Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

بَابُ الْمُرْتَدِّينَ

المبسوطHanafimasa’il 23168 to 23511

  1. 10/9810/98

    (قَالَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ،

  2. فَإِنْ أَسْلَمَ، وَإِلَّا قُتِلَ مَكَانَهُ إلَّا أَنْ يَطْلُبَ أَنْ يُؤَجَّلَ فَإِذَا طَلَبَ ذَلِكَ أُجِّلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّينَ قَوْله تَعَالَى {أَوْ يُسْلِمُونَ} قِيلَ: الْآيَةُ فِي الْمُرْتَدِّينَ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، وَقَتْلُ الْمُرْتَدِّ عَلَى رِدَّتِهِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ بِمَنْزِلَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَوْ أَغْلَظُ مِنْهُمْ جِنَايَةً، فَإِنَّهُمْ قَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وَلَمْ يُرَاعُوا حَقَّ ذَلِكَ حِينَ أَشْرَكُوا، وَهَذَا الْمُرْتَدُّ كَانَ مِنْ أَهْلِ دِينِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ عَرَفَ مَحَاسِنَ شَرِيعَتِهِ ثُمَّ لَمْ يُرَاعِ ذَلِكَ حِينَ ارْتَدَّ فَكَمَا لَا يُقْبَلُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ إلَّا السَّيْفَ أَوْ الْإِسْلَامَ فَكَذَلِكَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ إلَّا أَنَّهُ إذَا طَلَبَ التَّأْجِيلَ أُجِّلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛

  3. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ ارْتَدَّ لِأَجْلِهَا فَعَلَيْنَا إزَالَةُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، أَوْ هُوَ يَحْتَاجُ إلَى

  4. 10/9910/99

    التَّفَكُّرِ لِيَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِمُهْلَةٍ،

  5. فَإِنْ اسْتَمْهَلَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُمْهِلَهُ، وَمُدَّةُ النَّظَرِ مُقَدَّرَةٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي الْخِيَارِ فَلِهَذَا يُمْهِلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ،

  6. وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ التَّأْجِيلَ يُقْتَلُ مِنْ سَاعَتِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.

  7. وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ طَلَبَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ،

  8. وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ لَهُ: هَلْ مِنْ مُغْرِبَةِ خَبَرٍ.؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانِهِ فَقَالَ: مَاذَا صَنَعْتُمْ بِهِ.؟ قَالَ: قَدَّمْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَقَالَ: هَلَّا طَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ الْبَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَرَمَيْتُمْ إلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ بِرَغِيفٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ وَيُرَاجِعَ الْحَقَّ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَشْهَدْ، وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِطَرِيقٍ آخَرَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لَوْ وُلِّيتُ مِنْهُ مِثْلَ الَّذِي وُلِّيتُمْ لَاسْتَتَبْتُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ،

  9. فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْتُهُ، فَهَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِمْهَالُ، وَتَأْوِيلُ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَ طَلَبَ التَّأْجِيلَ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، فَرُبَّمَا يَظْهَرُ لَهُ شُبْهَةٌ وَيَتُوبُ إذَا رُفِعَتْ شُبْهَتُهُ، فَلِهَذَا كُرِهَ تَرْكُ الْإِمْهَالِ وَالِاسْتِتَابَةِ،

  10. فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الدِّينِ، وَتَبَيَّنَ الْحَقُّ فَالْإِشْرَاكُ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ تَعَنُّتًا، وَقَدْ يَكُونُ لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ طَلَبُ التَّأْجِيلِ،

  11. وَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَعَنِّتٌ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَتَابَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ كَافِرٍ قَدْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، وَتَجْدِيدُ الدَّعْوَةِ فِي حَقِّ مِثْلِهِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فَهَذَا كَذَلِكَ،

  12. فَإِنْ اُسْتُتِيبَ فَتَابَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَلَكِنَّ تَوْبَتَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَيَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا سِوَى الْإِسْلَامِ أَوْ يَتَبَرَّى عَمَّا كَانَ انْتَقَلَ إلَيْهِ،

  13. فَإِنَّ تَمَامَ الْإِسْلَامِ مِنْ الْيَهُودِيِّ التَّبَرِّي عَنْ الْيَهُودِيَّةِ،

  14. وَمِنْ النَّصْرَانِيِّ التَّبَرِّي عَنْ النَّصْرَانِيَّةِ،

  15. وَمِنْ الْمُرْتَدِّ التَّبَرِّي عَنْ كُلِّ مِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُرْتَدِّ مِلَّةُ مَنْفَعَةٍ،

  16. وَإِنْ تَبَرَّأَ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ فَقَدْ حَصَلَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ.

  17. فَإِنَّ ارْتَدَّ ثَانِيًا وَثَالِثًا فَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَإِذَا أَسْلَمَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} ، وَكَانَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَقُولَانِ إذَا ارْتَدَّ رَابِعًا لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛

  18. لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ مُسْتَهْزِئٌ، وَلَيْسَ بِتَائِبٍ، وَاسْتَدَلَّا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْآيَةُ فِي حَقِّ مَنْ ازْدَادَ كُفْرًا لَا فِي حَقِّ مَنْ آمَنَ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ وَالْخُشُوعَ فَحَالُهُ فِي

  19. 10/10010/100

    الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ كَحَالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ،

  20. وَإِذَا أَسْلَمَ يَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

  21. {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} .

  22. وَرُوِيَ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ «أَقَتَلْتَ رَجُلًا قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَنْ لَكَ بِلَا إلَهٍ إلَّا اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: إنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا، فَقَالَ: هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟، فَقَالَ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ مَا كَانَ يَتَبَيَّنُ لِي فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَإِنَّمَا يُعَبِّرُ عَنْ قَلْبِهِ لِسَانُهُ» إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ إذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ يُضْرَبُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا لِجِنَايَتِهِ ثُمَّ يُحْبَسُ إلَى أَنْ يُظْهِرَ تَوْبَتَهُ وَخُشُوعَهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا يُقْتَلُ غِيلَةً، وَهُوَ أَنْ يَنْتَظِرَ فَإِذَا أَظْهَرَ كَلِمَةَ الشِّرْكِ قُتِلَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَتَابَ؛

  23. لِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ مِنْهُ الِاسْتِخْفَافُ.

  24. وَقَتْلُ الْكَافِرِ الَّذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ جَائِزٌ.

  25. فَإِنْ أَبَى الْمُرْتَدُّ أَنْ يُسْلِمَ فَقُتِلَ كَانَ مِيرَاثُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَالُهُ فَيْءٌ يُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» ، وَالْمُرْتَدُّ كَافِرٌ فَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا فَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ كَالرَّقِيقِ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ مَنْ يُوَاقِفُهُ فِي الْمِلَّةِ، وَالْمُوَافَقَةُ فِي الْمِلَّةِ سَبَبُ التَّوْرِيثِ، وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْمِلَّةِ سَبَبُ الْحِرْمَانِ، فَلَمَّا لَمْ يَرِثْهُ مَنْ يُوَافِقُهُ فِي الْمِلَّةِ مَعَ وُجُودِ سَبَبِ التَّوْرِيثِ فَلَأَنْ لَا يَرِثُهُ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي الْمِلَّةِ أَوْلَى،

  26. وَإِذَا انْتَفَى التَّوْرِيثُ عَنْ مَالِهِ فَهُوَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ حَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ لَهُ فَيَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ هُوَ مَالٌ ضَائِعٌ فَمُصِيبُهُ بَيْتُ الْمَالِ كَالذِّمِّيِّ إذَا مَاتَ،

  27. وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ الْكُفَّارِ يُوضَعُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى: {إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} وَالْمُرْتَدُّ هَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً اسْتَحَقَّ بِهَا نَفْسَهُ فَيَكُونُ هَالِكًا «، وَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالَهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ» ، وَهُوَ كَانَ مُرْتَدًّا،

  28. وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا فَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ بِكُفْرِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} ،

  29. وَإِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَتَلَ الْمُسْتَوْرِدَ الْعِجْلِيَّ عَلَى الرِّدَّةِ، وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا مَالِكًا لِمَالِهِ فَإِذَا تَمَّ هَلَاكُهُ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِي مَالِهِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ، وَتَحْقِيقُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الرِّدَّةَ هَلَاكٌ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِهِ حَرْبًا، وَأَهْلُ الْحَرْبِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَالْمَوْتَى إلَّا أَنَّ تَمَامَ هَلَاكِهِ حَقِيقَةٌ بِالْقَتْلِ أَوْ الْمَوْتِ،

  30. فَإِذَا تَمَّ ذَلِكَ اسْتَنَدَ التَّوْرِيثُ إلَى أَوَّلِ الرِّدَّةِ، وَقَدْ كَانَ مُسْلِمًا عِنْدَ ذَلِكَ

  31. 10/10110/101

    فَيَخْلُفُهُ وَارِثُهُ الْمُسْلِمُ فِي مَالِهِ، وَيَكُونُ هَذَا تَوْرِيثَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ تَمَامِ سَبَبِهِ يَثْبُتُ مِنْ أَوَّلِ السَّبَبِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إذَا أُجِيزَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْمَبِيعَ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ جَمِيعًا، فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَكُونُ فِيهِ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ.

  32. (فَإِنْ قِيلَ:) زَوَالُ مِلْكِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ مَعَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَالْحُكْمُ لَا يَسْبِقُ السَّبَبَ وَلَا يَقْتَرِنُ بِهِ بَلْ يَعْقُبُهُ، وَبَعْدَ الرِّدَّةِ هُوَ كَافِرٌ (قُلْنَا) نَعَمْ الْمُزِيلُ لِلْمِلْكِ رِدَّتُهُ كَمَا أَنَّ الْمُزِيلَ لِلْمِلْكِ مَوْتُ الْمُسْلِمِ ثُمَّ الْمَوْتُ يُزِيلُ الْمِلْكَ عَنْ الْحَيِّ لَا عَنْ الْمَيِّتِ فَكَذَلِكَ الرِّدَّةُ تُزِيلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمُسْلِمِ، وَكَمَا أَنَّ الرِّدَّةَ تُزِيلُ مِلْكَهُ فَكَذَلِكَ تُزِيلُ عِصْمَةَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا تُزِيلُ الْعِصْمَةَ عَنْ مَعْصُومٍ لَا عَنْ غَيْرِ مَعْصُومٍ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِهَذَا الطَّرِيقِ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَلِهَذَا لَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْكُفَّارُ؛

  33. لِأَنَّ التَّوْرِيثَ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ، وَهُوَ دَلِيلُنَا، فَإِنَّهُ كَانَ تَعَلَّقَ بِإِسْلَامِهِ حُكْمَانِ: حِرْمَانُ وَرَثَتِهِ الْكُفَّارِ، وَتَوْرِيثُ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ،

  34. ثُمَّ بَقِيَ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ بَعْدَ رِدَّتِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُبْقِي عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ الْآخَرُ، وَإِنَّمَا لَا يَرِثُ الْمُرْتَدُّ أَحَدًا لِجِنَايَتِهِ، فَهُوَ كَالْقَاتِلِ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ لِجِنَايَتِهِ، وَيَرِثُهُ الْمَقْتُولُ لَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ قَبْلَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِجَعْلِ مَالِهِ فَيْئًا،

  35. فَإِنَّ هَذَا الْمَالَ كَانَ مُحْرَزًا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ الْإِحْرَازُ بِرِدَّتِهِ حَتَّى لَا يَغْنَمَ فِي حَيَاتِهِ، وَالْمَالُ الْمُحْرَزُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ فَيْئًا، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ ثُبُوتُ حَقِّ الْوَرَثَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يَغْنَمُ فِي حَيَاتِهِ لَا لِحَقِّهِ، فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ بَلْ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ،

  36. وَإِنْ قَالَ: يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ (قُلْنَا) الْمُسْلِمُونَ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِالْإِسْلَامِ، وَوَرَثَتُهُ سَاوَوْا الْمُسْلِمِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَتُرَجَّحُوا عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ، وَذُو السَّبَبَيْنِ مُقَدَّمٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى ذِي سَبَبٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ أَوْلَى.

