بَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ
المبسوطHanafimasa’il 39573 to 39624
-
17/217/2
(قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ وَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى دُخُولِهِ بِهَا فَقَضَى الْقَاضِي بِالصَّدَاقِ وَالطَّلَاقِ ثُمَّ رَجَعُوا فَعَلَى شُهُودِ الدُّخُولِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَهْرِ وَعَلَى شُهُودِ الطَّلَاقِ رُبْعُ الْمَهْرِ) ؛ لِأَنَّ شُهُودَ الطَّلَاقِ أَلْزَمُوهُ نِصْفَ الْمَهْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَوْ انْفَرَدُوا قَضَى الْقَاضِي عَلَى الزَّوْجِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَشُهُودُ الدُّخُولِ أَلْزَمُوهُ جَمِيعَ الْمَهْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَوْ انْفَرَدُوا قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْمَهْرِ فَنِصْفُ الْمَهْرِ اخْتَصَّ بِشُهُودِ الدُّخُولِ بِإِيجَابِهِ عَلَى الزَّوْجِ فَعِنْدَ الرُّجُوعِ ضَمَانُهُ عَلَيْهِمْ وَنِصْفُ الْمَهْرِ اشْتَرَكُوا فِيهِ فَضَمَانُهُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَى كِلَا الْفَرِيقَيْنِ نِصْفَانِ فَإِنْ (قِيلَ) لَا كَذَلِكَ بَلْ جَمِيعُ الْمَهْرِ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ بِالْعَقْدِ فَمَا أَلْزَمَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ بِمَا شَهِدُوا بِهِ (قُلْنَا) نَعَمْ وَجَبَ جَمِيعُ الْمَهْرِ بِالْعَقْدِ وَلَكِنْ بِمُقَابَلَةِ الْبُضْعِ عَلَى أَنَّهُ فَوَّتَ تَسْلِيمَ الْبُضْعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْتَهِي بِهِ النِّكَاحُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ مِنْهُ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا وَلَوْلَا شَهَادَةُ شُهُودِ الطَّلَاقِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَلَوْلَا شَهَادَةُ شُهُودِ الدُّخُولِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ وَلَكِنَّهُمَا حِينَ شَهِدَا بِوُجُودِ التَّسْلِيمِ قَبْلَ ظُهُورِ الْفُرْقَةِ فَكَأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَحِينَ شَهِدَا الْآخَرَانِ بِالْفُرْقَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ مُضَافًا إلَى الزَّوْجِ فَكَأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ نِصْفَ الْمَهْرِ فَيَجِبُ ضَمَانُ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ؛
-
لِأَنَّهُمْ حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَهْرِ بِشَهَادَتِهِمْ فَكَأَنَّهُمْ غَصَبُوهُ ذَلِكَ: أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ النِّصْفَ، وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ الْكُلَّ.
-
وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الدُّخُولِ وَحْدَهُ ضَمِنَ رُبْعَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي اخْتَصَّ شُهُودُ الدُّخُولِ بِإِلْزَامِهِ بَقِيَ فِيهِ امْرَأَتَانِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَبِبَقَائِهِمَا يَبْقَى نِصْفُ ذَلِكَ النِّصْفِ فَيَجِبُ عَلَى الرَّاجِعِ نِصْفُ ذَلِكَ النِّصْفِ وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ وَلَوْ رَجَعَ شَاهِدُ الطَّلَاقِ وَحْدَهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا؛
-
لِأَنَّ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَزِمَ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الطَّلَاقِ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ حُجَّةٌ كَامِلَةٌ،
-
وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الدُّخُولِ كُلُّهُمْ ضَمِنُوا النِّصْفَ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ حُجَّةٌ كَامِلَةٌ وَلَوْ كَانَ شُهُودُ
-
17/317/3
