بَابُ الْحَرْقَى وَالْغَرْقَى
المبسوطHanafimasa’il 70914 to 70935
-
30/2730/27
(قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) : اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمْ مَاتَ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ مِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِوَرَثَتِهِ الْأَحْيَاءِ بِهِ قَضَى زَيْدٌ فِي قَتْلَى الْيَمَامَةِ حِينَ بَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ لِقِسْمَةِ مِيرَاثِهِمْ وَبِهِ قَضَى زَيْدٌ فِي الَّذِينَ هَلَكُوا فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ حِينَ بَعَثَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِقِسْمَةِ مِيرَاثِهِمْ وَبِهِ قَضَى زَيْدٌ فِي قَتْلَى الْحَرَّةِ، وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى بِهِ فِي قَتْلَى الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ أَخَذَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
-
30/2830/28
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرِثُ مِنْ بَعْضٍ إلَّا فِيمَا وَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِيرَاثَ صَاحِبِهِ مَعْلُومٌ وَسَبَبَ الْحِرْمَانِ مَشْكُوكٌ فِيهِ؛
-
لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ حَيَاتُهُ بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ عَرَفْنَا حَيَاتَهُ بِيَقِينٍ فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِيَقِينٍ آخَرَ وَسَبَبُ الْحِرْمَانِ مَوْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَثْبُتُ الْحِرْمَانُ بِالشَّكِّ إلَّا فِيمَا وَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ؛
-
لِأَنَّا حِينَ أَعْطَيْنَا أَحَدَهُمَا مِيرَاثَ صَاحِبِهِ فَقَدْ حَكَمْنَا بِحَيَاتِهِ فِيمَا وَرِثَ مِنْ صَاحِبِهِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ قَبْلَهُ وَلَكِنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الضَّرُورَةُ فِيمَا وَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ فَإِنَّ هَذَا أَصْلٌ كَثِيرٌ فِي الْفِقْهِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ كَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَوْ عَكْسِ ذَلِكَ،
-
فَأَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِيرَاثَ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقِينًا وَالِاسْتِحْقَاقُ يَنْبَنِي عَلَى السَّبَبِ فَمَا لَمْ يَتَيَقَّنْ السَّبَبَ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ؛ لِأَنَّ فِي الْفِقْهِ أَصْلٌ كَثِيرٌ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالشَّكِّ لَا يَثْبُتُ.
-
وَبَيَانُهُ أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ وَلَا يُعْلَمُ هَذَا يَقِينًا، وَإِنَّمَا نَعْرِفُهُ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ وَاسْتِصْحَابِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ مَا عُرِفَ ثُبُوتُهُ فَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ وَلَكِنَّ هَذَا الْبَقَاءَ لِانْعِدَامِ دَلِيلِ الْمُزِيلِ لَا لِوُجُودِ الْمُبْقِي فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي بَقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ لَا فِي اسْتِحْقَاقِ مَا لَمْ يَكُنْ كَحَيَاةِ الْمَفْقُودِ يُجْعَلُ ثَابِتًا فِي نَفْيِ التَّوْرِيثِ عَنْهُ وَلَا يُجْعَلُ ثَابِتًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ عَنْ مُوَرِّثِهِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ لَا يَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَا يَرِثُهُ عَنْهُ فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِرْثَ يَثْبُتُ بِسَبَبٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّحَرِّيَ فَإِذَا تَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ فِي الْبَعْضِ يَتَعَذَّرُ إثْبَاتُهُ فِي الْكُلِّ وَلَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ هُنَا؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّيَقُّنِ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَسَبَبِ الْحِرْمَانِ وَالتَّرَدُّدِ فِيمَا بَيْنَ الْأَشْخَاصِ كَطَلَاقِ الْمُتَّهَمِ فِي إحْدَى نِسَائِهِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ فَإِنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ لِبَعْضِهِنَّ مَعْلُومٌ، وَهُوَ النِّكَاحُ وَسَبَبُ الْحِرْمَانِ لِبَعْضِهِنَّ مَعْلُومٌ، وَهُوَ عَدَمُ النِّكَاحِ فَتُعْتَبَرُ الْأَحْوَالُ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَهُنَّ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِأَصْلِ السَّبَبِ وَلَا تَيَقُّنَ هُنَا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ وَالْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ هُنَا مَجْهُولٌ وَاعْتِبَارُ الْأَحْوَالِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ فِي إحْدَى الْجَانِبَيْنِ أَمَّا فِي جَانِبِ الْمَقْضِيِّ لَهُ أَوْ فِي جَانِبِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ،
-
فَأَمَّا عِنْدَ وُقُوعِ الْجَهَالَةِ فِيهِمَا لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ أَصْلًا،
-
ثُمَّ يُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا مَاتَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ إسْنَادَ مَوْتِ كُلِّ
-
30/2930/29
وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الْوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ إضَافَةُ مَوْتِ الْآخَرِ إلَيْهِ وَلَا وَجْهَ لِإِثْبَاتِ تَارِيخِ بَيْنَ الْمُوَرِّثَيْنِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مَاتَ أَوَّلًا وَلَا يَدْرِي أَيُّهُمَا لِتَحَقُّقِ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا مَاتَا مَعًا إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ غَرِقَا وَتَرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنَةً فَمِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِابْنَتِهِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ
-
فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ وَالِابْنُ تَحْتَ هَدْمٍ أَوْ غَرِقَا أَوْ احْتَرَقَا أَوْ تَرَكَ الْأَبُ أَبًا وَابْنَةً وَامْرَأَةً وَلَمْ يَتْرُكْ الِابْنُ أَحَدًا غَيْرَ هَؤُلَاءِ فَنَقُولُ أَمَّا مِيرَاثُ الْأَبِ فَلِزَوْجَتِهِ مِنْهُ الثُّمُنُ وَلِابْنَتِهِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ.
