بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
المبسوطالحنفيةالمسائل ٢٬٥٥٥ إلى ٢٬٨٠١
-
١/٢٣٥١/٢٣٥
قَالَ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَأَقَلُّ مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ إذَا قَصَدَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَفَسَّرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِمَشْيِ الْأَقْدَامِ وَسَيْرِ الْإِبِلِ فَهُوَ الْوَسَطُ؛ لِأَنَّ أَعْجَلَ السَّيْرِ سَيْرُ الْبَرِيدِ، وَأَبْطَأُ السَّيْرِ سَيْرُ الْعَجَلَةِ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -،
-
وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى التَّقْدِيرُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرْبَعَةُ بُرُدٍ كُلُّ بَرِيدٍ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِيمَا دُونَ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ» ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي قَوْلٍ: التَّقْدِيرُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: التَّقْدِيرُ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا لِحَدِيثِ مُجَاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ السُّوَيْدَاءَ فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ بِهَا، فَقَالَ: كُنَّا إذَا خَرَجْنَا إلَيْهَا قَصَرْنَا،
-
وَمِنْ السُّوَيْدَاءِ إلَى الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا، وَقَالَ: نَفَاهُ الْقِيَاسُ لَا تَقْدِيرَ لِأَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} الْآيَةَ، فَإِثْبَاتُ التَّقْدِيرِ يَكُونُ زِيَادَةً وَلَكِنَّا نَقُولُ: ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ الْمُرَادَ السَّفَرُ، وَقَدْ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى:
-
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} وَالْخَارِجُ إلَى حَانُوتٍ أَوْ إلَى ضَيْعَةٍ لَا يُسَمَّى مُسَافِرًا،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ التَّقْدِيرِ لِتَحْقِيقِ اسْمِ السَّفَرِ.
-
وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِحَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا» مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَكَلِمَةُ فَوْقَ صِلَةٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} وَهِيَ لَا تُمْنَعُ مِنْ الْخُرُوجِ لِغَيْرِهِ بِدُونِ الْمَحْرَمِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ السَّفَرِ لَا تَنْقُصُ عَمَّا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ فِيهَا، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ التَّخْفِيفَ بِسَبَبِ الرُّخْصَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَمَعْنَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى أَنْ يَحْمِلَ رَحْلَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ وَيَحُطُّهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ؛
-
لِأَنَّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ يَحْمِلُ رَحْلَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي إذَا كَانَ مَقْصِدُهُ يَحُطُّهُ فِي أَهْلِهِ،
-
وَإِذَا كَانَ التَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي يَحْمِلُ رَحْلَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَيَحُطُّهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ، فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْحَرَجِ، فَلِهَذَا قَدَّرْنَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَلِهَذَا قَدَّرَ
-
١/٢٣٦١/٢٣٦
بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ مِنْ السَّفَرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرْحَلَةٌ وَاحِدَةٌ خُصُوصًا فِي أَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قُدِّرَ بِيَوْمَيْنِ وَالْأَكْثَرِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَأَقَامَ الْأَكْثَرَ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَقَامَ الْكَمَالِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛
-
لِأَنَّهُ إذَا بَكَّرَ وَاسْتَعْجَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَصَلَ إلَى الْمَقْصِدِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأَقَمْنَا الْأَكْثَرَ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَقَامَ الْكَمَالِ،
-
وَلَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ بِالْفَرَاسِخِ،
-
فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطُّرُقِ فِي السُّهُولِ وَالْجِبَالِ وَالْبَحْرِ وَالْبَرِّ، وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ بِالْأَيَّامِ وَالْمَرَاحِلِ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ فَيَرْجِعُ إلَيْهِمْ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ،
-
فَإِذَا قَصَدَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ حِينَ تَخَلَّفَ عُمْرَانُ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُ مَادَامَ فِي الْمِصْرِ فَهُوَ نَاوِي السَّفَرِ لَا مُسَافِرٌ،
-
فَإِذَا جَاوَزَ عُمْرَانَ الْمِصْرِ صَارَ مُسَافِرًا لِاقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِعَمَلِ السَّفَرِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ خَرَجَ مِنْ الْبَصْرَةِ يُرِيدُ الْكُوفَةَ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا ثُمَّ نَظَرَ إلَى خُصٍّ أَمَامَهُ فَقَالَ: لَوْ جَاوَزْنَا ذَلِكَ الْخُصَّ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ.
-
قَالَ: (وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَقَامَ أَرْبَعًا صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَخَرَجَ مِنْهَا إلَى مِنًى فِي الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ حَتَّى قَالَ بِعَرَفَاتٍ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، فَإِنَّا قَوْمُ سَفَرٍ» ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛
-
لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَيَّامِ أَوْ بِالشُّهُورِ، وَالْمُسَافِرُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ الْمُقَامِ فِي الْمَنَازِلِ أَيَّامًا لِلِاسْتِرَاحَةِ أَوْ لِطَلَبِ الرُّفْقَةِ فَقَدَّرْنَا أَدْنَى مُدَّةِ الْإِقَامَةِ بِالشُّهُورِ، وَذَلِكَ نِصْفُ شَهْرٍ، وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ فِي مَعْنَى مُدَّةِ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ يُعِيدُ مَا سَقَطَ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَكَمَا يَتَقَدَّرُ أَدْنَى مُدَّةِ الْإِقَامَةِ فِي مَعْنَى الطُّهْرِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَذَلِكَ أَدْنَى مُدَّةِ الْإِقَامَةِ، وَلِهَذَا قَدَّرْنَا أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اعْتِبَارًا بِأَدْنَى مُدَّةِ الْحَيْضِ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَخَّصَ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمُقَامِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّمَا قَدَّرْنَا بِهَذَا؛
-
لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ حَوَائِجَهُمْ كَانَتْ تَرْتَفِعُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لَا لِتَقْدِيرِ أَدْنَى مُدَّةِ الْإِقَامَةِ.
-
قَالَ: (وَإِذَا قَدِمَ الْكُوفِيُّ مَكَّةَ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يُقِيمَ فِيهَا وَبِمِنًى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهُوَ مُسَافِرٌ) ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ مَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ،
-
فَإِنَّ الْإِقَامَةَ ضِدُّ السَّفَرِ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ
-
١/٢٣٧١/٢٣٧
أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ يَكُونُ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ،
-
وَلَوْ جَوَّزْنَا نِيَّةَ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ جَوَّزْنَا فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَيُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّكَ إذَا جَمَعْتَ إقَامَةَ الْمُسَافِرِ الْمَرَاحِلَ رُبَّمَا يَزِيدُ ذَلِكَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَذَا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعَيْنِ بِمَكَّةَ وَمِنًى وَالْكُوفَةِ وَالْحِيرَةِ،
-
فَإِنْ كَانَ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِاللَّيَالِيِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ وَيَخْرُجَ بِالنَّهَارِ إلَى الْمَوْضِعِ الْآخَرِ،
-
فَإِنْ دَخَلَ أَوَّلًا الْمَوْضِعَ الَّذِي عَزَمَ عَلَى الْمُقَامِ فِيهِ بِالنَّهَارِ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا،
-
وَإِنْ دَخَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِ بِاللَّيَالِيِ يَصِيرُ مُقِيمًا ثُمَّ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَوْضِعِ الْآخَرِ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ إقَامَةِ الرَّجُلِ حَيْثُ يَثْبُتُ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إذَا قُلْتَ لِلسُّوقِيِّ: أَيْنَ تَسْكُنُ يَقُولُ: فِي مَحَلَّةِ كَذَا، وَهُوَ بِالنَّهَارِ يَكُونُ فِي السُّوقِ، وَكَانَ سَبَبُ تَفَقُّهِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِطَلَبِ الْحَدِيثِ قَالَ: فَدَخَلْتُ مَكَّةَ فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مَعَ صَاحِبٍ لِي وَعَزَمْتُ عَلَى الْإِقَامَةِ شَهْرًا فَجَعَلْتُ أُتِمُّ الصَّلَاةَ فَلَقِيَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: أَخْطَأْتَ، فَإِنَّك تَخْرُجُ إلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا رَجَعْتُ مِنْ مِنًى بَدَا لِصَاحِبِي أَنْ يَخْرُجَ وَعَزَمْتُ أَنْ أُصَاحِبَهُ فَجَعَلْتُ أَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَقَالَ لِي صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَخْطَأَتْ، فَإِنَّك مُقِيمٌ بِمَكَّةَ فَمَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا لَا تَكُونُ مُسَافِرًا، فَقُلْتُ: أَخْطَأْتُ فِي مَسْأَلَةٍ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَنْفَعْنِي مَا جَمَعْتُ مِنْ الْأَخْبَارِ، فَدَخَلْتُ مَجْلِسَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاشْتَغَلْتُ بِالْفِقْهِ.
-
قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْإِقَامَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَلَكِنَّهُ مَكَثَ أَيَّامًا فِي الْمِصْرِ وَهُوَ عَلَى عَزْمِ الْخُرُوجِ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا عِنْدَنَا،
-
وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا زَادَ عَلَى ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَتَمَّ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ثَمَانِ عَشَرَةَ لَيْلَةً، وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ السَّفَرَ يَنْعَدِمُ بِالْمُقَامِ؛
-
لِأَنَّهُ ضِدُّهُ تَرَكْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لِلنَّصِّ، فَبَقِيَ مَا رَوَاهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.
