَقِّهِنَّ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ الْمَالِكِيَّةِ وَلِأَنَّهُنَّ تِبَاعٌ فِي مَعْنَى الْإِحْرَازِ؛ لِأَنَّ النُّصْرَةَ لَا تَقُومُ بِهِنَّ وَقَصْدُنَا بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَقَدْ سَوَّيْنَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا، وَجِنَايَاتُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ، وَالْمَجْنُونِ عَمْدُهَا وَخَطَؤُهَا كُلُّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ إذَا بَلَغَتْ خَمْسَمِائَةٍ فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ فَفِي أَمْوَالِهِمْ؛