بَابُ الْعُيُوبِ فِي الْبُيُوعِ
المبسوطHanafimasa’il 31435 to 31815
-
13/9113/91
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا بَرِئَ الْبَائِعُ إلَى الْمُشْتَرِي عِنْدَ عَقْدِهِ الْبَيْعَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْعُيُوبَ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: شَرْطُ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْعُيُوبِ الْمَجْهُولَةِ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ
-
13/9213/92
عَيْبًا فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ فَلَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَفِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَهُ قَوْلَانِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْبَيْعُ فَاسِدٌ وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ الْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَاحْتَجَّ بِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَهَذَا بَيْعُ غَرَرٍ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ هُوَ؛ وَلِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ يَمْنَعُ مُوجِبَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْمُعَاوَضَةِ اسْتِحْقَاقُ صِفَةِ السَّلَامَةِ وَهَذَا الشَّرْطُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ نَظِيرُ شَرْطٍ يَمْنَعُ الْمِلْكَ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ يَلْتَزِمُ تَسْلِيمَ الْمَجْهُولِ؛ لِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ تَسْلِيمَهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْبَيْعُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدِينَ وَالْتِزَامُ تَسْلِيمِ الْمَجْهُولِ بِالْبَيْعِ لَا يَصِحُّ كَبَيْعِ ثَوْبٍ مِنْ الْعَدْلِ أَوْ شَاةٍ مِنْ الْقَطِيعِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا سَمَّى الْعَيْبَ أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ مَا يَلْتَزِمُ تَسْلِيمَهُ بِالْعَقْدِ بَعْدَ تَسْمِيَةِ الْعَيْبِ مَعْلُومٌ، وَمَا لَا يُمْكِنُ إعْلَامُهُ نَحْوَ عَوْدِ الْجِرَاحَةِ أَوْ يَلْحَقُ الْجُرْحَ بِإِعْلَامِهِ نَحْوَ مَا يَكُونُ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ لِلتَّعَذُّرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسَمَّى وَغَيْرِ الْمُسَمَّى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَرَضَ عَلَى إنْسَانٍ وَقَالَ: اشْتَرِهِ فَإِنَّهُ لَا عَيْبَ بِهِ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِيهِ بَائِعَهُ وَبِمِثْلِهِ لَوْ قَالَ اشْتَرِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِآبِقٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبَ الْإِبَاقِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِيهِ بَائِعَهُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ابْتَاعَ مَمْلُوكًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ثُمَّ طَعَنَ فِيهِ بِعَيْبٍ فَاخْتَصَمَا إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَحَلَّفَهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْتُهُ وَمَا بِهِ عَيْبٌ أَعْلَمُهُ وَكَتَمْتُهُ فَنَكِلَ عَنْ الْيَمِينِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ الشَّرْطِ فَيُسْتَدَلُّ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» عَلَى صِحَّةِ الشَّرْطِ
-
وَالْكَلَامُ فِي شَرْطِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ يَنْبَنِي عَلَى صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ فَالشَّافِعِيُّ لَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ لَنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ «عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَالِحَ بَنِي جَذِيمَةَ فَوَادَاهُمْ حَتَّى مِيلَغَةِ الْكَلْبِ وَبَقِيَ فِي يَدَيْهِ مَالٌ فَقَالَ هَذَا لَكُمْ مَا لَا تَعْلَمُونَهُ وَلَا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسُرَّ» فَهَذَا دَلِيلُ جَوَازِ الصُّلْحِ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذَا إسْقَاطُ حَقٍّ
-
13/9313/93
لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّسْلِيمِ فَيَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَتَأْثِيرُهُ أَنَّ نَفْسَ الْجَهَالَةِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الِالْتِزَامِ وَلَكِنْ جَهَالَةً تُفْضِي إلَى تَمَكُّنِ الْمُنَازَعَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّمْلِيكَيْنِ يَصِحُّ فِي هَذَا وَهَذَا أَضْيَقُ مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ ثُمَّ الْجَهَالَةُ الَّتِي لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّمْلِيكِ كَجَهَالَةِ الْقَفِيزِ مِنْ الصُّبْرَةِ فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ صِحَّةَ الْإِسْقَاطِ أَوْلَى فَالسُّقُوطُ يَكُونُ مُتَلَاشِيًا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّسْلِيمِ وَالْجَهَالَةُ الَّتِي لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ أَوْلَى وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْإِيجَابَ فِي الْمَجْهُولِ فِي مَعْنَى التَّعْلِيقِ بِشَرْطِ الْبَيَانِ فَمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يَصِحُّ إيجَابُهُ فِي الْمَجْهُولِ؛
-
لِأَنَّ الشَّرْطَ دَاخِلٌ عَلَى نَفْسِ السَّبَبِ حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي حُكْمِ تَصَرُّفٍ آخَرَ هُوَ يَمِينٌ.
-
وَالْجَهَالَةُ تَدْخُلُ عَلَى حُكْمِ السَّبَبِ فَإِذَا كَانَتْ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ يَتَعَذَّرُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ مَعَ الْجَهَالَةِ وَإِذَا كَانَتْ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ لَا تَتَعَذَّرُ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ هَذَا الشَّرْطُ ثَبَتَ جَوَازُ الْعَقْدِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُقَرِّرُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمُقْتَضَى الْعَقْدِ اللُّزُومُ، وَالْعَقْدُ بِهَذَا الشَّرْطِ يَلْزَمُ سَلِيمًا كَانَ الْمَبِيعُ أَوْ مَعِيبًا ثُمَّ الْبَائِعُ بِهَذَا الشَّرْطِ يَمْتَنِعُ مِنْ الْتِزَامِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛
-
لِأَنَّ عِنْدَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ يَلْتَزِمُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ بِصِفَةِ السَّلَامَةِ وَإِذَا كَانَ مَعِيبًا فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ سَلِيمًا وَعِنْدَ هَذَا الشَّرْطِ يَلْتَزِمُ التَّسْلِيمَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمَبِيعُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ لَا أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا فَسَادَ الْعَقْدِ ثُمَّ لَا يَتَمَكَّنُ جَهَالَةٌ فِي الْمَبِيعِ بِهَذَا الشَّرْطِ؛
-
لِأَنَّهُ مُشَارٌ إلَيْهِ مَعْلُومٌ بِالْإِشَارَةِ إلَى عَيْنِهِ وَإِلَى مَكَانِهِ، وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ الْإِقْرَارَ بِالْعُيُوبِ بِهِ فَلَا يَجْتَمِعُ كُلُّ عَيْبٍ فِي عَيْبٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ الْتِزَامَ الْبَيْعِ وَالْتِزَامَ التَّسْلِيمِ عَلَى وَجْهٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَهَذَا مِنْ الْحِكْمَةِ؛
-
وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الْمُشْتَرِيَ بِقَوْلِهِ لَا عَيْبَ بِهِ لَا يَصِيرُ مُقِرًّا بِإِسْقَاطِ الْعُيُوبِ عَنْهُ بَلْ قَصْدُهُ مِنْ ذَلِكَ تَرْوِيجُ السِّلْعَةِ
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَيْسَ بِآبِقٍ فَفِي تَخْصِيصِهِ هَذَا الْعَيْبَ بِالذِّكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ نَفْيُ هَذَا الْعَيْبِ عَنْهُ وَلَئِنْ تَمَكَّنَتْ جَهَالَةٌ فِي وَصْفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِهَذَا الشَّرْطِ فَهِيَ جَهَالَةٌ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ كَجَهَالَةِ مِقْدَارِ الْعَيْبِ الْمُسَمَّى وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْعَيْبِ مَعَ التَّسْمِيَةِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي.
-
وَقَدْ جَرَتْ الْمَسْأَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَجْلِسِ الدَّوَانِيقِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ بَعْضَ حَرَمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَاعَ عَبْدًا بِرَأْسِ ذَكَرِهِ بَرَصٌ أَكَانَ يَلْزَمُهَا أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي وَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى أَفْحَمَهُ وَضَحِكَ الْخَلِيفَةُ مِمَّا صَنَعَ بِهِ فَإِذَا عَرَفْنَا جَوَازَ الْعَقْدِ لِهَذَا الشَّرْطِ قُلْنَا: تَدْخُلُ فِيهِ الْبَرَاءَةُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ مَوْجُودٍ بِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ،
-
فَإِنْ حَدَثَ بَيْعُ عَيْبٍ آخَرَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْبَرَاءَةِ أَيْضًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لَا تَدْخُلُ الْبَرَاءَةُ عَنْ الْعَيْبِ الْحَادِثِ فِي هَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لَا يَدْرِي أَيَحْدُثُ أَمْ لَا وَأَيُّ مِقْدَارٍ يَحْدُثُ وَلَوْ صَرَّحَ بِالتَّبَرِّي مِنْ
-
13/9413/94
الْعَيْبِ الَّذِي يَحْدُثُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَسَدَ بِهِ الْعَقْدُ وَلَوْ دَخَلَ فِي هَذَا الشَّرْطِ لَفَسَدَ الْعَقْدُ بِهِ أَيْضًا فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ الْعَيْبُ الْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمَّا جُعِلَ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ فِي ثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ فَكَذَلِكَ يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ فِي دُخُولِهِ فِي شَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ مَقْصُودَ الْبَائِعِ إثْبَاتُ صِفَةِ اللُّزُومِ لِلْعَقْدِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ الْتِزَامِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْبِ الْمَوْجُودِ وَالْحَادِثِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَا رِوَايَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا نَصَّ عَلَى الْبَرَاءَةِ عَنْ الْعَيْبِ الْحَادِثِ.
-
وَقِيلَ: ذَلِكَ صَحِيحٌ عِنْدَنَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُقِيمُ السَّبَبَ وَهُوَ الْعَقْدُ مَقَامَ نَفْسِ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ فِي صِحَّةِ الْإِسْقَاطِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَنَقُولُ هُنَا: ظَاهِرُ لَفْظِهِ يَتَنَاوَلُ الْعُيُوبَ الْمَوْجُودَةَ ثُمَّ يَدْخُلُ فِيهِ مَا يَحْدُثُ قَبْلَ الْقَبْضِ تَبَعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى تَقْرِيرِ مَقْصُودِهِمَا، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي التَّصَرُّفِ تَبَعَا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِذَلِكَ التَّصَرُّفِ كَالشُّرْبِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ وَالْمَنْقُولَاتِ فِي وَقْفِ الْقُرْبَةِ،
-
وَلَوْ كَانَ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهِ فَهَذَا يُفْسِدُ الْعَيْبَ الْمَوْجُودَ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْحَادِثَ بِالِاتِّفَاقِ،
-
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْبٍ فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَالَ الْبَائِعُ بَلْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ،
-
فَإِنْ كَانَ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي،
-
وَإِنْ كَانَ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَعِنْدَ زُفَرَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَسْقِطُ لِحَقِّهِ فَالْقَوْلُ فِي بَيَانِ مَا أَسْقَطَ قَوْلُهُ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: قَدْ ظَهَرَ الْمُسْقِطُ مُطْلَقًا فَالْمُشْتَرِي إذَا ادَّعَى خُرُوجَ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمُطْلَقِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ كُلِّ حَقٍّ لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي دَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْإِبْرَاءِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِي دُخُولَهُ فِي الْبَرَاءَةِ الْمُطْلَقَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى
-
بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْقَطَ هُنَا مَا ظَهَرَ إلَّا مُقَيَّدًا بِوَصْفٍ فَإِذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فِي عَيْبٍ عَيَّنَهُ أَنَّهُ مَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْإِيجَابِ الْمُقَيَّدِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِهِ كَمَا فِي الْبَرَاءَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ
-
قَالَ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فِي خَادِمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِغَيْرِ بَرَاءَةٍ فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَا تَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِوُجُودِ كُلِّ عَيْبٍ فِيهَا فَلَا يَكُونُ الشَّاهِدُ رَاضِيًا بِعَيْبٍ فِيهَا بَعْدَ تِلْكَ الشَّهَادَةِ
-
وَكَذَا لَوْ شَهِدَا عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِبَاقِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَحَدُهُمَا فَوَجَدَهَا آبِقَةً فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ مَذْكُورٌ فِي الْبَرَاءَةِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُضَافٍ إلَيْهَا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا مِنْ الشَّاهِدِ وَلَا مِنْ الْمُشْتَرِي بِوُجُودِ ذَلِكَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ،
-
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ تَبَرَّأَ
-
13/9513/95
مِنْ إبَاقِهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ فَوَجَدَهَا آبِقَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ هُنَا مُضَافٌ إلَيْهَا بِحَرْفِ الْكِتَابَةِ وَتَخْصِيصُهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعُيُوبِ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهَا يَكُونُ إخْبَارٌ بِوُجُودِهِ فِيهَا فَالشَّاهِدُ أَقْدَمَ عَلَى شِرَائِهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِعَيْبِهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ
-
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَلَمْ يَتَبَرَّأْ الْبَائِعُ مِنْ عُيُوبِهَا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ - عِنْدَنَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا - عِنْدَمَا اشْتَرَاهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنْ كَانَتْ بِكْرًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ،
-
وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ وَلَا يَغْرَمُ لِلْوَطْءِ شَيْئًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَرُدُّهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا وَيَرُدُّ مَعَهَا عُقْرَهَا، وَعُقْرُهَا عُشْرُ قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهَا إنَّ كَانَتْ ثَيِّبًا، وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى رَدِّهَا كَمَا قَبَضَهَا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا كَمَا قَبْلَ الْوَطْءِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الثَّيِّبِ لَا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي عَيْنِهَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا وَإِنَّمَا اسْتَوْفَى مِنْهَا مَحْضَ مَنْفَعَةٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَخْدَمَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا بَلْ أَوْلَى فَإِنَّ الِاسْتِخْدَامَ يَعِيبُهَا وَالْوَطْءُ يَمْنَعُهَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا فَالْوَطْءُ هُنَاكَ يُفَوِّتُ جُزْءًا مِنْهَا فَإِنَّ صِفَةَ الْبَكَارَةِ فِي الْجَارِيَةِ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْ عَيْنٍ هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَلِهَذَا اُسْتُحِقَّ بِالْبَيْعِ شَرْطًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بَعْدَمَا وَطِئَ الْبِكْرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَفِي الثَّيِّبِ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً بَعْدَ الْوَطْءِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي،
-
فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهَا بِعَيْبِ النِّكَاحِ بَعْدَ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَهُ ذَلِكَ.