-
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» وَابْنُ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَأَنَسٌ أَقَامَ بِنَيْسَابُورَ شَهْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ أَقَامَ بِخُوَارِزْمَ سِنِينَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ خَلْفَ غَرِيمٍ لَهُ لَمْ يَصِرْ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَنْوِ أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ،
-
وَإِنْ طَافَ جَمِيعَ الدُّنْيَا فَكَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا مَا لَمْ يَنْوِ الْمُكْثَ أَدْنَى مُدَّةِ الْإِقَامَةِ،
-
وَإِنْ طَالَ مُقَامُهُ اتِّفَاقًا.
-
قَالَ: (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ مُسَافِرًا بَعْدَمَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ عِنْدَنَا) ، وَقَالَ ابْنُ شُجَاعٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُقِيمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا مَضَى مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ
-
١/٢٣٨١/٢٣٨
مَا يُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ خَرَجَ مُسَافِرًا صَلَّى أَرْبَعًا وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا بِأَوَّلِ الْوَقْتِ،
-
فَإِذَا كَانَ مُقِيمًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْمُقِيمِينَ فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ، وَعِنْدَنَا الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بَيْنَ الْأَدَاءِ، وَالتَّأْخِيرُ وَالْوُجُوبُ يَنْفِي التَّخَيُّرَ، وَالتَّخَيُّرُ يَنْفِي الْوُجُوبَ،
-
وَلَوْ مَاتَ فِي الْوَقْتِ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَدَلَّ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ،
-
فَإِذَا كَانَ مُسَافِرًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا خَرَجَ مُسَافِرًا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ يُصَلِّي صَلَاةَ السَّفَرِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ مَا دُونَ ذَلِكَ صَلَّى صَلَاةَ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ لَا يَسَعُهُ إلَى وَقْتٍ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: جُزْءٌ مِنْ الْوَقْتِ بِمَنْزِلَةِ جَمِيعِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ إدْرَاكَ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ وَإِنْ قَلَّ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ فَوُجُودُ السَّفَرِ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ كَوُجُودِهِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ إلَّا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ،
-
فَإِذَا صَارَ مُسَافِرًا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ،
-
فَإِذَا صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُسَافِرًا لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ، وَيُعْتَبَرُ جَانِبُ السَّفَرِ بِجَانِبِ الْإِقَامَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ مِصْرَهُ قَبْلَ فَوَاتِ الْوَقْتِ صَلَّى صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ شَيْئًا يَسِيرًا فَكَذَلِكَ فِي جَانِبِ السَّفَرِ،
-
وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْإِقَامَةِ إذَا دَخَلَ مِصْرَهُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ مُسَافِرًا إلَى الْغَزَوَاتِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا يُجَدِّدُ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ» .
-
قَالَ: (وَإِذَا قَرُبَ الْمُسَافِرُ مِصْرَهُ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ يَدْخُلْ مِصْرَهُ) ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَلَّى صَلَاةَ السَّفَرِ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَى بُيُوتِ الْكُوفَةِ حِينَ قَدِمَهَا مِنْ الْبَصْرَةِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ لِلْمُسَافِرِ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ مَا لَمْ تَدْخُلْ مَنْزِلَكَ، وَلِأَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ إلَيْهِ عَلَى قَصْدِ السَّفَرِ مُسَافِرًا فَلَأَنْ يَبْقَى مُسَافِرًا بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ أَوْلَى.
-
وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ مُسَافِرًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِصْرِهِ لِحَاجَةٍ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَلَّى صَلَاةَ الْمُقِيمِ فِي انْصِرَافِهِ؛ لِأَنَّهُ فَسَخَ عَزِيمَةَ السَّفَرِ بِعَزْمِهِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطَنِهِ دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ، فَصَارَ مُقِيمًا مِنْ سَاعَتِهِ،
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ مَاضٍ عَلَى سَفَرِهِ مَا لَمْ يَدْخُلْ مِصْرَهُ.
-
قَالَ: (رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ مُسَافِرًا فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَافْتَتَحَهَا ثُمَّ أَحْدَثَ فَانْفَتَلَ لِيَأْتِيَ مِصْرَهُ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ مَا صَلَّى، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي صَلَاةَ الْمُقِيمِ، فَإِنْ تَكَلَّمَ
-
١/٢٣٩١/٢٣٩
صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ)؛ لِأَنَّهُ مَنْ عَزَمَ عَلَى الِانْصِرَافِ إلَى أَهْلِهِ فَقَدْ صَارَ مُقِيمًا، وَبَعْدَمَا صَارَ مُقِيمًا فِي صَلَاتِهِ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ يَصِحُّ، وَالْمُقِيمُ فِي السَّفِينَةِ إذَا جَرَتْ بِهِ السَّفِينَةُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ؛
-
لِأَنَّ السَّفَرَ عَمَلٌ وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ تَمْنَعُهُ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ،
-
فَأَمَّا الْإِقَامَةُ تَرْكُ السَّفَرِ، وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ لَا تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ،
-
فَإِذَا تَكَلَّمَ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ أَمَامَهُ عَلَى عَزْمِ السَّفَرِ فَصَارَ مُسَافِرًا، وَالْأَصْلُ أَنَّ النِّيَّةَ مَتَى تَجَرَّدَتْ عَنْ الْعَمَلِ لَا تَكُونُ مُؤَثِّرَةً،
-
فَإِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ فَقَدْ اقْتَرَنَتْ النِّيَّةُ بِعَمَلِ الْإِقَامَةِ فَصَارَ مُقِيمًا،
-
وَإِذَا نَوَى السَّفَرَ فَقَدْ تَجَرَّدَتْ النِّيَّةُ عَنْ الْعَمَلِ مَا لَمْ يَخْرُجْ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ نَوَى فِي عَبْدِ التِّجَارَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْخِدْمَةِ صَارَ لِلْخِدْمَةِ،
-
وَلَوْ نَوَى فِي عَبْدِ الْخِدْمَةِ أَنْ يَكُونَ لِلتِّجَارَةِ لَا يَصِيرُ لَهَا مَا لَمْ يَتَّجِرْ فِيهِ.
-
قَالَ: (مُسَافِرٌ صَلَّى فِي سَفَرِهِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا،
-
فَإِنْ كَانَ قَعَدَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَالْأُخْرَيَانِ تَطَوُّعٌ لَهُ،
-
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْعُدْ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ عِنْدَنَا) ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُعِيدُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ عَلَى كُلِّ حَالٍّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَكَانَ الْأَرْبَعُ فَرْضًا لَهُ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رُخْصَةٌ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ} فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ أَرْبَعٌ وَالْقَصْرُ رُخْصَةٌ، «وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْوَابِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا بَالُنَا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، وَلَا نَخَافُ شَيْئًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنْ خِفْتُمْ} فَقَالَ: أَشْكَلَ عَلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ،
-
وَإِنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كَانَتْ تُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَلَّى بِعَرَفَاتٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَاعْتَبَرَ الصَّلَاةَ بِالصَّوْمِ،
-
فَإِنَّ السَّفَرَ مُؤَثِّرٌ فِيهَا،
-
ثُمَّ الْفِطْرُ رُخْصَةٌ وَمَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ كَانَ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ فَكَذَلِكَ الْقَصْرُ فِي الصَّلَاةِ.
-
(وَلَنَا) حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: فُرِضَتْ الصَّلَاةُ فِي الْأَصْلِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ ثُمَّ زِيدَتْ فِي الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ فِي السَّفَرِ عَلَى مَا كَانَتْ، وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ تَامٌّ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ فَقَدْ كَفَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ
-
١/٢٤٠١/٢٤٠
رَكْعَتَانِ، وَسَأَلَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، وَالثَّانِي يَقْصُرُ عَنْ حَالِهِمَا، فَقَالَ لِلَّذِي قَصَرَ: أَنْتَ الَّذِي أَكْمَلْتَ، وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَنْتَ قَصَرْتَ، وَلَمَّا صَلَّى عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِعَرَفَاتٍ أَرْبَعًا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - رَكْعَتَيْنِ،
-
ثُمَّ اخْتَلَفَتْ بِكُمْ الطُّرُقُ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ الْأَرْبَعِ مِثْلُ حَظِّي مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ قَالَ: إنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا» ، فَإِنْكَارُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَاعْتِذَارُ عُثْمَانَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ إلَّا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَحَبَّ أَنْ يَأْمَنَ عُثْمَانُ غَيْرَهُ؛
-
لِتَكُونَ إقَامَةُ الصَّلَاةِ عَلَى هَيْئَةِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَقَامَ بِنَفْسِهِ لِكَثْرَةِ الْأَعْرَابِ بِعَرَفَاتٍ كَيْلًا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ رَكْعَتَانِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الشَّفْعَ الثَّانِي سَاقِطٌ عَنْ الْمُسَافِرِ لَا إلَى بَدَلٍ، وَبَقَاءُ الْفَرْضِيَّةِ يُوجِبُ الْقَضَاءَ أَوْ الْأَدَاءَ فَحِينَ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ تَبْقَ الْفَرْضِيَّةُ فِيمَا زَادَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ فِي حَقِّهِ،
-
وَأَنَّ الظُّهْرَ فِي حَقِّهِ كَالْفَجْرِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ،
-
ثُمَّ الْمُقِيمُ إذَا صَلَّى أَرْبَعًا،
-
فَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِالنَّفْلِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرْضِ،
-
وَإِنْ قَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَالْأُخْرَيَانِ تَطَوُّعٌ لَهُ فَكَذَلِكَ هُنَا وَبِهِ فَارَقَ الصَّوْمَ،
-
فَإِنَّ الْفَرْضِيَّةَ لَمَّا بَقِيَتْ هُنَاكَ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ قَضَاءٍ أَوْ أَدَاءً. وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا قِيلَ: إنَّهَا كَانَتْ تَتَنَقَّلُ مِنْ بَيْتِ بَعْضِ أَوْلَادِهَا إلَى بَيْتِ بَعْضٍ فَلَمْ تَكُنْ مُسَافِرَةً، وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ؛
-
لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ، وَالْأَمْرُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ التَّجَوُّزُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْأَرْكَانِ عِنْدَ الْخَوْفِ،
-
فَأَمَّا صَلَاةُ الْمُسَافِرِ عَرَفْنَاهُ بِالسُّنَّةِ كَمَا رَوَيْنَا مِنْ الْآثَارِ.
