بَابُ الشُّفْعَةُ فِي الْهِبَةِ
المبسوطالحنفيةالمسائل ٣٤٬٥٠٦ إلى ٣٤٬٥٣٣
-
١٤/١٤٠١٤/١٤٠
قَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْلَمْ بِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَا يُسْتَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ، إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، فَإِنَّهُ يَقُولُ: يُسْتَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُقْسَمُ وَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ نَفْسِهِ إنْ لَمْ يُعَوِّضْ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ،
-
وَإِنْ عَوَّضَهُ فَقِيمَةُ الْعِوَضِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا عَوَّضَ الْغَيْرُ مِنْ هِبَتِهِ شِقْصًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ بِالشُّفْعَةِ خِلَافٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا. هُوَ يَقُولُ: ثُبُوتُ حَقِّ الشُّفْعَةِ لِحَاجَتِهِ إلَى دَفْعِ ضَرَرِ الْبَادِي بِسُوءِ مُجَاوَرَةِ الْجَارِ الْحَادِثِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سَبَبِ الْمِلْكِ فَتَجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ مَتَى تَجَدَّدَ الْمِلْكُ لِلْجَارِ الْحَادِثِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ مِنْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةِ، إلَّا الْمِيرَاثَ، فَالْمِلْكُ لَا يَتَجَدَّدُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَبْقَى الْوَارِثُ مَا كَانَ ثَابِتًا لِلْمُورِثِ،
-
ثُمَّ يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْأَخْذِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِالْمُتَمَلِّكِ فَإِنْ كَانَ الْمُتَمَلِّكُ دَفَعَ بِمُقَابَلَتِهِ عِوَضًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ ذَلِكَ الْعِوَضِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ بِمُقَابَلَتِهِ عِوَضًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا يَأْخُذُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ بِذَلِكَ يَنْدَفِعُ عَنْهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ حَقُّ الشُّفْعَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْأَخْذِ بِمِثْلِ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ يَمْلِكُ الْمُتَمَلِّكُ،
-
فَأَمَّا إذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ، كَالْمِيرَاثِ، وَفِي الْهِبَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِمِثْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَمْلِكُهُ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، فَيَكُونُ هَذَا إنْشَاءَ سَبَبٍ آخَرَ وَبِحَقِّ الشُّفْعَةِ لَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الشَّرْعَ قَدَّمَ الشَّفِيعَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي حُكْمِ السَّبَبِ الَّذِي بَاشَرَهُ، وَذَلِكَ يَتَأَتَّى فِي الْمُعَاوَضَاتِ،
-
وَلَا يَتَأَتَّى فِي التَّبَرُّعِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ لَا يَكُونُ حُكْمَ التَّبَرُّعِ؛ وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ فِي الْمُعَارَضَةِ كَانَ أَحَقَّ بِالْعَرْضِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الْبَائِعُ جَعَلَهُ الشَّرْعُ أَحَقَّ بِالْأَخْذِ؛ لِيَنْدَفِعَ الضَّرَرُ عَنْهُ وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي التَّبَرُّعِ،
-
فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَهَبَ مِلْكَهُ مِنْ إنْسَانٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِضَ بَيْعَهُ أَوَّلًا عَلَى جَارِهِ،
-
وَلَا أَنْ يَهَبَهُ مِنْ جَارِهِ؛ فَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِهَذَا السَّبَبِ.
-
فَإِنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ دَارًا عَلَى أَنْ يَهَبَهُ الْآخَرُ
-
١٤/١٤١١٤/١٤١
أَلْفَ دِرْهَمٍ شَرْطًا، فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ فِيهِ مَا لَمْ يَتَقَابَضَا، وَبَعْضُ التَّقَابُضِ يَجِبُ لِلشَّفِيعِ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ تَجِبُ الشُّفْعَةُ قَبْلَ التَّقَابُضِ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْهِبَةِ أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ عِنْدَهُ بَيْعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَعِنْدَنَا ابْتِدَاءً، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ،
-
فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ إذَا قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ،
-
ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي، فَهُوَ بَيْعٌ لَازِمٌ لَهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْقَبُولِ يَحْصُلُ بِالْمَوْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ شَرْطِ الْعِوَضِ يَمْلِكُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ قَالَ: قَدْ أَوْصَيْت بِدَارِي بَيْعًا لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَمَاتَ الْمُوصِي، فَقَالَ الْمُوصَى لَهُ: قَدْ قَبِلْت فَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ،
-
وَإِنْ قَالَ أَوْصَيْت لَهُ بِأَنْ يُوهَبَ لَهُ عَلَى عِوَضٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَهَذَا وَمَا لَوْ بَاشَرَ الْهِبَةَ بِنَفْسِهِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ.
-
وَإِنْ وَهَبَ نَصِيبًا مِنْ دَارٍ مُسَمًّى بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَتَقَابَضَا لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ الشُّفْعَةُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ بِرٌّ ابْتِدَاءً، وَالشُّيُوعُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةُ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَتَأْثِيرُ الشُّيُوعِ كَتَأْثِيرِ عَدَمِ الْقَبْضِ فِيهِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الشُّيُوعُ فِي الْعِوَضِ فِيمَا يُقْسَمُ.