  37. فَأَمَّا مَا اُكْتُسِبَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ فَيْءٌ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَعِنْدَهُمَا هُوَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ يُوقَفُ عَلَى أَنْ يُسْلَمَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ فَيَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَكَسْبِ الْإِسْلَامِ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعَانِي بِجَمْعِ الْكَسْبَيْنِ، وَلَيْسَ فِي الرِّدَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ صَارَ بِهِ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ فَيَكُونُ كَالْمَرِيضِ، وَالْمُكْتَسَبُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ كَالْمُكْتَسَبِ فِي الصِّحَّةِ فِي حُكْمِ الْإِرْثِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْوِرَاثَةُ خِلَافَةٌ فِي الْمِلْكِ، وَالرِّدَّةُ تُنَافِي بَقَاءَ الْمِلْكِ فَتُنَافِي ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَمَا اكْتَسَبَ فِي إسْلَامِهِ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ فَيَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِيهِ إذَا تَمَّ انْقِطَاعُ حَقِّهِ عَنْهُ، وَكَسْبُ الرِّدَّةِ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ لِقِيَامِ

  38. 10/10210/102

    الْمُنَافِي عِنْدَ الِاكْتِسَابِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ حَقُّ أَنْ يَتَمَلَّكَ أَنْ لَوْ أَسْلَمَ، وَالْوَارِثُ لَا يَخْلُفُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَقِّ فَبَقِيَ هَذَا مَالًا ضَائِعًا بَعْدَ مَوْتِهِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ،

  39. وَالْأَصَحُّ أَنْ نَقُولَ: إسْنَادُ التَّوْرِيثِ إلَى أَوَّلِ الرِّدَّةِ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ يَعْمَلُ فِي الْمَحَلِّ، وَالْمَحَلُّ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ أَوَّلِ الرِّدَّةِ،

  40. فَأَمَّا إسْنَادُ التَّوْرِيثِ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ عِنْدَ السَّبَبِ فِي هَذَا الْكَسْبِ،

  41. فَلَوْ ثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ التَّوْرِيثِ ثَبَتَ مَقْصُورًا عَلَى الْحَالِ، وَهُوَ كَافِرٌ بَعْدً الِاكْتِسَابِ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ فَيَبْقَى مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يُسْلَمَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ.

  42. فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ بِأَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَهَذَا كَسْبُ حَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ لَهُ فَيَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ يُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ،

  43. ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَنْ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ وَقْتَ رِدَّتِهِ، وَبَقِيَ إلَى مَوْتِ الْمُرْتَدِّ، فَإِنَّهُ يَرِثُهُ،

  44. وَمَنْ حَدَثَ لَهُ صِفَةُ الْوِرَاثَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَرِثُهُ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ بَعْضُ قَرَابَتِهِ بَعْدَ رِدَّتِهِ، أَوْ وُلِدَ لَهُ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ بَعْدَ رِدَّتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ التَّوْرِيثِ الرِّدَّةُ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ ذَلِكَ السَّبَبِ لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ،

  45. ثُمَّ تَمَامُ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْمَوْتِ، فَإِنَّمَا يَتِمُّ فِي حَقِّ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ السَّبَبُ لَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ السَّبَبُ،

  46. ثُمَّ فِي حَقِّ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ السَّبَبُ يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ إلَى وَقْتِ تَمَامِ الِاسْتِحْقَاقِ،

  47. فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ يَبْطُلُ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ كَمَا فِي بَيْعِ الْمَوْقُوفِ يَتِمُّ الْمِلْكُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ مِنْ وَقْتِ السَّبَبِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ قِيَامِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ حَتَّى إذَا هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ بَطَلَ السَّبَبُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْوَارِثِ، وَقْتَ الرِّدَّةِ ثُمَّ لَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُرْتَدِّ؛

  48. لِأَنَّ الرِّدَّةَ فِي حُكْمِ التَّوْرِيثِ كَالْمَوْتِ،

  49. وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ قَبْلَ قِسْمَةِ مِيرَاثِهِ لَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ، وَلَكِنْ يَخْلُفُهُ، وَارِثُهُ فِيهِ فَهَذَا مِثْلُهُ،

  50. وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَنْ يَكُونُ وَارِثًا لَهُ حِينَ مَاتَ أَوْ قُتِلَ، سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الرِّدَّةِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ قَبْلَ تَمَامِهِ يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ.

  51. أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَحْدُثُ مِنْ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ تُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ مَعْقُودًا عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ، وَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ فَهَهُنَا أَيْضًا مَنْ يُحْدِثُ قَبْلَ انْعِقَادِ السَّبَبِ يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ،

  52. وَلَوْ تُصُوِّرَ بَعْدَ الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ، وَلَدٌ لَهُ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ لَكِنَّا نَجْعَلُهُ كَذَلِكَ أَيْضًا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ،

  53. فَأَمَّا بَعْدَ الْهَلَاكِ بِالْحُكْمِ بِالرِّدَّةِ

  54. 10/10310/103

    يُتَصَوَّرُ فَيُجْعَلُ الْحَادِثُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ،

  55. وَكَذَلِكَ إنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ قَسَّمَ الْإِمَامُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَكَانَ لِحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْقَى مَالُهُ بَعْدَ لِحَاقِهِ مَوْقُوفًا كَمَا كَانَ قَبْلَ لِحَاقِهِ؛ لِأَنَّ ذَهَابَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ نَوْعُ غِيبَةٍ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ حُكْمُ مَالِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛

  56. لِأَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ حَيَاةَ نَفْسِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ حِينَ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمَيِّتِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} ، وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي النِّكَاحِ فِي مَسْأَلَةِ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ يَدِ الْإِمَامِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا،

  57. وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ لِمَوْتِهِ حَقِيقَةً بِأَنْ يَقْتُلَهُ وَيُقَسِّمَ مَالَهُ،

  58. فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ مَوَّتَهُ حُكْمًا فَيُقَسِّمُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَحَكَمَ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبِّرِيهِ وَبِحُلُولِ آجَالِهِ ثُمَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ يُعْتَبَرُ مَنْ يَكُونُ وَارِثًا لَهُ وَقْتَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقْتَ لِحَاقِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ عِنْدَهُمَا مِلْكَهُ لَا يَزُولُ بِالرِّدَّةِ، وَلِهَذَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُرْتَدِّ عِنْدَهُمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، فَإِنَّمَا زَوَالُ مِلْكِهِ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ عِنْدَ لِحَاقِهِ فَيُعْتَبَرُ وَارِثُهُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلِحَاقُهُ مَوْتٌ حُكْمِيٌّ فَهُوَ كَالْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ بِالْقَتْلِ، وَلَكِنْ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: اللِّحَاقُ فِي الْحَقِيقَةِ غِيبَةٌ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَوْتًا حُكْمًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَيُعْتَبَرُ مَنْ يَكُونُ وَارِثًا لَهُ عِنْدَ الْقَضَاءِ بِاللِّحَاقِ فِي اسْتِحْقَاقِ مَالِهِ،

  59. وَكَذَلِكَ تَرِثُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ إنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا،

  60. وَإِنْ ارْتَفَعَ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ لَكِنَّهُ فَارٌّ عَنْ مِيرَاثِهَا.

  61. وَامْرَأَةُ الْفَارِّ تَرِثُ إذَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ تَرِثُ،

  62. وَإِنْ كَانَتْ مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ السَّبَبَ التَّوْرِيثُ كَانَ مَوْجُودًا فِي حَقِّهَا عِنْدَ رِدَّتِهِ، وَعَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ قِيَامُ السَّبَبِ عِنْدَ أَوَّلِ الرِّدَّةِ، وَتَبْطُلُ وَصَايَاهُ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصَايَا لِحَقِّ الْمُوصِي، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ بَعْدَ مَا قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا

  63. بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ، فَإِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ بِالتَّدْبِيرِ قَدْ ثَبَتَ لَلْمُدَبَّرِ فَيَكُونُ عِتْقُهُ كَعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ أَوْ حَقُّهُ كَحَقِّ أَصْحَابِ الدُّيُونِ، وَفِي الْكِتَابِ يَقُولُ: رِدَّتُهُ كَرُجُوعِهِ عَنْ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ يَبْطُلُ حَقُّهُ، وَتَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ كَانَ لِحَقِّهِ فَرُجُوعُهُ يَعْمَلُ فِي إبْطَالِ وَصَايَاهُ،

  64. وَلَا يَعْمَلُ فِي إبْطَالِ تَدْبِيرِهِ فَكَذَلِكَ رِدَّتُهُ، وَهُوَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَا دَامَ الْمُرْتَدُّ مُقِيمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَبِمَوْتِهِ بِالْقَتْلِ حَقِيقَةً إنْ لَمْ يُسْلِمْ أَوَّلًا ثُمَّ يُقَسِّمُ مَالَهُ،

  65. وَإِنَّ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ لِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ رَجَعَ تَائِبًا قَدْ مَضَى جَمِيعُ مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مِلْكِهِ بِعَيْنِهِ فِي يَدِ وَارِثِهِ أَخَذَهُ

  66. 10/10410/104

    مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ، وَالْخَلْفُ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ إذَا ظَهَرَ الْأَصْلُ، وَلَمَّا جَاءَ تَائِبًا فَقَدْ صَارَ حَيًّا حُكْمًا، وَإِنَّمَا كَانَتْ خِلَافَةُ الْوَارِثِ إيَّاهُ فِي هَذَا الْمِلْكِ كَمَوْتِهِ حُكْمًا،

  67. فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ ظَهَرَ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: لَوْ كَانَ الْوَارِثُ كَاتَبَ عَبْدًا يُعَادُ إلَيْهِ ذَلِكَ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ مُنْتَقِلًا مِنْ الْخَلْفِ إلَى الْأَصْلِ، وَتَأْثِيرُ الْكِتَابَةِ فِي مَنْعِ النَّقْلِ، وَلَكِنْ يَنْعَدِمُ الْخَلْفُ بِظُهُورِ الْأَصْلِ فَيَكُونُ الْمِلْكُ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ بِطَرِيقِ الْبَقَاءِ،

  68. وَلَا يُعَادُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا بَاعَهُ وَارِثُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالْخَلْفَ فِي الْحُكْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْأَصْلِ لِيَكُونَ عَامِلًا، وَمَا تَصَرَّفَ الْوَارِثُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ نَافِذٌ مِنْهُ لِمُصَادِفَتِهِ مِلْكَهُ،

  69. وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَتْلَفَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ خَالِصًا لَهُ، وَفِعْلُهُ فِيمَا خَلَصَ حَقًّا لَهُ لَا يَكُونُ سَبَبَ الضَّمَانِ فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى رَجَعَ تَائِبًا فَجَمِيعُ ذَلِكَ لَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّ اللِّحَاقَ قَبْلَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْقَضَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْغِيبَةِ فَهُوَ وَالْمُتَرَدِّدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ.