-
قَالَ: (مُسَافِرٌ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ) ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ لَمْ تُصَادِفْ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى،
-
فَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ فَرْضُهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ كَانَ عَائِدًا إلَى حُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَيَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ، وَيَكُونُ سُجُودُهُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ وَكَمَا يَسْجُدُ بِتَرْكِ الْإِتْمَامِ لِلصَّلَاةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاشْتِغَالِ بِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بَعْدَمَا عَادَ إلَى سُجُودِ السَّهْوِ قَامَ فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ حَصَلَتْ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُمَا سَوَاءٌ يَقُومُ فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ بِالسَّلَامِ لَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ
-
١/٢٤١١/٢٤١
إذَا كَانَ عَلَيْهِ سَهْوٌ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا.
-
قَالَ: (مُسَافِرٌ أَمَّ مُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَةً ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدَّمَ رَجُلًا دَخَلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ سَاعَتئِذٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَلَا يَنْبَغِي لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَتَقَدَّمَ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ أَقْدَرُ عَلَى إتْمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ،
-
وَإِنْ تَقَدَّمَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْإِمَامِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْجُدَ تِلْكَ السَّجْدَةَ؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ الْأَوَّلِ فَيَبْدَأُ بِمَا كَانَ عَلَى الْإِمَامِ الْأَوَّلِ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَكِنَّهُ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَةً ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدَّمَ رَجُلًا جَاءَ سَاعَتئِذٍ فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ وَرَجَعَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي قَالَ: يَسْجُدُ الثَّالِثُ السَّجْدَةَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ الْإِمَامَيْنِ وَيَسْجُدُهَا مَعَهُ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ وَالْقَوْمُ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَّوْا تِلْكَ الرَّكْعَةَ، فَإِنَّمَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ تِلْكَ السَّجْدَةُ،
-
وَلَا يَسْجُدُهَا الْإِمَامُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ فَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا فَلَا يَبْدَأُ بِالسَّجْدَةِ مِنْهَا، وَفِي نَوَادِرِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: يَسْجُدُهَا مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُقْتَدِي بِالْإِمَامِ الثَّالِثِ فَيُتَابِعُهُ فِيمَا يَأْتِي بِهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْسُوبًا مِنْ صَلَاتِهِ، كَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي السُّجُودِ ثُمَّ سَجَدَ السَّجْدَةَ الْأُخْرَى وَسَجَدَهَا مَعَهُ الْإِمَامُ الثَّانِي وَالْقَوْمُ؛ لِأَنَّهُمْ صَلُّوا هَذِهِ الرَّكْعَةَ،
-
وَلَا يَسْجُدُهَا مَعَهُ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَلَّى تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَانْتَهَى إلَى هَذِهِ السَّجْدَةِ فَحِينَئِذٍ سَجَدَهَا؛ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: يُصَلِّي الْإِمَامُ الْأَوَّلُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ الْإِمَامُ الثَّالِثُ وَيَتَأَخَّرُ وَيُقَدِّمُ رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ فَيُسَلِّمُ بِهِمْ؛
-
لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ السَّلَامِ بِنَفْسِهِ فَيَسْتَعِينُ بِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ،
-
ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَيَسْجُدُونَ مَعَهُ ثُمَّ يَقُومُ الثَّانِي فَيَقْضِي الرَّكْعَةَ الَّتِي سُبِقَ بِهَا بِقِرَاءَةٍ، وَيُكَمِّلُ الْمُقِيمُونَ صَلَاتَهُمْ.
-
الْفَصْل الْأَوَّل صَلَّى الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَكْعَةً وَسَجْدَةً ثُمَّ أَحْدَثَ الرَّابِعُ وَقَدَّمَ خَامِسًا وَجَاءَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ
-
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا فَصْلَيْنِ فِي الْمُقِيمِينَ:
-
(أَحَدُهُمَا) فِي اللَّاحِقِينَ إذَا صَلَّى الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَكْعَةً وَسَجْدَةً ثُمَّ أَحْدَثَ الرَّابِعُ وَقَدَّمَ خَامِسًا وَجَاءَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْخَامِسِ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّجْدَةِ الْأُولَى وَيَسْجُدُهَا مَعَهُ الْأَئِمَّةُ وَالْقَوْمُ؛ لِأَنَّهُمْ صَلُّوا تِلْكَ الرَّكْعَةَ ثُمَّ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ وَيَسْجُدُونَهَا مَعَهُ غَيْرَ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ بَعْدُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَحِينَئِذٍ سَجَدَ الثَّالِثَةَ وَيَسْجُدُهَا مَعَهُ ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّالِثَةَ وَيَسْجُدُونَهَا مَعَهُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي؛
-
لِأَنَّهُمَا لَمْ يُصَلِّيَا الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يَسْجُدُ الرَّابِعَةَ وَيَسْجُدُونَهَا مَعَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا صَلُّوا هَذِهِ الرَّكْعَةَ بَعْدُ،
-
ثُمَّ يَقُومُ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ فَيَقْضِي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَالْإِمَامُ الثَّانِي رَكْعَتَيْنِ، وَالْإِمَامُ الثَّالِثُ الرَّكْعَةَ الرَّابِعَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ مُدْرِكُونَ لِأَوَّلِ الصَّلَاةِ،
-
ثُمَّ يُسَلِّمُ الْخَامِسُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَالْقَوْمُ مَعَهُ، وَكُلُّ إمَامٍ فَرَغَ مِنْ إتْمَامِ صَلَاتِهِ وَأَدْرَكَهُ
-
١/٢٤٢١/٢٤٢
تَابَعَهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ،
-
وَمَنْ لَمْ يَفْرُغْ أَخَّرَ سُجُودَ السَّهْوِ إلَى آخِرِ صَلَاتِهِ.
-
الْفَصْلُ الثَّانِي صَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَكْعَةً وَسَجْدَةً ثُمَّ أَحْدَثَ الرَّابِعُ وَقَدَّمَ رَجُلًا خَامِسًا وَتَوَضَّأَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجَاءُوا
-
(وَالْفَصْلُ الثَّانِي) فِي الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ إذَا كَانُوا مَسْبُوقِينَ وَقَدْ صَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَكْعَةً وَسَجْدَةً ثُمَّ أَحْدَثَ الرَّابِعُ وَقَدَّمَ رَجُلًا خَامِسًا وَتَوَضَّأَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجَاءُوا، فَيَنْبَغِي لِلْخَامِسِ أَنْ يَسْجُدَ السَّجْدَةَ الْأُولَى وَيَسْجُدُهَا مَعَهُ الْقَوْمُ وَالْإِمَامُ الْأَوَّلُ،
-
وَلَا يَسْجُدُهَا مَعَهُ الْإِمَامُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ؛ لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ يَسْجُدُونَهَا مَعَهُ لِلْمُتَابَعَةِ،
-
ثُمَّ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ وَيَسْجُدُهَا مَعَهُ الْقَوْمُ وَالْإِمَامُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ صَلَّى تِلْكَ الرَّكْعَةَ بَعْدُ،
-
وَلَا يَسْجُدُهَا مَعَهُ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ مَا صَلَّى تِلْكَ الرَّكْعَةَ بَعْدُ،
-
وَلَا الثَّالِثُ، وَلَا الرَّابِعُ؛ لِأَنَّهُمَا مَسْبُوقَانِ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ إلَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّوَادِرِ،
-
ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّالِثَةَ وَيَسْجُدُهَا مَعَهُ الْقَوْمُ وَالْإِمَامُ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّهُمْ صَلُّوا هَذِهِ الرَّكْعَةَ وَلَمْ يَسْجُدُوا هَذِهِ السَّجْدَةَ،
-
ثُمَّ يَسْجُدُ الرَّابِعَةَ وَيَسْجُدُهَا مَعَهُ الْقَوْمُ وَالْإِمَامُ الرَّابِعُ،
-
ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيَتَأَخَّرُ وَيُقَدِّمُ سَادِسًا لِيُسَلِّمَ بِهِمْ، وَيَسْجُدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ،
-
ثُمَّ يَقُومُ الْخَامِسُ فَيُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ فِيهَا فَيَقْرَأُ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ هُوَ بِالْخِيَارِ،
-
وَأَمَّا الْإِمَامُ الْأَوَّلُ يَقْضِي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ،
-
وَلَا قِرَاءَةَ عَلَى اللَّاحِقِ فِيمَا يَقْضِي، وَالْإِمَامُ الثَّانِي يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ فِيهِمَا ثُمَّ رَكْعَةً بِقِرَاءَةٍ، وَالْإِمَامُ الثَّالِثُ يَقْضِي الرَّابِعَةَ أَوَّلًا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ،
-
ثُمَّ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ فِيهِمَا، وَالْإِمَامُ الرَّابِعُ يَقْضِي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثَةِ هُوَ بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ فِيهَا (فَإِنْ قِيلَ:) لِمَاذَا أَوْرَدَ هَذَا الْمَسَائِلَ مَعَ تَيَقُّنِ كُلِّ عَاقِلٍ بِأَنَّهَا لَا تَقَعُ،
-
وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا (قُلْنَا:) لَا يَتَهَيَّأُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْلَمَ مَا يَحْتَاجُ، إلَيْهِ إلَّا بِتَعَلُّمِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَيَصِيرُ الْكُلُّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْتَاجُ لِهَذَا الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا يَسْتَعِدُّ لِلْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ.