-
وَكَذَلِكَ الْبَائِعُ إذَا وَطِئَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لَمْ يُسْقِطْ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا وَبِهَذِهِ الْفُصُولُ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْوَطْءَ فِي الثَّيِّبِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِخْدَامِ، وَكَمَا أَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ فَالْإِجْبَارُ عَلَى الْخِدْمَةِ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ ثُمَّ لَا يَمْنَعُ نِسْبَةَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لَا يَرُدُّهَا بَعْدَ الْوَطْءِ، وَقَالَ عُمَرُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا عُشْرَ قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا وَنِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي مَجَّانًا فَمَنْ قَالَ يَرُدُّهَا وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا فَقَدْ خَالَفَ أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً عَلَيْهِ ثُمَّ إنَّهُمْ مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ وَزَيْدٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا جَنَى عَلَيْهَا ثُمَّ عَلِمَ بِعَيْبٍ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا الْأَرْشَ فَفِي الْوَطْءِ أَجَابَا نَحْوَ ذَلِكَ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ
-
13/9613/96
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ يَقُولَانِ: لَا يَرُدُّهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْوَطْءِ وَبِالْإِجْمَاعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ الْجِنَايَةُ تَمْنَعُ الرَّدَّ فَكَذَلِكَ الْوَطْءُ وَهُوَ الْمَعْنَى الْفِقْهِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْوَطْءَ يَسْلُكُ فِيهِ مَسْلَكَ الْجِنَايَةِ فَيَمْنَعُ الرَّدَّ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بِنَفْسِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى إثْبَاتِ هَذَا الْوَصْفِ اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - كَمَا بَيَّنَّا.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ مَا يُمْلَكُ بِالنِّكَاحِ وَالْمَمْلُوكُ بِالنِّكَاحِ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْعَقْدَ إلَّا مُؤَبَّدًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اسْتِيفَاءَهُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَخْلُو عَنْ عُقُوبَةٍ أَوْ غَرَامَةٍ وَاسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ مَصُونٌ عَنْ الِابْتِذَالِ حَتَّى لَا يَجُوزَ اسْتِيفَاؤُهُ بِالْبَدَلِ بِدُونِ الْمِلْكِ وَالْمَصُونُ مِنْ الْآدَمِيِّ نَفْسُهُ وَأَجْزَاؤُهُ لَا مَنَافِعُهُ، وَالْمَنْفَعَةُ تَتَبَدَّلُ مِنْ الْآدَمِيِّ كَمَا تَتَبَدَّلُ مِنْ غَيْرِهِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ فَاسْتِيفَاؤُهُ كَاسْتِيفَاءِ جُزْئِهِ بِالْجِنَايَةِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا تَقَرَّرَ مَا قُلْنَا أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ مِنْ الْأَصْلِ؛
-
وَلِهَذَا لَوْ كَانَ مَوْهُوبًا كَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ،
-
وَلَوْ كَانَ مَبِيعًا كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ لِأَجْلِ الْوَطْءِ لَكَانَ إذَا رَدَّهَا وَيَفْسَخُ الْعَقْدَ مِنْ الْأَصْلِ تَبَيَّنَ أَنَّ وَطْأَهُ إيَّاهَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ، وَالْوَطْءُ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ فَلِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْوَطْءِ الْحَرَامِ قُلْنَا: لَا يَرُدُّهَا وَالْوَطْءُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ تَنَاوُلِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ حَتَّى لَا يَنْفَكُّ عَنْ عُقُوبَةٍ أَوْ غَرَامَةٍ، وَبِهَذَا فَارَقَ حُكْمَ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ بِالْبَيْعِ مُرَابَحَةً أَنَّ وَطْأَهُ إيَّاهَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ أَيْضًا، وَلَكِنْ هُوَ جُزْءٌ وَهُوَ ثَمَرَةٌ لِمَا لَمْ يُتَمَكَّنْ بِهِ نُقْصَانٌ فِي الْعَيْنِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ لَوْ تَنَاوَلَ لَبَنَ الشَّاةِ وَأَعْلَفَهَا بِقَدْرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً.
-
وَهَذَا بِخِلَافِ وَطْءِ الزَّوْجِ إيَّاهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِتَسْلِيطِ الْبَائِعِ وَإِيجَابِهِ لَهُ بِالنِّكَاحِ فَيُجْعَلُ كَفِعْلِ الْبَائِعِ بِنَفْسِهِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا فَإِنَّهُ بِالنِّكَاحِ يُوجِبُ الْوَطْءَ لِلزَّوْجِ لَا صِفَةَ الْبَكَارَةِ، فَيَصِيرُ أَصْلُ الْوَقْتِ مُضَافًا إلَى الْبَائِعِ وَلَكِنْ بِزَوَالِ صِفَةِ الْبَكَارَةِ لَا يَصِيرُ مُضَافًا إلَى الْبَائِعِ فَكَأَنَّهَا ذَهَبَتْ إلَى الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ أَوْ بِصُنْعِ إنْسَانٍ بِأُصْبُعٍ أَوْ خَشَبَةٍ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْمُشْتَرِي مِنْ رَدِّهَا
-
وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَثُبُوتُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي وَسُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ إذَا كَانَتْ بِكْرًا بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْبَكَارَةِ دُونَ الْوَطْءِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ هُوَ ثَمَرَةٌ كَمَا بَيَّنَّا وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي كَتَنَاوُلِ الثِّمَارِ وَاللَّبَنِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فَيُقَابِلُهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا صَارَ مَقْصُودًا يَتَنَاوَلُ الْبَيْعَ وَهَذَا الْجُزْءُ لَيْسَ بِمَالٍ
-
13/9713/97
مُتَقَوِّمٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالنِّكَاحِ وَالْمَمْلُوكُ بِالنِّكَاحِ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ثُمَّ الْمَبِيعَةُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ وَفِي حُكْمِ الْوَطْءِ إنَّمَا تَصِيرُ مَمْلُوكَةً لِلْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ فَإِنَّ الْوَطْءَ تَصَرُّفٌ، وَمِلْكُ التَّصَرُّفِ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ وَلِهَذَا لَا يُجْتَزَأُ بِالْحَيْضَةِ الَّتِي تُوجَدُ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ اسْتِبْرَاءِ الْمُشْتَرِي فَلِهَذَا لَمْ يُوجَبْ الْعَقْدُ عَلَى الْبَائِعِ إذَا وَطِئَهَا وَسَنُقَرِّرُ لِأَبِي حَنِيفَةَ الْكَلَامَ فِي مَوْضِعِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الِاسْتِخْدَامِ فَالْمَنْفَعَةُ لَيْسَتْ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ، وَلَكِنَّهَا أَعْرَاضٌ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَهُوَ يَتَبَدَّلُ وَيَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهَا فِي عَيْنِ الْمِلْكِ وَاسْتِيفَاؤُهَا بِخُلُوٍّ عَنْ عُقُوبَةٍ أَوْ غَرَامَةٍ فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِالرَّدِّ أَنَّهُ اسْتَخْدَمَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
-
وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا فَلِهَذَا لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِسَبَبِ الِاسْتِخْدَامِ
-
بِخِلَافِ الْوَطْءِ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ قُلْنَا: يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْفَائِتَ صَارَ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ لِلْمُشْتَرِي، وَقَدْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ فَيَرُدُّ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْمَنْعِ فَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ فَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ يُقَوِّمَهَا وَبِهَا الْعَيْبُ وَيُقَوِّمَهَا وَلَا عَيْبَ بِهَا،
-
فَإِنْ كَانَ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ الْعُشْرَ رَجَعَ بِعُشْرِ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ كَانَ نِصْفَ الْعُشْرِ رَجَعَ بِنِصْفِ عُشْرِ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ: رُدَّهَا عَلَيَّ فَأَنَا أَرْضَى بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَرُدُّهَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الرَّدِّ حَقُّهُ وَقَدْ زَالَ حِينَ رَضِيَ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَطَأْهَا وَلَكِنْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَرُدَّهَا عِنْدَنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا نُقْصَانَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ؛
-
لِأَنَّ رَدَّ الْبَدَلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ بِمَنْزِلَةِ رَدِّ الْعَيْنِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: حَقُّ الرَّدِّ لِلْمُشْتَرِي إنَّمَا ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِطَرِيقٍ لَا يَلْحَقُ الضَّرَرُ فِيهِ بِالْبَائِعِ وَبَعْدَمَا تَعَيَّبَ عِنْدَهُ لَوْ رَدَّهَا كَانَ فِي ذَلِكَ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِالْبَائِعِ،
-
وَلَا يُقَالُ لَا بُدَّ مِنْ إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِأَحَدِهِمَا فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْمُشْتَرِي فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ لَهُ الْعَيْبَ وَالْمُشْتَرِي صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الشَّرْعَ يَنْظُرُ لَهُمَا جَمِيعًا وَالضَّرَرُ عَنْ الْمُشْتَرِي يَنْدَفِعُ إذَا أَثْبَتْنَا لَهُ حَقَّ الرُّجُوعِ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ فَذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْ الرَّدِّ كَمَا قَبَضَ لَا لِتَصَرُّفٍ يُبَاشِرُهُ الْبَائِعُ وَلَوْ رَدَّهُ تَضَرَّرَ الْبَائِعُ بِتَصَرُّفٍ يُبَاشِرُهُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ رَدُّهَا عَلَيْهِ فَكَانَ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْبَائِعِ أَوْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
-
وَإِذَا لَمْ يَرُدَّهَا رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا بَيَّنَّا إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِأَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الرَّدِّ حَقُّ الْبَائِعِ وَقَدْ رَضِيَ بِالْتِزَامِ هَذَا الضَّرَرِ
-
قَالَ، فَإِنْ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي بَعْدَمَا رَأَى الْعَيْبَ بِهَا وَقَدْ وَطِئَهَا
-
13/9813/98
أَوْ تَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِنُقْصَانِ عَيْبِهَا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ أَنَا أَقْبَلُهَا فَإِنَّمَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِبَيْعِ الْمُشْتَرِي إيَّاهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ، وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذَا أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجُوزُ رَدُّهَا بِرِضَا الْبَائِعِ فَإِذَا بَاعَهَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ عَيْبِهَا وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا،
-
وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ فَبَيْعُهُ إيَّاهَا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الرَّدِّ هُنَا بِمَعْنًى حُكْمِيٍّ دُونَ بَيْعِ الْمُشْتَرِي إيَّاهَا وَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِبَيْعِ الْمُشْتَرِي إيَّاهَا فَكَأَنَّهُ حَبَسَهَا عِنْدَهُ، وَأَرَادَ الرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَقَطَعَهُ وَلَمْ يَخِطْهُ حَتَّى رَأَى بِهِ الْعَيْبَ ثُمَّ بَاعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛
-
لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ يَجُوزُ رَدُّهُ إذَا رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِبَيْعِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ،
-
وَلَوْ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ ثُمَّ رَأَى بِهِ الْعَيْبَ فَبَاعَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ كَانَ مُتَعَذَّرًا قَبْلَ الْبَيْعِ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ بِصِفَةِ الْخِيَاطَةِ الَّتِي أَحَدَثَ الْمُشْتَرِي فِيهِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ بِعُصْفُرٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَبَاعَهُ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ كَانَ مُتَعَذَّرًا قَبْلَ الْبَيْعِ لِلزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ فِي الثَّوْبِ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَلَوْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -؛
-
لِأَنَّ السَّوَادَ عِنْدَهُمَا زِيَادَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ السَّوَادُ نُقْصَانٌ كَالْقَطْعِ فَإِنَّمَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِبَيْعِهِ إيَّاهُ فَلَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي كِتَابِ الْغَصْبِ
-
قَالَ: وَلَوْ وَطِئَهَا غَيْرُ الْمُشْتَرِي بِزِنًا لَمْ يَرُدَّهَا الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ لِحُدُوثِ الْعَيْبِ بِهَا عِنْدَهُ بِالزِّنَا فَالزِّنَا عَيْبٌ فِي الْجَارِيَةِ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ رُدَّهَا عَلَيَّ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا جَنَى عَلَيْهَا أَجْنَبِيٌّ فَالْجِنَايَةُ تُوجِبُ الْأَرْشَ وَالْأَرْشُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْعَيْنِ حُكْمًا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ عِنْدَنَا،
-
وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ،
-
وَأَمَّا الزِّنَا فَلَا يُوجِبُ إلَّا الْحَدَّ وَوَازَنَ الْأَرْشُ النِّكَاحَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ زَوَّجَهَا فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ أَوْ لَمْ يَطَأْهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِهِ لِمَكَانِ الْمَهْرِ الَّذِي وَجَبَ بِالنِّكَاحِ لِلْمُشْتَرِي،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ وُطِئَتْ بِالشُّبْهَةِ وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي الْعَقْدَ لَمْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ بَعْدَ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِهِ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ قَدْ تَعَذَّرَ فَيَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْ الْمُشْتَرِي بِرَدِّ حِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ عَلَيْهِ وَكُلُّ عَيْبٍ وَجَدَهُ الْمُشْتَرِي فِي السِّلْعَةِ فَعَرَضَهَا بَعْدَمَا رَآهُ عَلَى بَيْعٍ أَوْ وَطِئَهَا أَوْ قَبَّلَهَا أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ أَجَّرَهَا أَوْ رَهَنَهَا أَوْ كَاتَبَهَا فَذَلِكَ رِضًا مِنْهُ بِالْعَيْبِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَلَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ عَيْبِهَا؛
-
لِأَنَّهُ يَعْرِضُهَا عَلَى الْبَيْعِ لِحَاجَتِهِ إلَى ثَمَنِهَا، وَذَلِكَ دَلِيلُ الرِّضَا مِنْهُ بِسُقُوطِ حَقِّهِ مِنْ
-
13/9913/99
الثَّمَنِ الْمَدْفُوعِ إلَى الْبَائِعِ، وَدَلِيلُ الرِّضَا كَصَرِيحِ الرِّضَا،
-
وَأَمَّا الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ فَلَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ الْمُتَقَرِّرِ فَإِقْدَامُهُ عَلَيْهِ دَلِيلُ الرِّضَا بِتَقَرُّرِ مِلْكِهِ فِيهَا،
-
وَلَوْ وَجَدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ امْتَنَعَ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ، كَانَ هَذَا فِي الْقِيَاسِ رِضًا فَبَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ أَوْلَى إلَّا أَنَّ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ لَمْ يَصِرْ هُوَ رَاضِيًا بِالْعَيْبِ فَيَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ وَبَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ يَصِيرُ هُوَ بِالْإِقْدَامِ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ رَاضِيًا بِالْعَيْبِ وَلَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ،
-
وَأَمَّا الْإِجَارَةُ وَالرَّهْنُ فَلِأَنَّهُ أَوْجَبَ هَذَا التَّصَرُّفَ لِلْغَيْرِ فِيهَا حَقًّا لَازِمًا.
