بَابُ الْإِذْنِ لِلصَّبِيِّ الْحُرِّ وَالْمَعْتُوهِ
المبسوطHanafimasa’il 59384 to 59451
-
25/2025/20
(قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) :
-
وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي التِّجَارَةِ أَوْ فِي جِنْسٍ مِنْهَا وَهُوَ
-
25/2125/21
يَعْقِلُ الْبَيْعَ، وَالشِّرَاءَ فَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَاتِ كُلِّهَا مِثْلِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْإِذْنُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ بَاطِلٌ إذَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَعْتُوهًا حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عِبَارَتَهُ صَالِحَةٌ لِلْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَنَا فِيمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمَضَرَّةِ وَعِنْدَهُ هِيَ غَيْرُ صَالِحَةٍ حَتَّى لَوْ تَوَكَّلَ بِالتَّصَرُّفِ عَنْ الْغَيْرِ نَفَذَ تَصَرُّفَهُ عِنْدَنَا وَلَمْ يَنْفُذْ عِنْدَهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} فَقَدْ شَرَطَ الْبُلُوغَ وَإِينَاسَ الرُّشْدِ لِجَوَازِ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ وَتَمْكِينِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى:
-
{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} ، وَالْمُرَادُ الصِّبْيَانُ، وَالْمَجَانِينَ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} فَالْإِذْنُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَلَا يَكُونُ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ كَاَلَّذِي لَا يَعْقِلُ وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ التَّصَرُّفَ كَلَامٌ، وَإِنَّمَا تُبْنَى الْأَهْلِيَّةُ عَلَى كَوْنِهِ أَهْلًا لِكَلَامٍ مُلْزِمٍ شَرْعًا وَذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى الْخِطَابِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لِعَدَمِ الْخِطَابِ بَقِيَ مُولًى عَلَيْهِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَلَوْ صَارَ بِاعْتِبَارِ عَقْلِهِ أَهْلًا لِمُبَاشَرَتِهَا لَمْ يَبْقَ مُولًى عَلَيْهِ فِيهَا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُولًى عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِنَفْسِهِ، وَالْأَهْلِيَّةُ لِلتَّصَرُّفِ آيَةُ الْقُدْرَةِ وَهُمَا مُتَضَادَّانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ.
-
يُوَضِّحُهُ أَنَّ اعْتِبَارَ عَقْلِهِ مَعَ النُّقْصَانِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الضَّرُورَةُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِوَلِيِّهِ فَجُعِلَ عَقْلُهُ فِي ذَلِكَ مُعْتَبَرًا؛ وَلِهَذَا صَحَّتْ مِنْهُ الْوَصِيَّةُ بِأَعْمَالِ الْبِرِّ وَخِيرَتُهُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَلَا تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ فِيمَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِوَلِيِّهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِ عَقْلِهِ فِيهِ وَلِأَنَّ مَا بِهِ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَمْ يَزُلْ بِالْإِذْنِ فَإِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الصِّبَا أَوْ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ لَا لِحَقِّ الْغَيْرِ فِي مَالِهِ إذْ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِي مَالِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى بَعْدَ الْإِذْنِ قَائِمٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فَلَوْ زَالَ سَبَبُ الْحَجْرِ بِإِذْنِ الْوَلِيّ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْحَجْرَ هُنَاكَ لَحِقَ الْمَوْلَى فِي كَسْبِهِ وَرَقَبَتِهِ وَبِالْإِذْنِ صَارَ الْمَوْلَى رَاضِيًا بِتَصَرُّفِهِ فِي كَسْبِهِ وَبِخِلَافِ السَّفِيهِ فَالْحَجْرُ عَلَيْهِ لِمُكَابَرَةِ عَقْلِهِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِوَصْفٍ لَازِمٍ وَلَا يَجُوزُ الْإِذْنُ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوَالِهِ إلَّا أَنَّ إذْنَ الْقَاضِي إيَّاهُ دَلِيلُ زَوَالِهِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} ، وَالِابْتِلَاءُ هُوَ الِامْتِحَانُ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لِيُعْرَفَ رُشْدُهُ وَصَلَاحُهُ فَلَوْ تَصَرَّفَ بِدُونِ مُبَاشَرَتِهِمْ لَا يَتِمُّ بِهِ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ،