-
قَالَ: (مُسَافِرٌ أَمَّ مُسَافِرِينَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكْمِلَ بِهِمْ الصَّلَاةَ) ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ اسْتَنَدَتْ إلَى أَوَّلِ الصَّلَاةِ، وَهُمْ قَدْ الْتَزَمُوا مُتَابَعَتَهُ فَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النَّاوِي لِلْإِقَامَةِ خَلِيفَةَ الْإِمَامِ الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ مَا الْتَزَمُوا مُتَابَعَتَهُ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُمْ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ إصْلَاحِ صَلَاتِهِمْ، فَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ مُتَابَعَتُهُ.
-
قَالَ: (إمَامٌ أَحْدَثَ فَاسْتَخْلَفَ مُدْرِكًا ثُمَّ نَامَ خَلْفَهُ حَتَّى صَلَّى الْإِمَامُ رَكْعَةً وَقَدَّمَهُ،
-
فَإِنْ تَأَخَّرَ هُوَ وَقَدَّمَ غَيْرَهُ فَهُوَ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ أَقْدَرُ عَلَى إتْمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى الْبُدَاءَةِ بِمَا فَرَغَ مِنْهُ الْإِمَامُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَكِنَّهُ أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَنْتَظِرُوهُ لِيُصَلِّيَ رَكْعَةً أَوَّلًا ثُمَّ يُصَلِّيَ بِهِمْ بَقِيَّةَ الصَّلَاةِ جَازَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْإِمَامِ
-
١/٢٤٣١/٢٤٣
فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةَ الْإِمَامِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَكِنَّهُ صَلَّى بِهِمْ الثَّلَاثَ رَكَعَاتٍ بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَدَّمَ مُدْرِكًا وَسَلَّمَ بِهِمْ وَقَامَ وَقَضَى مَا عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْبُدَاءَةِ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى،
-
فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ الْمَأْمُورَ بِهِ، فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَالْمَسْبُوقِ إذَا بَدَأَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ قَبْلَ أَنْ يُتَابِعَ الْإِمَامَ فِيمَا أَدْرَكَ مَعَهُ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى إلَى آخِرِ صَلَاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ،
-
وَإِنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي السُّجُودِ يُتَابِعُهُ فِيهِ، فَدَلَّ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ فَتَرْكُهَا لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ،
-
بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ فَفَسَادُ صَلَاتِهِ هُنَاكَ لِلْعَمَلِ بِالْمَنْسُوخِ لَا لِتَرْكِ التَّرْتِيبِ، وَلِأَنَّ حُكْمَ مَا هُوَ مَسْبُوقٌ فِيهِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا هُوَ مَسْبُوقٌ فِيهِ كَالْمُنْفَرِدِ،
-
فَإِذَا انْفَرَدَ فِي مَوْضِعٍ يَحِقُّ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهَهُنَا حُكْمُ الْكُلِّ وَاحِدٌ فِي حَقِّهِ، فَتَرْكُ التَّرْتِيبِ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا صَلَاتَهُ.
-
قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ ذَكَرَ رَكْعَتَهُ تِلْكَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُومِئَ إلَيْهِمْ لِيَنْتَظِرُوهُ حَتَّى يَقْضِيَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ ثُمَّ يُصَلِّيَ بِهِمْ بَقِيَّةَ الصَّلَاةِ) كَمَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ يَفْعَلُهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَأَخَّرَ حِينَ تَذَكَّرَ ذَلِكَ وَقَدَّمَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَصَلَّى بِهِمْ فَهُوَ أَفْضَلُ أَيْضًا كَمَا فِي الِابْتِدَاءِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَكِنَّهُ صَلَّى بِهِمْ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِرَكْعَتِهِ أَجْزَأَهُ أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا.
-
اقْتِدَاء الْمُسَافِر بِالْمُقِيمِ
-
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْمُقِيمِ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ، وَلِلْمُقِيمِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْمُسَافِرِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ) ، أَمَّا فِي الْوَقْتِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جَوَّزَ اقْتِدَاءَ أَهْلِ مَكَّةَ بِعَرَفَاتٍ حِينَ قَالَ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ يَا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّا قَوْمُ سَفَرٍ»
-
وَكَذَلِكَ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمُقِيمِ لَا يَتَعَيَّنُ بِالِاقْتِدَاءِ.
-
وَأَمَّا اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ فِي الْوَقْتِ يَجُوزُ وَيَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَبَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِالِاقْتِدَاءِ،
-
فَإِنَّ الْمُغَيِّرَ لِلْفَرْضِ إمَّا نِيَّةُ الْإِقَامَةِ أَوْ الِاقْتِدَاءُ بِالْمُقِيمِ،
-
ثُمَّ الْفَرْضُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَكَذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ بِالْمُقِيمِ،
-
وَإِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَرْضُهُ كَانَ هَذَا عَقْدًا لَا يُفِيدُ مُوجِبَهُ،
-
وَلَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ فَرَغَ قَبْلَ إمَامِهِ،
-
وَإِنْ أَتَمَّ أَرْبَعًا كَانَ خَالِطًا النَّفَلَ بِالْمَكْتُوبَةِ قَصْدًا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ،
-
ثُمَّ الْقَعْدَةُ الْأُولَى نَفْلٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَرْضٌ فِي حَقِّهِ، وَاقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا بَيَّنَّا هَذَا الْفُرُوقَ، كَمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ.
-
قَالَ: (وَالْغُلَامُ الْمُرَاهِقُ إذَا كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ فِي الصَّفِّ أَجْزَأَهُمَا
-
١/٢٤٤١/٢٤٤
ذَلِكَ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَأَقَامَنِي وَالْيَتِيمَ مِنْ وَرَائِهِ» .