-
وَذَلِكَ يُعْجِزُهُ عَنْ رَدِّهَا فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ دَلِيلُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ وَالْكِتَابَةُ تُوجِبُ لَهَا حَقًّا لَازِمًا فِي نَفْسِهَا، وَذَلِكَ يُعْجِزُهُ عَنْ رَدِّهَا فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ دَلِيلُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ وَدَلِيلُ الرِّضَا فِيمَا يُسْقِطُ الْخِيَارَ كَصَرِيحِ الرِّضَا
-
قَالَ: وَلَوْ اسْتَخْدَمَهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ كَانَ هَذَا فِي الْقِيَاسِ رِضًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْدِمُهَا لِمِلْكِهِ فِيهَا فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ دَلِيلُ الرِّضَا وَيَتَقَرَّرُ مِلْكُهُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هَذَا لَا يَكُونُ رِضًا بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ يَتَوَسَّعُونَ فِي الِاسْتِخْدَامِ فَقَدْ يَسْتَخْدِمُ الْإِنْسَانُ مِلْكَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَخْدِمُهَا لِلِاخْتِبَارِ أَنَّهَا مَعَ هَذَا الْعَيْبِ هَلْ تَصْلُحُ لِخِدْمَتِهِ أَمْ لَا فَكَانَ ذَلِكَ اخْتِبَارًا لَا اخْتِيَارًا وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ فَهُوَ رِضًا مِنْهُ؛
-
لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ الْمِلْكِ وَقَلَّمَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ دَلِيلَ الرِّضَا فَيَتَقَرَّرُ مِلْكُهُ
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا، غَيْرَ أَنِّي أَسْتَحْسِنُ إذَا رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَعْلِفَهَا أَوْ لِيَسْقِيَهَا أَوْ لِيَرُدَّهَا أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا رِضًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي رَدِّهَا إلَى سَوْقِهَا، وَرُبَّمَا لَا تَنْقَادُ لَهُ مَا لَمْ يَرْكَبْهَا،
-
وَكَذَلِكَ فِي سَقْيِهَا وَعَلْفِهَا فَالرُّكُوبُ لِأَجْلِهِ لَا يَكُونُ دَلِيلَ الرِّضَا مِنْهُ، وَإِنَّمَا دَلِيلُ الرِّضَا أَنْ يَرْكَبَهَا فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْ يُسَافِرَ عَلَيْهَا
-
قَالَ: وَإِذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الرَّجُلِ أَوْ وَطِئَهَا ثُمَّ بَاعَهَا وَكَتَمَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ مَا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا أَوْ يُؤْثِرُ نُقْصَانًا فِي الْمَالِيَّةِ وَصِفَةُ الثُّيُوبَةِ لَا يَعُدُّهَا التُّجَّارُ عَيْبًا فَالْجَوَارِي عَلَيْهَا فِي أَغْلَبِ أَحْوَالِهِنَّ وَالْبَكَارَةُ صِفَةٌ زَائِدَةٌ لَا تُسْتَحَقُّ إلَّا بِالشَّرْطِ وَالْوِلَادَةُ كَذَلِكَ، فَالنُّقْصَانُ الْمُمْكِنُ فِيهَا بِسَبَبِهَا يَزُولُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَبَعْدَ زَوَالِهِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَالِيَّةِ الْعَيْنِ فَلَا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا وَفِي كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ يَقُولُ الْجَارِيَةُ إذَا وَلَدَتْ فَهَذَا فِيهَا عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهَا إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ؛
-
لِأَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِالْوِلَادَةِ كَسْرٌ لَا يَرْتَفِعُ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي عُكَنِ بَطْنِهَا وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً بَعْدَمَا وَطِئَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ الْوَطْءُ نَقَصَهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ عُرْفُ التُّجَّارِ، وَهُمْ لَا يَعُدُّونَ هَذَا مِنْ الْخِيَانَةِ وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ لَيْسَ بِمَالٍ وَبَيْعُ الْمُرَابَحَةِ يُلَاقِي
-
13/10013/100
مَالِيَّتَهَا فَاسْتِيفَاءُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ مِنْهَا إذَا كَانَ لَا يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي مَالِيَّتِهَا لَا يُعْتَبَرُ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا فَإِنَّ الْوَطْءَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُؤْثَرُ نُقْصَانًا فِي مَالِيَّتِهَا وَالنُّقْصَانُ فِيهَا إذَا كَانَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي فَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً
-
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَأَعْتَقَهَا أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ وَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا لِبُطْلَانِ مِلْكِهِ فِيهَا وَخُرُوجِهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ، وَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الرَّدِّ كَانَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ كَمَا لَوْ قَبِلَهَا وَهَذَا؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا اكْتَسَبَ سَبَبًا يَتَعَذَّرُ الرَّدُّ فِيهِ كَانَ حَابِسًا لَهَا حُكْمًا فَكَأَنَّهَا فِي يَدِهِ يَحْبِسُهَا وَيُرِيدُ الرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ عَيْبِهَا؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَقَرَّرَ فِيهَا بِمَا صَنَعَ، أَمَّا التَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ فَلَا يُزِيلُ الْمِلْكَ وَلَكِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلَّ النَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ،
-
وَأَمَّا الْعِتْقُ فَهُوَ مِنْهُ لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْآدَمِيِّ إلَى وَقْتِ الْعِتْقِ وَالشَّيْءُ يَنْتَهِي بِمُضِيِّ مُدَّتِهِ وَالْمُنْتَهِي مُتَقَرِّرٌ فِي نَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ بِالْعِتْقِ، وَالْوَلَاءُ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْمِلْكِ فَبَقَاؤُهُ كَبَقَاءِ أَصْلِ الْمِلْكِ فَمَتَى تَعَذَّرَ الرَّدُّ مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ الْمُسْتَفَادِ بِالشِّرَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛
-
لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْمِلْكَ بِصِفَةِ السَّلَامَةِ كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ.
-
يُوَضِّحُهُ أَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ عِنْدَهُ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ تَنْتَهِي مُدَّةُ حَيَاتِهِ وَالْمِلْكُ فِيهَا لِاعْتِبَارِهَا فَكَذَلِكَ بِالْعِتْقِ يَنْتَهِي الرِّقُّ وَالْمَالِيَّةُ فِيهَا بِاعْتِبَارِهَا،
-
وَأَمَّا إذَا قَتَلَهَا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ مَوْتٌ بِأَجَلٍ فَكَأَنَّهَا مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ الْقَتْلِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِعْلٌ مَضْمُونٌ لَوْ بَاشَرَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَانَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ هُنَا لِمِلْكِهِ فِيهَا، وَذَلِكَ فِي مَعْنَى عِوَضٍ سُلِّمَ لَهُ فَكَأَنَّهُ بَاعَهَا
-
بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَنْفُذُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ.
-
وَإِنْ نَفَذَ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ مُطْلَقًا حَتَّى إذَا كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا فَهُوَ لَمْ يَسْتَفِدْ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا،
-
وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَتْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ مَضْمُونٌ فِيهَا، أَمَّا إذَا بَاعَهَا ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ فِيهَا لَمْ يَرْجِعْ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَاصَمَ إنَّمَا يُخَاصِمُ فِي عَيْبِ مِلْكِ الْغَيْرِ؛ وَلِأَنَّهُ نَالَ الْعِوَضَ حَيْثُ بَاعَهَا بِصِفَةِ السَّلَامَةِ؛ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ وَالتَّسْلِيمَ فِعْلٌ مُضَمَّنٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَتْلِ وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةُ فِي هَذَا كَالْبَيْعِ؛
-
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْمِلْكَ فِيهَا بِاخْتِيَارِهِ فَيَكُونُ قَاطِعًا مِلْكَهُ الَّذِي اسْتَفَادَهُ مِنْ جِهَةِ
-
13/10113/101
الْبَائِعِ فَكَانَ كَالْبَيْعِ ثُمَّ هَذَا فِعْلٌ مَضْمُونٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَإِنَّمَا اسْتَفَادَ الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ فِيهَا قَالَ:
-
وَلَوْ بَاعَ مِنْهَا بَعْضًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ عِنْدَنَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ نُقْصَانَ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّ مَا بَقِيَ وَلَكِنَّهُ مَعِيبٌ بِعَيْبِ الشَّرِكَةِ وَلَوْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ بِعَيْبٍ آخَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهَا مَعِيبَةً، فَهَذَا مِثْلُهُ وَلَكِنَّا نَقُولُ عَجَزَ عَنْ رَدِّ الْبَاقِي عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَبَضَ؛
-
لِأَنَّهُ قَبْضٌ غَيْرُ مَعِيبٍ وَإِنَّمَا حَدَثَ عَيْبُ الشَّرِكَةِ عِنْدَهُ وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ وَسَبَبُ هَذَا كَانَ بَيْعَ النِّصْفِ وَمَتَى كَانَ تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِسَبَبِ الْبَيْعِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ مِنْ نُقْصَانِ الْعَيْبِ كَمَا لَوْ بَاعَ الْكُلَّ وَعِنْدَ زُفَرَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ إذَا لَمْ يَبِعْ،
-
وَلَوْ كَاتَبَهَا فَالْكِتَابَةُ نَظِيرُ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ لَهَا حَقًّا بِعِوَضٍ يَسْتَوْجِبُهُ الْمَوْلَى عَلَيْهَا فَلَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ بَعْدَ ذَلِكَ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهَا بِمَالٍ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهَا بِعِوَضٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَهَا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْهُ لِلرِّقِّ سَوَاءٌ كَانَ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ الْوَلَاءُ فِي الْوَضْعَيْنِ جَمِيعًا،
-
وَلَوْ قَتَلَهَا أَجْنَبِيٌّ لَمْ يَرْجِعْ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعِوَضَ مِنْ الْقَاتِلِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ عِوَضٍ سُلِّمَ لَهُ بِالْبَيْعِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ثَوْبًا فَأَحْرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ طَعَامًا فَأَكَلَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ لِلْمُشْتَرِي الْعِوَضَ مِنْ جِهَتِهِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي أَحْرَقَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَفَادَ الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ بِسَبَبِ مِلْكِهِ.
-
قَالَ: وَلَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ حَتَّى تَخَرَّقَ أَوْ أَكَلَ الطَّعَامَ ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ صَنَعَ بِالْمَبِيعِ مَا يُشْتَرَى لِأَجْلِهِ وَيُعْتَادُ فِعْلُهُ بِهِ فَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ مِنْهُ فِي الْمَبِيعِ فَلَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ كَالْإِحْرَاقِ وَالْقَتْلِ؛
-
وَهَذَا لِأَنَّ اللُّبْسَ وَالْأَكْلَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ الْبَرَاءَةَ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ فِي الْمَحَلِّ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ عِوَضٍ سُلِّمَ إلَيْهِ وَكَمَا أَنَّ الْأَكْلَ وَاللُّبْسَ مَقْصُودَانِ بِالشِّرَاءِ فَالْبَيْعُ مَقْصُودٌ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي إثْبَاتِ حَقِّ الرُّجُوعِ لَهُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ لِسَلَامَةِ الْعِوَضِ لَهُ فَكَذَلِكَ الْأَكْلُ،
-
وَإِنْ أَكَلَ بَعْضَ الطَّعَامِ ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ الْبَعْضَ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ فِي الْحُكْمِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ
-
13/10213/102
فَلَا يَرُدُّ بَعْضَهُ بِالْعَيْبِ دُونَ الْبَعْضِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ رِوَايَتَانِ فِيمَا إذَا أَكَلَ الْبَعْضَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ يُرَدُّ بَعْضُهُ بِالْعَيْبِ وَأَكْلَ الْكُلِّ عِنْدَهُمَا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ فَأَكْلُ الْبَعْضِ أَوْلَى وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَرُدُّ مَا بَقِيَ؛
-
لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الرَّدِّ كَمَا قَبَضَهُ وَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ فِيمَا أَكَلَهُ وَبَعْدَ بَيْعِ الْبَعْضِ عَنْهُمَا رِوَايَتَانِ أَيْضًا فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَبَيْعُ الْبَعْضِ فِيهِ كَبَيْعِ الْكُلِّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَرُدُّ مَا بَقِيَ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ وَلَكِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ فِيمَا إذَا بَاعَ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ
-
قَالَ وَإِذَا طَحَنَ الْحِنْطَةَ أَوْ لَتَّ السَّوِيقَ ثُمَّ عَلِمَ بِعَيْبٍ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الْمُسْتَفَادَ لَهُ بِالشِّرَاءِ بَاقٍ وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ لِمَكَانِ الزِّيَادَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْعَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ إذَا قَطَعَهُ وَخَاطَهُ أَوْ صَبَغَهُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ.
-
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى خُفَّيْنِ أَوْ نَعْلَيْنِ أَوْ مِصْرَاعَيْ بَابٍ فَوَجَدَ فِي أَحَدِهِمَا عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُمَا فِي الصُّورَةِ شَيْئَانِ وَفِي الْمَنْفَعَةِ وَالْمَعْنَى كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الِانْتِفَاعُ الْمَقْصُودُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْأُخْرَى وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمَعْنَى وَفِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ وُجُودُ الْعَيْبِ بِجُزْءٍ مِنْهُ مُمْكِنٌ مِنْ رَدِّ الْكُلِّ؛
-
لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً لَعَادَ إلَى الْبَائِعِ بِعَيْبٍ حَادِثٍ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ وَذَلِكَ عَيْبٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ الَّذِي لَيْسَ بِهِ عَيْبٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ كَمَا فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ حَقِيقَةً إذَا بَاعَ بَعْضَهُ، أَمَّا إذَا اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ وَقَبَضَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا رَدَّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَقَالَ زُفَرُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ أَحَدَهُمَا؛
-
لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَاحِدَةٌ وَضَمُّ الْجَيِّدِ إلَى الرَّدِيءِ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ،
-
وَلَوْ رَدَّ الْمَعِيبَ تَضَرَّرَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِي الرَّدِّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا،
-
وَكَذَلِكَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الصَّفْقَةُ قَدْ تَمَّتْ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ ثُمَّ عِلَّةُ الرَّدِّ الْعَيْبُ وَذَلِكَ وُجِدَ فِي أَحَدِهِمَا وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِحَسَبِ الْعِلَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْقَبْضِ لَنْ يَتَخَيَّرَ فِي الْآخَرِ فَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ الْعَيْبُ فِي أَحَدِهِمَا بِخِلَافِ النَّعْلَيْنِ
-
13/10313/103
فَهُنَاكَ لَوْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْآخَرَ لِاتِّصَالِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ انْتِفَاعًا وَبِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ بِالْقَبْضِ،
-
وَكَذَلِكَ خِيَارُ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَتِمُّ قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ لَا يَجُوزُ ثُمَّ إنْ تَضَرَّرَ الْبَائِعُ هُنَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُهُ زُفَرُ فَكَذَلِكَ مِنْ قَبْلِ تَدْلِيسِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا ثُبُوتُهُ فِي الْآخَرِ كَمَا لَوْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ.
-
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ بَاعَهُ فَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ فَإِنَّهُ حَصَلَ بِتَرَاضِيهِمَا وَالْإِقَالَةُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ بَيْعٍ مُبْتَدَإٍ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ الْمِلْكُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فِي حَقِّهِ فَلِهَذَا لَا يُخَاصِمُهُ فِي عَيْنِهِ قَالَ وَلَوْ قَبِلَهُ بِقَضَاءِ قَاضٍ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَيْهِ أَوْ بِإِبَاءِ الْيَمِينِ أَوْ بِإِقْرَارٍ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ بَاعَهُ وَالْعَيْبَ بِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ إنْ كَانَ لَهُ عَلَى الْعَيْبِ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا اسْتَحْلَفَهُ؛
-
لِأَنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَسْخٌ فَإِنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ الْفَسْخِ بِسَبَبٍ دُونَ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ فَيَعُودُ إلَيْهِ الْمِلْكُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ فَهُوَ عَلَى خُصُومَتِهِ فِي الْعَيْبِ مَعَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبَهُ ثُمَّ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ إلَّا أَنَّ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ الْقَضَاءُ وَغَيْرُ الْقَضَاءِ سَوَاءٌ
-
بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا الْفَرْقَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ.
-
قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَلَهَا زَوْجٌ أَوْ عَبْدًا وَلَهُ امْرَأَةٌ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِمَّا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا فِي الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ جَمِيعًا وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ الِاسْتِفْرَاشُ وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَخْتَلُّ إذَا ظَهَرَ أَنَّهَا مَنْكُوحَةُ الْغَيْرِ وَفِي الْعَبْدِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَذَلِكَ يَنْقُصُ مِنْ مَالِيَّتِهِ فَلِهَذَا كَانَ النِّكَاحُ عَيْبًا فِيهِمَا جَمِيعًا.