-
ثُمَّ عَلَّقَ إلْزَامَ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ بِالْبُلُوغِ وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ زَوَالِ وِلَايَةِ الْوَلِيِّ عَنْهُ وَبِهِ نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ مَا لَمْ يَبْلُغْ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} وَاسْمُ الْيَتِيمِ حَقِيقَةً يَتَنَاوَلُ الصَّغِيرَ فَعَرَفْنَا أَنْ دَفْعَ الْمَالِ إلَيْهِ وَتَمْكِينَهُ
-
25/2225/22
مِنْ التَّصَرُّفَاتِ جَائِزٌ إذَا صَارَ عَاقِلًا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ:
-
{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ أَوْ الْمُرَادُ النِّسَاءُ وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ يَدْفَعُ الْمَالَ لِزَوْجَتِهِ وَيَجْعَلُ التَّصَرُّفَ فِيهِ إلَيْهَا وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَنَا.
-
«وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: وَقُمْ يَا عُمَرُ فَزَوِّجْ أُمَّكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ» «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَبِيعُ لُعَبَ الصِّبْيَانِ فِي صِغَرِهِ فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَتِكَ» فَقَدْ مَكَّنَ الصَّبِيَّ مِنْ التَّصَرُّفِ فَدَلَّ أَنَّ عِبَارَتَهُ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ مَحْجُورٌ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ لَهُ وَعَرَّفَهُ فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ كَالْعَبْدِ وَهَذَا؛
-
لِأَنَّهُ مَعَ الصِّغَرِ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ إذَا كَانَ عَاقِلًا؛ لِأَنَّهُ مُمَيِّزٌ، وَالْأَهْلِيَّةُ لِلتَّصَرُّفِ بِكَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا عَنْ تَمْيِيزٍ وَبَيَانٍ لَا عَنْ تَلْقِينٍ وَهَذَيَانٍ وَقَدْ صَارَ مُمَيَّزًا إلَّا أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا سَقَطَ عَنْهُ الْخِطَابُ؛ لِأَنَّ فِي تَوْجِيهِ الْخِطَابِ عَلَيْهِ إضْرَارًا بِهِ عَاجِلًا.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ جُعِلَ أَهْلًا لِلنَّوَافِلِ مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَالصِّيَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلَوْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ رُبَّمَا لَا يُؤَدِّي لِلْحَرَجِ وَيَبْقَى فِي وَبَالِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يُقَرَّبُ مِنْ الْمَنَافِعِ وَيُبَعَّدُ مِنْ الْمَضَارِّ فَإِنَّ الصِّبَا سَبَبٌ لِلْمَرْحَمَةِ وَاعْتِبَارُ كَلَامِهِ فِي التَّصَرُّفِ مَحْضُ مَنْفَعَةٍ؛
-
لِأَنَّ الْآدَمِيَّ بَايَنَ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ بِالْبَيَانِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَنَافِعِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ وَهَذِهِ مَنْفَعَةٌ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا لَهُ بِرَأْيِ الْمَوْلَى؛ وَلِهَذَا صَحَّ مِنْهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مَا يَتَمَحَّضُ مَنْفَعَةً وَهُوَ قَبُولُ الْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ فَأَمَّا مَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمَضَرَّةِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ انْضِمَامُ رَأْيٍ إلَى رَأْيِهِ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ فَلَوْ نَفَّذْنَا ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ الْإِذْنِ رُبَّمَا يَتَضَرَّرُ بِهِ وَيَزُولُ هَذَا الْمَعْنَى بِانْضِمَامِ رَأْيِ الْوَلِيِّ إلَى رَأْيِهِ؛
-
وَلِهَذَا لَوْ تَصَرَّفَ قَبْلَ إذْنِ الْوَلِيِّ فَأَجَازَهُ الْوَلِيُّ جَازَ عِنْدَنَا.