-
قَالَ: (رَجُلٌ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً ثُمَّ صَلَّى شَهْرًا وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَحْدَهَا اسْتِحْسَانًا) ،
-
وَإِنْ كَانَ صَلَّى يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَعَادَ مَا صَلَّى بَعْدَهَا فِي هَذِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا وَاحِدَةٌ تُفْسِدُ خَمْسًا، وَوَاحِدَةٌ تُصَحِّحُ خَمْسًا؛ لِأَنَّهُ إنْ صَلَّى السَّادِسَةَ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِالْقَضَاءِ صَحَّ الْخَمْسُ عِنْدَهُ،
-
وَإِنْ أَدَّى الْمَتْرُوكَةَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ السَّادِسَةَ فَسَدَ الْخَمْسُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا عَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ وَخَمْسِ صَلَوَاتٍ بَعْدَهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْخَمْسَ فَسَدَتْ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ حَتَّى لَوْ اشْتَغَلَ بِالْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْكُلِّ فَبِتَأَخُّرِ الْقَضَاءِ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: الْفَسَادُ كَانَ بِوُجُوبِ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ، وَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ عِنْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا غَيْرَ مُرَتَّبٍ يَجُوزُ، فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا لِتَرْكِ التَّرْتِيبِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ بِالْإِعَادَةِ،
-
وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَوَقَّفَ حُكْمُ الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ فِي الثَّانِي، كَمُصَلِّي الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ، تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُؤَدَّاةَ كَانَتْ تَطَوُّعًا وَإِلَّا كَانَ فَرْضًا، وَصَاحِبَةُ الْعَادَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِيهَا دُونَ عَادَتِهَا وَصَلَتْ صَلَوَاتٍ ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ صَلَاةً صَحِيحَةً،
-
وَإِنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا كَانَتْ صَحِيحَةً قَالَ:
-
(وَإِذَا زَادَ عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا،
-
فَإِذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْكُلَّ حَيْضٌ وَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ،
-
وَإِنْ جَاوَزَهَا كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ) ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: إذَا صَلَّى الْحَاجُّ الْمَغْرِبَ فِي طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا إنْ وَصَلَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا فَهَذَا مِثْلُهُ. وَحَاصِلُ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ مُؤَدَّاةٌ فِي أَوْقَاتِهَا، وَالْفَسَادُ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ فَسَادٌ ضَعِيفٌ،
-
فَلَا يَبْقَى حُكْمُهُ بَعْدَ سُقُوطِ التَّرْتِيبِ، وَهُمَا يَقُولَانِ: مَا يَحْكُمُ بِفَسَادِهِ لِمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ لَا يَصِحُّ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ، كَمَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْفَائِتَةِ فَطَوَّلَهَا حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ لَمْ يَحْكُمْ بِجَوَازِهَا، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: هُنَاكَ لَمْ يَسْقُطْ التَّرْتِيبُ؛
-
لِأَنَّ بَعْدَ السُّقُوطِ لَا يَعُودُ التَّرْتِيبُ، وَهُنَاكَ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَتْرُوكَةِ وَصَلَاةِ شَهْرٍ بَعْدَهُ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ الَّتِي سَقَطَ بِهَا التَّرْتِيبُ وَقَدْ بَيَّنَّا
-
قَالَ: (رَجُلٌ صَلَّى الظُّهْرَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ عَلَى وُضُوءٍ ذَاكِرًا لِذَلِكَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمَا جَمِيعًا) لِوُجُوبِ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ، وَظَنُّهُ جَهْلٌ فَلَا
-
١/٢٤٥١/٢٤٥
يَسْقُطُ عَنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّمَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ،
-
فَأَمَّا مَنْ لَا يَعْلَمُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِهِ، وَكَانَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إذَا كَانَ عِنْدَهُ إنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى النَّاسِي لِلْفَائِتَةِ فَيُجْزِئُهُ فَرْضُ الْوَقْتِ.
-
(وَلَنَا) أَنْ نَقُولَ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا قَدْ ظَهَرَ عِنْدَهُ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَهُوَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ نَاسِيًا فَهُوَ مَعْذُورٌ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِأَدَاءِ الْفَائِتَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ ذَاكِرًا وَهُوَ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ فَمُجَرَّدُ ظَنِّهِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يُعْتَبَرُ،
-
فَإِنْ أَعَادَ الظُّهْرَ وَحْدَهَا ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْعَصْرَ لَهُ جَائِزٌ، قَالَ: يُجْزِئُهُ الْمَغْرِبُ وَيُعِيدُ الْعَصْرَ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ظَنَّهُ هَذَا اسْتَنَدَ إلَى خِلَافٍ مُعْتَبَرٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَكَانَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فَسَادٌ قَوِيٌّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا يُؤَدَّى بَعْدَهُ،
-
فَأَمَّا فَسَادُ الْعَصْرِ بِسَبَبِ تَذَكُّرِ التَّرْتِيبِ فَسَادٌ ضَعِيفٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى، فَهُوَ كَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِمَا،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ.
-
قَالَ: (رَجُلٌ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَمَكَثَ فِيهَا شَهْرًا وَلَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا) ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّ بِقَبُولِ الْإِسْلَامِ صَارَ مُلْتَزِمًا لِمَا هُوَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَلَكِنْ قَصَرَ عَنْهُ خِطَابُ الْأَدَاءِ لِجَهْلِهِ بِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْقِطٍ لِلْقَضَاءِ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ، كَالنَّائِمِ إذَا انْتَبَهَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
-
وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ مَا يَجِبُ بِخِطَابِ الشَّرْعِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ فَرْضِيَّةِ التَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ وَجَوَّزَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ.
-
وَشَرِبَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ الْخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ تَحْرِيمِهَا قَبْلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} وَهَذَا لِأَنَّ الْخِطَابَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُخَاطَبِ الِائْتِمَارُ قَبْلَ الْعِلْمِ،
-
فَلَوْ ثَبَتَ حُكْمُ الْخِطَابِ فِي حَقِّهِ كَانَ فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ عَزْلَ الْوَكِيلِ وَالْحَجْرَ عَلَى الْمَأْذُونِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ،
-
(وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا اسْتِحْسَانًا) ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَهُوَ الْحَدُّ لِمَا بَيَّنَّا. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ هُوَ أَنَّ الْخِطَابَ شَائِعٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَقُومُ شُيُوعُ الْخِطَابِ مَقَامَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُبَلِّغِ أَنْ يُبَلِّغَ كُلَّ أَحَدٍ إنَّمَا الَّذِي وُسْعُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْخِطَابَ شَائِعًا، وَهَذَا لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَسْمَعُ الْأَذَانَ
-
١/٢٤٦١/٢٤٦
وَالْإِقَامَةَ وَيَرَى شُهُودَ النَّاسِ الْجَمَاعَاتِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَإِنَّمَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ مَا لَا يَشْتَبِهُ، وَلِأَنَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَجِدُ مَنْ يَسْأَلُ مِنْهُ، فَتَرْكُ السُّؤَالِ تَقْصِيرٌ مِنْهُ
-
بِخِلَافِ دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ بَلَّغَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِيمَا تَرَكَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا لَمْ يُخْبِرْهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛
-
لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ مُلْزِمٌ،
-
وَمِنْ أَصْلِهِ اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِي الْخَبَرِ الْمُلْزِمِ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْحَجْرِ عَلَى الْمَأْذُونِ وَعَزْلِ الْوَكِيلِ وَالْإِخْبَارِ بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِالتَّبْلِيغِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا كَمَا سَمِعَهَا ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا» فَهَذَا الْمُبَلِّغُ نَظِيرُ الرَّسُولِ مِنْ الْمَوْلَى وَالْمُوَكِّلِ، وَخَبَرُ الرَّسُولِ هُنَاكَ مُلْزِمٌ فَهَهُنَا كَذَلِكَ.
-
قَالَ: (رَجُلٌ تَرَكَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مِنْ يَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الظُّهْرَ الَّذِي تَرَكَ أَوَّلًا أَوْ الْعَصْرَ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى فِي ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ،
-
وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّحَرِّي فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى كَمَا إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ رَأْيٌ وَأَرَادَ الْأَخْذَ بِالثِّقَةِ صَلَّاهُمَا ثُمَّ أَعَادَ الْأُولَى مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَا لَيْسَ عَلَيْهِ سِوَى التَّحَرِّي؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ مَا تَرَكَ إلَّا صَلَاتَيْنِ فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ، وَهَذَا نَظِيرُ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إلَى الْجِهَاتِ كُلِّهَا احْتِيَاطِيًّا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَاتِ أَصْلٌ، وَفِي إعَادَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا تَيَقُّنٌ بِأَدَاءِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّرْتِيبِ
-
بِخِلَافِ أَمْرِ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَا تَكُونُ قُرْبَةً،
-
فَلَا يَحْصُلُ مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ بِمُبَاشَرَةِ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ.
-
فَأَمَّا هَهُنَا إعَادَةُ الْأُولَى إمَّا أَنْ تَكُونَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا وَهُوَ قُرْبَةٌ، وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً لَا يَدْرِي أَيَّمَا هِيَ مِنْ صَلَوَاتِ الْيَوْمِ أَوْ اللَّيْلَةِ فَعَلَيْهِ صَلَاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ احْتِيَاطًا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةٍ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: يُعِيدُ الْفَجْرَ وَالْمَغْرِبَ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِنِيَّةِ مَا عَلَيْهِ،
-
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِنِيَّةِ مَا عَلَيْهِ بِثَلَاثِ قَعَدَاتٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ،
-
فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ، وَفِيمَا قَالُوا تَضْيِيعُ النِّيَّةِ، فَكَيْفَ يَتَأَدَّى بِهِ الْقَضَاءُ،
-
وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ يُعِيدُ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ احْتِيَاطًا فَهَذَا مِثْلُهُ.
-
قَالَ: (رَجُلٌ أَمَّ نِسَاءً لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَأَحْدَثَ فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَصَلَاةُ النِّسْوَةِ فَاسِدَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالْمُنْفَرِدِ لَا تَتَعَلَّقُ صَلَاتُهُ بِصَلَاةِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَبْقَ لِلنِّسْوَةِ إمَامٌ فِي الْمَسْجِدِ فَتَفْسُدُ
-
١/٢٤٧١/٢٤٧
صَلَاتُهُنَّ؛ لِهَذَا قَالَ: (فَإِنْ اسْتَخْلَفَ امْرَأَةً فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُنَّ) وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجُوزُ صَلَاةُ النِّسْوَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ بِدَلِيلِ الِابْتِدَاءِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: اشْتِغَالُهُ بِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً لَهُ مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِ، فَإِنَّمَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ قَبْلَ تَحَوُّلِ الْإِمَامَةِ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَتَفْسُدُ بِهِ صَلَاةُ الْمُقْتَدِينَ.