-
وَإِذَا اشْتَرَى شَاةً أَوْ بَقَرَةً فَحَلَبَهَا وَشَرِبَ اللَّبَنَ ثُمَّ عَلِمَ بِعَيْبِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
-
وَالْأَصْلُ أَنَّ الزِّيَادَةَ نَوْعَانِ: مُتَّصِلَةٌ: وَمُنْفَصِلَةٌ وَالْمُتَّصِلَةُ نَوْعَانِ: زِيَادَةٌ غَيْرُ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْعَيْنِ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ فِي السَّوِيقِ وَهِيَ تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بِالِاتِّفَاقِ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْمُشْتَرِي فِي مَالِيَّةِ الزِّيَادَةِ وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الَّتِي هِيَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْأَصْلِ كَالسِّمَنِ وَانْجِلَاءِ الْبَيَاضِ مِنْ الْعَيْنِ، وَثِيَابٌ لِلُّبْسِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِهَا فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا حَدَثَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ انْقِسَامِ الثَّمَنِ بِسَبَبِهَا وَقِيلَ
-
13/10413/104
عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تَمْنَعُ عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ التَّحَالُفِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فَهِيَ نَوْعَانِ: عَيْنٌ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْأَصْلِ كَالْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ فَلَا تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَلَكِنَّ الزِّيَادَةَ تُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ ثُمَّ الْكَسْبُ وَالْغَلَّةُ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ وَسَلَامَةُ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُشْتَرِي لَا تَمْنَعُ رَدَّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَكَذَلِكَ سَلَامَةُ بَدَلِ الْمَنْفَعَةِ،
-
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ الَّتِي هِيَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْأَصْلِ كَاللَّبَنِ وَالثِّمَارِ وَالْوَلَدِ، الْعَقْدُ إذَا وُطِئَتْ الْجَارِيَةُ بِالشُّبْهَةِ وَالْأَرْشُ إذَا جَنَى عَلَيْهَا بَعْدَمَا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي فَهُوَ يَمْنَعُ رَدَّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ عِنْدَنَا.
-
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَمْنَعُ وَلَكِنْ يُرَدُّ الْأَصْلُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَالزِّيَادَةُ تُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ تُمَلَّكُ بِسَبَبِ مِلْكِ الْأَصْلِ فَلَا يُمْنَعُ رَدُّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ كَالْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ وَتَأْثِيرُهُ أَنَّهُ لَا يُقَابِلُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لَا عِنْدَ الْعَقْدِ وَلَا عِنْدَ الْقَبْضِ فَكَانَ جَمِيعُ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ إذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْأَصْلَ بِالْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ اسْتَهْلَكَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِمَبِيعَةٍ؛
-
لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَا يُقَابِلُهُ الثَّمَنُ فَلَوْ صَارَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَبِيعَةً لَقَابَلَهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا قُلْتُمْ فِي الزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي مَعَ الْأَصْلِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِعَيْبٍ إذَا وُجِدَ بِهَا فَلَوْ صَارَتْ مَبِيعَةً لَثَبَتَ فِيهَا حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيَجُوزُ فَسْخُ سَبَبِ الْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ مَعَ بَقَاءِ الزِّيَادَةِ سَالِمَةً لِلْمُتَمَلِّكِ كَالْمَوْهُوبَةِ إذَا زَادَتْ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً ثُمَّ رَجَعَ الْوَاهِبُ فِيهَا تَبْقَى الزِّيَادَةُ سَالِمَةً لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ تَمَلُّكَ الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ تَمَلُّكُ مَبِيعٍ فَلَوْ رَدَّ الْأَصْلَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لَبَقِيَتْ الزِّيَادَةُ لَهُ مَبِيعًا بِلَا ثَمَنٍ وَذَلِكَ رِبًا وَبَيَانُ هَذَا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِمِلْكِ الزِّيَادَةِ سِوَى التَّوَلُّدِ مِنْ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَسْرِي إلَيْهَا الْمِلْكُ الثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ وَمِلْكُهُ فِي الْأَصْلِ مِلْكٌ مَبِيعٌ؛
-
لِأَنَّ هَذَا الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُ بِالشِّرَاءِ وَمَا ثَبَتَ فَهُوَ بَاقٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مَنْفِيٍّ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ ذَلِكَ الْمِلْكِ التَّصَرُّفُ فِي الْعَقْدِ بِالْإِقَالَةِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِلْكَهُ فِي الْأَصْلِ مِلْكٌ مَبِيعٌ فَذَلِكَ الْمِلْكُ يَسْرِي إلَى الزِّيَادَةِ؛
-
لِأَنَّ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ عَيْنِ الشَّيْءِ يَكُونُ بِصِفَتِهِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ وَوَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ يَكُونُ الْمِلْكُ فِيهِ بِصِفَةِ الْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ وَبِهِ
-
13/10513/105
فَارَقَ الْكَسْبَ وَالْغَلَّةَ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ مُبْتَدَإٍ وَمَا سَرَى إلَيْهِ مِلْكُ الْأَصْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْكِتَابَةِ،
-
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ قُلْنَا لَيْسَ بِمُقَابَلَتِهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ مَحْضٌ وَالثَّمَنُ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ دُونَ الْبَيْعِ كَأَطْرَافِ الْمَبِيعِ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَصِيرَ مَقْصُودًا بِالتَّنَاوُلِ فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ إنْ حَدَثَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي مَعَ الْأَصْلِ صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالتَّنَاوُلِ فَيُقَابِلُهَا جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ صِفَةِ السَّلَامَةِ فِيهَا،
-
فَإِذَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِذَلِكَ وَقَبْلَ الْقَبْضِ لَمَّا كَانَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ كَانَ رَدُّهَا مَقْصُودًا، وَلَكِنْ يَرُدُّهَا مَعَ الْأَصْلِ تَبَعًا وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَمْ تَصِرْ مَقْصُودَةً بِالتَّنَاوُلِ وَالْقَبْضِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَلَا يُقَابِلُهَا ثَمَنٌ فَلِهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَلَا يَرُدَّ الْأَصْلَ دُونَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛
-
لِأَنَّهَا تَبْقَى مَبِيعَةً سَالِمَةً لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالرِّبَا لَيْسَ إلَّا هَذَا وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ رَدَّهَا،
-
وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الرَّدِّ لِحَقِّ الشَّرْعِ؛ وَلِهَذَا رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ.
-
وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مُمْتَنِعٌ لِمَكَانِ الزِّيَادَةِ سَوَاءٌ رَضِيَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَرْضَ وَلَا يُقَالُ قَبْلَ رَدِّ الْأَصْلِ الزِّيَادَةُ تُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي مَبِيعًا بِلَا ثَمَنٍ فَكَذَلِكَ بَعْدَ رَدِّ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْأَصْلِ الزِّيَادَةُ تَبَعٌ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ يَعْنِي عَنْ اعْتِبَارِ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ الْمَبِيعِ،
-
فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ فَقَدْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهِ فَالزِّيَادَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَكُونُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَإِذَا صَارَتْ مَقْصُودَةً وَلَا يُقَابِلُهَا ثَمَنٌ كَانَتْ رِبًا؛ وَلِهَذَا يُرَدُّ الْأَصْلُ بِالْعَيْبِ بَعْدَ هَلَاكِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ زِيَادَةٌ كَانَتْ تَبْقَى لِلْمُشْتَرِي مَبِيعًا بِلَا ثَمَنٍ وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ إذَا هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ،
-
وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا أَجْنَبِيٌّ غَرِمَ بَدَلَهَا فَسَلَامَةُ الْبَدَلِ لِلْمُشْتَرِي كَسَلَامَةِ الْأَصْلِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي اسْتَهْلَكَهَا فَلِأَنَّهُ حَابِسٌ لَهَا بِاسْتِهْلَاكِهِ أَوْ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ بِمِلْكِهِ فِيهَا، وَذَلِكَ بِمَعْنَى عِوَضٍ سُلِّمَ إلَيْهِ مِنْهَا فَمَنْفَعَةُ ذَلِكَ مِنْ رَدِّهَا بِالْعَيْبِ
-
بِخِلَافِ الْمَوْهُوبَةِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الرُّجُوعِ فِي الْأَصْلِ هُنَاكَ الزِّيَادَةُ تَبْقَى لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالْأَصْلُ كَانَ سَالِمًا مَوْهُوبًا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ رِبًا فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرِّبَا إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ دُونَ التَّبَرُّعَاتِ.
-
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا فَوَجَدَهُ مُخَنَّثًا أَوْ سَارِقًا أَوْ كَافِرًا لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَنْ الْعَيْبِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اشْتَرَى مِنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ عَبْدًا وَكَتَبَ فِي عُهْدَتِهِ هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ
-
13/10613/106
الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ عَبْدًا لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ بَيْعُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ» فَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمَبِيعِ عَنْ الْعَيْبِ وَتَفْسِيرُ الدَّاءِ فِيمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْمَرَضُ فِي الْجَوْفِ وَالْكَبِدِ قَالَ الْمَرَضُ مَا يَكُونُ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ وَالدَّاءُ مَا يَكُونُ فِي الْجَوْفِ وَالْكَبِدِ وَالرِّئَةِ وَفِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ الدَّاءُ الْمَرَضُ وَالْغَائِلَةُ لَا تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْأَفْعَالِ كَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِبْثَةُ هُوَ الِاسْتِحْقَاقُ وَقِيلَ الْجُنُونُ ثُمَّ الْمَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ إلَى عُرْفِ التُّجَّارِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ فَمَا يَعُدُّونَهُ عَيْبًا فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ أَوْ مَا يُنْقِصُ الْمَالِيَّةَ فَهُوَ عَيْبٌ؛
-
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيْعِ الِاسْتِرْبَاحُ، وَذَلِكَ بِالْمَالِيَّةِ فَمَا يُنْقِصُ الْمَالِيَّةَ فَهُوَ يُمْكِنُ خَلَلًا فِي الْمَقْصُودِ وَذَلِكَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ وَإِذَا وَجَدَ الْعَبْدَ مُخَنَّثًا، فَهَذَا مِمَّا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا فَيُمْكِنُ نُقْصَانًا فِي مَالِيَّتِهِ وَفِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِمِلْكِ الْعَبْدِ، وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَهُ سَارِقًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِمَقْصُودِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِخْدَامُهُ إذْ لَا يَأْتَمِنُهُ عَلَى مَالِهِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِهِ عَلَيْهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ،
-
وَإِنْ سَرَقَ مَالَ الْغَيْرِ يُقْطَعُ بِسَبَبِهِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَهُ كَافِرًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إذْ لَا عَيْبَ تَبْلُغُ دَرَجَتُهُ دَرَجَةَ الْكُفْرِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِخْدَامِهِ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ نَحْوَ اتِّخَاذِ الْمَاءِ لِطَهُورِهِ وَحَمْلِ الْمُصْحَفِ إلَيْهِ وَالْكَافِرُ نَجَسٌ لَا يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ،
-
وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ أَنَّهُ كَافِرٌ فَوَجَدَهُ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ
-
بِخِلَافِ شَرْطِهِ وَلَهُ فِي هَذَا الشَّرْطِ غَرَضٌ فَرُبَّمَا قَصَدَ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي الْمُحَقَّرَاتِ مِنْ الْأُمُورِ وَلَا يَسْتَخِيرُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُسْتَخْدَمَ الْمُسْلِمَ فِي مِثْلِهِ،
-
فَإِذَا فَاتَ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ يُمَكَّنُ مِنْ رَدِّهِ وَأَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - قَالُوا الْكُفْرُ عَيْبٌ فَذِكْرُهُ فِي الْعَقْدِ لَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرِّي مِنْ الْعَيْبِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ،
-
فَإِذَا هُوَ سَلِيمٌ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ وَجَدَهَ أَزْيَدَ مِمَّا شَرَطَ وَثُبُوتُ حَقِّ الرَّدِّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ،
-
فَإِذَا وَجَدَهُ أَزْيَدَ مِمَّا شَرَطَ فَلَا حَاجَةَ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِإِثْبَاتِ حَقِّ الرَّدِّ لَهُ.
-
قَالَ وَإِنْ وَجَدَ الْغُلَامَ زَانِيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ عَيْبَ الزِّنَا كَعَيْبِ السَّرِقَةِ أَوْ فَوْقَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْجَارِيَةِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَيْبٌ فَكَذَلِكَ فِي الْغُلَامِ وَلَكِنَّا نَقُولُ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ فَحْلٌ فَوَجَدَهُ أَفَحْلَ ثُمَّ الَّذِي بِهِ لَيْسَ إلَّا تَمَنِّي الزِّنَا فَإِنَّ تَمَنِّيَ الزِّنَا مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ فَإِنَّ فِعْلَ الزِّنَا لَا يَتَهَيَّأُ لِلْعَبْدِ إلَّا بِمَالٍ وَلَا مَالَ لَهُ
-
بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ ثُمَّ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعَبْدِ
-
13/10713/107
الِاسْتِخْدَامُ فِي أُمُورٍ خَارِجَ الْبَيْتِ وَزِنَاهُ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْمَوْلَى،
-
وَأَمَّا فِي الْجَارِيَةِ فَالْمَقْصُودُ هُوَ الِاسْتِفْرَاشُ وَزِنَاهَا يُخِلُّ بِهَذَا الْمَقْصُودِ فَإِنَّهَا تُلَوِّثُ عَلَيْهِ فِرَاشَهُ وَقِيلَ فِي الْغُلَامِ إذَا صَارَ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ بِحَيْثُ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ الْخَلَلُ فِي مَقْصُودِهِ فَكُلَّمَا يُوَجِّهُهُ فِي حَاجَتِهِ ذَهَبَ فِي مُتَابَعَةِ هَوَاهُ فَهُوَ كَالسَّرِقَةِ فَإِنَّهَا تَخِلُّ بِالِاسْتِخْدَامِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا،
-
وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَ الْعَبْدَ وَلَدَ زِنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِهِ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَمَالِيكِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا تُعْرَفُ أَنْسَابُهُمْ فَأَمَّا الْجَارِيَةُ إذَا كَانَتْ وَلَدَ زِنًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِمَقْصُودَةِ مِنْهَا، وَهُوَ الِاسْتِيلَادُ فَإِنَّ وَلَدَهُ يُعَيَّرُ بِأُمِّهِ إذَا كَانَتْ وَلَدَ زِنًا وَعَلَى هَذَا الْغُلَامُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا أَوْ الْجَارِيَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مَخْفُوضَةً فَفِي الْحِلْيَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْب هَذَا لَا يَكُونُ عَيْبًا لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَفِي الْمُولَدِ لَا يَكُون عَيْبًا فِي الصَّغِيرِ أَيْضًا وَيَكُونُ عَيْبًا بَعْدَ الْبُلُوغِ؛
-
لِأَنَّ الْمُولَدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُتْرَكُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ وَالتُّجَّارُ يَعُدُّونَ ذَلِكَ عَيْبًا فِي الْمُولَدِ.
-
قَالَ: وَالثُّؤْلُولُ عَيْبٌ إذَا كَانَ يُنْقِصُ الثَّمَنَ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقِصُهُ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ فَيُعْتَبَرُ نُقْصَانُ الْمَالِيَّةِ بِسَبَبِهِ وَالْخَالُ كَذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ الْخَالُ رُتْبَةً لَا تُنْقِصُ مِنْ الْمَالِيَّةِ، وَهُوَ إذَا كَانَ عَلَى الْخَدِّ وَقَدْ يَشِينُهُ إذَا كَانَ عَلَى رَأْسِ الْأَرْنَبَةِ وَذَلِكَ يُنْقِصُ مِنْ الْمَالِيَّةِ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يُنْقِصَهُ مِنْ الثَّمَنِ.