-
وَهَذَا لِأَنَّهُ يَتَرَدَّدُ حَالُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَاظِرًا فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ بِمَا أَصَابَ مِنْ الْعَقْلِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ نَاظِرًا فِي ذَلِكَ بِنُقْصَانِ عَقْلِهِ وَلَا يَحِلُّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ شَرْعًا مَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ حُسْنُ النَّظَرِ فِي عَاقِبَةِ الْأَمْرِ فَكَانَ إذْنُ الْوَلِيِّ لَهُ دَلِيلُ كَمَالِ عَقْلِهِ أَوْ حُسْنِ نَظَرِهِ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ كَإِذْنِ الْقَاضِي لِلسَّفِيهِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ أَوْ فِيهِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ حِينَ لَزِمَ التَّصَرُّفَ بِانْضِمَامِ رَأْيِ الْوَلِيِّ إلَى رَأْيِهِ فَإِذَا اعْتَبَرْنَا عَقْلَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ اتَّسَعَ تَوْفِيرُ طَرِيقِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ؛
-
لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مَنْفَعَةُ التَّصَرُّفِ بِمُبَاشَرَتِهِ وَبِمُبَاشَرَةِ وَلِيِّهِ وَذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ أَنْ يَسُدَّ عَلَيْهِ أَخْذَ النَّاسِ وَيَجْعَلَ لِتَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ طَرِيقًا وَاحِدًا إلَّا أَنَّ نَظَرَهُ فِي عَاقِبَةِ الْأَمْرِ وَوُفُورِ عَقْلِهِ مُتَرَدِّدٌ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ ظَاهِرًا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ وَلِتَوَهُّمِ الْقُصُورِ فِيهِ يَبْقَى وِلَايَةُ الْوَلِيِّ عَلَيْهِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ كَالسَّفِيهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ بَعْدَ مَا أَطْلَقَ عَنْهُ الْحَجْرَ
-
25/2325/23
إذَا أَرَادَ أَنْ يَحْجُرَ وَعَلَيْهِ جَازَ ذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ إقْرَارُهُ بَعْدَ إذْنِ الْوَلِيِّ لَهُ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ لِغَيْرِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَكَّ الْحَجْرِ عَنْهُ بِالْإِذْنِ فَهُوَ كَمَا لَوْ صَارَ مُنْفَكَّ الْحَجْرِ عَنْهُ بِالْبُلُوغِ وَهَذَا إشْكَالُ الْخَصْمِ عَلَيْنَا فَإِنَّهُ يَقُولُ إقْرَارُ الْوَلِيِّ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فَكَيْفَ يَسْتَفِيدُ هُوَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ مَا لَا يَمْلِكُ الْوَلِيُّ مُبَاشَرَتَهُ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْوَلِيُّ إنَّمَا لَا يَمْلِكُ مُبَاشَرَتَهُ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْهُ فَالْإِقْرَارُ قَوْلٌ مِنْ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا ثَبَتَ عَلَى الْغَيْرِ فَهُوَ شَهَادَةٌ وَإِقْرَارُ الْوَلِيِّ عَلَى الصَّبِيّ قَوْلٌ عَلَى الْغَيْرِ فَيَكُونُ شَهَادَةٌ وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فَأَمَّا قَوْلُهُ " بَعْدَ الْإِذْنِ " إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ وَمِمَّا لَا تَتِمُّ التِّجَارَةُ إلَّا بِهِ؛
-
لِأَنَّ النَّاسَ إذَا عَلِمُوا أَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَصِحُّ يَتَحَرَّزُونَ عَنْ مُعَامَلَتِهِ فَمَنْ يُعَامِلُهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ فَلِهَذَا جَازَ إقْرَارُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَكَمَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِيمَا اكْتَسَبَهُ يَجُوزُ فِيمَا وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِيمَا وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ لِأَنَّ صِحَّةَ إقْرَارِهِ فِي كَسْبِهِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ فِي التِّجَارَاتِ وَهَذِهِ الْحَاجَة تَنْعَدِمُ فِي الْمَوْرُوثِ مِنْ أَبِيهِ.