الطَّلَاقِ هُمْ الَّذِينَ رَجَعُوا لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ بِجَمِيعِ الْمَهْرِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ وَهُمْ شُهُودُ الدُّخُولِ وَلَوْ رَجَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْ شُهُودِ الطَّلَاقِ وَامْرَأَةٌ مِنْ شُهُودِ الدُّخُولِ فَعَلَى الرَّاجِعَةِ مِنْ شُهُودِ الدُّخُولِ ثُمُنُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ شُهُودُ الدُّخُولِ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ فَلَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَبَقِيَ الْحُجَّةُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ بِتَفَاوُتِهِمَا وَيَجِبُ عَلَى الرَّاجِعَةِ رُبْعُ ذَلِكَ النِّصْفِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى شَاهِدِ الطَّلَاقِ؛
-
لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ حُجَّةٌ كَامِلَةٌ بَعْدَ رُجُوعِهَا
-
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً وَآخَرَانِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَقَضَى بِالْفُرْقَةِ وَبِنِصْفِ الْمَهْرِ لَهَا ثُمَّ رَجَعُوا جَمِيعًا فَضَمَانُ نِصْفِ الْمَهْرِ عَلَى شُهُودِ الثُّلُثِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الثُّلُثِ هُمْ الَّذِينَ قَطَعَتْ بِشَهَادَتِهِمْ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الزَّوْجِ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ بِالثُّلُثِ يَثْبُتُ فِي الْمَحَلِّ صِفَةُ الْحُرْمَةِ وَشَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْحُرْمَةِ لَا يَثْبُتُ بِالْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَحَلِّ لَا تَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤَ وَإِنَّمَا قَضَى الْقَاضِي بِحُرْمَةِ الْمَحَلِّ وَذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ مَا شَهِدَ بِهِ شُهُودُ الثُّلُثِ خَاصَّةً فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَضَاءَ كَانَ بِشَهَادَتِهِمْ فَالضَّمَانُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ نَظِيرُ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ
-
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَآخَرَانِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمَ النَّحْرِ فَأَبَانَهَا الْقَاضِي مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا وَأَلْزَمَهُ نِصْفَ الْمَهْرِ ثُمَّ رَجَعُوا فَالضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الطَّلَاقِ دُونَ شُهُودِ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَضَى بِالْفُرْقَةِ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الطَّلَاقِ دُونَ شَهَادَةِ شُهُودِ الْإِيلَاءِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَنَّ الثَّلَاثَ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِتَطْلِيقِهِ وَالْآخَرُ بِثَلَاثٍ
-
وَإِذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَهِيَ مَهْرُ مِثْلِهَا فَقَضَى بِذَلِكَ وَنَقَدَهَا الْأَلْفَ ثُمَّ رَجَعَا؛ لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا أَيُّهُمَا كَانَ الْمُدَّعِي فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ فَقَدْ أَلْزَمَا الزَّوْجَ الْأَلْفَ وَأَدْخَلَا فِي مِلْكِهِ الْبُضْعَ بِمُقَابَلَتِهِ وَالْبُضْعُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ؛
-
لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُ الْبُضْعَ وَمِنْ ضَرُورَةِ التَّمَلُّكِ يَقُومُ الْمَمْلُوكُ بِهِ كَالِاسْتِيلَاءِ لَمَّا كَانَ يَتَمَلَّكُ بِهِ الْحَرْبِيُّ يَتَقَوَّمُ بِهِ نَفْسُهُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِتْلَافَ بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِي فَقَدْ أَثْبَتْنَا عَلَيْهِ الْمِلْكَ وَعَوَّضَاهَا بِمُقَابَلَتِهِ مَا يَعْدِلُهُ وَهُوَ الْأَلْفُ فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسَمِائَةٍ وَكَانَ الزَّوْجُ مُنْكِرًا ضَمِنَا لَهُ الْفَضْلَ؛
-
لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ الْأَلْفَ وَعَوَّضَاهُ مَا يَتَقَوَّمُ بِخَمْسِمِائَةٍ فَقِيمَةُ الْبُضْعِ مَهْرُ الْمِثْلِ فَالْخَمْسُمِائَةِ الْأُخْرَى أَتْلَفَاهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الزَّوْجُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا الْبُضْعَ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ عِوَضٍ دُونَ قِيمَةِ الْبُضْعِ وَلَكِنَّ الْبُضْعَ لَا يَتَقَوَّمُ عَلَى الْمُتْلِفِ
-
17/417/4
وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ عَلَى الْمُتَمَلِّكِ لِضَرُورَةِ التَّمَلُّكِ فَلَمْ يَضْمَنْ الشَّاهِدَانِ لَهُمَا شَيْئًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَضْمَنَانِ مَا زَادَ عَلَى الْأَلْفِ إلَى تَمَامِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ بَعْدَ الدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْفُرْقَةِ لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَضْمَنَانِ لِلزَّوْجِ مَهْرَ الْمِثْلِ
-
وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَ الْمَرْأَةَ رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ الْقَاتِلُ لِلزَّوْجِ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ مَهْرَ الْمِثْلِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يَغْرَمْ لِلزَّوْجِ شَيْئًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْقَاتِلِ وَعَلَيْهَا إنْ ارْتَدَّتْ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ مُتَقَوِّمٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ فَيُقَوَّمُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِهِ عَيْنُ مَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ فَمِنْ ضَرُورَةِ التَّقَوُّمِ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ التَّقَوُّمُ فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى كَمِلْكِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ يَتَقَوَّمُ عِنْدَ ثُبُوتِهِ ابْتِدَاءً وَيَتَقَوَّمُ أَيْضًا عِنْدَ الْإِزَالَةِ بِطَرِيقِ الْإِبْطَالِ وَهُوَ الْعِتْقُ حَتَّى يَضْمَنَ شُهُودُ الْعِتْقِ الْقِيمَةَ إذَا رَجَعُوا
-
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ شُهُودَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا ضَمِنُوا نِصْفَ الْمَهْرِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْبُضْعُ مُتَقَوِّمًا عِنْدَ الطَّلَاقِ لَمَا ضَمِنُوا شَيْئًا وَإِذَا ثَبَتَ التَّقَوُّمُ قُلْنَا الْمُتَقَوِّمُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ كَالنَّفْسِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبُضْعَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ بِالْمَالِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ؛
-
لِأَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ يَتَقَدَّرُ بِالْمِثْلِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْبُضْعِ وَالْمَالِ صُورَةً وَمَعْنًى فَأَمَّا عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ الْمُتَقَوِّمُ هُوَ الْمَمْلُوكُ دُونَ الْمِلْكِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ وَكَانَ تَقَوُّمُهُ لِإِظْهَارِ خَطَرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ حَتَّى يَكُونَ مَصُونًا عَنْ الِابْتِدَالِ وَلَا يَمْلِكُ مَجَّانًا فَإِنَّ مَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ مَجَّانًا لَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ عِنْدَهُ وَذَلِكَ مَحَلٌّ لَهُ خَطَرٌ مِثْلُ خَطَرِ النُّفُوسِ؛
-
لِأَنَّ النَّسْلَ يَحْصُلُ بِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي طَرَفِ الْإِزَالَةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَمَلَّكُ عَلَى الزَّوْجِ شَيْئًا وَلَكِنْ يَبْطُلُ مِلْكُ الزَّوْجِ عَنْهَا.