-
قَالَ وَالصُّهُوبَةُ فِي الشَّعْرِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ التُّجَّارَ يَعُدُّونَهُ عَيْبًا
-
وَكَذَلِكَ الشَّمَطُ فَإِنَّ الشَّمَطَ فِي أَوَانِهِ مِنْ الْهَرَمِ وَالْهَرَمُ عَيْبٌ وَفِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَمِنْ دَاءٍ فِي الْبَاطِنِ، وَهُوَ عَيْبٌ ثُمَّ اللَّوْنُ الْمُسْتَوِي لِلشَّعْرِ السَّوَادُ فَمَا سِوَى ذَلِكَ إذَا كَانَ يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ وَيَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا ثَبَتَ بِهِ حَقُّ الرَّدِّ.
-
قَالَ وَالْبَخَرُ عَيْبٌ فِي الْجَارِيَةِ وَلَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الْغُلَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ دَاءٍ، وَهُوَ نَتْنٌ فِي الْفَمِ وَهَذَا يُخِلُّ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْجَارِيَةِ، وَهُوَ الِاسْتِفْرَاشُ وَلَا يُخِلُّ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْغُلَامِ لِأَنَّهُ يَسْتَخْدِمُهُ بِالْبُعْدِ مِنْ نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ دَاءٍ فَالدَّاءُ نَفْسُهُ عَيْبٌ قَالَ وَالذَّفَرُ كَذَلِكَ، وَهُوَ نَتْنُ الْإِبْطِ، وَهُوَ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ الْجَارِيَةِ دُونَ الْغُلَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا لَا يَكُونُ فِي النَّاسِ مِثْلُهُ، فَهَذَا يَكُونُ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ، وَهُوَ يُنْقِصُ الثَّمَنَ.
-
قَالَ وَالْبَجَرُ عَيْبٌ، وَهُوَ انْتِفَاخٌ تَحْتَ السُّرَّةِ وَبِهِ سُمِّيَ بَعْضُ النَّاسِ أَبْجَرُ، وَهُوَ يَكُونُ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ وَيَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا وَالْأُدْرَةُ عَيْبٌ، وَهِيَ عِظَمُ الْخُصْيَتَيْنِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْآذَنُ عَيْبٌ، وَهُوَ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ مَنْخِرِهِ الْمَاءُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ
-
13/10813/108
وَتَرَى الذَّنِينَ عَلَى مِنْخَارِهِمْ ... يَوْمَ الْهِيَاجِ كَمَارِنِ النَّمْلِ
-
وَذَلِكَ يُسْتَقْذَرُ وَلَا يَكُونُ إلَّا لِدَاءٍ فِي الدِّمَاغِ.
-
وَالْيَسِرُ عَيْبٌ، وَهُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِيَسَارِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ بِيَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ يَسِرَ، وَهُوَ الْأَضْبَطُ الَّذِي يَعْمَلُ بِالْيَدَيْنِ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةً، وَلَيْسَ بِعَيْبٍ.
-
قَالَ وَالْعَشَى عَيْبٌ، وَهُوَ ضَعْفُ الْبَصَرِ حَتَّى لَا يُبْصِرَ مِنْ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ أَوْ شِدَّةِ الضَّوْءِ وَمِنْهُ يُسَمَّى الْأَعْشَى وَالْعَسَمُ عَيْبٌ، وَهُوَ يُبُوسَةٌ وَتَشَنُّجٌ فِي الْأَعْصَابِ مِنْهُ أَصْلُ الْعَرَجِ.
-
وَالسِّنُّ السَّوْدَاءُ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَهُوَ يَشِينُ صَاحِبَهُ وَالسَّوَادُ فِي السِّنِّ دَلِيلُ مَوْتِ السِّنِّ عِنْد مَنْ يَقُولُ فِي السِّنِّ حَيَاةٌ،
-
وَكَذَلِكَ السِّنُّ السَّاقِطَةُ عَيْبٌ ضِرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ وَيَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا ثُمَّ سُقُوطُ السِّنِّ فِيمَا لَا يَبْدُو مِنْهَا كَالطَّوَاحِينِ يُنْقِصُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَفِيمَا يَبْدُو مِنْهَا كَالضَّوَاحِكِ وَفِي الْأَصْلِ كَالنَّوَاجِذِ يُنْقِصُ مِنْ الْجَمَالِ وَلِهَذَا وَجَبَ الْأَرْشُ إذَا قَلَعَ مِنْ الْغَيْرِ وَأَفْسَدَ الْمَنْبَتَ.
-
قَالَ وَالظُّفْرُ الْأَسْوَدُ عَيْبٌ إذَا كَانَ يُنْقِصُ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ مِنْ الْجَمَالِ وَالسَّوَادُ فِي الظُّفْرِ دَلِيلُ مَوْتِهِ كَمَا فِي السِّنِّ وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ لَا يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ فِيمَنْ هُوَ أَسْوَدُ اللَّوْنِ كَالْحَبَشِيِّ وَإِنَّمَا يُنْقِصُ فِيمَنْ هُوَ أَبْيَضُ اللَّوْنِ كَالْأَتْرَاكِ وَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يُنْقِصُ الثَّمَنَ لَا يَثْبُتُ حَقُّ الرَّدِّ بِهِ.
-
وَالْإِبَاقُ مَرَّةً وَاحِدَةً عَيْبٌ مِنْ الصَّغِيرِ مَا دَامَ صَغِيرًا،
-
فَإِذَا بَلَغَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ إلَّا أَنْ يَأْبَقَ بَعْدَ الْكِبَرِ، وَهَذَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُمَيِّزُ، أَمَّا فِي الصَّغِيرِ جِدًّا، فَهَذَا لَا يَكُونُ عَيْبًا؛ لِأَنَّهُ يَضِلُّ وَلَا يَأْبَقُ وَالْإِبَاقُ يَكُونُ عَنْ قَصْدٍ مِنْهُ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَكِنَّهُ لَا يَهْتَدِي إلَى بَيْتِ مَوْلَاهُ فَيَضِلُّ كَالدَّابَّةِ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ مُمَيِّزًا فَالْإِبَاقُ وَالْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ، وَهُوَ عَيْبٌ فِيهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ،
-
فَإِذَا بَلَغَ زَالَ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ أَبَقَ بَعْدَ الْبُلُوغِ مَرَّةً فَهُوَ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا وَالسَّرِقَةُ كَذَلِكَ قَالَ وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ جِدًّا لَا يَكُونُ عَيْبًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ أَمْثَالِهِ عَادَةً وَأَمَّا الْجُنُونُ إذَا وُجِدَ مَرَّةً فَهُوَ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا سَوَاءٌ وُجِدَ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ أَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْفَرْقُ أَنَّ سَبَبَ الْجُنُونِ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَهُوَ آفَةٌ فِي الْعَقْلِ،
-
فَإِذَا وُجِدَ مَرَّةً فَأَثَرُهُ يَبْقَى فِيهِ مَا عَاشَ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ فِي حَمَالِيقِ عَيْنَيْهِ بِمَعْرِفَةِ أَهْلِ الْبَصَرِ فِيهِ وَأَمَّا سَبَبُ الْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ فَمُخَالِفٌ لِسَبَبِ هَذِهِ الْعُيُوبِ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ فِي الصِّغَرِ سَبَبُهُ سُوءُ الْأَدَبِ وَحُبُّ اللَّعِبِ وَسَبَبُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ التَّمَرُّدُ وَقِلَّةُ الْمُبَالَاةِ بِالْمَوْلَى، وَكَذَلِكَ السَّرِقَةُ سَبَبُهَا
-
13/10913/109
قَبْلَ الْبُلُوغِ قِلَّةُ التَّأَمُّلِ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ سَبَبُهَا التَّمَرُّدُ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِهَا عَلَى الصَّبِيِّ مَا يَجِبُ بِهَا عَلَى الْبَالِغِ وَسَبَبُ الْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ قَبْلَ الْبُلُوغِ اسْتِرْخَاءٌ فِي الْمَثَانَةِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ وَسَبَبُهُ فِي الْبُلُوغِ آفَةٌ فِي الْآلَةِ الْمَاسِكَةِ،
-
فَإِذَا وُجِدَ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ فَهُوَ عَيْبٌ مَا دَامَ صَغِيرًا،
-
فَإِذَا بَلَغَ زَالَ ذَلِكَ السَّبَبُ فَزَالَ الْحُكْمُ أَيْضًا،
-
فَإِذَا وُجِدَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَهُوَ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا؛ لِأَنَّ التُّجَّارَ يَعُدُّونَهُ عَيْبًا فَهُوَ يُنْقِصُ مِنْ الْمَالِيَّةِ وَالْإِبَاقُ سِوَى الْمَالِيَّةِ فِيهِ حُكْمًا فَكَانَ مِنْ أَفْحَشِ الْعُيُوبِ.
-
قَالَ وَالْحَبَلُ فِي بَنَاتِ آدَمَ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ الْمَالِيَّةَ وَيُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ وَلَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ فِي الْمَالِيَّةِ قَالَ وَالْقَرَنُ عَيْبٌ، وَهُوَ عَظْمٌ فِي الْمَأْتَى يَمْنَعُ الْوُصُولَ إلَيْهَا وَبِهِ قَصَدَ شُرَيْحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ أَقْعِدُوهَا فَإِنْ أَصَابَ الْأَرْضَ فَهُوَ عَيْبٌ وَالرَّتَقُ عَيْبٌ، وَهُوَ لَحْمٌ فِي الْمَأْتَى يَمْنَعُ وُصُولَ الْوَاطِئِ إلَيْهَا وَالْعَفَلُ عَيْبٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَأْتَى شَبَهُ الْكِيسِ لَا يَتَلَذَّذُ الْوَاطِئُ بِوَطْئِهَا وَهَذَا كُلُّهُ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ.
-
قَالَ وَالْبَرَصُ عَيْبٌ، وَهُوَ مَعْلُومٌ يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا فَيُنْقِصُ مِنْ الْمَالِيَّةِ قَالَ وَالْجُذَامُ عَيْبٌ، وَهُوَ قَبِيحٌ تَحْتَ الْجِلْدِ يُوجَدُ نَتْنُهُ مِنْ بُعْدٍ وَرُبَّمَا تَنْقَطِعُ الْأَعْضَاءُ بِهِ، وَهُوَ أَفْحَشُ الْعُيُوبِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ» قَالَ وَالْفَتَقُ عَيْبٌ، وَهُوَ رِيحٌ فِي الْمَثَانَةِ رُبَّمَا يَهِيجُ بِالْمَرْءِ فَيَقْتُلُهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ قَالَ وَالسِّلْعَةُ عَيْبٌ، وَهُوَ الْقُرُوح الَّتِي تَكُون فِي الْعُنُقِ وَيُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ خوك وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا لِدَاءٍ فِي بَدَنِهِ وَرُبَّمَا يَتْلَفُ بِسَبَبِهِ وَكُلُّ شَيْءٍ يُنْقِصُ الثَّمَنَ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ فَهُوَ عَيْبٌ؛
-
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْبَيْعِ الِاسْتِرْبَاحُ فَمَا يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ يَكُونُ خَلَلًا فِي الْمَقْصُودِ.
-
قَالَ وَالْكَيُّ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سِمَةً فِي بَعْضِ الدَّوَابِّ فَإِنَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا لَا يُرَدُّ بِهِ قَالَ وَالْفَدَعُ عَيْبٌ، وَهُوَ فِي الْكَفِّ زَيْغٌ فِي الرُّسْغِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعِدِ وَفِي الْقَدَمِ كَذَلِكَ زَيْغٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَظْمِ السَّاقِ وَفِي الْفَرَسِ هُوَ الْتِوَاءُ الرُّسْغِ عَنْ عَرْضِهِ الْوَحْشِيِّ، وَهُوَ الْجَانِبُ الْأَيْمَنُ قَالَ وَالْفَحَجُ عَيْبٌ، وَهُوَ فِي الْفَرَسِ تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ الْكَعْبَيْنِ وَالْأَفْحَجُ مِنْ الْآدَمِيِّ الَّذِي تَتَدَانَى صُدُورُ قَدَمَيْهِ وَتَتَبَاعَدُ عَقِبَاهُ وَتَنْفَحِجُ سَاقَاهُ وَالدَّحَسُ عَيْبٌ، وَهُوَ وَرَمٌ يَكُونُ فِي أَطْرَافِ حَافِرِ الْفَرَسِ قَالَ وَالصَّكَكُ عَيْبٌ، وَهُوَ أَنْ يَصْطَكَّ رُكْبَتَاهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَأَبُو عُبَيْدٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - الصَّكَكُ فِي الرِّجْلَيْنِ فِي الْكَعْبَيْنِ قَالَ وَالْحَنَفُ عَيْبٌ، وَهُوَ إقْبَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِبْهَامَيْنِ إلَى صَاحِبِهِ وَذَلِكَ يُنْقِصُ مِنْ قُوَّةِ الْمَشْيِ وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيُّ: الْأَحْنَفُ الَّذِي يَمْشِي عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ قَالَ
-
13/11013/110
وَالصَّدَفُ عَيْبٌ، وَهُوَ الْتِوَاءٌ فِي أَصْلِ الْعُنُقِ.
-
قَالَ وَالشَّدَقُ عَيْبٌ، وَهُوَ وُسْعٌ مُفْرِطٌ فِي الْفَمِ وَفِيهِ الْحَدِيثِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّشَدُّقِ فِي الْكَلَامِ» ، وَهُوَ مِمَّا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا
-
الْعُيُوبُ الَّتِي يَطْعَنُ الْمُشْتَرِي بِهَا
-
ثُمَّ الْعُيُوبُ الَّتِي يَطْعَنُ الْمُشْتَرِي بِهَا أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ نَوْعٌ مِنْهَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي مَوْضِعٍ يَرَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَلَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يُرِهِ الْعَيْبَ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْعَيْبِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ شَرْطٌ لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ وَحَقِيقَةُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالْمَعْرِفَةِ مُمْكِنٌ،
-
فَإِذَا رَآهُ الْقَاضِي فَإِنْ كَانَ عَيْبًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَقَدْ عَلِمَ الْقَاضِي وُجُودَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ فَيَقْضِي بِالرَّدِّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ عَلِمَ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَرَضِيَ بِهِ فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَرُدُّهُ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِمَّا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَنَّ الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ؛
-
لِأَنَّ الْحَوَادِثَ إنَّمَا يُحَالُ بِحُدُوثِهَا عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَمَنْ ادَّعَى تَارِيخًا سَابِقًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَهُ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ قُضِيَ بِالرَّدِّ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ يَحْلِفُ الْبَائِعُ أَلْبَتَّةَ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ وَإِنَّمَا يَذْكُرُ التَّسْلِيمَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ حَدَثَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا النَّظَرُ لِلْمُشْتَرِي لِجَوَازِ إذَا اسْتَحْلَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّ الْعَيْبَ لَوْ كَانَ حَادِثًا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الرَّدِّ وَالْبَائِعُ بَارٌّ فِي يَمِينِهِ بِأَنَّ الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ سَلَّمَهُ بِحُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ إلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ هَذَا الْعَيْبُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عِنْدِي الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛
-
لِأَنَّ الْبَائِعَ يَنْفِي الْعَيْبَ عِنْدَ الْبَيْعِ وَعِنْدَ التَّسْلِيمِ وَلَا يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَيْبُ مُنْتَفِيًا فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا وَإِنَّمَا يَسْتَحْلِفُ عَلَى الثَّبَاتِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْلَافَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ التَّسْلِيمُ كَمَا لَوْ الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَنُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ.