  70. (قَالَ) وَجَمِيعُ مَا فَعَلَ الْمُرْتَدُّ فِي حَالِ رِدَّتِهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءِ أَوْ عِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ كِتَابَةٍ بَاطِلٌ إنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَقَسَّمَ الْإِمَامُ مَالَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ مِنْهَا نَافِذٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ الِاسْتِيلَادُ حَتَّى إذَا جَاءَتْ جَارِيَتُهُ بِوَلَدٍ فَادَّعَى نَسَبَهُ ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ، وَوَرِثَ هَذَا الْوَلَدُ مَعَ وَرَثَتِهِ، وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛

  71. لِأَنَّ حَقَّهُ فِي مِلْكِهِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْأَبِ فِي جَارِيَةِ وَلَدِهِ، وَاسْتِيلَادُ الْأَبِ صَحِيحٌ فَاسْتِيلَادُ الْمُرْتَدِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ حَتَّى إذَا أَسْلَمَ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ، وَحَقُّهُ فِيهَا أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمَوْلَى فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ، وَهُنَاكَ يَصِحُّ مِنْهُ دَعْوَةُ النَّسَبِ فَهَهُنَا أَوْلَى إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَحْتَاجُ إلَى تَصْدِيقِ الْمُكَاتَبِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمِلْكِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ، وَهَهُنَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَصْدِيقِ الْوَرَثَةِ؛

  72. لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ مِلْكُ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْحَالِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ بِالِاتِّفَاقِ بَاطِلٌ فِي الْحَالِ كَالنِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ بِهِمَا يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ،

  73. وَلَا مِلَّةَ لِلْمُرْتَدِّ فَقَدْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُقِرٍّ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْقُوفٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ الْمُفَاوَضَةُ، فَإِنَّهُ إذَا شَارَكَ غَيْرَهُ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ تُوقَفُ صِفَةُ الْمُفَاوَضَةِ بِالِاتِّفَاقِ،

  74. وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَوَقُّفِ أَصْلِ الشَّرِكَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهُوَ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَوَقَّفُ بَيْنَ أَنْ يَنْفُذَ بِالْإِسْلَامِ أَوْ يَبْطُلَ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَعِنْدَهُمَا نَافِذٌ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ يَنْفُذُ كَمَا يَنْفُذُ مِنْ الصَّحِيحِ حَتَّى يُعْتَبَرَ تَبَرُّعَاتُهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْفُذُ كَمَا يَنْفُذُ مِنْ الْمَرِيضِ

  75. 10/10510/105

    وَحُجَّتُهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ لَاقَى تَصَرُّفُهُ مِلْكَهُ فَيَنْفُذُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّصَرُّفَ قَوْلٌ، وَالْأَهْلِيَّةُ لَهُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ شَرْعًا،

  76. وَلَا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِالرِّدَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةُ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ،

  77. وَلَا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِالرِّدَّةِ إنَّمَا تَأْثِيرُ رِدَّتِهِ فِي إبَاحَةِ دَمِهِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْمَالِكِيَّةِ كَالْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ الرِّدَّةِ نَافِذٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَحَالُ الْحُرِّ فِي التَّصَرُّفِ فَوْقَ حَالِ الْمُكَاتَبِ،

  78. فَإِذَا كَانَتْ الرِّدَّةُ لَا تُنَافِي مِلْكَ الْيَدِ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ تَصَرُّفُ الْمُكَاتَبِ حَتَّى يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ، فَلَأَنْ لَا يُنَافِي مِلْكَ الْحُرِّ وَتَصَرُّفَهُ أَوْلَى إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: هُوَ مُشْرِفٌ عَلَى الْهَلَاكِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ فِي التَّصَرُّفِ.

  79. أَلَا تَرَى أَنَّ زَوْجَتَهُ تَرِثُهُ بِحُكْمِ الْفِرَارِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْمَرِيضِ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِسَبَبٍ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ مَرْغُوبٍ فِيهِ فَلَا يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ، كَمَنْ قَصَدَ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ لَا يَصِيرُ بِهِ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ لَا يَصِيرُ كَالْمَرِيضِ مَا دَامَ فِي السِّجْنِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِادِّعَاءِ شُبْهَةٍ فَالْمُرْتَدُّ أَوْلَى، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: بِالرِّدَّةِ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْمَالِ، وَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى الْعَوْدِ إلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، وَتَصَرُّفُهُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ فَيَتَوَقَّفُ بِتَوَقُّفِ الْمِلْكِ، وَدَلِيلُ الْوَصْفِ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ حُكْمًا بِاعْتِبَارِ الْعِصْمَةِ.

  80. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ عِصْمَةَ النَّفْسِ وَالْمَالِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ عِصْمَةُ نَفْسِهِ تَزُولُ بِالرِّدَّةِ حَتَّى يُقْتَلَ، فَكَذَلِكَ عِصْمَةُ مَالِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ هَالِكٌ حُكْمًا،

  81. وَإِذَا كَانَ الْهَلَاكُ حَقِيقَةً يُنَافِي مَالِكِيَّةَ الْمَالِ،

  82. وَلَا يُنَافِي تَوَقُّفَ الْمَالِ عَلَى حَقِّهِ، كَالتَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدَّيْنِ، فَكَذَلِكَ الْهَلَاكُ الْحُكْمِيُّ، وَلِأَنَّ تَأْثِيرَ الرِّدَّةِ فِي نَفْيِ الْمَالِكِيَّةِ فَوْقَ تَأْثِيرِ الرِّقِّ،

  83. فَإِنَّ الرِّقَّ يُنَافِي مَالِكِيَّةَ الْمَالِ،

  84. وَلَا يُنَافِي مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ، وَالرِّدَّةُ تُنَافِيهِمَا، وَهَذَا

  85. بِخِلَافِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ، فَهُنَاكَ لَمْ يَزُلْ مَا بِهِ عِصْمَةُ الْمَالِ وَالنَّفْسِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ نَفْسَهُ بِمَا هُوَ مِنْ حُقُوقِ تِلْكَ الْعِصْمَةِ فَيَبْقَى مَالِكًا حَقِيقَةً لِبَقَاءِ عِصْمَةِ مَالِهِ، وَقَدْ انْعَدَمَ هَهُنَا مَا بِهِ كَانَتْ الْعِصْمَةُ فِي حَقِّ النَّفْسِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَالِ؛

  86. لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ فِي الْعِصْمَةِ، وَبِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ بِاعْتِبَارِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَالرِّدَّةِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ.

  87. أَلَا تَرَى أَنَّ الْهَلَاكَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْكِتَابَةِ فَالْهَلَاكُ الْحُكْمِيُّ أَوْلَى، وَلِهَذَا نَفَذَ تَصَرُّفُ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ لِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَهَهُنَا بِالِاتِّفَاقِ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ بَعْدَ لِحَاقِهِ بَلْ يَتَوَقَّفُ فَكَذَلِكَ قَبْلَ لِحَاقِهِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ بِرِدَّتِهِ لَا بِلِحَاقِهِ،

  88. وَكَذَلِكَ التَّوْرِيثُ بِاعْتِبَارِ رِدَّتِهِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا

  89. 10/10610/106

    أَنَّهُ يَسْتَنِدُ التَّوْرِيثُ إلَى أَوَّلِ الرِّدَّةِ لِيَكُونَ فِيهِ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ حَرْبِيًّا، وَلِهَذَا يُقْتَلُ، وَالْحَرْبِيُّ الْمَقْهُورُ فِي أَيْدِينَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ كَالْمَأْسُورِينَ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ تَوَقُّفُ حَالِهِمْ بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْقَتْلِ وَالْمَنِّ، وَهَهُنَا بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْإِسْلَامِ،

  90. ثُمَّ تَوَقُّفُ تَصَرُّفِهِمْ هُنَاكَ لِتَوَقُّفِ حَالِهِمْ فَكَذَلِكَ هَهُنَا.

  91. وَإِذَا أَعْتَقَ الْمُرْتَدُّ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ ابْنُهُ أَيْضًا،

  92. وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَّا عِتْقُ الْمُرْتَدِّ فَكَانَ مَوْقُوفًا فَبِمَوْتِهِ يَبْطُلُ،

  93. وَأَمَّا عِتْقُ الْوَارِثِ فَقَدْ سَبَقَ مِلْكَهُ؛ لِأَنَّ قَبْلَ مَوْتِ الْمُرْتَدِّ لَا مِلْكَ لِلْوَارِثِ فِي مَالِهِ بَلْ الْمِلْكُ مَوْقُوفٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَدِّ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ، وَهَذَا

  94. بِخِلَافِ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدَّيْنِ إذَا أَعْتَقَ الْوَارِثُ عَبْدًا مِنْهَا ثُمَّ سَقَطَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ التَّوْرِيثِ هُنَاكَ قَدْ تَمَّ، وَالتَّوَقُّفُ لَحِقَ الْغُرَمَاءَ، وَالْعِتْقُ بَعْدَ تَمَامِ سَبَبِ الْمِلْكِ لَا يَتَوَقَّفُ، وَهَهُنَا أَصْلُ السَّبَبِ انْعَقَدَ بِالرِّدَّةِ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ لِقِيَامِ الْأَصْلِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَالْخِلَافَةُ تَكُونُ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَصْلِ فَلِهَذَا لَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتٌ لِوَارِثٍ،

  95. وَإِنْ مَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ.

  96. وَإِذَا مَاتَ الِابْنُ وَلَهُ مُعْتَقٌ وَالْأَبُ مُرْتَدٌّ،

  97. ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَلَهُ مُعْتَقٌ كَانَ مِيرَاثُ الْأَبِ لِمُعْتَقِهِ دُونَ مُعْتَقِ الِابْنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَصْلَ السَّبَبِ،

  98. وَإِنْ انْعَقَدَ بِالرِّدَّةِ، فَإِذَا مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ وَقْتِ تَمَامِ السَّبَبِ بَطَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ إلَى وَقْتِ تَمَامِ السَّبَبِ شَرْطٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَمَا اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ فَهُوَ فَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُمَا يَسْتَدِلَّانِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِكَسْبِ الرِّدَّةِ أَنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ حَتَّى لَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِكَسْبِ رِدَّتِهِ أَوْ رَهْنَهُ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ كَانَ صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ كَسْبُ الْإِسْلَامِ،

  99. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ سَلَّمَ وَاشْتَغَلَ بِالْفَرْقِ فَقَالَ: تَصَرُّفُهُ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ كَسْبُهُ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُنَافِي الْمِلْكَ،

  100. فَأَمَّا فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ تَصَرُّفُهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَوَقُّفَ مِلْكِهِ،

  101. وَالْأَصَحُّ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ فِي الْكَسْبَيْنِ جَمِيعًا،

  102. وَيَبْطُلُ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ، فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَقْضِي دُيُونَهُ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ،

  103. فَإِنْ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ حَقُّ وَرِيثِهِ،

  104. وَلَا حَقَّ لِوَرَثَتِهِ فِي كَسْبِ رِدَّتِهِ بَلْ هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ، فَلِهَذَا كَانَ فَيْئًا إذَا قُتِلَ فَكَانَ وَفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ أَوْلَى، فَعَلَى هَذَا نَقُولُ: عَقْدُ الرَّهْنِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ.