-
قَالَ: (فَإِنْ تَقَدَّمَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّمَهَا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ) ، وَهَذَا جَوَابٌ مُبْهَمٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ فَصْلَانِ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْفَصْلَ الثَّالِثَ وَلَمْ يُبَيِّنْ بِأَيِّ فَصْلٍ يَعْتَبِرُهُ،
-
فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ هَذَا وَاسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ إيَّاهَا سَوَاءٌ حَتَّى تَفْسُدَ صَلَاةُ الْإِمَامِ لِمَا بَيَّنَّا فِي بَابِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْمِ وَبَيْنَ تَقْدِيمِ الْإِمَامِ إيَّاهُ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا نَظِيرُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى لَا تَفْسُدَ صَلَاةُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ خَلِيفَةً لَهُ، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ فِي إفْسَادِ الصَّلَاةِ، فَصَارَ فِي حَقِّهِ كَأَنْ لَمْ يُقَدِّمْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَتَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالْمُنْفَرِدِ.
-
قَالَ: (مُسَافِرٌ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ثُمَّ نَوَى الْمُقَامَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَةٍ) وَهُوَ وَالْمُقِيمُ فِيهِ سَوَاءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ يُخْرِجُهُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -،
-
وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْهَا عِنْدَهُمَا،
-
وَأَمَّا عَلَى سَبِيلِ الِابْتِدَاءِ فَهَهُنَا حُجَّةُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ ظُهْرَ الْمُسَافِرِ كَفَجْرِ الْمُقِيمِ،
-
ثُمَّ الْفَجْرُ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ يَفْسُدُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا أَوْ فِي إحْدَاهُمَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ إصْلَاحٌ إلَّا بِالِاسْتِقْبَالِ، فَكَذَلِكَ الظُّهْرُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، إذْ لَا تَأْثِيرَ لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي رَفْعِ الْفَسَادِ، وَلَهُمَا أَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ كَهِيَ فِي أَوَّلِهَا،
-
وَلَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَوَّلِهَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُفْسِدَ لَمْ يَتَقَرَّرْ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِعَرْضِ أَنْ يَلْحَقَهُ مَدَدُ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَالْمُفْسِدُ خُلُوُّ الصَّلَاةِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا،
-
وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ
-
بِخِلَافِ فَجْرِ الْمُقِيمِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ وَرَكَعَ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ،
-
وَإِنْ كَانَ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ يُعِيدُ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ؛ لِأَنَّ مَا أَدَّى كَانَ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ حِينَ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ لَمْ يَكُنْ نَوَى الْإِقَامَةَ فَكَانَتْ هَذِهِ الرَّكْعَةُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى إلَى وَقْتِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ نَافِلَةً فَلَا تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِهَذَا.
-
قَالَ: (مُسَافِرٌ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ ثُمَّ ذَهَبَ الْوَقْتُ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ بِالشُّرُوعِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْوَقْتِ فَالْتَحَقَ بِغَيْرِهِ مِنْ
-
١/٢٤٨١/٢٤٨
الْمُقِيمِينَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ،
-
فَإِنَّ الْإِتْمَامَ لَمْ يَلْزَمْهُ بِهَذَا الِاقْتِدَاءِ،
-
فَإِنْ أَفْسَدَهَا الْإِمَامُ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ عَلَى الْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِتْمَامِ عَلَيْهِ بِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْإِفْسَادِ (فَإِنْ قِيلَ:) فَقَدْ كَانَ هُوَ مُقِيمًا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَبِأَنْ صَارَ فِي حُكْمِ الْمُسَافِرِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْفَرْضُ.
-
(قُلْنَا:) لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا فِيهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ الِاقْتِدَاءَ فِي الْوَقْتِ كَأَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ السَّفَرِ، وَالْقَصْرُ فِي السَّفَرِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ عِبَارَةٌ عَنْ سُقُوطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ، وَفِي هَذِهِ الصَّلَاةِ بَعْدَ سُقُوطِ الشَّطْرِ تَبْقَى صَلَاتُهُ كَامِلَةً
-
بِخِلَافِ الْفَجْرِ، فَإِنَّ بَعْدَ سُقُوطِ الشَّطْرِ مِنْهَا لَا يَبْقَى إلَّا رَكْعَةً وَهِيَ لَا تَكُونُ صَلَاةً تَامَّةً،
-
وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ بَعْدَ سُقُوطِ شَطْرٍ مِنْهَا لَا تَبْقَى صَلَاةً تَامَّةً فَلِهَذَا لَمْ يَدْخُلْهَا الْقَصْرُ، وَالسُّنَنُ وَالتَّطَوُّعَاتُ لَا يَدْخُلُهَا الْقَصْرُ بِسَبَبِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ فِي الصَّلَاةِ بِسَبَبِ السَّفَرِ تَوْقِيفٌ لَمْ يُعْرَفْ بِالرَّأْيِ،
-
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ بِتَرْكِ السُّنَنِ فِي السَّفَرِ، وَيَرْوُونَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَتَيْتُ بِالسُّنَنِ لَأَتْمَمْتُ الْفَرِيضَةَ، وَتَأْوِيلُ هَذَا عِنْدَنَا فِي حَالَةِ الْخَوْفِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ الْمُكْثُ فِي مَوْضِعٍ لِأَدَاءِ السُّنَنِ.
-
قَالَ: (وَيُخَفِّفُ الْقِرَاءَةَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَرَأَ فِي الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» وَلِأَنَّ السَّفَرَ لَمَّا أُسْقِطَ عَنْهُ شَطْرُ الصَّلَاةِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ فَلَأَنْ يُسْقِطَ مُرَاعَاةَ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى، وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ أَطْوَلُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْإِقَامَةِ فَيَقْرَأُ {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وَمَا أَشْبَهَهُمَا، وَفِي الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَمَا أَشْبَهَهَا.
-
قَالَ: (وَدُخُولُ الْمُسَافِرِ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ يَلْزَمُهُ الْإِكْمَالُ إنْ دَخَلَ فِي أَوَّلِهَا أَوْ فِي آخِرِهَا قَبْلَ السَّلَامِ) ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالْمُقِيمِ فِي تَغَيُّرِ الْفَرْضِ كَنِيَّةِ الْإِقَامَةِ،
-
وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَآخِرِهَا فَهَذَا مِثْلُهُ.
-
قَالَ: (وَتَوْطِينُ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ وَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحَاصِرُونَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ سَاقِطٌ وَهُمْ مُسَافِرُونَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إنَّا نُطِيلُ الثَّوِيَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى أَهْلِكَ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ، وَدَارُ الْحَرْبِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِإِقَامَةِ الْمُحَارِبِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛
-
لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الْفِرَارِ بِنَفْسِهِ بَلْ هُوَ بَيْنَ أَنْ يَهْزِمَ الْعَدُوَّ فَيَفِرَّ وَبَيْنَ أَنْ يَنْهَزِمَ فَيَفِرَّ، وَلِأَنَّ فِنَاءَ الْبَلْدَةِ تَبَعٌ لِجَوْفِهَا وَالْبَلْدَةُ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الْعَسْكَرُ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ أَيْضًا
-
١/٢٤٩١/٢٤٩
حُكْمًا. وَكَذَلِكَ إذَا نَزَلُوا الْمَدِينَةَ وَحَاصَرُوا أَهْلَهَا فِي الْحِصْنِ فَلَا قَرَارَ لَهُمْ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، فَكَانَ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ مَقَاسَ نِيَّةِ السَّفَرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا،
-
وَكَذَلِكَ إنْ حَارَبُوا أَهْلَ الْبَغْيِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَحَاصَرُوهُمْ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا: إنْ كَانَتْ الشَّوْكَةُ وَالْغَلَبَةُ لِلْعَدُوِّ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُمْ الْإِقَامَةَ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الشَّوْكَةُ لَهُمْ صَحَّتْ نِيَّتُهُمْ الْإِقَامَةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْفِرَارِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانُوا فِي الْأَخْبِيَةِ وَالْفَسَاطِيطِ خَارِجَ الْبَلْدَةِ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُمْ الْإِقَامَةَ،
-
وَإِنْ كَانُوا فِي الْبُيُوتِ وَالْأَبْنِيَةِ صَحَّتْ نِيَّتُهُمْ الْإِقَامَةَ؛ لِأَنَّ الْأَبْنِيَةَ مَوْضِعُ الْإِقَامَةِ دُونَ الصَّحْرَاءِ، وَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْأَخْبِيَةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْأَعْرَابِ وَالْأَتْرَاكِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَكُونُونَ مُقِيمِينَ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلْمَرْءِ أَصْلٌ وَالسَّفَرُ عَارِضٌ وَهُمْ لَا يَنْوُونَ السَّفَرَ قَطُّ إنَّمَا يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَاءٍ إلَى مَاءٍ،
-
وَمِنْ مَرْعًى إلَى مَرْعًى فَكَانُوا مُقِيمِينَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ.