-
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ انْفِكَاكَ الْحَجْرِ عَنْهُ بِالْإِذْنِ فِي حُكْمِ إقْرَارِهِ بِمَنْزِلَةِ انْفِكَاكِ الْحَجْرِ عَنْهُ بِالْبُلُوغِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ إقْرَارِهِ فِيمَا اكْتَسَبَهُ فَكَذَلِكَ فِيمَا وَرِثَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ مَلَكَهُ وَهُوَ فَارِغٌ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا انْضَمَّ رَأْيُ الْوَلِيِّ إلَى رَأْيِهِ الْتَحَقَ بِالْبَالِغِ؛
-
وَلِهَذَا نَفَّذَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَصَرُّفَهُ بَعْدَ الْإِذْنِ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِقْرَارِ يَلْتَحِقُ بِالْبَالِغِ،
-
ثُمَّ صِحَّةُ الْإِذْنِ لَهُ فِي وَلِيِّهِ وَوَلِيُّهُ أَبُوهُ،
-
ثُمَّ وَصِيِّ الْأَبِ، ثُمَّ الْجَدِّ أَبِ الْأَبِ،
-
ثُمَّ وَصِيِّهِ، ثُمَّ الْقَاضِي أَوْ وَصِيِّ الْقَاضِي فَأَمَّا الْأُمُّ أَوْ وَصِيُّ الْأُمِّ فَلَا يَصِحُّ الْإِذْنُ مِنْهُمْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ لَهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ مُطْلَقًا بَلْ هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ إلَّا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حِفْظِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ بَيْعَ عَقَارِهِ، وَالْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ لَيْسَ مِنْ الْحِفْظِ فَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ.
-
وَلَوْ أَقَرَّ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ بِغَصْبٍ أَوْ اسْتِهْلَاكٍ فِي حَالِ إذْنِهِ أَوْ أَضَافَهُ إلَى مَا قَبْلَ الْإِذْنِ جَازَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ، وَالِاسْتِهْلَاكِ مِنْ جِنْسِ ضَمَانِ التِّجَارَةِ؛ وَلِهَذَا صَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ مِنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَكَانَ مُؤَاخَذًا بِهِ فِي الْحَالِ وَانْفِكَاكُ الْحَجْرِ عَنْهُ بِالْإِذْنِ كَانْفِكَاكِ الْحَجْرِ عَنْهُ بِالْبُلُوغِ وَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي صِغَرِهِ كَانَ مُؤَاخَذًا بِهِ فِي الْحَالِ فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بَعْدَ الْإِذْنِ.
-
وَلَوْ كَاتَبَ هَذَا الصَّبِيُّ مَمْلُوكَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَكُّ الْحَجْرِ عَنْهُ فِي التِّجَارَةِ، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ التِّجَارَةِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَا يَمْلِكُهَا وَلَا يُقَالُ فَالْأَبُ، وَالْوَصِيُّ يَمْلِكُ الْكِتَابَةَ فِي عَبْدِ الصَّبِيِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمَا مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ وَيَتَحَقَّقُ
-
25/2425/24
فِي الْكِتَابَةِ النَّظَرُ وَأَمَّا تَصَرُّفُ الصَّبِيِّ بَعْدَ الْإِذْنِ فَمُقَيَّدٌ بِالتِّجَارَةِ، وَالْكِتَابَةِ لَيْسَتْ بِتِجَارَةٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَبُ، وَالْوَصِيُّ يَمْلِكَانِ ذَلِكَ.