-
وَإِنْ حَلَفَ انْقَطَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا وَنَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ عَيْبٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْأَطِبَّاءُ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يُرِيَهُ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنْ الْأَطِبَّاءِ؛ لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى مَعْرِفَةِ كُلِّ شَيْءٍ إلَى مَنْ لَهُ بَصَرٌ فِي ذَلِكَ الْبَابِ كَمَا فِي مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدَدِ فِي ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُلْزِمٌ كَالشَّهَادَةِ،
-
فَإِذَا قَالَا الْعَيْبُ مَوْجُودٌ فِيهِ وَقَالَا هُوَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ حُكِمَ بِالرَّدِّ بِقَوْلِهِمَا،
-
وَإِنْ قَالَا قَدْ يَحْدُثُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَحْلِفُ الْبَائِعُ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَهُ وَنَوْعٌ مِنْهُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا النِّسَاءُ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَالْقَاضِي
-
13/11113/111
يُرِيهَا النِّسَاءَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَالْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ تَكْفِي لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً مُسْلِمَةً فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَهُوَ أَحْوَطُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُعَرَّفَةٌ فِي الطَّلَاقِ وَالشَّهَادَاتِ فَإِنْ أَخْبَرَتْ بِوُجُودِ الْعَيْبِ تَوَجَّهَتْ الْخُصُومَةُ لِظُهُورِ السَّبَبِ فِي الْحَالِ بِقَوْلِهَا وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ الرَّدُّ بِقَوْلِ النِّسَاءِ.
-
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا لَا مِنْ جِهَةِ النِّسَاءِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ النِّسَاءِ فِيهَا؛ وَلِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ لَا يُفْصَلُ الْحُكْمُ بِهَا مَا لَمْ تَتَأَيَّدْ بِمُؤَيِّدٍ، وَذَلِكَ بِنُكُولِ الْبَائِعِ فَيُسْتَحْلَفُ حَتَّى إذَا انْضَمَّ نُكُولُ الْبَائِعِ إلَى شَهَادَةِ النِّسَاءِ فُسِخَ الْبَيْعُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقْضِي بِالرَّدِّ بِقَوْلِ النِّسَاءِ؛
-
لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَشَهَادَةِ الرِّجَالِ فِيمَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ وَقَاسَ بِالْعَيْنَيْنِ إذَا ثَبَتَتْ الْبَكَارَةُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ إنْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ،
-
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يُفْسَخُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى نَقْلِ الضَّمَانِ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ وَنَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ حُكْمِيٌّ كَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ خُصُومَةَ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ مَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى وُجُودِ الْعَيْبِ عِنْدَهُ؛
-
لِأَنَّ قِيَامَ الْعَيْبِ فِي الْحَالِ شَرْطٌ لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ وَلَا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي يَمِينَ الْبَائِعِ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْعَيْبِ عِنْدَهُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُسْتَحْلَفُ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ سَرَقَ أَوْ بَالَ فِي الْفِرَاشِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَصْلَ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَإِنْ يَثْبُتْ وُجُودُ الْعَيْبِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ وَالْخُصُومَةُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَمْ تُسْمَعْ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ الْعَيْبَ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ قَدْ زَالَ، وَهَذَا عَيْبٌ حَادِثٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي قَالَ وَإِنْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ فِي الصِّغَرِ أَوْ كَانَ الشِّرَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَالْآنَ تُسْمَعُ خُصُومَةُ الْمُشْتَرِي وَيَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الَّذِي كَانَ أَبَقَ عِنْدَهُ بَعْدَمَا بَلَغَ قَبْلَ شِرَائِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ يُسْتَحْلَفُ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَمَا أَبَقَ وَلَا سَرَقَ وَلَا بَالَ فِي الْفِرَاشِ مُنْذُ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ.
-
وَهَذَا اسْتِحْلَافٌ عَلَى الثَّبَاتِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّسْلِيمِ الَّذِي الْتَزَمَهُ وَالْيَمِينُ الْأُولَى عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْجُنُونُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ فِي الْجُنُونِ يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ، مَا جُنَّ قَطُّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْجُنُونَ إذَا وُجِدَ مَرَّةً فِي
-
13/11213/112
الصِّغَرِ أَوْ الْكِبَرِ فَهُوَ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - قَالُوا فِي الْجُنُونِ لَا يُشْتَرَطُ عَوْدُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ أَثَرَ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ قَائِمٌ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَالْجُنُونُ بَعْدَ انْقِلَاعِهِ يَعْقُبُ أَثَرًا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حَمَالِيقِ عَيْنَيْهِ وَذَلِكَ يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ
-
بِخِلَافِ الْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِمَا قَدْ كَانَ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ عَوْدِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ.
-
قَالَ وَإِنْ طَلَبَ الْبَائِعُ يَمِينَ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ مُنْذُ عَلِمَ بِهِ وَلَا عَرَضَهُ عَلَى بَيْعٍ حَلَّفَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ،
-
فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ لِرَجَاءِ نُكُولِهِ.
-
قَالَ وَالْعَزْلُ عَيْبٌ وَهُوَ أَنْ يَعْزِلَ ذَنَبَهُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ يَكُونُ عَادَةً لَا خِلْقَةً وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا رَاثَ وَرُبَّمَا يُحَوِّلُ الذَّنَبَ مِنْ جَانِبِ إلَى جَانِبٍ حَتَّى يُلَطِّخَ وَرِكَيْهِ بِالرَّوْثِ وَذَلِكَ لِيَتَقَذَّرَ وَيُعَدُّ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ.
-
قَالَ وَالْمَشَشُ عَيْبٌ وَهُوَ شَيْءٌ يَشْخَصُ فِي وَظِيفَتِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ حَجْمٌ لَيْسَ لَهُ صَلَابَةُ الْعَظْمِ قَالَ الْوَظِيفُ مُسْتَدَقُّ السَّاقِ قَالَ وَالْحَرَدُ عَيْبٌ، وَهُوَ كُلُّ مَا حَدَثَ فِي عُرْقُوبِهِ مِنْ تَزَيُّدٍ أَوْ انْتِفَاخِ عَصَبٍ قَالَ وَالزَّوَائِدُ عَيْبٌ، وَهُوَ أَطْرَافُ عَصَبٍ يَتَفَرَّقُ عِنْدَ الْعِجَانَةِ وَيَنْقَطِعُ عِنْدَهَا وَيُلْصَقُ بِهَا وَالْحَرْنُ عَيْبٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْخَزَرُ، وَهُوَ ضِيقٌ مُفْرِطٌ فِي الْعَيْنِ وَالْأَظْهَرُ هُوَ الْحَرَنُ فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي جُمْلَةِ عُيُوبِ الْفَرَسِ، وَهُوَ أَنْ لَا تَنْقَادَ لِلرَّاكِبِ عِنْدَ الْعِطْفِ وَالسَّيْرِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْجَمْحِ وَالْجَمْحُ عَيْبٌ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ وَخَلْعُ الرَّأْسِ عَيْبٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِهِ حِيلَةٌ يَخْلَعُ رَأْسَهُ مِنْ الْعِذَارِ،
-
وَإِنْ شُدَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِمَّا يُعَدُّ عَيْبًا وَرُبَّمَا بَطَلَ سَبَبُهُ وَبَلُّ الْمِخْلَاةِ عَيْبٌ إذَا كَانَ يُنْقِصُ الثَّمَنَ، وَهُوَ أَنْ يَسِيلَ لُعَابُ الْفَرَسِ عَلَى وَجْهٍ تَبْتَلُّ الْمِخْلَاةُ بِهِ إذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ وَفِيهَا عَلَفُهُ وَقِيلَ أَنْ يَأْخُذَ الْمِخْلَاةَ بِشَفَتَيْهِ فَيَرْمِيَ بِهَا، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْجَمْحِ فَهُوَ عَيْبٌ إذَا كَانَ يُنْقِصُ الثَّمَنَ وَالْمَهْقُوعُ عَيْبٌ وَالْهَقْعَةُ دَائِرَةٌ فِي عَرْضِ زَوْرِهِ يُعَدُّ عَيْبًا وَيُتَشَاءَمُ بِهِ وَمِنْهُ يُقَالُ اتَّقِ الْخَيْلَ الْمَهْقُوعَ وَالِانْتِشَارُ عَيْبٌ، وَهُوَ انْتِفَاخُ الْعَصَبِ عِنْدَ التَّعَبِ وَالْعَصَبُ الَّذِي يُنْشَرُ هِيَ الْعِجَانَةُ وَتَحَرُّكُ السَّطَا كَانْتِشَارِ الْعَصَبِ غَيْرَ أَنَّ الْفَرَسَ لِانْتِشَارِ الْعَصَبِ أَشَدُّ احْتِمَالًا مِنْهُ لِتَحَرُّكِ السَّطَا وَالْغَرْبُ عَيْبٌ، وَهُوَ وَرَمٌ فِي الْمَآقِي وَرُبَّمَا يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلًا فَصَاحِبُهُ فِي حُكْمِ الطَّهَارَةِ كَصَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ.
-
وَالشَّتَرُ عَيْبٌ، وَهُوَ انْقِلَابُ فِي الْأَجْفَانِ وَبِهِ كَانَ يُسَمَّى الشَّتَرَ وَهَذَا يُمْكِنُ ضَعْفًا فِي الْبَصَرِ وَالْحَوَلُ عَيْبٌ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ ضَعْفًا فِي الْبَصَرِ حَتَّى يَرَى الْأَحْوَلُ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ شَيْئَيْنِ وَالْحَوَصُ وَالْفَتَلُ عَيْبٌ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحَوَلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ يُمِيلُ إنْسَانَ
-
13/11313/113
الْعَيْنِ إلَى الْجَانِبِ الْمُقَدَّمِ يُسَمَّى فَتَلًا وَإِذَا كَانَ إلَى الْجَانِبِ الْمُؤَخَّرِ فَهُوَ الْحَوَصُ وَالطَّفْرُ عَيْبٌ وَهُوَ بَيَاضٌ يَبْدُو فِي إنْسَانِ الْعَيْنِ يُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ باحسه وَذَلِكَ يُمْكِنُ ضَعْفًا فِي الْبَصَرِ وَرُبَّمَا يَمْنَعُ الْبَصَرَ أَصْلًا وَالشَّعْرُ فِي جَوْفِ الْعَيْنِ يَكُونُ عَيْبًا؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْبَصَرَ.
-
وَالْجَرَبُ عَيْبٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعَيْنِ أَوْ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْجَرَبَ فِي الْعَيْنِ ضَعْفًا فِي الْبَصَرِ وَفِي غَيْرِ الْعَيْنِ يَكُونُ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ،
-
وَكَذَلِكَ الْمَاءُ فِي الْعَيْنِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْبَصَرَ وَرِيحُ السَّبَلِ عَيْبٌ فَإِنَّهُ يُضْعِفُ الْبَصَرَ وَرُبَّمَا يَذْهَبُ بِهِ. وَالسُّعَالُ الْقَدِيمُ عَيْبٌ إذَا كَانَ مِنْ دَاءٍ، أَمَّا الْقَدْرُ الْمُعْتَادُ مِنْهُ فَلَا يُعَدُّ عَيْبًا،
-
فَإِذَا كَانَ قَدِيمًا فَذَلِكَ مِنْ دَاءٍ فِي الْبَدَنِ وَالدَّاءُ نَفْسُهُ عَيْبٌ وَالِاسْتِحَاضَةُ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لِدَاءٍ فِي الْبَدَنِ ثُمَّ سَيْلَانُ الدَّمِ إذَا كَانَ مُسْتَدَامًا فَرُبَّمَا يُصِيبُهَا وَيَقْتُلُهَا وَاَلَّتِي يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا زَمَانًا عَيْبٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ دَاءٍ فِي الْبَدَنِ وَمِنْهُ يَكُونُ مَوَادُّ الْمَرَضِ لِلْمَرْأَةِ فَإِنَّ الرُّطُوبَةَ إذَا كَانَتْ تَسِيلُ مِنْهَا فِي وَقْتِهَا تَكُونُ صَحِيحَةَ الْبَدَنِ وَإِذَا لَمْ تَسِلْ اصْفَرَّ لَوْنُهَا وَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ لَا تَحِيضُ فَإِنَّهَا لَا تَحْبَلُ أَيْضًا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يُخِلُّ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا.
-
وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الدَّيْنِ عَلَيْهِ مِمَّا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا وَتَكُونُ مَالِيَّتُهُ مَشْغُولَةً بِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فَهُوَ عَيْبٌ حُكْمِيٌّ كَعَيْبِ النِّكَاحِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ الْبَائِعُ دَيْنَهُ أَوْ يُبْرِئَهُ الْغُرَمَاءُ مِنْهُ فَبِذَلِكَ يَزُولُ الْعَيْبُ وَزَوَالُ الْعَيْبِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ يُسْقِطُ حَقَّ الْمُشْتَرِي فِي الرَّدِّ، أَمَّا إذَا عَلِمَ بِالدَّيْنِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا اسْتِدْلَالًا بِسَائِرِ الْعُيُوبِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كَمَا إذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كَذَلِكَ هُنَا.
-
وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَهَا مُحْرِمَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا وَلَكِنَّهُ يَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ، وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا، وَهِيَ مَنْكُوحَةٌ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ النِّكَاحَ وَلَكِنَّهُ يَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمُشْتَرِي قَائِمٌ فِيهَا مَقَامَ الْبَائِعِ وَقَدْ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُحَلِّلَهَا،
-
فَإِذَا كَانَتْ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَلَّلَهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَإِذَا كَانَتْ أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ فَلَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا،
-
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا لِمَا فِيهِ مِنْ خُلْفِ الْوَعْدِ فَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ خُلْفَ الْوَعْدِ لَا يُوجَدُ مِنْهُ بِهَذَا وَبِهِ فَارَقَ النِّكَاحَ فَهُنَاكَ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ فَكَذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، وَهَذَا لِأَنَّ لُزُومَ النِّكَاحِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، وَقَدْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي فَأَمَّا
-
13/11413/114
لُزُومُ الْإِحْرَامِ فَلِحَقِّ الشَّرْعِ وَحَقُّ الْآدَمِيِّ فِي الْمَحَلِّ مُقَدَّمٌ؛ فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحَلِّلَهَا وَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ إزَالَةِ الْعَيْبِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِهِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ زَوْجٍ فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا كَانَ النِّكَاحُ قَائِمًا وَالزَّوْجُ يَسْتَنِدُ بِالرَّجْعَةِ إلَّا إذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَرُدُّهَا لِزَوَالِ الْعَيْبِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ مَوْتٍ فَلَيْسَ هَذَا بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا فَالْعَيْبُ هُوَ النِّكَاحُ وَقَدْ انْقَطَعَ وَالْحُرْمَةُ بِهَذَا السَّبَبِ نَظِيرُ الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ كَمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ عَيْبًا، فَهَذَا مِثْلُهُ.