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَا هُوَ مَشْرُوطٌ لِمَعْنَى الْخَطَرِ عِنْدَ التَّمَلُّكِ كَالشُّهُودِ وَالْوَلِيِّ لَا يَشْتَرِطُ شَيْئًا مِنْهُ عِنْدَ الْإِزَالَةِ وَأَنَّ الْأَبَ لَوْ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِمَالِهِ يَصِحُّ ذَلِكَ وَلَوْ خَلَعَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ بِمَالِهَا مِنْ زَوْجِهَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مِلْكِ الْيَمِينِ فَهُوَ مِلْكُ مَالٍ وَالْمَالُ مِثْلُ الْمَالِ صُورَةً وَمَعْنًى فَعِنْدَ الْإِتْلَافِ يَضْمَنُ بِالْمَالِ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَغْرَمَانِ هُنَاكَ قِيمَةَ الْبُضْعِ فَقِيمَةُ الْبُضْعِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَا يَغْرَمَانِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا يَغْرَمَانِ نِصْفَ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُمَا أَكَّدَا عَلَى الزَّوْجِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْمَهْرُ
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا فَهُمَا أَكَّدَا عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ فَكَأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ ذَلِكَ، هُوَ عِبَارَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَالْأَوْجَهُ
-
أَنْ
-
17/517/5
نَقُولَ: وُقُوعُ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُسْقِطٌ جَمِيعَ الصَّدَاقِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُضَافًا إلَى الزَّوْجِ وَلَا كَانَ مُتَهَيِّئًا لِلنِّكَاحِ لِلْفِقْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَهُمَا بِإِضَافَةِ الْفُرْقَةِ مَنَعَا الْعِلَّةَ الْمُسْقِطَةَ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا فِي النِّصْفِ فَكَأَنَّهُمَا أَلْزَمَا الزَّوْجَ ذَلِكَ النِّصْفَ بِشَهَادَتِهِمَا فَيَضْمَنَانِ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَفِي هَذَا أَيْضًا نَوْعُ الشُّبْهَةِ فَإِنَّ الِابْنَ إذَا أَكْرَهَ امْرَأَةَ أَبِيهِ حَتَّى زَنَى بِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَغْرَمُ الْأَبُ نِصْفَ الْمَهْرِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الِابْنِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا تَصِيرُ بِهِ الْفُرْقَةُ مُضَافَةً إلَى الْأَبِ وَلَكِنَّا نَقُولُ هُوَ بِإِكْرَاهِهِ إيَّاهَا مَنَعَ صَيْرُورَةَ الْفُرْقَةِ مُضَافَةً إلَيْهَا وَذَا مُوجِبٌ نِصْفَ الصَّدَاقِ عَلَى الْأَبِ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ ذَلِكَ
-
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ شُهُودُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ إذَا رَجَعُوا لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَضْمَنُونَ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ مِلْكٌ مُتَقَوِّمٌ لِلْوَلِيِّ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا صَالَحَ فِي مَرَضِهِ عَلَى الدِّيَةِ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَقَدْ أَتْلَفُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمْ فَيَضْمَنُونَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا كَمَا تُضْمَنُ النَّفْسُ بِالْإِتْلَافِ حَالَةَ الْخَطَإِ وَلَكِنَّا نَقُولُ مِلْكُ الْقِصَاصِ كَمِلْكِ الْبُضْعِ لِلزَّوْجِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَ الْبُضْعِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَإِنَّمَا الْمُتَقَوِّمُ الْمَحَلُّ الْمَمْلُوكُ فَكَذَلِكَ مِلْكُ الْقِصَاصِ إلَّا أَنَّ بِالصُّلْحِ الْقَاتِلُ إنَّمَا يَلْتَزِمُ الدِّيَةَ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى هَذَا الصُّلْحِ لِإِبْقَاءِ نَفْسِهِ وَحَاجَتُهُ مُقَدَّمَةُ عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لِهَذَا وَالْمَرِيضَةُ إذَا اخْتَلَعَتْ فَإِنَّمَا الْتَزَمَتْ الْمَالَ لَا بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهَا فَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ كَذَلِكَ؛
-
وَلِأَنَّهُ يُسَلَّمُ لِلْقَاتِلِ الْمَحَلُّ الْمَمْلُوكُ وَهُوَ نَفْسُهُ وَذَلِكَ مُتَقَوِّمٌ وَهُنَا بِالطَّلَاقِ بَطَلَ مِلْكُ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلَّمَ لَهَا شَيْءٌ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الزَّوَالِ عَنْهَا.