  105. وَإِذَا قَضَى دَيْنَهُ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ أَوْ رَهْنَهُ بِالدَّيْنِ فَقَدْ فَعَلَ عَيْنَ مَا كَانَ يَحِقُّ فِعْلُهُ؛ فَلِهَذَا كَانَ نَافِذًا، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِكَسْبِ الْإِسْلَامِ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ،

  106. فَإِنْ لَمْ تَفِ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ

  107. 10/10710/107

    مِلْكِ الْمَدْيُونِ، وَكَسْبُ الْإِسْلَامِ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَلِهَذَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِيهِ، وَخِلَافَةُ الْوَارِثِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَقِّهِ فَأَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ فَلَا يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْهُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي الرَّهْنِ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ إذَا كَانَ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ وَفَاءٌ بِذَلِكَ، وَرَوَى زُفَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ دُيُونَ إسْلَامِهِ تُقْضَى مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ، وَمَا اسْتَدَانَ فِي الرِّدَّةِ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ؛

  108. لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْكَسْبَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وَحُصُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الدَّيْنُ فَيَقْضِي كُلَّ دَيْنٍ مِنْ الْكَسْبِ الْمُكْتَسَبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ، وَبِهِ أَخَذَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

  109. جَنَى الْمُرْتَدُّ جِنَايَةً

  110. وَإِنَّ جَنَى الْمُرْتَدُّ جِنَايَةً لَمْ يَعْقِلْهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الْعَقْلِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى النُّصْرَةِ، وَهُوَ أَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْجِنَايَةِ بِقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ، وَأَحَدٌ لَا يَنْصُرُ الْمُرْتَدَّ، أَوْ ذَلِكَ لِلتَّخْفِيفِ عَلَى الْجَانِي لِعُذْرِ الْخَطَأِ، وَالْمُرْتَدُّ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلتَّخْفِيفِ فَيَكُونُ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ،

  111. وَكَذَلِكَ مَا غَصَبَ وَأَتْلَفَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ فَذَلِكَ كُلُّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ،

  112. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إلَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُهُ فَيَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى دَيْنِهِ كَكَسْبِ الْمُكَاتَبِ.

  113. وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمُرْتَدِّ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِعِصْمَةِ نَفْسِهِ، وَقَدْ انْعَدَمَتْ الْعِصْمَةُ بِرِدَّتِهِ فَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ هَدَرًا.

  114. مُسْلِمٌ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَمَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارُ الْحَرْبِ فَعَلَى الْقَاطِعِ دِيَةُ الْيَدِ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ عَمْدًا، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ كَانَ خَطَأً؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ كَانَتْ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلضَّمَانِ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ السِّرَايَةُ بِزَوَالِ عِصْمَةِ نَفْسِهِ بِالرِّدَّةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ انْقَطَعَ بِالْبُرْءِ فَيَلْزَمُهُ دِيَةُ الْيَدِ فَقَطْ،

  115. وَإِنَّ أَسْلَمَ قَبْلَ اللُّحُوقِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَيْهِ دِيَةُ النَّفْسِ اسْتِحْسَانًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دِيَةُ الْيَدِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ بِزَوَالِ عِصْمَةِ نَفْسِهِ بِالرِّدَّةِ ثُمَّ بِالْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعِصْمَةَ لَمْ تَكُنْ زَائِلَةً، فَحُكْمُ السِّرَايَةِ بَعْدَ مَا انْقَطَعَ لَا يَعُودُ، وَكَانَ مَوْتُهُ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ، وَمَوْتُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ سَوَاءٌ.

  116. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ ثَانِيًا فَمَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْقَاطِعِ إلَّا دِيَةُ الْيَدِ فَكَذَلِكَ قَبْلَ اللُّحُوقِ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ لَحِقَهُ بَعْدَ سُقُوطِ حَقِّهِ بِالرِّدَّةِ فَيَصِيرُ هُوَ كَالْمُبْرَإِ عَنْ سِرَايَةِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ كَمَا لَوْ قُطِعَ يَدُ عَبْدٍ ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ أَوْ بَاعَهُ صَارَ مُبْرِئًا عَنْ السِّرَايَةِ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ، وَبَعْدَ مَا صَحَّ الْإِبْرَاءُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إعَادَةِ حَقِّهِ فِي السِّرَايَةِ فَكَانَ وُجُودُ إسْلَامِهِ فِي حُكْمِ السِّرَايَةِ كَعَدَمِهِ، وَهُمَا يَقُولَانِ حَقُّهُ تَوَقَّفَ بِالرِّدَّةِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا

  117. 10/10810/108

    فَإِذَا أَسْلَمَ زَالَ التَّوَقُّفُ فَصَارَ مَا اعْتَرَضَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ،

  118. بِخِلَافِ الْعَبْدِ إذَا بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فَقَدْ تَمَّ زَوَالُ مِلْكِهِ هُنَاكَ، وَاعْتِبَارُ الْجِنَايَةِ كَانَ لِمِلْكِهِ يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ ضَمَانَ الْجِنَايَةِ فِي الْمَمَالِيكِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَلِهَذَا يَجِبُ الضَّمَانُ لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ فِي الْمَالِيَّةِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ أَصْلًا، وَبِالْبَيْعِ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ،

  119. فَأَمَّا وُجُوبُ ضَمَانِ الْجُزْءِ بِاعْتِبَارِ النَّفْسِيَّةِ،

  120. وَلَا يَنْعَدِمُ بِالرِّدَّةِ، وَلَكِنَّ الْعِصْمَةَ شَرْطٌ، فَإِنَّمَا يُرَاعَى وُجُودُهُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ لِيَنْعَقِدَ مُوجِبًا، وَعِنْدَ تَقَرُّرِهِ بِالْمَوْتِ لِتَقَرُّرِ الْحُكْمِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ يَعْتِقُ لِهَذَا الْمَعْنَى،

  121. فَأَمَّا إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ،

  122. فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَضَى بِلِحَاقِهِ فَقَدْ صَارَ مَيِّتًا حُكْمًا، وَبَقَاءُ حُكْمِ الْجِنَايَةِ بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ النَّفْسِيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ مَوْتِهِ حُكْمًا إذْ لَا تَصَوُّرَ لِبَقَاءِ الْحُكْمِ بِدُونِ الْمَحَلِّ،

  123. وَإِذَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ،

  124. فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ سَلَّمَ وَقَالَ: بِنَفْسِ اللِّحَاقِ صَارَ حَرْبِيًّا، وَالْحَرْبِيُّ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمَيِّتِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ امْرَأَةٌ تُسْتَرَقُّ كَسَائِرِ الْحَرْبِيَّاتِ فَيَتِمُّ بِهِ انْقِطَاعُ حُكْمِ السِّرَايَةِ،

  125. بِخِلَافِ مَا قَبْلَ لِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الرِّدَّةَ عَارِضٌ،

  126. فَإِذَا زَالَ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ كَالْعَصِيرِ الْمُشْتَرَى إذَا تَخَمَّرَ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ تَخَلَّلَ بَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا،

  127. وَلَا يُعْتَبَرُ زَوَالُهُ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ كَمَا فِي الْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ، فَقَضَى الْقَاضِي بِفَسْخِ الْعَقْدِ ثُمَّ تَخَلَّلَ، وَبِاللِّحَاقِ قَدْ تَقَرَّرَ خُصُوصًا إذَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي فَلَا يُعْتَبَرُ زَوَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ

  128. بِخِلَافِ مَا قَبْلَ اللِّحَاقِ.

  129. وَإِنَّ كَانَ الْقَاطِعُ هُوَ الَّذِي ارْتَدَّ فَقُتِلَ، وَمَاتَ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ مِنْ ذَلِكَ مُسْلِمًا،

  130. فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْعَمْدِ الْقَوَدُ، وَقَدْ فَاتَ مَحَلُّهُ حِينَ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ،

  131. وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ دِيَةُ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْجِنَايَةِ كَانَ مُسْلِمًا، وَجِنَايَةُ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَتْ خَطَأً عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَتَبَيَّنَ بِالسِّرَايَةِ أَنَّ جِنَايَتَهُ كَانَتْ قَتْلًا فَلِهَذَا كَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ النَّفْسِ،

  132. وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ كَانَتْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ فِي مَالِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَعْقِلُ جِنَايَتَهُ أَحَدٌ.

  133. وَلَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، وَلَكِنَّهَا تُحْبَسُ، وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُقْتَلُ إنْ لَمْ تُسْلِمْ، وَهَكَذَا كَانَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ رَجَعَ أَنَّهُ الْحَسَنُ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا تَخْرُجُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ، وَتُعَذَّرُ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ سَوْطًا ثُمَّ تُعَادُ إلَى الْحَبْسِ إلَى أَنْ تَتُوبَ أَوْ تَمُوتَ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى

  134. 10/10910/109

    {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْقَتْلِ تَبْدِيلُ الدِّينِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي لِسَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِبَيَانِ الْعِلَّةِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ تَبْدِيلُ الدِّينِ مِنْهَا، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ مُرْتَدَّةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَرْوَانَ» ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَتَلَ مُرْتَدَّةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ فُرْقَةَ، وَلِأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ دِينًا بَاطِلًا بَعْدَ مَا اعْتَرَفَتْ بِبُطْلَانِهِ فَتُقْتَلُ كَالرَّجُلِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَتْلَ جَزَاءٌ عَلَى الرِّدَّةِ؛

  135. لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ مِنْ أَعْظَمِ الْجَرَائِمِ، وَلِهَذَا كَانَ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ مِنْ خَالِصِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَكُونُ مِنْ خَالِصِ حَقِّ اللَّهِ فَهُوَ جَزَاءٌ، وَفِي أَجْزِيَةِ الْجَرَائِمِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ سَوَاءٌ كَحَدِّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَةَ بِالرِّدَّةِ أَغْلَظُ مِنْ الْجِنَايَةِ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ،

  136. فَإِنَّ الْإِنْكَارَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَغْلَظُ مِنْ الْإِصْرَارِ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى الْإِنْكَارِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَبِأَنْ كَانَتْ لَا تُقْتَلُ إذَا لَمْ تَتَغَلَّظُ جِنَايَتُهَا فَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُقْتَلُ إذَا تَغَلَّظَتْ جِنَايَتُهَا ثُمَّ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ إذَا تَغَلَّظَتْ جِنَايَتُهَا بِأَنْ كَانَتْ مُقَاتِلَةً أَوْ سَاحِرَةً أَوْ مَلِكَةً تُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ تُقْتَلُ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا تُحْبَسُ، وَتُعَزَّرُ، وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ الرِّدَّةِ،

  137. وَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ،

  138. وَكَذَلِكَ الشُّيُوخُ، وَأَصْحَابُ الصَّوَامِعِ، وَالرُّهْبَانُ يُقْتَلُونَ بَعْدَ الرِّدَّةِ،

  139. وَلَا يُقْتَلُونَ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ، وَذَوُو الْأَعْذَارِ كَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ كَذَلِكَ،

  140. وَكَذَلِكَ الرِّقُّ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ يَمْنَعُ الْقَتْلَ، وَهُوَ مَا إذَا اُسْتُرِقَّ الْأَسِيرُ، وَفِي الرِّدَّةِ لَا يَمْنَعُ ثُمَّ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ لَا تَسْلَمُ لَهَا نَفْسُهَا حَتَّى تَسْتَرِقَّ لِيَنْتَفِعَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا فَكَذَلِكَ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَبِالِاتِّفَاقِ لَا تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقُلْنَا أَنَّهَا تُقْتَلُ.