-
قَالَ: (وَإِذَا مَرَّ الْإِمَامُ بِمَدِينَةٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ أَجْزَأَهُ وَأَجْزَأَهُمْ) ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَى الْمُسَافِرِ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَرْبَعَةٌ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ» فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ وَهُوَ كَانَ مُسَافِرًا بِهَا» ثُمَّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إنَّمَا تَجُوزُ بِأَمْرِهِ فَلَأَنْ تَجُوزُ مِنْهُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْحُضُورُ عَلَى الْمُسَافِرِ لِدَفْعِ الْحَرَجِ،
-
فَإِذَا حَضَرَ وَأَدَّى كَانَ مُفْتَرِضًا كَالْمَرِيضِ،
-
وَكَذَلِكَ الْأَمِيرُ يَطُوفُ فِي بِلَادِ عَمَلِهِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَهُوَ وَالْإِمَامُ سَوَاءٌ فِي هَذَا.
-
قَالَ: (وَيُصَلِّي الْمُسَافِرُ التَّطَوُّعَ عَلَى دَابَّتِهِ بِإِيمَاءٍ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ تَطَوُّعًا حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} » وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةٍ إنَّمَا يَتَطَوَّعُ عَلَى دَابَّتِهِ بِالْإِيمَاءِ وَوَجْهُهُ إلَى الْمَشْرِقِ» إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ لِلْوِتْرِ وَالْمَكْتُوبَةِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ عَلَى دَابَّتِهِ وَيَنْزِلُ لِلْمَكْتُوبَةِ،
-
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ إلَّا حِفْظُ اللِّسَانِ وَحِفْظُ النَّفْسِ عَنْ الْوَسَاوِسِ وَالْخَوَاطِرِ الْفَاسِدَةِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا.
-
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ عَلَى سَرْجِهِ قَذَرٌ فَكَذَلِكَ تَجُوزُ صَلَاتُهُ) وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ وَأَبُو حَفْصٍ النَّجَّارِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولَانِ: لَا تَجُوزُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي
-
١/٢٥٠١/٢٥٠
مَوْضِعِ الْجُلُوسِ أَوْ فِي مَوْضِعِ الرِّكَابَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ اعْتِبَارًا لِلصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَانَا يَقُولَانِ: تَأْوِيلُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَذَارَةِ عَرَقُ الدَّابَّةِ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُونَ: تَجُوزُ لِمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَالدَّابَّةُ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّ بَاطِنَهَا لَا يَخْلُو عَنْ النَّجَاسَاتِ وَيَتْرُكُ عَلَيْهَا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ النُّزُولِ وَالْأَدَاءِ، وَالْأَرْكَانُ أَقْوَى مِنْ الشَّرَائِطِ،
-
فَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْأَرْكَانِ هُنَا لِحَاجَةٍ فَشَرْطُ طَهَارَةِ الْمَكَانِ أَوْلَى،
-
ثُمَّ الْإِيمَاءُ لَا يُصِيبُ مَوْضِعَهُ، إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ فِي الْهَوَاءِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُؤَدِّي عَلَيْهِ رُكْنًا وَهُوَ لَا يُؤَدِّي عَلَى مَوْضِعِ سَرْجِهِ وَرِكَابَيْهِ رُكْنًا فَلَا تَضُرُّهُ نَجَاسَتُهُمَا.
-
وَكَذَلِكَ الْمُقِيمُ يَخْرُجُ مِنْ مِصْرِهِ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَلَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُسَافِرِ يَحْتَاجُ إلَى قَطْعِ الْوَسَاوِسِ عَنْ نَفْسِهِ،
-
وَلَا سَيْرَ عَلَى الدَّابَّةِ هَاهُنَا مَدِيدٌ كَسَيْرِ الْمُسَافِرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إذَا كَانَ رَاكِبًا فِي الْمِصْرِ هَلْ يَتَطَوَّعُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَذَكَرَ فِي الْهَارُونِيَّاتِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ وَيُكْرَهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَأْسَ بِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: التَّطَوُّعُ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ جَوَّزْنَاهُ بِالنَّصِّ
-
بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ خَارِجَ الْمِصْرِ، وَالْمِصْرُ فِي هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى خَارِجِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ سَيْرَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ لَا يَكُونُ مَدِيدًا عَادَةً فَرَجَعْنَا فِيهِ إلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ. وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا سَمِعَ هَذَا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ الْحِمَارَ فِي الْمَدِينَةِ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَكَانَ يُصَلِّي وَهُوَ رَاكِبٌ» فَلَمْ يَرْفَعْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَأْسَهُ، قِيلَ: إنَّمَا لَمْ يَرْفَعْ رُجُوعًا مِنْهُ إلَى الْحَدِيثِ،
-
وَقِيلَ: بَلْ هَذَا حَدِيثٌ شَاذٌّ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَالشَّاذُّ فِي مِثْلِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَهُ، فَلِهَذَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ بِالْحَدِيثِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ؛
-
لِأَنَّ اللَّغَطَ يَكْثُرُ فِيهَا فَلِكَثْرَةِ اللَّغَطِ رُبَّمَا يُبْتَلَى بِالْغَلَطِ فِي الْقِرَاءَةِ فَلِذَلِكَ كُرِهَ.
-
قَالَ: (وَلَا يُصَلِّي الْمُسَافِرُ الْمَكْتُوبَةَ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَةَ فِي أَوْقَاتٍ مَحْصُورَةٍ فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ النُّزُولُ لِأَدَائِهَا فِيهَا
-
بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ بِشَيْءٍ،
-
فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ لِأَدَائِهَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النُّزُولُ لِأَدَائِهَا، تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إذًا مَا يُنَشِّطُهُ فِيهِ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ أَوْ يَنْقَطِعُ سَفَرُهُ،
-
وَكَذَلِكَ يَنْزِلُ لِلْوِتْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَعِنْدَهُمَا لَهُ أَنْ يُوتِرَ عَلَى الدَّابَّةِ لِمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ فَمُطِرُوا
-
١/٢٥١١/٢٥١
فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي حَتَّى نَادَى صَلُّوا عَلَى رَوَاحِلِكُمْ، فَنَزَلَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَطَلَبَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فِيهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَاهُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ إلَيْهِ فَقَالَ: أَمَا إنَّهُ يَأْتِيكُمْ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا أَمَرْتُ بِهِ أَمَا لَكَ فِي أُسْوَةٌ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ تَسْعَى فِي رَقَبَةٍ قَدْ فُكَّتْ، وَأَنَا أَسْعَى فِي رَقَبَةٍ لَمْ يَظْهَرْ فِكَاكُهَا، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنَّهُ يَأْتِيكُمْ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ،
-
ثُمَّ قَالَ لَهُ: إنِّي لَأَرْجُو عَلَى هَذَا أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى» فَقَدْ جَوَّزَ لَهُمْ الصَّلَاةَ عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ النُّزُولِ بِسَبَبِ الْمَطَرِ فَكَذَلِكَ بِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنْ سُبُعٍ أَوْ عَدُوٍّ، وَلِأَنَّ مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ.
-
قَالَ: (وَإِذَا افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَكِبَ فَأَتَمَّهَا رَاكِبًا لَمْ تُجْزِهِ،
-
وَلَوْ افْتَتَحَهَا رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ فَأَتَمَّهَا أَجْزَأَهُ) قِيلَ؛ لِأَنَّ النُّزُولَ عَمَلٌ يَسِيرٌ وَالرُّكُوبُ عَمَلٌ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى اسْتِعْمَالِ الْيَدَيْنِ عَادَةً، وَفِي النُّزُولِ يَجْعَلُ رِجْلَيْهِ مِنْ جَانِبٍ فَيَنْزِلُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى مُعَالَجَةٍ،
-
وَقِيلَ: إذَا افْتَتَحَ عَلَى الْأَرْضِ فَلَوْ أَتَمَّهَا رَاكِبًا كَانَ دُونَ مَا شَرَعَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَالْإِيمَاءُ دُونَ ذَلِكَ، وَالرَّاكِبُ إذَا نَزَلَ يُؤَدِّيهَا أَتَمَّ مِمَّا شَرَعَ فِيهَا بِالْإِيمَاءِ وَيُؤَدِّيهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَعَنْ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِمَا جَمِيعًا يَبْنِي؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ افْتِتَاحُ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُولِ فَالْإِتْمَامُ أَوْلَى وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِمَا جَمِيعًا يَسْتَقْبِلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَنَى بَعْدَ النُّزُولِ كَانَ هَذَا بِنَاءَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَالْمَرِيضِ الْمُومِئِ يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَرْقٌ فَقَالَ: هُنَاكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَتِحَ بِالْإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَكَذَلِكَ إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لَا يَبْنِي وَبَيَّنَّا لَهُ أَنْ يَفْتَتِحَ بِالْإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَقُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ بِالنُّزُولِ لَا تَمْنَعُهُ مِنْ الْبِنَاءِ.