-
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْمِلْكِ الْوَارِدِ عَلَى الْمَحَلِّ فَأَمَّا تَقَوُّمُ النَّفْسِ بِالدِّيَةِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ فَلِلصِّيَانَةِ عَنْ الْهَدَرِ وَإِظْهَارِ خَطَرِ الْمَحَلِّ وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي مِلْكِ الْقِصَاصِ فَالْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَيَكُونُ إهْدَارُهُ حَسَنًا بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَيَاةٌ حُكْمًا وَفِي الْعَفْوِ حَيَاةٌ حَقِيقَةً فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتْلِفِ هُنَا بِمَعْنَى الصِّيَانَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَرَضَ الزَّوْجُ لَهَا مَهْرًا فَشَهِدَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَضَى الْقَاضِي لَهَا بِالْمُتْعَةِ ثُمَّ رَجَعَا غَرِمَا الْمُتْعَةَ لَهُ فِي النِّكَاحِ لَا تَسْمِيَةَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ نِصْفِ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ يَغْرَمَانِ لِلزَّوْجِ مَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي وَهُوَ نِصْفُ الْمَهْرِ فَكَذَلِكَ هُنَا يَغْرَمَانِ لَهُ مَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي وَهُوَ الْمُتْعَةُ وَزُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ فِي الْفَصْلَيْنِ لَا يَغْرَمَانِ شَيْئًا؛
-
لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهُمَا
-
17/617/6
أَسْقَطَا عَنْهُ الْبَعْضَ وَمَا أَوْجَبَا عَلَيْهِ شَيْئًا وَإِنَّمَا ضَمِنَّا فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَا لَهَا؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا مِلْكَهَا فِي بَعْضِ الصَّدَاقِ وَفِيمَا قَرَّرْنَا جَوَابٌ عَنْ كَلَامِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
-
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفٍ وَالزَّوْجُ يَجْحَدُ وَمَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُمِائَةٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَضَى بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا فَعَلَى شَاهِدَيْ النِّكَاحِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَعَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ إلَى تَمَامِ أَلْفٍ أَلْزَمَهُ شُهُودَ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ بِمُقَابَلَتِهِ وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ وَبَقِيَ النِّصْفُ فَيَغْرَمَانِ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَمِقْدَارُ الْخَمْسِمِائَةِ أَلْزَمَاهُ بِعِوَضٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّ شُهُودَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ كَأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ نِصْفَ ذَلِكَ النِّصْفِ تَمْنَعُهُمَا الْعِلَّةُ الْمُسْقِطَةُ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَهَا حِينَ أَضَافَا الْفُرْقَةَ إلَى الزَّوْجِ فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَلَوْ شَهِدَ آخَرَانِ أَيْضًا بِالدُّخُولِ فَأَلْزَمَهُ الْقَاضِي أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ رَجَعُوا فَعَلَى شَاهِدَيْ النِّكَاحِ خَمْسُمِائَةٍ الْفَضْلُ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا؛
-
لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَأَمَّا الْخَمْسُمِائَةِ الْأُخْرَى أَلْزَمَاهُ بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ فَلَا يَضْمَنَانِ لَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ بَقِيَ فِي ذَلِكَ شَاهِدَا الدُّخُولِ وَشَاهِدَا التَّطْلِيقِ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ عَلَى شَاهِدَيْ الدُّخُولِ وَرُبْعُهُ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ بِمَنْزِلَةِ جَمِيعِ الْمُسَمَّى فِي مَسْأَلَةٍ أَوَّلَ الْبَابِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا
-
وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا عَلَى أَنْ بَرَّأَتْهُ مِنْ الْمَهْرِ وَالزَّوْجُ يَدَّعِي ذَلِكَ وَهِيَ تَجْحَدُ فَقَضَى بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا نِصْفَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَكَانَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ فَهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِمَا ذَلِكَ النِّصْفَ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَوْ كَانَ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ الزَّوْجِ وَالْمَهْرُ عَلَيْهِ ضَمِنَا لَهَا جَمِيعَ الْمَهْرِ؛
-
لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَكَانَ لَهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَهُمَا أَتْلَفَا جَمِيعَ الْمَهْرِ عَلَيْهَا بِشَهَادَتِهِمَا بِالْخُلْعِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَهْرِ فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ لَهَا عِنْدَ الرُّجُوعِ كَشَاهِدَيْ الْإِبْرَاءِ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ
-
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ بَلْ تَزَوَّجَنِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ مَهْرُ مِثْلِهَا فَأَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدَيْنِ بِمَا ادَّعَى وَقَضَى بِذَلِكَ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا لَهَا تِسْعَمِائَةٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَمْ يَضْمَنْ لَهَا شَيْئًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ كِتَابِ النِّكَاحِ إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْمَهْرِ وَمَهْرُ الْمِثْلِ مِثْلُ مَا تَقُولُهُ الْمَرْأَةُ فَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُهَا وَعِنْدَهُ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَلَوْلَا شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ لَكَانَ يُقْضَى لَهَا عَلَى الزَّوْجِ بِالْأَلْفِ فَهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهَا بِشَهَادَتِهِمَا مِقْدَارَ تِسْعِمِائَةٍ فَيَضْمَنَانِ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
-
17/717/7
الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي الْمَهْرِ فَالشَّاهِدَانِ لَمْ يُتْلِفَا عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْئًا فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَعْنَى الْمُسْتَنْكَرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ دُونَ الْعَشَرَةِ
-
فَأَمَّا إذَا ادَّعَى نُقْصَانًا كَثِيرًا عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَمَا فَسَّرَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَضْمَنَا لَهَا شَيْئًا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بَعْدَ الطَّلَاقِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فَلَا يَضْمَنَانِ لَهَا شَيْئًا لِذَلِكَ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَصْلِ يَضْمَنَانِ لَهَا أَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَهَذَا إنْ صَحَّ فَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ مِنْ تَحْكِيمِ الْمُتْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ عِنْدَهُمَا أَنْ تَكُونَ مُتْعَتُهَا خَمْسَمِائَةٍ فَقَدْ أَتْلَفَا عَلَيْهَا مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِينَ وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ لَهَا
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لَمْ تُقِرَّ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَضْمَنَا لَهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا مَا أَتْلَفَا عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْمَالِ إنَّمَا أَتْلَفَا عَلَيْهَا مِلْكَ الْبُضْعِ بِشَهَادَتِهِمَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبُضْعَ لَا يَتَقَوَّمُ عَلَى غَيْرِ الْمُتَمَلِّكِ
-
وَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ صَالَحَ مِنْ نَفَقَتِهَا عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ كُلَّ شَهْرٍ فَقَالَ الزَّوْجُ: صَالَحْتُكِ عَلَى خَمْسَةٍ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ صَالَحَهَا عَلَى عَشَرَةٍ فَقَضَى بِهَا ثُمَّ رَجَعَا فَإِنْ كَانَتْ نَفَقَةُ مِثْلِهَا عَشَرَةً أَوْ أَكْثَرَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي مِقْدَارِ نَفَقَةِ مِثْلِهَا فَالشُّهُودُ مَا أَلْزَمُوا الزَّوْجَ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَةُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ ضَمِنَا الْفَضْلَ لِلزَّوْجِ فِيمَا مَضَى؛
-
لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ فِي إنْكَارِهِ الْفَضْلَ عَلَى نَفَقَةِ مِثْلِهَا فَإِنَّمَا أَلْزَمَاهُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا.
-
وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لِامْرَأَةٍ بِمَهْرٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ فَمَضَتْ مُدَّةٌ ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَيْهَا بِالِاسْتِيفَاءِ وَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ دَيْنًا مُسْتَحَقًّا لَهَا عَلَى الزَّوْجِ فَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ تَصِيرُ دَيْنًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّهَادَةَ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مُوجِبُ الضَّمَانِ عِنْدَ الرُّجُوعِ
-
وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ وَكُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِمَّنْ فَرَضَ لَهُ الْقَاضِي النَّفَقَةَ وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ حَيْثُ يَقُولُ إنَّ نَفَقَةَ ذَوِي الْأَرْحَامِ تَصِيرُ دَيْنًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ النِّكَاحِ يَقُولُ لَا تَصِيرُ ذَلِكَ دَيْنًا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِنْ قَضَى الْقَاضِي فَعَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ شُهُودُ الِاسْتِيفَاءِ لَا يَضْمَنُونَ شَيْئًا وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا أَمْلَيْنَا مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ
-
وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى الطَّلَاقِ وَرَجُلَانِ عَلَى الدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعَ شَاهِدُ الطَّلَاقِ وَأَحَدُ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ ضَمِنُوا جَمِيعًا نِصْفَ الْمَهْرِ عَلَى شَاهِدِ الدُّخُولِ مِنْ ذَلِكَ نِصْفُهُ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَزِمَهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ خَاصَّةً بَقِيَ أَحَدُهُمَا عَلَى الشَّهَادَةِ فَتَبْقَى الْحُجَّةُ فِي نِصْفِ ذَلِكَ النِّصْفِ بِبَقَائِهِ فَعَلَى الرَّاجِعِ مِنْهُمَا نِصْفُ ذَلِكَ النِّصْفِ وَفِي النِّصْفِ الْبَاقِي يَبْقَى نِصْفُهُ
-
17/817/8
أَيْضًا بِبَقَائِهِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا انْعَدَمَتْ الْحُجَّةُ فِي نِصْفِ ذَلِكَ النِّصْفِ وَقَدْ كَانَ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِمْ جَمِيعًا فَعِنْدَ الرُّجُوعِ يَجِبُ ضَمَانُ ذَلِكَ النِّصْفِ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا
-
وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا مَهْرًا فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ صَالَحَهَا مِنْ الْمُتْعَةِ عَلَى عَبْدٍ وَدَفَعَهُ إلَيْهَا وَقَبَضَتْهُ وَهِيَ تُنْكِرُ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَا الْمُتْعَةَ لَهَا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ مِثْلِ كِسْوَتِهَا فِي بَيْتِهَا وَلَا يَضْمَنَانِ لَهَا الْعَبْدَ؛
-
لِأَنَّ أَصْلَ حَقِّهَا هُوَ الْمُتْعَةُ وَقَدْ أَتْلَفَا بِشَهَادَتِهِمَا ذَلِكَ عَلَيْهَا،
-
فَأَمَّا الْعَبْدُ كَانَ مِلْكًا لِلزَّوْجِ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا فَلَا يَضْمَنَانِ لَهَا الْعَبْدَ وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهَا بِقَبْضِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ لَهَا بِشَهَادَتِهِمَا وَهِيَ تُنْكِرُ فَلَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تُضَمِّنَهُمَا قِيمَةَ الْعَبْدِ مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ إنْكَارِهَا وَإِنَّمَا تُضَمِّنُهُمَا أَصْلَ حَقِّهَا وَهُوَ الْمُتْعَةُ فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ضَمِنَا لَهُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْمُتْعَةِ عَلَى نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَلَوْلَا شَهَادَتُهُمَا؛ كَانَ لَهَا هَذِهِ الْخَمْسَةُ فَلِهَذَا ضَمِنَا لَهَا عِنْدَ الرُّجُوعِ الْخَمْسَةَ
-
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الطَّلَاقِ وَشَاهِدَانِ عَلَى الدُّخُولِ وَلَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا فَقُضِيَ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا ضَمِنَ شَاهِدَا الطَّلَاقِ نِصْفَ الْمُتْعَةِ وَشَاهِدَا الدُّخُولِ بَقِيَّةَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ فِي نِكَاحٍ لَا تَسْمِيَةَ فِيهِ كَنِصْفِ الْمُسَمَّى فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ شُهُودُ الطَّلَاقِ يَغْرَمُونَ رُبْعَ الْمُسَمَّى فَكَذَلِكَ هُنَا يَغْرَمُونَ نِصْفَ الْمُتْعَةِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ مَهْرِ الْمِثْلِ ثَابِتٌ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الدُّخُولِ فَيَغْرَمُونَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ
-
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهَا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا لِرَجُلٍ آخَرَ وَآخَرَانِ عَلَى مِائَةٍ مِنْهَا أَنَّهَا لَهُ فَقَضَى لَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُ شَاهِدَيْ الْمِائَتَيْنِ ضَمِنَ خَمْسِينَ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْمِائَةِ اُسْتُحِقَّ بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ صَاحِبِهِ خَاصَّةً، وَقَدْ بَقِيَ نِصْفُهُ بِبَقَاءِ صَاحِبِهِ عَلَى الشَّهَادَةِ فَيَغْرَمُ نِصْفَهُ وَذَلِكَ خَمْسُونَ وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُ شَاهِدَيْ الْمِائَةِ أَيْضًا لِمَنْ يَضْمَنُ شَيْئًا؛
-
لِأَنَّ مِقْدَارَ الْمِائَةِ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعِ وَقَدْ بَقِيَ اثْنَانِ عَلَى الشَّهَادَةِ بِتِلْكَ الْمِائَةِ فَلَا يَغْرَمُ الرَّاجِعَانِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.