  141. (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ «نَهْيُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» ، وَفِيهِ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مَا رَوَاهُ رَبَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ قَوْمًا مُجْتَمَعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا يَنْظُرُونَ إلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَقَالَ لِوَاحِدٍ: أَدْرِكْ خَالِدًا وَقُلْ لَهُ: لَا يَقْتُلْنَ عَسِيفًا وَلَا ذُرِّيَّةً» ، وَالثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً فَقَالَ مَنْ قَتَلَ هَذِهِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْدَفْتهَا خَلْفِي فَأَهْوَتْ إلَى سَيْفِي لِتَقْتُلَنِي فَقَتَلْتُهَا، فَقَالَ: مَا شَأْنُ قَتْلِ النِّسَاءِ وَارِهَا وَلَا تَعُدْ» «وَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ امْرَأَةً مَقْتُولَةً فَقَالَ: هَا مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَتْلِ بِعِلَّةِ الْقِتَالِ،

  142. وَأَنَّ النِّسَاءَ لَا يُقْتَلْنَ؛ لِأَنَّهُنَّ لَا يُقَاتِلْنَ، وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ، وَبَيْنَ الْكُفْرِ الطَّارِئِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ الْحَدِيثِ غَيْرُ مُجْرَى

  143. 10/11010/110

    عَلَى ظَاهِرِهِ، فَالتَّبْدِيلُ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ عَامٌّ لَحِقَهُ خُصُوصٌ فَنَخُصُّهُ وَنَحْمِلُهُ عَلَى الرِّجَالِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا، وَالْمُرْتَدَّةُ الَّتِي قُتِلَتْ كَانَتْ مُقَاتِلَةً،

  144. فَإِنَّ أُمَّ مَرْوَانَ كَانَتْ تُقَاتِلُ وَتُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ، وَكَانَتْ مُطَاعَةً فِيهِمْ، وَأُمُّ فُرْقَةَ كَانَ لَهَا ثَلَاثُونَ ابْنًا، وَكَانَتْ تُحَرِّضُهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي قَتْلِهَا كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِطَرِيقِ الْمَصْلَحَةِ وَالسِّيَاسَةِ كَمَا أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ النِّسَاءِ اللَّاتِي ضَرَبْنَ الدُّفَّ لِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِظْهَارِ الشَّمَاتَةِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهَا كَافِرَةٌ فَلَا تُقْتَلُ كَالْأَصْلِيَّةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ بِجَزَاءٍ عَلَى الرِّدَّةِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَقٌّ بِاعْتِبَارِ الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ.

  145. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ يَسْقُطُ لِانْعِدَامِ الْإِصْرَارِ، وَمَا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا جَزَاءً لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَالْحُدُودِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا ظَهَرَ سَبَبُهَا عِنْدَ الْإِمَامِ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَحَدُّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ بَلْ تَوْبَتُهُ بِرَدِّ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ،

  146. فَلَا يَظْهَرُ السَّبَبُ عِنْدَ الْإِمَامِ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَرِّرُهُ أَنَّ تَبْدِيلَ الدِّينِ، وَأَصْلُ الْكُفْرِ مِنْ أَعْظَمِ الْجِنَايَاتِ، وَلَكِنَّهَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَالْجَزَاءُ عَلَيْهَا مُؤَخَّرٌ إلَى دَارِ الْجَزَاءِ، وَمَا عُجِّلَ فِي الدُّنْيَا سِيَاسَاتٌ مَشْرُوعَةٌ لِمَصَالِحَ تَعُودُ إلَى الْعِبَادِ كَالْقِصَاصِ لِصِيَانَةِ النُّفُوسِ، وَحَدِّ الزِّنَا لِصِيَانَةِ الْأَنْسَابِ وَالْفُرُشِ، وَحَدِّ السَّرِقَةِ لِصِيَانَةِ الْأَمْوَالِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ لِصِيَانَةِ الْأَعْرَاضِ، وَحَدِّ الْخَمْرِ لِصِيَانَةِ الْعُقُولِ، وَبِالْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ يَكُونُ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيُقْتَلُ لِدَفْعِ الْمُحَارَبَةِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الْعِلَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} ، وَعَلَى السَّبَبِ الدَّاعِي إلَى الْعِلَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَهُوَ الشِّرْكُ،

  147. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَتْلَ بِاعْتِبَارِ الْمُحَارَبَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ لِلْمُحَارَبَةِ فَلَا تُقْتَلُ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ،

  148. وَلَا فِي الْكُفْرِ الطَّارِئِ، وَلَكِنَّهَا تُحْبَسُ فَالْحَبْسُ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّهَا فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ، فَإِنَّهَا تُسْتَرَقُّ، وَالِاسْتِرْقَاقُ حَبْسُ نَفْسِهَا عَنْهَا،

  149. ثُمَّ الْحَبْسُ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ رَجَعَ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْكُفْرِ،

  150. وَلَا بِاعْتِبَارِ الْمُحَارَبَةِ، وَمَا يُدَّعَى مِنْ تَغْلِيظِ الْجِنَايَةِ لَا يَقْوَى، فَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْإِنْكَارِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ فِي الْجِنَايَةِ سَوَاءٌ مَعَ أَنَّ الْجِنَايَةَ فِي الْإِصْرَارِ أَغْلَظُ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ لَا يُقِرُّ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ، وَالشَّيْءُ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ يَكُونُ أَضْعَفَ مِنْهُ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ.

  151. وَلَوْ سَلَّمْنَا تَغَلُّظَ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِمَنْ يُغَلَّظُ جِنَايَتُهَا فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ الْمُشْرِكَةُ الْعَرَبِيَّةُ، فَكَمَا لَا تُقْتَلُ تِلْكَ فَكَذَلِكَ لَا تُقْتَلُ هَذِهِ،

  152. وَإِذَا كَانَتْ مُقَاتِلَةً أَوْ مَلِكَةً أَوْ سَاحِرَةً فَقَتْلُهَا الدَّفْعُ، وَبِدُونِ الْقَتْلِ هَهُنَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إذَا حُبِسَتْ وَأُجْبِرَتْ كَمَا بَيَّنَّا عَلَى الْإِسْلَامِ،

  153. وَأَمَّا الرِّقُّ لَا يَمْنَعُ الْقَتْلَ فِي

  154. 10/11110/111

    الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ، فَإِنَّهُ تُقْتَلُ عَبِيدُهُمْ كَأَحْرَارِهِمْ، وَإِنَّمَا الِاسْتِرْقَاقُ بِمَنْزِلَةِ إعْطَاءِ الْأَمَانِ، وَبِعَقْدِ الذِّمَّةِ يَنْتَهِي الْقِتَالُ فِي حَقِّ مَنْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ لَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ كَمَا فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَالْمُرْتَدُّونَ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ فَلِهَذَا لَا يَنْتَهِي الْقِتَالُ فِي حَقِّهِمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَالشَّيْخُ إذَا كَانَ لَهُ رَأْيٌ يُقْتَلُ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ، وَالرِّدَّةُ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا مِمَّنْ لَهُ رَأْيٌ، وَالتَّرَهُّبُ لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛

  155. لِأَنَّ الْقِيَامَ بِنُصْرَةِ دِينِ الْحَقِّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ» وَبِدُونِ تَحَقُّقِ السَّبَبِ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ، وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَوِي الْأَعْذَارِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُقْتَلُونَ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ؛

  156. لِأَنَّ حُلُولَ الْآفَةِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُ يَنْعَدِمُ بِهِ الْقِتَالُ،

  157. فَمَنْ لَا يَسْقُطُ الْقِتَالُ عَنْهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَلِكَ بِحُلُولِ الْآفَةِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَوُو الْأَعْذَارِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ يُقْتَلُونَ،

  158. وَقِيلَ حُلُولُ الْآفَةِ بِمَنْزِلَةِ الْأُنُوثَةِ؛ لِأَنَّهُ تَخْرُجُ بِهِ نِيَّتُهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً لِلْقِتَالِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُقْتَلُونَ بَعْدَ الرِّدَّةِ كَمَا لَا يُقْتَلُونَ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ.

  159. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ قُلْنَا تُسْتَرَقُّ إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -،

  160. فَإِنَّ بَنِي حَنِيفَةَ لَمَّا ارْتَدُّوا اسْتَرَقَّ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نِسَاءَهُمْ، وَأَصَابَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَارِيَةً مِنْ ذَلِكَ السَّبْيِ فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ حَنَفِيَّةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ عَاصِمٌ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي النِّسَاءِ إذَا ارْتَدَدْنَ يُسْبَيْنَ وَلَا يُقْتَلْنَ، وَهَذَا لِأَنَّهَا كَالْحَرْبِيَّةِ، وَالِاسْتِرْقَاقُ مَشْرُوعٌ فِي الْحَرْبِيَّاتِ، وَمَا دَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا تُسْتَرَقُّ؛

  161. لِأَنَّ حُرِّيَّتَهَا الْمُتَأَكِّدَةَ بِالْإِحْرَازِ لَمْ تَبْطُلْ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ، وَهِيَ دَافِعَةٌ لِلِاسْتِرْقَاقِ،

  162. وَإِنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ بِدَارِ الِاسْتِرْقَاقِ، وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهَا تُسْتَرَقُّ؛ لِأَنَّا لَمَّا جَعَلْنَا الْمُرْتَدَّ بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيٍّ مَقْهُورٍ لَا أَمَانَ لَهُ فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدَّةُ بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيَّةٍ مَقْهُورَةٍ لَا أَمَانَ لَهَا فَتُسْتَرَقُّ،

  163. وَإِنْ كَانَتْ فِي دَارِنَا.

  164. تَصَرَّفَتْ فِي مَالِهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ

  165. فَإِنْ تَصَرَّفَتْ فِي مَالِهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ نَفَذَ تَصَرُّفُهَا مَا دَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ مِلْكِهَا،

  166. بِخِلَافِ الرَّجُلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ قَالَ: الْمَرْأَةُ لَا تُقْتَلُ، وَالرَّجُلُ يُقْتَلُ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ عِصْمَةَ الْمَالِ تَبَعٌ لِعِصْمَةِ النَّفْسِ، فَبِالرِّدَّةِ لَا تَزُولُ عِصْمَةُ نَفْسِهَا حَتَّى لَا تُقْتَلَ فَكَذَلِكَ عِصْمَةُ مَالِهَا

  167. بِخِلَافِ الرَّجُلِ، وَلِهَذَا اسْتَوَتْ بِالرَّجُلِ فِي التَّصَرُّفِ بَعْدَ اللُّحُوقِ؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ نَفْسِهَا تَزُولُ بِلِحَاقِهَا حَتَّى تُسْتَرَقَّ، وَالِاسْتِرْقَاقُ إتْلَافٌ حُكْمًا فَكَذَلِكَ عِصْمَةُ مَالِهَا.

  168. فَإِنْ مَاتَتْ فِي الْحَبْسِ أَوْ لَحِقَتْ بِدَارُ الْحَرْبِ

  169. 10/11210/112

    قُسِّمَ مَالُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ كَسْبُ إسْلَامِهَا وَكَسْبُ رِدَّتِهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعِصْمَةَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ رِدَّتِهَا فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ مِلْكَهَا فَيَكُونُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهَا،

  170. وَلَا مِيرَاثَ لِزَوْجِهَا مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا بِنَفْسِ الرِّدَّةِ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ، وَلَمْ تَصِرْ مُشْرِفَةً عَلَى الْهَلَاكِ فَلَا تَكُونُ فِي حُكْمِ الْفَارَّةِ الْمَرِيضَةِ، وَلِزَوْجِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا بَعْدَ لِحَاقِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حَرْبِيَّةً فَكَانَتْ كَالْمَيِّتَةِ فِي حَقِّهِ، وَبَعْدَ مَوْتِهَا لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا، وَلِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَى الْحَرْبِيَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِ؛

  171. لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِيهَا حَقُّ الزَّوْجِ، وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ مُنَافٍ لَهُ،

  172. فَإِنْ سُبِيَتْ أَوْ عَادَتْ مُسْلِمَةً لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ نِكَاحُ الْأُخْتِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا سَقَطَتْ الْعِدَّةُ عَنْهَا لَا تَعُودُ مُعْتَدَّةً،

  173. ثُمَّ إنْ جَاءَتْ مُسْلِمَةً فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مِنْ سَاعَتِهَا؛ لِأَنَّهَا فَارِغَةً عَنْ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ،

  174. وَإِنْ سُبِيَتْ أُجْبِرَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا كَانَتْ تُجْبَرُ عَلَيْهِ قَبْلَ لِحَاقِهَا.