-
وَإِذَا وَجَدَ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا فَقَالَ الْبَائِعُ: مَا هَذِهِ بِجَارِيَتِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْضِ وَالرَّدُّ بِحُكْمِهِ لَا يَنْفَرِدُ الْمُشْتَرِي بِهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا فَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي ثُبُوتَ حَقِّ الرَّدِّ لَهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ
-
بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ.
-
وَإِنْ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَقَالَ وَجَدْتُهَا ثَيِّبًا لَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَكَارَةَ فِي النِّسَاءِ أَصْلٌ فَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي عَارِضًا لِيُثْبِتَ لِنَفْسِهِ حَقَّ الرَّدِّ بِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الْعَيْبِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
-
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى جَوْزًا أَوْ بَيْضًا فَوَجَدَهُ فَاسِدًا كُلَّهُ وَقَدْ كَسَرَهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ كُلَّهُ، أَمَّا الْبَيْضُ فَالْفَاسِدُ مِنْهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ إذْ هُوَ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ وَلَا قِيمَةَ لِقِشْرِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ كَانَ بَاطِلًا وَأَمَّا الْجَوْزُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ اللُّبُّ دُونَ الْقِشْرِ وَلَا قِيمَةَ لِقِشْرِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الْحَطَبُ وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنْدُرُ فِيهِ الْحَطَبُ فَإِنْ كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ لَكِنَّ مَالِيَّةَ الْجَوْزِ قَبْلَ الْكَسْرِ بِاعْتِبَارِ اللُّبِّ دُونَ الْقِشْرِ،
-
فَإِذَا كَانَ حَادِثًا أَنَّ مُنْتِنَ اللُّبِّ لَا يَصْلُحُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ فَكَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا فَأَمَّا إذَا كَانَ قَلِيلَ اللُّبِّ أَوْ أَسْوَدَ اللُّبِّ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ،
-
فَإِذَا وَجَدَهُ كَذَلِكَ بَعْدَ الْكَسْرِ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَرُدُّهُ،
-
وَكَذَلِكَ الْبِطِّيخُ وَالْقَرْعُ وَالْفَاكِهَةُ إذَا وَجَدَهَا فَاسِدَةً كُلَّهَا بَعْدَمَا يَكْسِرُهَا فَإِنْ كَانَتْ لَا تُسَاوِي شَيْئًا رَجَعَ جَمِيعُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ يَأْكُلُهَا بَعْضُ النَّاسِ أَوْ تَصْلُحُ لِعَلْفِ الدَّوَابِّ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّدِّ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ سِوَى الْكَسْرِ وَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ مَانِعًا حَقَّهُ فِي الرَّدِّ وَهَذَا لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي وَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالْبَائِعُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى الْكَسْرِ فَكَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْكَسْرُ عَيْبٌ حَادِثٌ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي
-
13/11513/115
وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ آخَرَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِالْبَائِعِ ثُمَّ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْبَائِعِ أَوْلَى فَإِنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي لَا يُبْطِلُ أَصْلًا وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ وَالضَّرَرُ الَّذِي يَلْحَقُ الْبَائِعَ بِالرَّدِّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِعِوَضٍ؛
-
فَلِهَذَا رَجَّحْنَا جَانِبَهُ وَهَذَا إذَا وَجَدَ الْكُلَّ فَاسِدًا فَإِنْ وَجَدَ الْبَعْضَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَالْكَلَامُ فِي حِصَّةِ ذَلِكَ كَالْكُلِّ إذَا وَجَدَهُ فَاسِدًا إلَّا أَنَّ فِي الْجَوْزِ إذَا كَانَ الْفَاسِدُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا لَا يَخْلُو الْجَوْزُ مِنْهُ عَادَةً كَالْوَاحِدَةِ وَالِاثْنَيْنِ فِي كُلِّ مِائَةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ لِأَجْلِهِ؛
-
لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِقْدَامِ عَلَى الشِّرَاءِ رَاضٍ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ وَالْجَوْزُ فِي الْعَادَةِ لَا يَخْلُو عَنْ هَذَا فَلَا يُخَاصِمُ فِيهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ.
-
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ حَلَّ دَمُهُ بِقِصَاصٍ أَوْ رِدَّةٍ فَقُتِلَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُقَوَّمُ حَلَالَ الدَّمِ وَحَرَامَ الدَّمِ فَيَرْجِعُ بِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ الثَّمَنِ؛
-
لِأَنَّ الْعَبْدَ بَعْدَمَا حَلَّ دَمُهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَحِلُّ الدَّمِ عَيْبٌ فِيهِ وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مَعِيبًا وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ بَعْدَمَا قَبَضَهُ رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا لَوْ كَانَ زَانِيًا فَجُلِدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَمَاتَ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ بَيْعَ حَلَالِ الدَّمِ صَحِيحٌ وَبِالْقَبْضِ يَنْتَقِلُ إلَى ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ كَانَ الثَّمَنُ مُتَقَرَّرًا عَلَى الْمُشْتَرِي،
-
وَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ الْمُشْتَرِي نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ،
-
وَلَوْ كَانَ عَالِمًا حِينَ اشْتَرَاهُ أَنَّهُ حَلَالُ الدَّمِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ حِلَّ الدَّمِ عَيْبٌ فِيهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ عَلَى مَحَلٍّ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ بِسَبَبِ حِلِّ الدَّمِ فَالْمُسْتَحَقُّ بِهِ النَّفْسُ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ بِالْبَيْعِ الْمَالِيَّةَ وَمَحَلُّ الدَّمِ لَا يَعْدِمُ الْمَالِيَّةَ وَلَا يَصِيرُ يَسْتَحِقُّهُ وَإِنَّمَا تَلْفِتْ الْمَالِيَّةُ بِاسْتِيفَاءِ الْقَتْلِ، وَذَلِكَ فِعْلٌ أَنْسَأَهُ الْمُسْتَوْفِي بِاخْتِيَارِهِ بَعْدَ مَا دَخَلَ الْمَبِيعُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ بِمِلْكٍ أَوْ حَقِّ رَهْنٍ أَوْ دَيْنٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُنَاكَ مَا تَنَاوَلَهُ الْبَيْعُ فَيَنْقُصُ بِهِ قَبْضُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَصْلِ وَفِي الْكِتَابِ اسْتَدَلَّ بِمَا لَوْ اشْتَرَى حَامِلًا وَقَبَضَهَا فَوَلَدَتْ وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا لَمْ يَرْجِعْ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ كَانَ أَصْلُ السَّبَبِ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَعُذْرُكُمْ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْوِلَادَةِ السَّلَامَةُ يُشْكِلُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا حَبِلَتْ ثُمَّ رَدَّهَا الْغَاصِبُ فَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا يَرْجِعُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَتِهَا وَفِي هَذَا الْفَرْقِ نَوْعُ تَنَاقُضٍ.
-
وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ زَالَتْ يَدُ الْمُشْتَرِي عَنْ الْبَيْعِ كَسَبَبِ الْإِزَالَةِ مُسْتَحَقَّةٌ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّهُ مَالِكٌ أَوْ مُرْتَهِنٌ أَوْ صَاحِبُ دَيْنٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِزَالَةَ
-
13/11613/116
لَمَّا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي يَنْتَقِضُ بِهَا قَبْضُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَصْلِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ مُسْتَحَقٌّ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَبِسَبَبِ الْقِصَاصِ مُسْتَحَقٌّ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُنْشِئَ مَنْ هُوَ لَهُ عَفْوًا بِاخْتِيَارِهِ، وَالْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ يُرَدُّ عَلَى الْمَالِيَّةِ وَلَكِنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْسِ بِسَبَبِ الْقَتْلِ وَالْقَتْلُ مُتْلِفٌ لِلْمَالِيَّةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَكَانَ فِي مَعْنَى عِلَّةِ الْعِلَّةِ وَعِلَّةُ الْعِلَّةِ تُقَامُ مَقَامَ الْعِلَّةِ فِي الْحُكْمِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْمُسْتَحَقِّ كَأَنَّهُ الْمَالِيَّةُ وَلَا تَصَوُّرَ لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بِدُونِ النَّفْسِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةُ مُسْتَحَقَّةٌ بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِحْقَاقِ الْمَالِيَّةِ؛
-
لِأَنَّ مَا لَا يَنْفَصِلُ عَنْ الشَّيْءِ بِحَالٍ فَكَأَنَّهُ هُوَ وَلَا تَصَوُّرَ لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بِدُونِ النَّفْسِيَّةِ إلَّا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْسِيَّةِ فِي حُكْمِ الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ وَانْعِقَادُ الْبَيْعِ صَحِيحًا وَرَاءَ ذَلِكَ وَإِذَا مَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَتِمَّ الِاسْتِحْقَاقُ فِي حُكْمِ الِاسْتِيفَاءِ فَلِهَذَا هَلَكَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَإِذَا قُبِلَ فَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَظْهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي حُكْمِ الِاسْتِيفَاءِ دُونَ غَيْرِهِ كَمِلْكِ الزَّوْجِ فِي زَوْجَتِهِ وَمِلْكِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي نَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي الِاسْتِيفَاءِ حَتَّى إذَا وُطِئَتْ الْمَنْكُوحَةُ بِالشُّبْهَةِ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا وَإِذَا قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْسَانٌ فَالدِّيَةُ تَكُونُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ.
-
وَهَذَا بِخِلَافِ الزِّنَا وَزِنَا الْعَبْدِ لَا يُصَيِّرُ نَفْسَهُ مُسْتَحَقَّةً وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ ضَرْبٌ مُؤْلِمٌ وَاسْتِيفَاءُ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْمَالِيَّةَ فِي الْمَحَلِّ وَإِذَا اشْتَرَاهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَحَلَّ دَمِهِ فَفِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ أَيْضًا إذَا قُتِلَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يَرْجِعُ؛
-
لِأَنَّ حِلَّ الدَّمِ مِنْ وَجْهٍ كَالِاسْتِحْقَاقِ وَمِنْ وَجْهٍ كَالْعَيْبِ حَتَّى لَا يَمْنَعَ صِحَّةَ الْمَبِيعِ فَلِشَبَهِهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ قُلْنَا عِنْدَ الْجَهْلِ بِهِ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلِشَبَهِهِ بِالْعَيْبِ قُلْنَا لَا يَرْجِعُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ هَذَا كَالِاسْتِحْقَاقِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي وَقَدْ انْدَفَعَ حِينَ عَلِمَ بِهِ،
-
وَأَمَّا الْحَامِلُ فَهُنَاكَ السَّبَبُ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ يُوجِبُ انْفِصَالَ الْوَلَدِ لَا مَوْتَ الْأُمِّ بَلْ الْغَالِبُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ السَّلَامَةُ فَهُوَ نَظِيرُ الزَّانِي إذَا جُلِدَ وَلَيْسَ هَذَا كَالْغَصْبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْغَاصِبِ فَسْخُ فِعْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَرُدَّ الْمَغْصُوبَ كَمَا غُصِبَ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حِينَ رَدَّهَا حَامِلًا، وَهُنَا الْوَاجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ كَمَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ ثُمَّ إنْ تَلِفَ بِسَبَبٍ كَانَ الْهَلَاكُ مُسْتَحَقًّا بِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ يَنْتَقِضُ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِيهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا لَا يَنْتَقِضُ قَبْضُهُ فِيهِ.
-
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ سَارِقًا فَقُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ
-
13/11713/117
الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِأَنْ يُقَوَّمَ سَارِقًا وَغَيْرَ سَارِقٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَرْجِعُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ كَانَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْيَدُ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ فَيَنْتَقِضُ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِي النِّصْفِ فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ رَدَّ مَا بَقِيَ وَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ،
-
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا فِي نِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً فِي يَدِ الْبَائِعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ السِّرَايَةِ بِأَنْ لَا يَقْطَعَ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَلَا فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَأَنْ يَحْسِمَ بَعْدَ الْقَطْعِ فَقَبْضُ الْمُشْتَرِي لَا يَنْتَقِضُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، وَإِنْ سَرَى.
-
قَالَ: وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَعَبْدًا فَزَوَّجَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِهِمَا عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِيهِمَا عَيْبٌ حَادِثٌ عِنْدَهُ فَإِنْ أَبَانَهَا وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا لِزَوَالِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجِبْ الْمَهْرُ بِهَذَا النِّكَاحِ فَإِنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا.
-
قَالَ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا الْعَبْدَ وَهَذَا الْعَيْبُ بِهِ وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ بِهِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ لِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ فَأَحَدُهُمَا يَشْهَدُ بِقَوْلٍ وَالْآخَرُ بِعَيْبٍ مُعَايَنٍ وَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ.
-
وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِجَارِيَةٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَةَ نَفْسِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُف رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَكَانَ يَقُولُ أَوْ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمَوْلَى وَاسْتُحِقَّتْ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ عِنْدَ الْمَوْلَى حَتَّى تَعَذَّرَ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ فَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ مِنْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ فَعِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَكُونُ رُجُوعُهُ بِقِيمَةِ مَا هُوَ بَدَلٌ لَهُ كَمَا فِي النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ إذَا اُسْتُحِقَّ الْبَدَلُ وَكَانَ بِعَيْنِهِ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى فِي هَذَا الْعَقْدِ الْإِعْتَاقُ فَإِنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ إعْتَاقٌ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَيَوَانَ يُثْبِتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَتِهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَعْتِقُ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى حَتَّى يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ وَإِنَّ الْوَكِيلَ مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى فِي هَذَا الْعَقْدِ لَا يَكُونُ لَهُ قَبْضُ الْبَدَلِ وَلَا يَبْطُلُ بِقِيَامِهِ عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ قَبُولِ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهُ وَالْأَجَلُ إلَى الْحَصَادِ وَنَحْوِهِ يَثْبُتُ فِي بَدَلِهِ وَأَنَّ الْبَدَلَ لَا يُرَدُّ إلَّا بِالْعَيْبِ الْفَاحِشِ عَرَفْنَا
-
13/11813/118
أَنَّهُ فِي حُكْمِ مُبَادَلَةِ مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَتَأْثِيرُهُ وَهُوَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْجَارِيَةِ لِوُرُودِهَا بِالْعَيْبِ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَكَيْف يَنْفَسِخُ وَقَدْ عَتَقَ الْعَبْدُ،
-
فَإِذَا لَمْ يَنْفَسِخْ فَقَدْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْجَارِيَةِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ فَتَجِبُ قِيمَتُهَا وَاسْتَدَلَّ بِالْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى جَارِيَةٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَأَدَّاهَا وَعَتَقَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَوْلَى بِهَا عَيْبًا رَدَّهَا وَأَخَذَ مِثْلَهَا صَحِيحَةً فَإِنْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ عِنْدَ الْمَوْلَى رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ مِنْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ.
-
وَكَذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ بِجَارِيَةٍ وَوَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ الْمَوْلَى أَزَالَ عَنْ مِلْكِهِ مَالًا بِإِزَاءِ مَالٍ،
-
فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ مَا بُذِلَ لَهُ رَجَعَ بِقِيمَةِ مَا بُذِلَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ فَرَسِهِ بِجَارِيَةٍ فَعَتَقَ عَلَى الْقَرِيبِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الْجَارِيَةُ رَجَعَ الْمَوْلَى بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنْ يَقُولَ تَصَرُّفُ الْمَوْلَى بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْعَبْدِ إلَّا مِلْكُ الْمَالِيَّةِ إلَّا أَنَّ إزَالَةَ مِلْكِ الْمَالِيَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ إلَى مَالِكٍ يَكُونُ مُوجِبًا عِتْقَ الْعَبْدِ فَأَمَّا تَصَرُّفُ الْمَوْلَى مِنْ حَيْثُ الْإِزَالَةُ مِلْكٌ فَتُلَاقِي مِلْكَهُ.
-
وَمِلْكُهُ مِلْكُ الْمَالِيَّةِ وَتَحْقِيقُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ فِي حَقِّ مَا يُسَلَّمُ لِلْعَبْدِ فِي هَذَا فِي مَعْنَى مُبَادَلَةِ الْمَالِ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي سَلِمَ لِلْعَبْدِ الْعِتْقُ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ وَفِيمَا يُزِيلُهُ الْمَوْلَى عَنْ مِلْكِهِ هَذَا مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ فَعِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْمَوْلَى أَوْلَى؛
-
لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَوْلَى فَأَمَّا الْعِتْقُ فَسَالِمٌ لِلْعَبْدِ بِكُلِّ حَالٍ وَلِأَنَّ الْعِتْقَ لِلْعَبْدِ يُبْنَى عَلَى إزَالَةِ الْمَوْلَى مِلْكَهُ فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَبِاعْتِبَارِهِ هَذَا مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا عَلَى خَمْرٍ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ قِيمَةُ نَفْسِهِ وَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا فَكَذَلِكَ إذَا اُسْتُحِقَّ الْبَدَلُ أَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَقَوْلُهُ إنَّ السَّبَبَ لَمْ يَنْفَسِخْ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ يَقُولُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى قَدْ انْفَسَخَ السَّبَبُ وَلِأَنَّ فِي حَقِّهِ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ اسْتِرْدَادُ الْعَبْدِ لِنُفُوذِ الْعِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ كَالْمُدَبَّرِ إذَا مَاتَ الْمَوْلَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ قَتَلَهُ مَوْلَاهُ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ رَدُّهُ إلَى الرِّقِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي قِيمَتِهِ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ يَقُولُ لَا يَنْفَسِخُ السَّبَبُ وَلَكِنْ لَمْ يُسَلَّمْ لِلْمَوْلَى الْعِوَضُ فَيَرْجِعُ بِمِثْلِهِ وَمِثْلِ الْجَارِيَةِ بِحُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ مَا هُوَ عِوَضُهَا وَهُوَ مَالِيَّةُ الْعَبْدِ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ بِهَذَا
-
بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّ عِوَضَ الصَّدَاقِ هُنَاكَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ لِيَكُونَ الرُّجُوعُ بِمَالِيَّتِهِ فَلِهَذَا صِرْنَا إلَى قِيمَةِ الصَّدَاقِ هُنَاكَ.
-
وَفِي الْكِتَابِ قِيلَ الْجَوَابُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ مِنْ عَادَتِهِ الِاسْتِشْهَادُ بِالْمُخْتَلِفِ لِإِيضَاحِ الْكَلَامِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَنَقُولُ: بَدَلُ الْكِتَابَةِ لَيْسَ لِمُقَابَلَةِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ بَلْ بِمُقَابَلَةِ مَا يُسَلَّمُ لِلْمُكَاتَبِ
-
13/11913/119
لِعَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَقَّ بِنَفْسِهِ وَمَكَاسِبِهِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ؛ فَلِهَذَا كَانَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ فِي النِّكَاحِ وَهُنَا بَدَلُ الْجَارِيَةِ مَالِيَّةُ الْعَبْدِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى،
-
فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْجَارِيَةَ كَانَ رُجُوعُهُ بِمَالِيَّةِ الْعَبْدِ، وَهُوَ قِيمَتُهُ.
-
وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ جَارِيَةَ رَجُلٍ بِأَمْرِهِ ثُمَّ خُوصِمَ فِي عَيْبٍ فَقَتَلَهَا بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ الْبَائِعَ دُونَ الْآمِرِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ فِي أَنَّهُ يَعْتَمِدُ تَرَاضِيهِمَا فَالْإِقَالَةُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ كَالْبَيْعِ الْجَدِيدِ فَكَأَنَّ الْوَكِيلَ اشْتَرَاهَا ابْتِدَاءً قَالَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَحْدُثُ فَيَلْزَمُ الْآمِرَ؛
-
لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِوُجُودِ الْعَيْبِ عِنْدَ الْآمِرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَشْتَغِلْ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهَا فَائِدَةً، وَفِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَالْمَأْذُونِ قَالَ لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمَا قُلْنَا إنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْبِ الَّذِي يَحْدُثُ مِثْلُهُ أَوْ لَا يَحْدُثُ وَإِنْ أَبَى الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهَا فَخَاصَمَهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْقَاضِي فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالْعَيْبِ كَانَ إقْرَارُهُ عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ غَيْرِهِ سَوَاءً، لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ إلَّا فِي عَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ فِي الْعَيْبِ الَّذِي لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ رَدُّ الْقَاضِي بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ وَبِالْبَيِّنَةِ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْآمِرَ؛
-
لِأَنَّ الرَّدَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَسْخٌ وَقَدْ تَيَقَّنَّا بِوُجُودِ سَبَبِهِ عِنْدَ الْآمِرِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَإِقْرَارُ الْوَكِيلِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْآمِرِ وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُثْبِتَ عَلَى الْآمِرِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَهُ لِيَرُدَّهَا عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَعَلَى الْآمِرِ الْيَمِينُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ رَدَّهَا الْقَاضِي عَلَى الْوَكِيلِ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا الْمُشْتَرِي فَالْبَيِّنَةُ حُجَّةٌ عَلَى الْآمِرِ فَيَلْزَمُ الْآمِرَ فَإِنْ رَدَّهَا بِإِبَاءِ الْيَمِينِ مِنْ الْوَكِيلِ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ الْآمِرَ عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ هَذَا، وَالْإِقْرَارُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ بَدَلٌ عَنْ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَلِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْآمِرِ وَلَكِنَّ الْوَكِيلَ عَلَى خُصُومَتِهِ مَعَ الْآمِرِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ بَاعَ الْجَارِيَةَ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِنُكُولِهِ جُعِلَ هَذَا وَمَا لَوْ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ سَوَاءٌ فِي حَقِّ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْوَكِيلُ مُضْطَرٌّ فِي هَذَا النُّكُولِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْعَيْبِ وَإِنَّمَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فِي عَمَلٍ بَاشَرَهُ لِلْآمِرِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَيْهِ الثَّمَنَ وَيَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فَيَكُونَ هُوَ فِي الْإِقْرَارِ مُخْتَارًا لَا مُضْطَرًّا وَبِخِلَافِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ فِي النُّكُولِ وَلَكِنْ فِي عَمَلِهِ بَاشَرَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْجِعُ بِعُهْدَةِ عَمَلِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنْ أَنْكَرَ الْآمِرُ أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ الَّتِي بَاعَهَا فَالْقَوْلُ
-
13/12013/120
قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْآمِرِ بِمَا يَلْحَقُ مِنْ الْعُهْدَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَالْمُوَكِّلُ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا هِيَ الْجَارِيَةُ الَّتِي بَاعَهَا فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ.
-
وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ جَارِيَةً لِرَجُلٍ بِأَمْرِهِ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى الْآمِرِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الْآمِرِ عِنْدَنَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلْآمِرِ فَلَا يَمْلِكُ إخْرَاجَهَا عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَكِيلِ وَيَدُ الْأَمِينِ كَيَدِ صَاحِبِهَا،
-
وَلَوْ كَانَ سَلَّمَهَا إلَى الْآمِرِ لَمْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ إلَّا بِأَمْرِهِ وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ؛ وَلِهَذَا اخْتَصَّ بِهِ الْوَكِيلُ وَالْعَاقِدُ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ مُسْتَبِدٌّ بِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ عَقَدَهُ لِغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ فِي الْحُقُوقِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الرَّدِّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ لَا تَحْتَاجُ إلَى اسْتِطْلَاعِ رَأْيِ الْآمِرِ فَكَذَلِكَ فِي الرَّدِّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ
-
بِخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا إلَّا بِإِعَادَتِهَا إلَى يَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ رِضًا بَعْدَمَا سَلَّمَهَا إلَيْهِ فَأَمَّا قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضَارِبَ يَرُدُّ مَا اشْتَرَى بِالْعَيْبِ،
-
وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ غَائِبًا وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ يَرُدُّ مَا اشْتَرَى بِالْعَيْبِ،
-
وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ غَائِبًا فَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْآمِرَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَطَلَبَ يَمِينَ الْآمِرِ أَوْ يَمِينَ الْمَأْمُورِ مَا رَضِيَ بِذَلِكَ الْآمِرُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ يَمِينٌ عِنْدَنَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يَرُدُّهَا الْوَكِيلُ وَلَا الْمُضَارِبُ حَتَّى يَحْضُرَ الْآمِرُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ فَيَحْلِفَ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ؛
-
لِأَنَّ رِضَى الْآمِرِ وَرَبِّ الْمَالِ يُسْقِطُ حَقَّ الْوَكِيلِ فِي الرَّدِّ بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا،
-
فَإِذَا ادَّعَى الْبَائِعُ سَبَبًا مَسْقِطًا لِحَقِّهِ فِي الرَّدِّ اسْتَحَقَّ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَكِيلُ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَى الْوَكِيلِ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي الْبَائِعُ عَلَيْهِ الرِّضَا فَلَوْ اُسْتُحْلِفَ كَانَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ وَلَا نِيَابَةَ فِي الْيَمِينِ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآمِرِ؛
-
لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَتَرَتَّبُ عَلَى دَعْوَى وَخُصُومَةٍ وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْآمِرِ مُعَامَلَةٌ فَلَا يَكُونُ هُوَ خَصْمًا لَهُ فِي دَعْوَى الرِّضَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ الْوَكِيلَ خَصْمٌ لِلْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ نَائِبًا عَنْ الْآمِرِ وَإِثْبَاتُ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى خَصْمٍ هُوَ ثَابِتٌ صَحِيحٌ وَإِذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ فَرَضِيَ الْآمِرِ بِإِقْرَارِهِ لَا يَثْبُتُ وَلَكِنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا خُصُومَةَ لَهُ مَعَ الْبَائِعِ فِي هَذَا الْعَيْبِ فَبِاعْتِبَارِ زَعْمِهِ تَنْقَطِعُ الْخُصُومَةُ،
-
وَلَوْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ رَضِيَ بِهَذَا الْعَيْبِ، فَذَلِكَ مِنْهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ
-
13/12113/121
نَفْسِهِ دُونَ الْآمِرِ لَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْآمِرَ رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَالْجَارِيَةُ تَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْآمِرُ بِذَلِكَ أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَرْضَى بِمَا رَضِيَ بِهِ الْوَكِيلُ.
-
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلَانِ جَارِيَةً فَوَجَدَا بِهَا عَيْبًا فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي أَنَّ لَهُ ذَلِكَ.
-
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِجَارِيَةٍ وَتَقَابَضَا ثُمَّ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا وَمَاتَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الْجَارِيَةِ فَيُقَوَّمُ الْعَبْدُ صَحِيحًا وَيُقَوَّمُ وَبِهِ الْعَيْبُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُنْقِصُهُ الْعُشْرَ رَجَعَ بِعُشْرِ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْعَبْدِ الْجَارِيَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ رَدَّهُ وَأَخَذَ الْجَارِيَةَ وَالرُّجُوعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الْبَدَلِ يَكُونُ،
-
وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ كُلُّهَا إذَا اُسْتُحِقَّ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ أَوْ رُدَّ بِالْعَيْبِ فَقَدْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فَيَرْجِعُ بِالْبَدَلِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَبِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ هَالِكًا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِرْدَادُهُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ،
-
وَكَذَلِكَ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ إنْ كَانَ بِعَيْنِهِ فَإِنَّ فَوَاتَ الْقَبْضِ فِيهِ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ كَمَا فِي الْعُرُوضِ.
-
وَلَوْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِهِ لِإِنْسَانٍ وَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةً لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ دُونَ الْبَائِعِ فَهُوَ فِي حَقِّ الْبَائِعِ مُتْلِفٌ لِلسِّلْعَةِ بِإِقْرَارِهِ،
-
وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بِبَيِّنَةٍ فَقَالَ الْبَائِعُ لَيْسَ هُوَ عَبْدِي الَّذِي بِعْتُكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْبَيْعَ فِي هَذَا الْعَبْدِ،
-
وَلَوْ أَنْكَرَ جَرَيَانَ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا أَصْلًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَكَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي إثْبَاتُ الْعَقْدِ بِالْبَيِّنَةِ فَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ الْعَقْدَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ.
-
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى خَادِمًا بِكُرِّ حِنْطَةٍ وَلَيْسَ الْكُرُّ عِنْدَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَيَّنَ الْكُرَّ، وَهُوَ مِلْكُ غَيْرِهِ، فَهَذَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَهُوَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ وَهَذِهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَإِنْ قَالَ بِكُرِّ حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ أَوْ وَسَطٍ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ هَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي جَانِبِ الْكُرِّ بَائِعٌ.
-
وَبَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرَائِطِ السَّلَمِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «اشْتَرَى جَزُورًا بِكُرَّيْ تَمْرٍ ثُمَّ اسْتَقْرَضَهُ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَلِأَنَّ الْمَكِيلَ أَوْ الْمَوْزُونَ إذَا لَمْ يَكُنْ بِعَيْنِهِ فَهُوَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا فَكَانَ شِرَاءً بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ كَالشِّرَاءِ بِالدَّرَاهِمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ ثَمَنٌ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالِاسْتِبْدَالُ بِالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا فَإِنْ وَجَدَ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا وَقَدْ اسْتَهْلَكَ الْبَائِعُ الْكُرَّ رَدَّهَا وَأَخَذَ كُرًّا مِثْلَ كُرِّهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْكُرُّ عِنْدَ الْبَائِعِ بِعَيْنِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ كُرًّا مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ
-
13/12213/122
حَالَ الْمُشْتَرِي مَعَ الْبَائِعِ عِنْدَ الْفَسْخِ كَحَالِ الْبَائِعِ مَعَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَقَدْ كَانَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي كُرٌّ فِي ذِمَّتِهِ يُعْطِيهِ الْمُشْتَرِي مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ فَكَذَلِكَ الْبَائِعُ يَفْعَلُهُ عِنْدَ الْفَسْخِ.
-
وَكُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يَعُدُّ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ لِمَا قُلْنَا قَالَ:
-
وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً بِثَوْبٍ لَيْسَ عِنْدَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ لَا تُثْبِتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ إلَّا مَوْصُوفَةً وَمُؤَجَّلَةً ذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ بِعَيْنِهِ فَوَجَدَ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا وَقَدْ اسْتَهْلَكَ الْبَائِعُ الثَّوْبَ رَدَّهَا وَأَخَذَ قِيمَةَ الثَّوْبِ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَقَدْ لَزِمَهُ رَدُّ عَيْنِهِ حِينَ رَدَّ عَلَيْهِ الْجَارِيَةَ،
-
فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ شَيْئًا بِنَقْدٍ أَوْ نَسِيئَةٍ فَلَمْ يَسْتَوْفِ ثَمَنَهُ حَتَّى اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ جَازَ.