-
وَأَمَّا مِيرَاثُ الِابْنِ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةُ الْأَبِ أُمَّ هَذَا الِابْنِ فَإِنَّمَا تَرَكَ الِابْنُ أُمًّا وَجَدًّا وَأُخْتًا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْحَرْقَى، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي بَابِ الْجَدِّ،
-
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ أُمَّ الِابْنِ فَإِنَّمَا تَرَكَ الِابْنُ جَدًّا وَأُخْتًا فَعَلَى قَوْلِ الصِّدِّيقِ مِيرَاثُهُ لِلْجَدِّ، وَعِنْدَ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَزَيْدٍ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ بِالْمُقَاسَمَةِ أَثْلَاثًا
-
فَإِنْ تَرَكَ الِابْنُ بِنْتًا فَنَقُولُ أَمَّا مِيرَاثُ الْأَبِ فَالْأَبُ إنَّمَا تَرَكَ فِي الْحَاصِلِ امْرَأَةً وَابْنَةَ ابْنٍ وَأَبَا فَلِلْمَرْأَةِ الثُّمُنُ وَلِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ بِالْفَرْضِ وَالْعُصُوبَةِ.
-
وَأَمَّا مِيرَاثُ الِابْنِ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةُ الْأَبِ أُمَّ الِابْنِ فَإِنَّمَا تَرَكَ ابْنَةً وَأُمًّا وَجَدًّا وَأُخْتًا فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ فِي قَوْلِ الصِّدِّيقِ، وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ لِلْجَدِّ السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ، وَفِي قَوْلِ زَيْدٍ الْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ بِالْمُقَاسَمَةِ أَثْلَاثًا، وَفِي قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ نِصْفَيْنِ
-
فَإِنْ غَرِقَ رَجُلٌ وَابْنَتُهُ وَتَرَكَ الرَّجُلُ أَبًا وَأُخْتًا وَامْرَأَةً وَتَرَكَتْ الِابْنَةُ زَوْجًا فَنَقُولُ أَمَّا مِيرَاثُ الْأَبِ فَلِامْرَأَتِهِ الثُّمُنُ وَلِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ.
-
وَأَمَّا مِيرَاثُ الِابْنَةِ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةُ الْأَبِ أُمَّهَا فَإِنَّمَا تَرَكَتْ زَوْجًا وَأُمًّا وَجَدًّا وَأُخْتًا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْأَكْدَرِيَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا،
-
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمَّهَا فَإِنَّمَا تَرَكَتْ زَوْجًا وَأُخْتًا وَجَدًّا فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ فِي قَوْلِ الصِّدِّيقِ، وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَزَيْدٍ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالْمُقَاسَمَةِ أَثْلَاثًا
-
وَأَمَّا بَيَانُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرْقَى وَالْغَرْقَى فَنَقُولُ أَخَوَانِ غَرِقَا وَتَرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمًّا وَابْنَةً وَمَوْلَى وَتَرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِسْعِينَ دِينَارًا فَتَرِكَةُ الْأَكْبَرِ مِنْهُمَا لِلْأُمِّ السُّدُسُ مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَلِلِابْنَةِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِينَارًا وَلِأَخِيهِ مَا بَقِيَ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ.
-
وَكَذَلِكَ يُقْسَمُ تَرِكَةُ الْأَصْغَرِ،
-
ثُمَّ بَقِيَ مِنْ تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثُونَ دِينَارًا، وَهُوَ مَا وَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَلِأُمِّهِ مِنْ ذَلِكَ السُّدُسُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ وَلِابْنَتِهِ النِّصْفُ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَالْبَاقِي لِلْمَوْلَى بِالْعُصُوبَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَرِثُ مِنْ صَاحِبِهِ مِمَّا وَرِثَ صَاحِبُهُ مِنْهُ، وَهَذَا بَيَانُ التَّخْرِيجِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.