  175. وَإِنْ وَلَدَتْ بِأَرْضِ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَتْ، وَمَعَهَا وَلَدُهَا كَانَ وَلَدُهَا فَيْئًا مَعَهَا؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا، وَهِيَ حَرْبِيَّةٌ تُسْتَرَقُّ فَكَذَلِكَ وَلَدُهَا.

  176. وَإِذَا رَفَعَتْ الْمُرْتَدَّةُ إلَى الْإِمَامِ فَقَالَتْ مَا ارْتَدَدْت، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَهَذَا تَوْبَةٌ مِنْهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ تَوْبَةَ الْمُرْتَدِّ بِالْإِقْرَارِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَالتَّبَرِّي عَمَّا كَانَ انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ بِالْإِنْكَارِ يَحْصُلُ نِهَايَةُ التَّبَرِّي فَلِهَذَا كَانَ ذَلِكَ تَوْبَةً مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا.

  177. وَيُقْتَلُ الْمَمْلُوكُ عَلَى الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ كَالْحُرِّ، وَكَسْبُهُ إذَا قُتِلَ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِ الْكَسْبِ،

  178. وَلَا تُقْتَلُ الْمَمْلُوكَةُ وَتُحْبَسُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ كَالْحُرَّةِ،

  179. وَإِذَا كَانَ أَهْلُهَا يَحْتَاجُونَ إلَى خِدْمَتِهَا دَفَعْتُهَا إلَيْهِمْ، وَأَمَرَتْهُمْ بِإِجْبَارِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِي الْمَحَلِّ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِحَاجَةِ الْعَبْدِ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ مُمْكِنٌ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي إجْبَارِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَوْلَاهَا يَنُوبُ فِي ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ فَتُدْفَعُ إلَيْهِ لِيَسْتَخْدِمَهَا، وَيُجْبِرُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَجِنَايَةُ الْأَمَةِ وَالْمُكَاتَبِ فِي الرِّدَّةِ كَجِنَايَتِهِمْ فِي غَيْرِ الرِّدَّةِ؛

  180. لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِمْ بَاقٍ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَالْمُكَاتَبُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ يَدًا وَتَصَرُّفًا كَمَا كَانَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ فِي كَسْبِهِ.

  181. وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمَمَالِيكِ فِي الرِّدَّةِ هَدَرٌ أَمَّا فِي الذُّكُورِ مِنْهُمْ فَلِاسْتِحْقَاقِ قَتْلِهِمْ بِالرِّدَّةِ،

  182. وَمَنْ اسْتَوْفَى قَتْلًا مُسْتَحَقًّا يَكُونُ مُحْسِنًا لَا جَانِيًا، وَفِي الْإِنَاثِ قَتْلُ الْمَمْلُوكَةِ بَعْدَ الرِّدَّةِ كَقَتْلِ الْحُرَّةِ،

  183. وَمَنْ قَتَلَ حُرَّةً مُرْتَدَّةً لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا،

  184. وَإِنْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ، وَيُؤَدَّبُ عَلَى ذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ قَالَ: لِأَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَرَى عَلَيْهَا الْقَتْلَ، وَلِأَنَّهَا كَالْحَرْبِيَّةِ، وَالْحَرْبِيَّةُ لَا تُقْتَلُ،

  185. وَلَوْ قَتَلَهَا قَاتِلٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدَّةُ.

  186. (فَإِنْ قِيلَ) فَلِمَاذَا لَا تُسْتَرَقُّ فِي دَارِنَا.؟ قُلْنَا: لِبَقَاءِ

  187. 10/11310/113

    الْإِحْرَازِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ تَأَكُّدِ الْحُرْمَةِ بِالْإِحْرَازِ مَنْعُ الِاسْتِرْقَاقِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ تَقَوُّمُ الدَّمِ كَمَا فِي الْمَقْضِيِّ عَلَيْهَا بِالرَّجْمِ،

  188. وَإِذَا كَانَ هَدَرُ الدَّمِ مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الْإِحْرَازِ يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُرْتَدَّةِ فَكَانَتْ فِيهِ كَالْحَرْبِيَّةِ.

  189. وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ الْمُرْتَدَّ أَوْ أُمَّتَهُ الْمُرْتَدَّةَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لِبَقَاءِ صِفَةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَالرِّقُّ فِيهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ.

  190. (فَإِنْ قِيلَ) جَوَازُ الْبَيْعِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ،

  191. وَلَا مَالِيَّةَ فِيهِمَا حَتَّى لَا يَضْمَنَ قَاتِلُهُمَا. (قُلْنَا) لَا كَذَلِكَ بَلْ الْمَالِيَّةُ فِي الْآدَمِيِّ بِسَبَبِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالتَّقَوُّمِ بِالْإِحْرَازِ وَهُوَ بَاقٍ فِيهِمَا،

  192. وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ الضَّمَانُ لِعَارِضٍ وَهُوَ الرِّدَّةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ غَاصِبَهُمَا يَكُونُ ضَامِنًا وَأَنَّ الرِّدَّةَ عَيْبٌ فِيهِمَا، وَالْعَيْبُ لَا يَعْدَمُ الْمَالِيَّةَ وَالتَّقَوُّمَ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ أَعْلَمَ الْمُشْتَرِيَ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ لِانْتِفَاءِ التَّدْلِيسِ حِينَ أَعْلَمَهُ الْعَيْبَ.

  193. مُدَبَّرَةٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَمَاتَ مَوْلَاهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أُخِذَتْ أَسِيرَةً فَهِيَ فَيْءٌ،

  194. بِخِلَافِ مَا لَوْ أُسِرَتْ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى فَإِنَّهَا تُرَدُّ عَلَيْهِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ،

  195. فَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى فَقَدْ عَتَقَتْ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا كَانَ تَعَلَّقَ بِمَوْتٍ، وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ لَا يَمْنَعُ نُزُولَ الْعِتْقِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ،

  196. وَإِذَا عَتَقَتْ فَهِيَ حُرَّةٌ مُرْتَدَّةٌ أُسِرَتْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَتَكُونُ فَيْئًا.

  197. عَبْدٌ ارْتَدَّ مَعَ مَوْلَاهُ، وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَمَاتَ الْمَوْلَى هُنَاكَ وَأُسِرَ الْعَبْدُ فَهُوَ فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَالُ حَرْبِيٍّ فَقَدْ أَحْرَزَهُ مَعَ نَفْسِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ ثُبُوتِ حَقِّ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَيَكُونُ فَيْئًا، وَيُقْتَلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ لِرِدَّتِهِ.

  198. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا ذَهَبَ بِهِ الْمُرْتَدُّ مِنْ مَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ فَهُوَ فَيْءٌ،

  199. فَإِنْ كَانَ خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مُغِيرًا فَأَخَذَ مَالًا مِنْ مَالِهِ قَدْ قُسِّمَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَذَهَبَ بِهِ ثُمَّ قُتِلَ مُرْتَدًّا، وَأُصِيبَ ذَلِكَ الْمَالُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ بِغَيْرِ قِيمَةِ قَبْلِ الْقِسْمَةِ، وَبِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا ذَلِكَ الْمَالَ حِينَ قَسَّمَهُ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ فَهَذَا حَرْبِيٌّ أَحْرَزَ مَالَ الْمُسْلِمِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْحُكْمَ فِيهِ.

  200. وَلَوْ ارْتَدَّ الْعَبْدُ وَأَخَذَ مَالَ مَوْلَاهُ فَذَهَبَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخَذَ مَعَ ذَلِكَ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا، وَيُرَدُّ عَلَى مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ مُحْرِزًا نَفْسَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَبَقَ مِنْهُ غَيْرَ مُرْتَدٍّ فَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ مُحْرِزًا نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ إذَا أَبَقَ مُرْتَدًّا،

  201. وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُحْرِزًا لِمَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ فَيُرَدُّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْمَوْلَى ثُمَّ هَذَا لَا يُشْكِلُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ فِي الْآبِقِ،

  202. وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَمْ يَأْخُذُوهُ، وَإِنَّمَا يَزُولُ مِلْكُ الْمَوْلَى عِنْدَهُمَا بِإِحْرَازِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُ بِالْأَخْذِ،

  203. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ بَقِيَ عَلَى مِلْكِ مَوْلَاهُ.

  204. قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ وَحَارَبُوا الْمُسْلِمِينَ، وَغَلَبُوا عَلَى مَدِينَةٍ مِنْ

  205. 10/11410/114

    مَدَائِنِهِمْ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، وَمَعَهُمْ نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ تُقْتَلُ رِجَالُهُمْ، وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا تَصِيرُ دَارُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً أَرْضَ التُّرْكِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْضِ الْحَرْبِ دَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ آمِنٌ بِإِيمَانِهِ،

  206. وَلَا ذِمِّيٌّ آمِنٌ بِأَمَانِهِ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يُظْهِرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِيهَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا أَظْهَرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِيهَا فَقَدْ صَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ؛ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ إنَّمَا تُنْسَبُ إلَيْنَا أَوْ إلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ ظَهَرَ فِيهِ حُكْمُ الشِّرْكِ فَالْقُوَّةُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِلْمُشْرِكِينَ فَكَانَتْ دَارَ حَرْبٍ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ الظَّاهِرُ فِيهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فَالْقُوَّةُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْتَبِرُ تَمَامَ الْقَهْرِ وَالْقُوَّةِ؛

  207. لِأَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ كَانَتْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مُحْرَزَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ الْإِحْرَازُ إلَّا بِتَمَامِ الْقَهْرِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ بِاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَّصِلَةً بِالشِّرْكِ فَأَهْلُهَا مَقْهُورُونَ بِإِحَاطَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَكَذَلِكَ إنْ بَقِيَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنٌ فَذَلِكَ دَلِيلُ عَدَمِ تَمَامِ الْقَهْرِ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ أَخَذُوا مَالَ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَمْلِكُونَهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ لِعَدَمِ تَمَامِ الْقَهْرِ،

  208. ثُمَّ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ آثَارِ الْأَصْلِ فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَ الْعَارِضِ كَالْمَحَلَّةِ إذَا بَقِيَ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْخِطَّةِ فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَ السُّكَّانِ وَالْمُشْتَرِينَ.

  209. وَهَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ دَارَ إسْلَامٍ فِي الْأَصْلِ فَإِذَا بَقِيَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فَقَدْ بَقِيَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْأَصْلِ فَيَبْقَى ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَهَذَا أَصْلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى قَالَ: إذَا اشْتَدَّ الْعَصِيرُ، وَلَمْ يَقْذِفْ بِالزَّبَدِ لَا يَصِيرُ خَمْرًا لِبَقَاءِ صِفَةِ السُّكُونِ،

  210. وَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مَوْضِعٍ مُعْتَبَرٌ بِمَا حَوْلَهُ فَإِذَا كَانَ مَا حَوْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ كُلُّهُ دَارَ إسْلَامٍ لَا يُعْطَى لَهَا حُكْمُ دَارِ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ حُكْمُ الشِّرْكِ فِيهَا، وَإِنَّمَا اسْتَوْلَى الْمُرْتَدُّونَ عَلَيْهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ،

  211. ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِرْ الدَّارُ دَارَ حَرْبٍ،

  212. فَإِذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا قَتَلُوا الرِّجَالَ، وَأَجْبَرُوا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُسَبّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ صَارَ دَارَ حَرْبٍ فَالنِّسَاءُ، وَالذَّرَارِيُّ، وَالْأَمْوَالُ فَيْءٌ فِيهِ الْخُمُسُ، وَيُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِرِدَّتِهِمْ فَلَا يَحِلُّ لِمَنْ وَقَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَطَأَهَا مَا دَامَتْ مُرْتَدَّةً،

  213. وَإِنْ كَانَتْ مُتَهَوِّدَةً أَوْ مُتَنَصِّرَةً؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُنَافِي الْحِلَّ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مَنْ يَحِلُّ بِالنِّكَاحِ،

  214. فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ فَقَدْ بَطَلَ بِالسَّبْيِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَمَةً، وَمَا كَانَ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى حُرَّةٍ لَا يَبْقَى بَعْدَ أَنْ تَصِيرَ أَمَةً؛ لِأَنَّ بِالرِّقِّ تَتَبَدَّلُ نَفْسُهَا، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَمْلُوكِ إلَّا شَاغِلًا مَالِيَّةَ رَقَبَتِهِ

  215. 10/11510/115

    وَهَذِهِ مَالِيَّةٌ حَادِثَةٌ بِالسَّبْيِ فَتَخْلُصُ لِلسَّابِي؛ فَلِهَذَا لَا يَبْقَى الدَّيْنُ عَلَيْهَا.