-
قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّاهُمَا عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ) اعْتِبَارًا بِمَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ سَمِعَ تِلَاوَةً عَلَى الْأَرْضِ فَسَجَدَهَا عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ لَمْ تُجْزِهِ؛ لِأَنَّهَا لَزِمَتْهُ بِالسُّجُودِ بِالسَّمَاعِ عَلَى الْأَرْضِ حَيْثُ سَمِعَهَا قَبْلَ الرُّكُوبِ وَلَوْ سَمِعَهَا وَهُوَ رَاكِبٌ فَسَجَدَهَا بِالْإِيمَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا لَوْ الْتَزَمَهَا وَلَوْ سَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا أَتَمَّ مِمَّا الْتَزَمَهَا.
-
قَالَ: (رَجُلَانِ فِي مَحَلٍّ اقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فِي التَّطَوُّعِ أَجْزَأَهُمَا) كَمَا لَوْ كَانَا عَلَى الْأَرْضِ إذْ لَيْسَ بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَالْإِمَامِ مَا يَمْنَعُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ إذَا كَانَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ،
-
وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى
-
١/٢٥٢١/٢٥٢
دَابَّةٍ لَمْ تَجُزْ صَلَاةُ الْمُؤْتَمِّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّابَّتَيْنِ طَرِيقًا، وَالطَّرِيقُ الْعَظِيمُ بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَالْإِمَامِ يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَجُوزَ اقْتِدَاؤُهُ بِالْإِمَامِ إذَا كَانَتْ دَابَّتُهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْ دَابَّةِ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ الْفُرْجَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ إلَّا بِقَدْرِ الصَّفِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ.
-
قَالَ: (وَنِيَّةُ اللَّاحِقِ لِلْإِقَامَةِ - وَهُوَ فِي قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ - سَاقِطَةٌ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ) ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يُتِمُّ مُقْتَدٍ بِالْإِمَامِ فَنِيَّتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَنِيَّةِ إمَامِهِ، وَنِيَّةُ الْإِمَامِ لِلْإِقَامَةِ لَا يَلْزَمُهُ إتْمَامُ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَيَعْنِي بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْهَا فَكَذَلِكَ نِيَّتُهُ،
-
(فَإِنْ قِيلَ:) نِيَّةُ الْمُقْتَدِي مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَفِي حَقِّ الْإِمَامِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِخُرُوجِهِ عَنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ (قُلْنَا:) الْمُقْتَدِي تَبَعٌ فَيُجْعَلُ كَالْخَارِجِ مِنْ الصَّلَاةِ حُكْمًا لِخُرُوجِ إمَامِهِ مِنْهَا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ مِصْرَهُ،
-
فَإِنَّ دُخُولَ مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ وَنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ، وَنِيَّةُ الْمَسْبُوقِ فِي قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ لِلْإِقَامَةِ أَوْ دُخُولِهِ مِصْرَهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ فِيمَا يَقْضِي كَالْمُنْفَرِدِ، وَنِيَّةُ الْمُنْفَرِدِ الْإِقَامَةَ مُعَبِّرٌ فَرْضُهُ فِي الْوَقْتِ فَكَذَلِكَ نِيَّةُ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَنِيَّةُ الْمُنْفَرِدِ الْإِقَامَةَ بَعْدِ خُرُوجِ الْوَقْتِ فِي صَلَاةٍ افْتَتَحَهَا فِي الْوَقْتِ سَاقِطَةٌ،
-
وَكَذَلِكَ دُخُولُهُ الْمِصْرَ؛ لِأَنَّ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ صَارَ صَلَاةُ السَّفَرِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِإِقَامَتِهِ،
-
فَأَمَّا فِي الْوَقْتِ لَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ بَعْدُ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْوَقْتِ يَسْقُطُ بِعُذْرِ الْحَيْضِ وَبَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَسْقُطُ.
-
قَالَ: (خُرَاسَانِيٌّ قَدِمَ الْكُوفَةَ فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى الْحِيرَةِ فَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا يُرِيدُ خُرَاسَانَ وَيَمُرُّ بِالْكُوفَةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ كَانَ وَطَنًا مُسْتَعَارًا فَانْتَقَضَ بِمِثْلِهِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْطَانَ ثَلَاثَةٌ.
-
وَطَنُ قَرَارٍ وَيُسَمَّى الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا نَشَأَ بِبَلْدَةٍ أَوْ تَأَهَّلَ بِهَا تَوَطَّنَ بِهَا. وَوَطَنٌ مُسْتَعَارٌ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْمُسَافِرُ الْمَقَامَ فِي مَوْضِعٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ وَوَطَنُ سُكْنَى وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْمَسَافِرُ الْمُقَامَ فِي مَوْضِعٍ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ،
-
ثُمَّ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ لَا يَنْقُضُهُ إلَّا وَطَنٌ أَصْلِيٌّ مِثْلُهُ، وَالْوَطَنُ الْمُسْتَعَارُ يَنْقُضُهُ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ وَوَطَنٌ مُسْتَعَارٌ مِثْلُهُ وَالسَّفَرُ لَا يَنْقُضُهُ وَطَنُ السُّكْنَى لِأَنَّهُ دُونَهُ، وَوَطَنُ السُّكْنَى يَنْقُضُهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْخُرُوجُ مِنْهُ لَا عَلَى نِيَّةِ السَّفَرِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا الْأَصْلَ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ فَأَكْثَرُ الْمَسَائِلِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ بِخُرُوجِهَا ثَمَّةُ، وَالْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرْنَا هَهُنَا مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ حِينَ تَوَطَّنَ بِالْحِيرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَانَ هَذَا وَطَنًا مُسْتَعَارًا لَهُ فَانْتَقَضَ بِهِ
-
١/٢٥٣١/٢٥٣
وَطَنُهُ بِالْكُوفَةِ وَالْتَحَقَ بِمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا قَطُّ فَلِهَذَا يُصَلِّي بِهَا رَكْعَتَيْنِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُوَطِّنْ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِالْحِيرَةِ صَلَّى بِالْكُوفَةِ أَرْبَعًا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا،
-
فَإِنَّ الْحِيرَةَ كَانَتْ وَطَنَ السُّكْنَى لَهُ فَلَمْ يَنْتَقِضْ بِهِ وَطَنُهُ بِالْكُوفَةِ فَهُوَ مُقِيمٌ بِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ عَلَى قَصْدِ خُرَاسَانَ مِنْهَا.
-
قَالَ: (كُوفِيٌّ خَرَجَ إلَى الْقَادِسِيَّةِ لِحَاجَةٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى الْحَفِيرَةِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْحَفِيرَةِ يُرِيدُ الشَّامَ وَلَهُ بِالْقَادِسِيَّةِ نَقْلٌ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَهُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُرَّ بِالْكُوفَةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهَا رَكْعَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْقَادِسِيَّةَ كَانَتْ وَطَنَ السُّكْنَى فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ لَمْ يَعْزِمْ؛
-
لِأَنَّهُ مِنْ فِنَاءِ الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ،
-
فَإِنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكُوفَةِ دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ، فَلَمَّا خَرَجَ إلَى الْحَفِيرَةِ انْتَقَضَ وَطَنُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ؛ لِأَنَّ وَطَنَ السُّكْنَى يَنْقُضُهُ مِثْلُهُ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ بِالْحَفِيرَةِ وَطَنُ السُّكْنَى، فَالْتَحَقَ بِمَنْ لَمْ يَدْخُلْ الْقَادِسِيَّةَ، فَلِهَذَا صَلَّى بِهَا رَكْعَتَيْنِ،
-
وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَمُرَّ بِالْكُوفَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَمُرُّ بِهَا فَقَدْ عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ فَكَانَ مُقِيمًا مِنْ سَاعَتِهِ.
-
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْتِ الْحَفِيرَةَ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ لِحَاجَةٍ حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْحَفِيرَةِ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْقَادِسِيَّةِ فَيَحْمِلَ ثِقَلَهُ مِنْهَا وَيَرْتَحِلَ إلَى الشَّامِ،
-
وَلَا يَمُرُّ بِالْكُوفَةِ، صَلَّى أَرْبَعًا حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ اسْتِحْسَانًا) ، وَفِي الْقِيَاسِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ وَطَنَ السُّكْنَى الَّذِي كَانَ لَهُ بِالْقَادِسِيَّةِ قَدْ انْتَقَضَ بِخُرُوجِهِ مِنْهَا عَلَى قَصْدِ الْحَفِيرَةِ، كَمَا يُنْتَقَضُ لَوْ دَخَلَهَا وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: الْقَادِسِيَّةُ كَانَتْ لِي وَطَنُ السُّكْنَى، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِقَصْدِ الْحَفِيرَةِ وَطَنُ سُكْنَى آخَرَ مَا لَمْ يَدْخُلْهَا فَبَقِيَ وَطَنُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ، أَرَأَيْت لَوْ خَرَجَ مِنْهَا لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ تَشْيِيعِ جِنَازَةٍ أَوْ لِاسْتِقْبَالِ قَادِمٍ أَكَانَ يَنْتَقِضُ وَطَنُهُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْخُرُوجِ لَا يَنْتَقِضُ، فَكَذَلِكَ بِالْخُرُوجِ إلَى الْحَفِيرَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْهَا، فَلِهَذَا صَلَّى بِالْقَادِسِيَّةِ أَرْبَعًا حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهَا.