بَابُ الْمُعَامَلَةِ
المبسوطالحنفيةالمسائل ٥٤٬٨٥٤ إلى ٥٤٬٩١٠
-
٢٣/١٠١٢٣/١٠١
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - :
-
وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ نَخْلًا مُعَامَلَةً سِنِينَ مَعْلُومَةً بِالنِّصْفِ - فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ.
-
وَكَذَلِكَ مُعَامَلَةُ الشَّجَرِ وَالْكَرْمِ وَالرِّطَابِ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ إلَّا فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ بِالْأَثَرِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ الْأَثَرُ فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ، وَهُوَ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْبَرَ، وَلَكِنَّ هَذَا فَاسِدٌ، فَقَدْ كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَعْمَلُونَ فِي الْأَشْجَارِ وَالرِّطَابِ أَيْضًا كَمَا يَعْمَلُونَ فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ،
-
ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ مِمَّنْ لَا يَرَى تَعْلِيلَ النُّصُوصِ،
-
فَإِذَا كَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى تَعْلِيلَ النُّصُوصِ فَلَا يَسْتَقِيمُ مِنْهُ مَعْنًى؛ فَيَصِيرُ حُكْمُ الْمُعَامَلَةِ عَلَى النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَثَرَ وَرَدَ فِيهَا،
-
فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ النَّخِيلِ أَنْ يُخْرِجَ الْعَامِلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ،
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ دَفَعَ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ مُزَارَعَةً؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُلْقِيَ بَذْرَهُ فِي الْأَرْضِ وَفِيهِ إتْلَافُ مِلْكِهِ؛ فَلَهُ أَنْ لَا يَرْضَى بِهِ، وَهُنَا صَاحِبُ النَّخِيلِ لَا يَحْتَاجُ فِي إيفَاءِ الْعَقْدِ إلَى إتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَيَلْزَمُهُ الْعَقْدُ فِي الْجَانِبَيْنِ بِنَفْسِهِ،
-
وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِفَسْخِهِ إلَّا بِعُذْرٍ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، وَالْعُذْرُ هُنَا أَنْ يَلْحَقَهُ دَيْنٌ فَادِحٌ لَا وَفَاءَ عِنْدَهُ إلَّا بِبَيْعِ النَّخِيلِ، أَوْ يَكُونَ الْعَامِلُ سَارِقًا مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ فَخَافَ مِنْهُ عَلَى أَخْذِ سَعَفِ النَّخْلِ وَسَرِقَتِهِ أَوْ عَلَى سَرِقَتِهِ الثِّمَارَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا عُذْرٌ فِي سَائِرِ الْإِجَارَاتِ نَحْوِ إجَارَةِ الظِّئْرِ لِمَا يَلْحَقُهُ فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَةِ.
-
وَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ قَدْ خَرَجَ وَلَمْ يَبْلُغْ،
-
ثُمَّ لَحِقَهُ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ عِنْدَهُ إلَّا بِبَيْعِ النَّخِيلِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْمُعَامَلَةَ،
-
وَلَا يَبِيعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الثَّمَرُ، فَيُبَاعَ نَصِيبُ صَاحِبِ النَّخْلِ مِنْ النَّخْلِ مِنْ الثَّمَرِ فِي الدَّيْنِ وَتُنْتَقَضَ الْمُعَامَلَةُ فِيمَا بَقِيَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا سَوَاءٌ،
-
فَإِنَّ الشَّرِكَةَ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا فِي الثَّمَرِ، وَلِإِدْرَاكِهِ نِهَايَةً مَعْلُومَةً فَفِي الِانْتِظَارِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَفِي نَقْضِ الْمُعَامَلَةِ فِي الْحَالِ إضْرَارٌ بِالْعَامِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّهِ مِنْ نَصِيبِ الثَّمَرِ، فَلِدَفْعِ الضَّرَرِ قُلْنَا: يُخْرِجُ رَبُّ النَّخِيلِ مِنْ الشَّجَرِ وَتَبْقَى الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا إلَى أَنْ يُدْرِكَ مَا خَرَجَ
-
٢٣/١٠٢٢٣/١٠٢
مِنْ الثَّمَرِ، وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ الْعَمَلِ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَمْرَضَ مَرَضًا يَضْعُفُ عَنْ الْعَمَلِ مَعَهُ فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا،
-
وَلَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ فِي الْمَرَضِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَامِلًا لِيُقِيمَ الْعَمَلَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إلْحَاقَ ضَرَرٍ بِهِ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِعَقْدِ الْمُعَامَلَةِ،
-
وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ فِي إيفَاءِ الْعَقْدِ ضَرَرٌ فَوْقَ مَا الْتَزَمَهُ يَصِيرُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي فَسْخِ الْمُعَامَلَةِ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: أَوْ يُرِيدُ سَفَرًا أَوْ يَتْرُكُ ذَلِكَ الْعَمَلَ فَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا لَهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ رِوَايَتَيْنِ، وَتَأْوِيلُ مَا ذُكِرَ هُنَا أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ مَشْرُوطًا بِيَدِهِ.
-
وَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا أَوْ كَرْمًا مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ وَلَمْ يُسَمِّ الْوَقْتَ - جَازَ اسْتِحْسَانًا عَلَى أَوَّلِ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِئْجَارٌ لِلْعَامِلِ وَبِهَذَا لَا يَصِيرُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا إلَّا بِبَيَانِ الْمُدَّةِ،
-
فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنَا لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ كَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ لِإِدْرَاكِ الثَّمَرِ أَوَانًا مَعْلُومًا فِي الْعَادَةِ، وَنَحْنُ نَتَيَقَّنُ أَنَّ إيفَاءَ الْعَقْدِ مَقْصُودٌ هُنَا إلَى إدْرَاكِ الثِّمَارِ، وَالثَّابِتُ بِالْعَادَةِ كَالثَّابِتِ بِالشَّرْطِ فَصَارَتْ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً،
-
وَإِنْ تَقَدَّمَ، أَوْ تَأَخَّرَ فَذَلِكَ يَسِيرٌ لَا يَقَعُ بِسَبَبِهِ مُنَازَعَةٌ بَيْنَهُمَا فِي الْعَادَةِ،
-
بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ فَإِنَّ آخِرَ الْمُدَّةِ هُنَاكَ مَجْهُولٌ لِجَهَالَةِ أَوَّلِهَا؛ لِأَنَّ مَا يُزْرَعُ فِي الْخَرِيفِ يُدْرَكُ فِي آخِرِ الرَّبِيعِ، وَمَا يُزْرَعُ فِي الرَّبِيعِ يُدْرَكُ فِي آخِرِ الصَّيْفِ، وَمَا يُزْرَعُ فِي الصَّيْفِ يُدْرَكُ فِي آخِرِ الْخَرِيفِ، فَلِجَهَالَةِ وَقْتِ ابْتِدَاءِ عَمَلِ الْمُزَارَعَةِ يَصِيرُ وَقْتُ النِّهَايَةِ مَجْهُولًا، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا؛
-
فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ.
-
ثُمَّ فِي الْمُعَامَلَةِ يُتَيَقَّنُ أَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ أَوَّلَ ثَمَرِهِ وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ شَكٌّ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا الْمُتَيَقَّنُ،
-
وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ ثَمَرُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ اُنْتُقِضَتْ الْمُعَامَلَةُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ الْمُدَّةِ، فَكَأَنَّهُمَا نَصَّا عَلَى ذَلِكَ.
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أُصُولَ رَطْبَةٍ ثَابِتَةً فِي الْأَرْضِ مُعَامَلَةً وَلَمْ يُسَمِّ الْوَقْتَ - فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَةَ لَيْسَ لَهَا غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا نُمُوُّهَا، وَلَكِنَّهَا تَنْمُو مَا تُرِكَتْ فِي الْأَرْضِ،
-
بِخِلَافِ الثِّمَارِ فَإِنَّ لَهَا غَايَةً تَنْتَهِي إلَيْهَا،
-
فَإِذَا تُرِكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ تَفْسُدُ،
-
فَإِنْ كَانَتْ لِلرَّطْبَةِ غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ تَنْتَهِي إلَيْهَا فِي نَبَاتِهَا حَتَّى تُقْطَعَ ثُمَّ تُخْرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ - فَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ جَائِزَةٌ، وَالْمُعَامَلَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ كَمَا فِي الثِّمَارِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَخَّرْنَا فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْقُضَ الْمُعَامَلَةَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ؛
-
لِأَنَّ الْمَعْلُومَ بِالْعَادَةِ مِنْ الْمُدَّةِ لَمَّا جُعِلَ كَالْمَشْرُوطِ لَهَا فِي جَوَازِ الْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ فِي لُزُومِهِ
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نَخْلًا فِيهِ طَلْعٌ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ الْوَقْتَ أَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بَعْدَ مَا صَارَ بُسْرًا أَخْضَرَ أَوْ أَحْمَرَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ عِظَمُهُ - فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ بِحَيْثُ يَنْمُو بِعَمَلِ الْعَامِلِ وَلَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ بِاعْتِبَارِهِ،
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ بَعْدَ مَا تَنَاهَى عِظَمُهُ وَلَيْسَ يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْطِبْ - فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ
-
٢٣/١٠٣٢٣/١٠٣
لِأَنَّهُ لَا يَزْدَادُ بِعَمَلِهِ، وَالشَّرِكَةُ بِعَقْدِ الْمُعَامَلَةِ إنَّمَا تَصِحُّ فِيمَا يَحْدُثُ بِعَمَلِ الْعَامِلِ أَوْ يَزْدَادُ بِعَمَلِهِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا.
-
وَإِنْ عَمِلَ فِيهِ الْعَامِلُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ طَلْعًا فِي نَخْلٍ، أَوْ بُسْرًا أَخْضَرَ؛ فَتَرَكَهُ فِي النَّخْلِ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ حَتَّى صَارَ تَمْرًا - تَصَدَّقَ الْمُشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ؛ لِتَمَكُّنِ الْخُبْثِ فِي الْمُشْتَرَى بِالزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ فِيهِ مِنْ نَخْلِ صَاحِبِ النَّخْلِ بِغَيْرِ رِضَاهُ،
-
وَلَوْ اشْتَرَاهُ وَهُوَ بُسْرٌ أَحْمَرُ قَدْ انْتَهَى عِظَمُهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ مِنْ النَّخْلِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا النُّضْجُ وَاللَّوْنُ وَالطَّعْمُ يَحْدُثُ فِيهِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَبَبُ ذَلِكَ عَلَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبًا - الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ،
-
فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ خُبْثٌ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا لِإِيضَاحِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ هَذَا الْفَصْلِ فِي الْبُيُوعِ.
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ رَطْبَةً لَهُ فِي أَرْضٍ قَدْ صَارَتْ بَلَحًا وَلَمْ تَنْتَهِ إلَى أَنْ تُجَذَّ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ يَسْقِيَهَا وَيَقُومَ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ، وَلَمْ يُسَمِّ وَقْتًا مَعْلُومًا - فَهُوَ فَاسِدٌ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلرَّطْبَةِ غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ تَنْتَهِي إلَيْهَا - فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ.
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ رَطْبَةً قَدْ انْتَهَى إحْرَازُهَا عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا وَيَسْقِيَهَا حَتَّى تُخْرِجَ بَذْرَهَا عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَذْرِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَمْ يُسَمِّيَا وَقْتًا - فَهُوَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ لِإِدْرَاكِ الْبَذْرِ أَوَانًا مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُزَارِعِينَ، وَالْبَذْرُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِعَمَلِ الْعَامِلِ فَاشْتِرَاطُ الْمُنَاصَفَةِ فِيهِ يَكُونُ صَحِيحًا، وَالرَّطْبَةُ لِصَاحِبِهَا.
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنَّ الرَّطْبَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَسَدَتْ الْمُعَامَلَةُ؛ لِأَنَّهُمَا شَرَطَا الشَّرِكَةَ فِيمَا لَا يَنْمُو بِعَمَلِ الْعَامِلِ، وَالرَّطْبَةُ لِلْبَذْرِ بِمَنْزِلَةِ الْأَشْجَارِ لِلثِّمَارِ، فَكَمَا أَنَّ شَرْطَ الشَّرِكَةِ فِي الْأَشْجَارِ الْمَدْفُوعَةِ إلَيْهِ مَعَ الثِّمَارِ يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ هُنَا.
-
وَلَوْ كَانَ دَفَعَهَا إلَيْهِ وَهِيَ قِدَاحٌ لَمْ تَتَنَاهَ - وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا - جَازَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الرُّطَبَةَ هُنَا تَنْمُو بِعَمَلِهِ فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْمُنَاصَفَةِ فِيهِ، وَلِإِدْرَاكِ الْبَذْرِ أَوَانٌ مَعْلُومٌ فَلَا يَضُرُّهُمَا تَرْكُ التَّوْقِيتِ.
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ غِرَاسَ شَجَرٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ نَخْلٍ قَدْ عَلِقَ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يَبْلُغْ الثَّمَرُ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلَقِّحَ نَخْلَهُ، فَمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ فَاسِدَةٌ إلَّا أَنْ يُسَمِّي سِنِينَ مَعْلُومَةً؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي كَمْ تَحْمِلُ النَّخْلُ وَالشَّجَرُ وَالْكَرْمُ، وَالْأَشْجَارُ تَتَفَاوَتُ فِي ذَلِكَ بِتَفَاوُتِ مَوَاضِعِهَا مِنْ الْأَرْضِ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ،
-
فَإِنْ بَيَّنَّا مُدَّةً مَعْلُومَةً صَارَ مِقْدَارُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْعَامِلِ مَعْلُومًا فَيَجُوزُ،
-
وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نَخْلًا أَوْ كَرْمًا أَوْ شَجَرًا قَدْ أَطْعَمَ، وَبَلَغَ سِنِينَ مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلَقِّحَ نَخْلَهُ وَيَكْسَحَ كَرْمَهُ، عَلَى أَنَّ النَّخْلَ وَالْكَرْمَ وَالشَّجَرَ وَالْخَارِجَ كُلَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَهَذَا فَاسِدٌ لِاشْتِرَاطِهِمَا الشَّرِكَةَ فِيمَا هُوَ حَاصِلٌ لَا بِعَمَلِ الْعَامِلِ وَهُوَ الْأَشْجَارُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَفَعَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً عَلَى
-
٢٣/١٠٤٢٣/١٠٤
أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أُصُولَ رَطْبَةٍ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا وَيَسْقِيَهَا حَتَّى تَذْهَبَ أُصُولُهَا وَيَنْقَطِعَ نَبْتُهَا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ - فَهُوَ فَاسِدٌ،
-
وَكَذَلِكَ النَّخْلُ وَالشَّجَرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ بِالْعَادَةِ، وَجَهَالَةُ الْمُدَّةِ فِي الْمُعَامَلَةِ تُفْسِدُ الْمُعَامَلَةَ.
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا أَوْ كَرْمًا مُعَامَلَةً أَشْهُرًا مَعْلُومَةً يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُخْرِجُ ثَمَرَةً فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، بِأَنْ دَفَعَهَا أَوَّلَ الشِّتَاءِ إلَى أَوَّلِ الرَّبِيعِ - فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُعَامَلَةِ الشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ، وَهَذَا الشَّرْطُ يَمْنَعُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فَيَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ.
-
وَلَوْ اشْتَرَطَا وَقْتًا قَدْ يَبْلُغُ الثَّمَرُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا - جَازَ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ تَفْوِيتَ مُوجَبِ الْعَقْدِ، فَهَذَا الشَّرْطُ إنَّمَا يُوهِمُ ذَلِكَ، وَهَذَا التَّوَهُّمُ فِي كُلِّ مُعَامَلَةٍ وَمُزَارَعَةٍ، فَقَدْ يُصِيبُ الزَّرْعَ وَالثِّمَارَ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ،
-
فَإِنْ خَرَجَ الثَّمَرُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا،
-
وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ، إنْ كَانَ تَأْخِيرُ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ ذَهَابٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا سَمَّيَا مِنْ الْمُدَّةِ مَا لَا تَخْرُجُ الثِّمَارُ فِيهَا،
-
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، فَكَذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ فِي الِانْتِهَاءِ، وَبِهَذَا يُسْتَدَلُّ عَلَى جَوَابِ مَسْأَلَةِ السَّلَمِ أَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فِي خِلَالِ الْمُدَّةِ بِآفَةٍ؛ فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ فَسَادُ الْعَقْدِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ مُنْقَطِعًا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَالَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَلَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا فَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ جَائِزَةٌ وَلَا أَجْرَ لِلْعَامِلِ فِي عَمَلِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَا حَصَلَ مِنْ الْآفَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الثِّمَارَ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ،
-
وَإِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْمُفْسِدَ بَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَمُوجِبًا الشَّرِكَةَ فِي الْخَارِجِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْخَارِجُ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ شَيْءٌ،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَلَمْ يَحِلَّ إلَّا أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ انْقَضَى قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الثَّمَرُ - فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ الْمُفْسِدُ لِلْعَقْدِ، وَهُوَ أَنَّهُمَا ذَكَرَا مُدَّةً كَانَتْ الثِّمَارُ لَا تَخْرُجُ فِيهَا،
-
وَلَوْ كَانَ هَذَا مَعْلُومًا فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، فَكَذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ فِي الِانْتِهَاءِ فِي الْمُعَامَلَةِ الْفَاسِدَةِ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ؛ لِأَنَّ رَبَّ النَّخِيلِ اسْتَوْفَى عَمَلَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