-
وَإِنْ وَهَبَ دَارَ الرَّجُلِ عَلَى أَنَّ إبْرَاءَهُ مِنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ وَقَبَضَ كَانَ لِلشَّفِيعِ فِيهَا الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّ الْمَدْيُونَ قَابِضٌ لِلدَّيْنِ بِدَيْنِهِ فَبِقَبْضِ الدَّارِ تَتِمُّ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُمَا فَيَجِبُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا الشُّفْعَةُ، وَالْقَوْلُ فِي مِقْدَارِ الْعِوَضِ قَوْلُ الَّذِي عُوِّضَ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَمْلِكُ الدَّارَ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقَوْلَ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ قَوْلُهُ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهَا بِشَرْطِ الْإِبْرَاءِ مِمَّا يَدَّعِي فِي هَذِهِ الدَّارِ الْأُخْرَى وَقَبَضَهَا، فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ التَّمَلُّكَ فِيهَا يَتِمُّ بِجِهَةِ الْمُعَارَضَةِ.
-
وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ دَارَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ لِرَجُلٍ عَلَى عِوَضٍ مِثْلِ قِيمَتِهَا وَتَقَابَضَا، فَهُوَ جَائِزٌ وَلِلشَّفِيعِ فِيهَا الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ،
-
وَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ، وَالْعَبْدُ، وَالْمَأْذُونُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْمُضَارِبُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ كُلُّ مَنْ يَمْلِكُ الْبَيْعَ يَمْلِكُ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُحَابَاةٌ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ مَالٍ بِمَالٍ يُعَادِلُهُ شَرْطًا فَيَصِحُّ مِنْ الْأَبِ، وَالْوَصِيِّ كَمَا لَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، أَوْ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ حَقَّ الصَّبِيِّ فِي الْمَالِ لَا فِي اللَّفْظِ وَتَصَرُّفُ الْأَبِ، وَالْوَصِيِّ مُقَيَّدٌ شَرْعًا بِالْأَحْسَنِ، وَالْأَصْلَحِ لِلْيَتِيمِ، وَذَلِكَ فِي أَنْ يَتَوَفَّرَ عَلَيْهِ الْمَالِيَّةُ لَا فِي لَفْظِ الْمُعَاوَضَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ مِنْهُمَا لَمَّا لَمْ يَجُزْ بِالتَّعَاطِي مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ،
-
فَإِذَا أُسْقِطَ اعْتِبَارُ اللَّفْظِ قُلْنَا تَوْفِيرُ الْمَالِيَّةِ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، بَلْ
-
١٤/١٤٢١٤/١٤٢
أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ لَا يَزُولُ الْمَالُ عَنْ مِلْكِهِ مَا لَمْ يَصِلْ الْعِوَضُ إلَى يَدٍ ثَانِيَةٍ وَبِالْبَيْعِ تَزُولُ الْعَيْنُ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ وُصُولِ الْعِوَضِ إلَيْهِ، وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَظْهَرُ أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ مِنْ الْأَبِ، وَالْوَصِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ وَهُمَا يَمْلِكَانِ الْكِتَابَةَ فِي غَيْرِ الصَّبِيِّ
-
بِخِلَافِ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، فَالْمِلْكُ هُنَا يَزُولُ بِنَفْسِ الْقَبُولِ
-
وَالْبَدَلُ فِي ذِمَّةٍ مُفْلِسَةٍ لَا يَدْرِي أَيَصِلُ إلَيْهِ أَمْ لَا بِمَنْزِلَةِ التَّأَدِّي. وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ، وَالْوَصِيِّ وِلَايَةُ التَّبَرُّعِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فَبِاشْتِرَاطِ الْعِوَضِ لَا تَثْبُتُ لَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ، كَالْعِتْقِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ بِمَالِ هُوَ أَضْعَافُ قِيمَتِهِ وَتَبَرَّعَ إنْسَانٌ بِأَدَائِهِ لَمْ يَجُزْ، وَبِهِ يَبْطُلُ مَا اعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ مِنْ تَوْفِيرِ الْمَالِيَّةِ عَلَيْهِ، وَتَحْقِيقُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، وَهَذَا الْعَقْدُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ، فَهُوَ عَقْدٌ صَدَرَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ وَكَمَا يَلْغُو السَّبَبُ إذَا حَصَلَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ فَكَذَلِكَ إذَا صَدَرَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَحُكْمُ الْمُعَارَضَةِ يَنْبَنِي عَلَى صِحَّةِ السَّبَبِ عِنْدَ اتِّصَالِ الْقَبْضِ بِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ أَصْلُ السَّبَبِ؛ لِمَا قُلْنَا لَا يَنْقَلِبُ بِالتَّقَابُضِ بَيْعًا صَحِيحًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ فِي مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لَا يَصِيرُ بَيْعًا صَحِيحًا بِالتَّقَابُضِ فَكَذَلِكَ إذَا حَصَلَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ الْهِبَةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَصِيرُ بَيْعًا صَحِيحًا بِالتَّقَابُضِ،
-
فَلَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