  216. وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ، وَذَهَبَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِوَلَدِهِمَا الصَّغِيرِ،

  217. ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمَا الْمُسْلِمُونَ فَالْوَلَدُ فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا حِينَ لَحِقَا بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ ثُبُوتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ لِلصَّغِيرِ بِاعْتِبَارِ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ وَالدَّارِ فَقَدْ انْعَدَمَ كُلُّ ذَلِكَ حِينَ ارْتَدَّا وَلَحِقَا بِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْوَلَدُ فَيْئًا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا بَلَغَ كَمَا تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَيْهِ،

  218. وَإِنْ كَانَ الْأَبُ ذَهَبَ بِهِ وَحْدَهُ، وَالْأُمُّ مُسْلِمَةٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ الْوَلَدُ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأُمِّهِ.

  219. (فَإِنْ قِيلَ) كَيْفَ يَتْبَعُهَا بَعْدَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ (قُلْنَا) تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ الِاتِّبَاعَ فِي الْإِسْلَامِ ابْتِدَاءً لَا فِي إبْقَاءِ مَا كَانَ ثَابِتًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ ثُمَّ خَرَجَ إلَى دَارِنَا بَقِيَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ حَتَّى إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ فَيْئًا،

  220. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِنَا وَلَهُ وَلَدٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهَهُنَا قَدْ كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا فَيَبْقَى كَذَلِكَ بِبَقَاءِ الْأُمِّ مُسْلِمَةً،

  221. وَإِنْ كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ،

  222. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَاتَتْ مُسْلِمَةً؛ لِأَنَّ إسْلَامَهَا يَتَأَكَّدُ بِمَوْتِهَا وَلَا يَبْطُلُ،

  223. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ نَصْرَانِيَّةً ذِمِّيَّةً؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَكَمَا يَتْبَعُهَا الْوَلَدُ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ دِينِنَا يَتْبَعُهَا إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا تَوْفِيرًا لِلْمَنْفَعَةِ عَلَى الْوَلَدِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إحْرَازُ الْوَلَدِ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ جَانِبِ الْأَبِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ حَرْبِيًّا، وَاعْتِبَارُ جَانِبِ الْأُمِّ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَتَرَجَّحُ هَذَا الْجَانِبُ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ تَوْفِيرًا لِلْمَنْفَعَةِ عَلَى الْوَلَدِ،

  224. وَإِذَا بَقِيَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا حَقِيقَةً فَلَا يُسْتَرَقُّ،

  225. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْأَبُ ذِمِّيًّا نَقَضَ الْعَهْدَ فَهُوَ كَالْمُسْلِمِ يَرْتَدُّ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ إذَا الْتَحَقَ بِهِمْ.

  226. وَإِذَا وُلِدَ لِلْمُرْتَدِّينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَدٌ ثُمَّ وُلِدَ لِوَلَدِهِمَا وَلَدٌ ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، أُجْبِرَ وَلَدُهُمَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُجْبَرْ وَلَدُ وَلَدِهِمَا عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ قَدْ ثَبَتَ لِوَلَدِهِمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فِي الْأَصْلِ، وَالْوَلَدُ تَابِعٌ لَهُمَا فَكَذَلِكَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ،

  227. فَأَمَّا وَلَدُ الْوَلَدِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَبِيهِ فِي الدِّينِ لَا لِجَدِّهِ، وَأَبُوهُ مَا كَانَ مُسْلِمًا قَطُّ.

  228. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ الْجَدُّ لَا يَصِيرُ وَلَدُ الْوَلَدِ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ فَكَذَلِكَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِإِسْلَامِ جَدِّهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ إسْلَامُ جَدِّهِ فِي حَقِّ النَّافِلَةِ كَانَ الْجَدُّ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ مُرْتَدِّينَ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِإِسْلَامِ جَدِّهِمْ آدَمَ أَوْ نُوحٍ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -، وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُمَا إذَا ارْتَدَّا أَوْ لَحِقَا بِوَلَدٍ صَغِيرٍ لَهُمَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَوُلِدَ لِذَلِكَ الْوَلَدُ بَعْدَمَا كَبِرَ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ فَهُوَ

  229. 10/11610/116

    يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى،

  230. وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مَا كَانَ مُسْلِمًا بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ تَبَعًا فَهُوَ وَالْمَوْلُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ رِدَّتِهِمَا سَوَاءٌ، وَهُمَا يَقُولَانِ قَدْ كَانَ هَذَا الْوَلَدُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ لِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي الدِّينِ فَإِذَا كَانَ الْأَبُ مُسْلِمًا فِي وَقْتٍ يَثْبُتُ لِوَلَدِهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، فَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ،

  231. بِخِلَافِ مَا إذَا وُلِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ رِدَّتِهِمَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا قَطُّ.

  232. وَإِذَا نَقَضَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعَهْدَ، وَغَلَبُوا عَلَى مَدِينَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي الْمُرْتَدِّينَ إلَّا أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَرِقَّ رِجَالَهُمْ

  233. بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا كَانُوا لَا يُسْتَرَقُّونَ لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَقَدْ بَطَلَ ذَلِكَ حِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَصَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ،

  234. فَأَمَّا الْمُرْتَدُّونَ كَانُوا مُسْلِمِينَ فِي الْأَصْلِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا السَّيْفُ أَوْ الْإِسْلَامُ،

  235. وَكَذَلِكَ إنْ رَجَعَ الَّذِينَ كَانَ نَقَضُوا الْعَهْدَ إلَى الصُّلْحِ وَالذِّمَّةِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ

  236. بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَقَضُوا الْعَهْدَ الْتَحَقُوا بِالْحَرْبِيِّينَ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ إذَا انْقَادُوا لِلذِّمَّةِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ

  237. بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّينَ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ جَازَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْكُفْرِ بِالْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ يَنْتَهِي بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرِيقِينَ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ،

  238. ثُمَّ إذَا عَادُوا إلَى الذِّمَّةِ أَخَذُوا بِالْحُقُوقِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ نَقْضِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْقِصَاصِ وَالْمَالِ لِبَقَاءِ نُفُوسِهِمْ وَذِمَمِهِمْ عَلَى مَا كَانَتْ قَبْلَ نَقْضِ الْعَهْدِ، وَنَقْضُ الْعَهْدِ كَانَ عَارِضًا،

  239. فَإِذَا انْعَدَمَ صَارَ كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ، وَلَمْ يُؤْخَذُوا بِمَا أَصَابُوا فِي الْمُحَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ حِينَ بَاشَرُوا السَّبَبَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ فِي حَالِ حَرْبِهِمْ إذَا تَرَكُوا الْمُحَارَبَةَ بِالْإِسْلَامِ أَوْ الذِّمَّةِ،

  240. وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّونَ فِي هَذَا هُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ ثَابِتَةٌ لِحَقِّ الْمُسْلِمِ وَالرِّدَّةِ، وَنَقْضُ الْعَهْدِ لَا يُنَافِيهِمَا،

  241. وَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهَا لِقُصُورِ يَدِ صَاحِبِ الْحَقِّ عَمَّنْ عَلَيْهِ، وَالْمَالُ كَذَلِكَ،

  242. فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ.

  243. وَإِذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَلَحِقَا بِأَرْضِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَا عَلَى الذِّمَّةِ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَايَنْ بِهِمَا دِينٌ وَلَا دَارٌ،

  244. وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُسْلِمَانِ ثُمَّ أَسْلَمَا كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا فَالذِّمِّيَّانِ أَوْلَى بِذَلِكَ،

  245. وَإِنْ كَانَ خَلَّفَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ امْرَأَةً ذِمِّيَّةً بَانَتْ مِنْهُ بِتَبَايُنِ الدَّارِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَاَلَّتِي بَقِيَتْ فِي دَارِنَا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.

  246. وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَخَلَّفَ امْرَأَتَهُ الْمُرْتَدَّةَ مَعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا،

  247. وَإِنْ كَانَتْ مُرْتَدَّةً فَقَدْ تَبَايَنَتْ بَيْنَهُمَا الدَّارُ حَقِيقَةً، وَذَلِكَ قَاطِعٌ لِلْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا.

  248. وَإِذَا مَنَعَ

  249. 10/11710/117

    الْمُرْتَدُّونَ دَارَهُمْ وَصَارَتْ دَارَ كُفْرٍ ثُمَّ لَحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ فَأَصَابُوا سَبَايَا مِنْهُمْ، وَأَصَابُوا مَالًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ ثُمَّ أَسْلَمُوا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ،

  250. وَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَخَذُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ حُرًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَعَلَيْهِمْ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِمْ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُمْلَكُونَ بِالْإِحْرَازِ لِتَأَكُّدِ حَقِيقَةِ الْحُرِّيَّةِ أَوْ حَقِّهَا فِيهِمْ بِالْإِسْلَامِ،

  251. فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ أَصَابُوا مِنْ هَؤُلَاءِ فِي حَرْبِهِمْ مَالًا أَوْ ذُرِّيَّةً فَاقْتَسَمُوهَا عَلَى الْغَنِيمَةِ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ أَصَابُوا أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَمَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ فَلَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ،

  252. وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَصَابُوا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.

  253. وَإِنْ طَلَبَ الْمُرْتَدُّونَ أَنْ يَجْعَلُوا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تُقْبَلُ الذِّمَّةُ مِمَّنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَدِّينَ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ،

  254. فَإِنَّ أُولَئِكَ جُنَاةٌ عَلَى قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَؤُلَاءِ عَلَى دِينِهِ، وَكَمَا لَا تُقْبَلُ الذِّمَّةُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» فَكَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ،

  255. وَإِنْ طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ مُدَّةً لِيَنْظُرُوا فِي أُمُورِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِمْ طَاقَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا ارْتَدُّوا دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّبْهَةُ، وَيَزُولُ ذَلِكَ إذَا نَظَرُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا طَلَبَ التَّأْجِيلَ يُؤَجَّلُ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ لَا يُزَادُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِتَمَكُّنِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَتْلِهِ، وَهَهُنَا لَا طَاقَةَ بِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُمْهِلُوهُمْ مِقْدَارَ مَا طَلَبُوا مِنْ الْمُدَّةِ لِحِفْظِ قُوَّةِ أَنْفُسِهِمْ وَلِعَجْزِهِمْ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ،

  256. وَإِنْ كَانُوا يُطِيقُونَهُمْ، وَكَانَ الْحَرْبُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ الْمُوَادَعَةِ حَارَبُوهُمْ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ مَعَهُمْ فَرْضٌ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} ،

  257. وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ إقَامَةِ الْفَرْضِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إقَامَتِهِ،

  258. فَإِذَا وَادَعُوهُمْ لَمْ يَأْخُذْ الْإِمَامُ مِنْهُمْ فِي الْمُوَادَعَةِ خَرَاجًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ عَقْدَ الذِّمَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الذِّمَّةُ فَكَذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى الْمُوَادَعَةِ خَرَاجٌ

  259. بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُمْ مَالًا جَازَ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ زَالَتْ عَنْ مَالِهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ كَانَتْ أَمْوَالُهُمْ غَنِيمَةً،

  260. وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذُوا شَيْئًا مِنْ مَالِهِمْ مَلَكُوا ذَلِكَ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَخَذُوا مِنْهُمْ.

  261. (قَالَ) وَلَا يُقْبَلُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ الصُّلْحُ وَالذِّمَّةُ، وَلَكِنْ يُدْعَوْنَ إلَى الْإِسْلَامِ،

  262. فَإِنْ أَسْلَمُوا، وَإِلَّا قُوتِلُوا، وَتُسْتَرَقُّ نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ،

  263. وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّينَ إلَّا فِي حُكْمِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ،

  264. فَإِنَّ نِسَاءَ الْمُرْتَدِّينَ وَذَرَارِيَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فِي الْأَصْلِ فَيُجْبَرُونَ عَلَى الْعَوْدِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ

  265. 10/11810/118

    مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مَا كَانُوا مُسْلِمِينَ فِي الْأَصْلِ فَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُمْ يُسْتَرَقُّونَ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَى النِّسَاءَ، وَالذَّرَارِيَّ بِأَوْطَاسٍ، وَقَسَّمَهُمْ» ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَبَى النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ،

  266. فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْمُرْتَدِّينَ فَفِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَوْلَى،

  267. وَأَمَّا الرِّجَالُ مِنْهُمْ لَا يُسْتَرَقُّونَ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُسْتَرَقُّونَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جَازَ الِاسْتِرْقَاقُ فِي حَقِّ سَائِرِ الْكُفَّارِ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَهُوَ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي عَمَلِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ، وَلِأَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ إتْلَافٌ حُكْمِيٌّ،

  268. وَمَنْ جَازَ فِي حَقِّهِ الْإِتْلَافُ الْحَقِيقِيُّ مِنْ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ يَجُوزُ الْإِتْلَافُ الْحُكْمِيُّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْقِيقَ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ بِتَبْدِيلِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِحَالِ كُلِّ كَافِرٍ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى عَاقَبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ جَعَلَهُمْ عَبِيدَ عَبِيدِهِ، وَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي فِي الْمُرْتَدِّينَ إلَّا أَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ عَلَى رِدَّتِهِ حَدٌّ فَقُلْنَا لَا يُتْرَكُ إقَامَةُ الْحَدِّ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ كَانَتْ مُتَأَكِّدَةً بِالْإِسْلَامِ فَلَا يُحْتَمَلُ النَّقْضُ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} قِيلَ مَعْنَاهُ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا، وَالْآيَةُ فِيمَنْ كَانَ يُقَاتِلُهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَدَلَّ أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا.

  269. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا رِقَّ عَلَى عَرَبِيٍّ» ، وَقَالَ يَوْمَ أَوْطَاسٍ «لَوْ جَرَى رِقٌّ عَلَى عَرَبِيٍّ لَكَانَ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ أَوْ الْإِسْلَامُ» ، وَظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِرْقَاقِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْمُفَادَاةِ؛

  270. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْتِغَاءُ عَرَضِ الدُّنْيَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عَقْدُ الذِّمَّةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَالِاسْتِرْقَاقُ وَالذِّمَّةُ يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ إبْقَاءَ الْكَافِرِ عَلَى كُفْرِهِ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ مِنْ مَالٍ أَوْ عَمَلٍ، وَفِي الْجِزْيَةِ مَعْنَى الصِّغَارِ، وَالْعُقُوبَةُ فِي حَقِّهِمْ كَمَا فِي الِاسْتِرْقَاقِ بَلْ أَظْهَرُ، وَالِاسْتِرْقَاقُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالصِّغَارِ، وَالْجِزْيَةُ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ،

  271. فَإِذَا لَمْ يَجُزْ إبْقَاءُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ عَلَى الشِّرْكِ بِالْجِزْيَةِ فَكَذَلِكَ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ فِي تَغَلُّظِ جِنَايَتِهِمْ كَالْمُرْتَدِّينَ، فَكَمَا لَا يُسْتَرَقُّ الْمُرْتَدُّونَ فَكَذَلِكَ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ،

  272. بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ حُكْمُهُمْ حُكْمُ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يَجُوزَ اسْتِرْقَاقُهُمْ، وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْعَرَبِ فِي الْأَصْلِ،

  273. وَإِنْ تَوَطَّنُوا فِي أَرْضِ الْعَرَبِ بَلْ هُمْ فِي الْأَصْلِ مِنْ

  274. 10/11910/119

    بَنِي إسْرَائِيلَ، وَلَئِنْ كَانُوا فِي الْأَصْلِ مِنْ الْعَرَبِ فَجِنَايَتُهُمْ فِي الْغِلَظِ لَيْسَتْ كَجِنَايَةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَدَّعُونَ التَّوْحِيدَ، وَلِهَذَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَتَجُوزُ مُنَاكَحَةُ نِسَائِهِمْ

  275. بِخِلَافِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ يَهُودَ تَيْمَاءَ، وَوَادِي الْقُرَى،

  276. وَكَذَلِكَ مِنْ بَهْزٍ، وَتَنُوخِ، وَطِيء وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَادَ أَنْ يُوَظِّفَ الْجِزْيَةَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُضَعَّفَةِ، وَقَالَ هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ، وَكَانُوا مِنْ الْعَرَبِ.

  277. فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ فَعِنْدَنَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ بِمَنْزِلَةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِحُكْمِ الْجِزْيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمَجُوسَ أَهْلُ كِتَابٍ أَنَّهُ فِيهِ أَثَرًا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ يَقْرَءُونَ إلَى أَنْ وَاقَعَ مَلِكُهُمْ ابْنَتَهُ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أَسْرَى بِكِتَابِهِمْ. حَدِيثٌ فِيهِ طُولٌ

  278. (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ الْمَجُوسِ بِالِاتِّفَاقِ،

  279. وَلَا كِتَابَ لَهُمْ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» فَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} ،

  280. وَلَوْ كَانَ لِلْمَجُوسِ كِتَابٌ لَكَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ، وَالْأَثَرُ

  281. بِخِلَافِ نَصِّ الْقُرْآنِ لَا يَكَادُ يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَثَبَتَ أَنْ لَا كِتَابَ لِلْمَجُوسِ، وَمَعَ ذَلِكَ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، وَهُمْ مُشْرِكُونَ، فَإِنَّهُمْ يَدَّعُونَ الِاثْنَيْنِ،

  282. وَإِنَّ اخْتَلَفَتْ عِبَارَتُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ أَوْ يزدان واهر مِنْ، وَلَيْسَ الشِّرْكُ إلَّا هَذَا،

  283. فَإِذَا جَازَ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ فَكَذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ ذِكْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْآيَةِ لَيْسَ لِتَقْيِيدِ الْحُكْمِ بَلْ لِبَيَانِ جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ،

  284. وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ.

  285. قَوْمٌ غَزَوْا أَرْضَ الْحَرْبِ فَارْتَدَّ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، وَاعْتَزَلُوا عَسْكَرَهُمْ، وَحَارَبُوا، وَنَابَذُوهُمْ فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنِيمَةً، وَأَصَابَ أُولَئِكَ الْمُرْتَدُّونَ غَنِيمَةً مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ثُمَّ تَابُوا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ دَارٍ الْحَرْبِ لَمْ يُشَارِكْ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ الْآخَرَ فِيمَا أَصَابُوا؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَكُنْ رِدْءًا لِلْبَعْضِ، فَالْمُسْلِمُونَ لَا يَنْصُرُونَ الْمُرْتَدِّينَ،

  286. وَلَا يَسْتَنْصِرُونَ بِالْمُرْتَدِّينَ إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ،

  287. وَإِنَّ مُصَابَ الْمُرْتَدِّينَ لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ عِنْدَ الْإِصَابَةِ إعْزَازَ الدِّينِ، وَالْمُرْتَدُّونَ فِي حَقِّ

  288. 10/12010/120

    الْمُسْلِمِينَ كَأَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ إذَا أَسْلَمُوا وَالْتَحَقُوا بِالْجَيْشِ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ ذَلِكَ،

  289. وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّونَ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَحِينَئِذٍ يُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ لِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَكَأَنَّهُمْ أَصَابُوهُ بِهَذَا الْقِتَالِ، وَاشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهِ بِالدَّارِ، فَيُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي ذَلِكَ،

  290. ثُمَّ هَذَا فِيمَا أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ غَيْرَ مُشْكِلٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْتَحَقَ بِالْجَيْشِ إذَا لَقُوا قِتَالًا فَقَاتَلَ بَعْضُهُمْ، وَمَا أَصَابَ الْمُرْتَدُّونَ،

  291. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ بِهَذَا الْقِتَالِ كَالْمُتَلَصِّصِ إذَا أَصَابَ مَالًا ثُمَّ لَحِقَهُ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ،

  292. فَإِنَّ مُصَابَهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ حَتَّى يُخَمَّسَ،

  293. وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَ الْمُرْتَدِّينَ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ كُفَّارٍ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ،

  294. فَإِنْ جَدَّدُوهَا فَحَسَنٌ، وَإِنَّ قَاتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوهُمْ فَحَسَنٌ.

  295. ارْتَدَّ الْغُلَامُ الْمُرَاهِقُ عَنْ الْإِسْلَامِ

  296. (قَالَ) وَإِذَا ارْتَدَّ الْغُلَامُ الْمُرَاهِقُ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقْتَلْ، وَهُنَا فَصْلَانِ إذَا أَسْلَمَ الْغُلَامُ الْعَاقِلُ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ فَإِسْلَامُهُ صَحِيحٌ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» ،

  297. وَمَنْ كَانَ مَرْفُوعَ الْقَلَمِ فَلَا يَنْبَنِي الْحُكْمُ فِي الدُّنْيَا عَلَى قَوْلِهِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَبْلُغْ فَلَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ إسْلَامِهِ كَاَلَّذِي لَا يَعْقِلُ إذَا لُقِّنَ فَتَكَلَّمَ بِهِ، وَتَقْرِيرُهُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِعَقْلِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ حَتَّى يَكُونَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي الدِّينِ وَالدَّارِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، وَتَقْرِيرُ هَذَا أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَقِدًا لِلْكُفْرِ بِنَفْسِهِ،

  298. فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ اعْتِقَادُهُ، وَمَعْرِفَتُهُ فِي إبْقَاءِ مَا كَانَ ثَابِتًا فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي إثْبَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا، وَبَيْنَ كَوْنِهِ أَصْلًا فِي حُكْمٍ، وَتَبَعًا فِيهِ بِعَيْنِهِ مُغَايِرَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَافَاةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ إسْلَامُهُ بِنَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فَرْضًا لِاسْتِحَالَةِ الْقَوْلِ بِكَوْنِهِ مُسْتَقِلًّا فِي الْإِسْلَامِ،

  299. وَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ فَرْضًا أَنْ يَكُونَ مُخَاطَبًا بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِاتِّفَاقٍ،

  300. فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُهُ فَرْضًا لَمْ يَصِحَّ أَصْلًا