-
وَأَمَّا تَزْوِيجُ الْعَبْدِ فَلَا يَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ وَلَا يَمْلِكُهُ أَبُوهُ وَوَصِيُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَظَرٌ لِلصَّبِيِّ بَلْ فِيهِ تَعْيِيبُ الْعَبْدِ وَإِلْزَامُ الْمَهْرِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لِلصَّبِيِّ فِيهِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَبُرَ الصَّبِيُّ فَأَجَازَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ مَا لَهُ مُجِيزٌ حَالَ وُقُوعِهِ وَلَا مُجِيزَ لِهَذَا التَّصَرُّفِ حَالَ وُقُوعِهِ فَتَعَيَّنَ فِيهِ جِهَةُ الْبُطْلَانِ
-
وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ لَا يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ وَلَا مِنْ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ بَلْ فِيهِ ضَرَرٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ فِي الْحَالِ بِبَدَلٍ فِي ذِمَّةِ مُفْلِسِهِ وَلَوْ أَجَازَهُ الصَّبِيُّ بَعْدَ الْكِبَرِ لَمْ يَجُزْ؛
-
لِأَنَّهُ لَا مُجِيزَ لَهُ عِنْدَ وُقُوعِهِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ أَجْنَبِيٌّ
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ زَوَّجَ الْأَجْنَبِيُّ أُمَّتَهُ أَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فَأَجَازَهُ الصَّبِيُّ بَعْدَ مَا كَبِرَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ لِهَذَا التَّصَرُّفِ مُجِيزًا حَالَ وُقُوعِهِ وَهُوَ وَلِيُّهُ، وَالْوَلِيُّ فِي الْإِجَازَةِ نَاظِرٌ لَهُ فَإِذَا صَارَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِالنَّظَرِ لِنَفْسِهِ نَفَّذَ بِإِجَازَتِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ، وَالْوَصِيِّ أَنْ يَفْعَلَاهُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ فَإِذَا فَعَلَهُ أَجْنَبِيٌّ فَأَجَازَهُ الصَّبِيُّ بَعْدَ مَا كَبِرَ فَهُوَ جَائِزٌ؛
-
لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ تَنْفُذُ بِالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ مِمَّنْ قَامَ رَأْيُهُ مَقَامَ رَأْيِ الصَّبِيِّ فَيَنْفُذُ بِالْإِجَازَةِ فِي الِانْتِهَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْآذِنِ أَوْ مِنْ الصَّبِيِّ بَعْدَ مَا كَبِرَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا النَّظَرِ وَلَوْ زَوَّجَ هَذَا الصَّبِيُّ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ قَالَ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْأَمَةَ لَوْ بِيعَتْ فَأُعْتِقَتْ لَحِقَ الْعَبْدَ نَفَقَتُهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ مَعْنَى الضَّرَرِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَى الصَّبِيِّ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ وَوِلَايَةُ الْوَلِيِّ عَلَيْهِ لَا تَتَعَيَّنُ بِلُحُوقِ الدَّيْنِ إيَّاهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ.
-
وَلَوْ كَانَ لِلصَّبِيِّ امْرَأَةٌ فَخَلَعَهَا أَبُوهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ أَوْ طَلَّقَهَا أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ،
-
ثُمَّ أَجَازَ الصَّبِيُّ بَعْدَ مَا كَبِرَ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مُجِيزَ لِهَذَا التَّصَرُّفِ عِنْدَ وُقُوعِهِ فَالطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ مَحْضُ ضَرَرٍ عَاجِلٍ فِي حَقِّهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ عَقْلُهُ وَلَا وِلَايَةُ الْوَلِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ لَهُ لَا لِلْإِضْرَارِ بِهِ وَإِذَا قَالَ حِينَ كَبِرَ قَدْ أَوْقَعْتُ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ الَّذِي أَوْقَعَ عَلَيْهَا فُلَانٌ أَوْ قَدْ أَوْقَعْتُ عَلَى الْعَبْدِ ذَلِكَ الْعِتْقِ الَّذِي أَوْقَعَهُ فُلَانٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَالْعِتْقُ؛
-
لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إيقَاعُ مُسْتَقْبَلٍ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ ابْتِدَاءً بِهَذَا اللَّفْظِ فَيَكُونُ إضَافَتُهُ إلَى أَوْقَعَ، فُلَانٌ لِتَعْرِيفِ الْعَدَدِ وَالصِّفَةِ لَا أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْإِيقَاعِ مِنْ فُلَانٍ لَكِنَّهُ مِنْ الْمَوْقِعِ فِي الْحَالِ
-
25/2525/25
وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ بِخِلَافِ الْإِجَازَةِ مِنْهُ فَإِنَّ الْإِجَازَةَ تَقَيُّدٌ لِلتَّصَرُّفِ الَّذِي بَاشَرَهُ فُلَانٌ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ بِلَفْظِ الْإِجَازَةِ مِنْهُ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءً وَقَدْ تَعَيَّنَتْ جِهَةُ الْبُطْلَانِ فِيمَا بَاشَرَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَإِجَازَتُهُ لِذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ تَكُونُ لَغْوًا.
-
وَإِذَا بَاعَ الصَّبِيُّ وَهُوَ يَعْقِلُ الْبَيْعَ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَدَفَعَ الْعَبْدُ،
-
ثُمَّ ضَمِنَ رَجُلٌ لِلْمُشْتَرِي مَا أَدْرَكَهُ فِي الْعَبْدِ مِنْ دَرَكٍ فَاسْتُحِقَّ الْعَبْدُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ عَلَى الصَّبِيِّ،
-
وَإِنْ شَاءَ عَلَى الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةِ الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ بِمَا عَلَى الْأَصِيلِ فَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ مُطَالَبٌ بِضَمَانِ الدَّرَكِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَصِحُّ الْتِزَامُ الْكَفِيلِ عَنْهُ ذَلِكَ وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْكَفِيلِ رَجَعَ الْكَفِيلُ عَلَى الصَّبِيِّ إنْ كَانَ كَفَلَ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَفَالَةَ تَبَرُّعٌ عَلَى الصَّبِيِّ لَا مِنْهُ وَهُوَ فِي التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ كَالْبَالِغِ وَأَمْرُ الْغَيْرِ بِالْكَفَالَةِ مُعْتَبَرٌ إذَا كَانَ مَأْذُونًا بِمَنْزِلَةِ اسْتِقْرَاضِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَالضَّمَانُ عَنْهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ فَالْكَفِيلُ عَنْهُ الْتَزَمَ مَا لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ فِيهِ فَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ شَيْءٌ وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ أَيْضًا إنْ كَانَ الثَّمَنُ قَدْ هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ؛
-
لِأَنَّ فِعْلَهُ كَانَ بِتَسْلِيطٍ صَحِيحٍ مِنْ الْمُشْتَرِي حِينَ سَلَّمَ الثَّمَنَ إلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِهِ أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي فِي أَصْلِ الشِّرَاءِ أَوْ ضَمِنَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إلَى الصَّبِيِّ،
-
ثُمَّ وَقَعَ الثَّمَنُ عَلَى لِسَانِ الْكَفِيلِ،
-
ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ مِنْ يَدِهِ فَالضَّمَانُ جَائِزٌ وَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي الْكَفِيلَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا سَلَّمَ الثَّمَنَ إلَى الصَّبِيِّ عَلَى أَنَّ الْكَفِيلَ ضَامِنٌ لَهُ فَتَسْلِيمُهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ مُلْتَزِمٌ لِهَذَا الضَّمَانِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ الدَّفْعُ حَصَلَ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ ضَامِنٌ لَهُ، وَالصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْتِزَامِ هَذَا الضَّمَانِ،
-
ثُمَّ الْكَفِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ الْتَزَمَ مُطَالَبَةً لَيْسَتْ عَلَى الْأَصِيلِ فَكَانَ بَاطِلًا ".
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ ادْفَعْ إلَى هَذَا الصَّبِيِّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ يُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَهَا حَتَّى أَرُدَّهَا عَلَيْكَ، وَالصَّبِيُّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَفَعَلَ كَانَ ضَمَانُهَا عَلَى الْكَفِيلِ وَلَوْ كَانَ دَفَعَ الدَّرَاهِمَ أَوَّلًا إلَى الصَّبِيِّ وَأَمَرَهُ أَنْ يُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهِ،
-
ثُمَّ ضَمِنَهَا لَهُ رَجُلٌ بَعْدَ الدَّفْعِ كَانَ ضَمَانُهُ بَاطِلًا، وَالْفَرْقُ مَا بَيَّنَّا.
-
وَإِذَا اشْتَرَى الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ عَبْدًا فَأَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ وَمِمَّا يُقْصَدُ بِهِ تَحْصِيلُ الرِّبْحِ؛ وَلِهَذَا صَحَّ مِنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فَكَذَلِكَ مِنْ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لَهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمَا فِي كَسْبِهِ،
-
وَإِنَّ مَأْذُونًا صَحِيحٌ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الصَّبِيِّ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ
-
25/2625/26
دَيْنَ الْحُرِّ فِي ذِمَّتِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَالِهِ
-
بِخِلَافِ دَيْنِ الْمَأْذُونِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ وَيَصِيرُ الْمَوْلَى - مِنْ التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقَا وَإِذْنُ الْقَاضِي أَوْ الْوَالِي الَّذِي اسْتَعْمَلَ الْقَاضِي لِعَبْدِ الصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ صَحِيحٌ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ لِلصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ لَهُ ثَابِتٌ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ، وَالْوَصِيِّ لِلْقَاضِي أَوْ الْوَالِي وَإِذْنُ أَمِيرِ الشَّرْطِ،
-
وَمِنْ لَمْ يُوَلَّ الْقَضَاءَ لَهُ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِهَؤُلَاءِ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ.
-
، وَالْمَعْتُوهُ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ، وَالشِّرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُولًى عَلَيْهِ كَالصَّبِيِّ وَلَكِنَّهُ يَعْقِلُ التَّصَرُّفَ، وَفِي اعْتِبَارِ عَقْلِهِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ كَمَا قَرَّرْنَا فِي الصَّبِيِّ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ عَقْلُ الصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَخْتَارُ مَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَمِيلُ إلَى مَنْ لَا يَنْفَعُهُ وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِالْآدَابِ فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا التَّخْيِيرِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ عَقْلُهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ؛
-
لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي فِيهَا الْمَنْفَعَةُ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ بَلْ هُوَ نَظِيرُ الْهِبَةِ فِي حَيَاتِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمَعْتُوهُ لَا يَعْقِلُ الْبَيْعَ، وَالشِّرَاءَ فَأَذِنَ لَهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ فِي التِّجَارَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ هَذَيَانٍ لَا عَنْ بَيَانٍ وَلَوْ أَذِنَ لِلْمَعْتُوهِ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ، وَالشِّرَاءَ فِي التِّجَارَةِ ابْنَهُ كَانَ بَاطِلًا؛
-
لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلِابْنِ عَلَى الْأَبِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ لَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا وَعَلَى هَذَا لَوْ أَذِنَ لَهُ أَخُوهُ أَوْ عَمُّهُ أَوْ وَاحِدٌ مِنْ أَقْرِبَائِهِ سِوَى الْأَبِ، وَالْجَدِّ فَإِذْنُهُ بَاطِلٌ لِمَا قُلْنَا