بَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْمَوَارِيثِ
المبسوطالحنفيةالمسائل ٣٩٬٦٨٨ إلى ٣٩٬٧١٣
-
١٧/١٦١٧/١٦
بَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْمَوَارِيثِ (قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ ابْنُ رَجُلٍ وَالْأَبُ يَجْحَدُ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ وَأَنَّهُ وَارِثُهُ فَقَضَى بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ) ؛
-
لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِمَالٍ إنَّمَا أَلْزَمُوهُ النَّسَبَ بِشَهَادَتِهِمْ وَالنَّسَبُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمَا يَمُوتُ قَبْلَ الْآخَرِ فَيَرِثُهُ الْآخَرُ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ أَنَّ هَذَا مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهُ وَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمْ لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْوَلَاءَ بِشَهَادَتِهِمْ وَالْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَوْ مَاتَ فَوَرِثَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا أَبَدًا؛
-
لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ بِالنَّسَبِ أَوْ الْوَلَاءِ كَانَتْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ شَهَادَةً بِالْمِيرَاثِ وَهَذَا لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ بِالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ جَمِيعًا فَكَانَ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ فَإِنَّمَا يُحَالُ بِهِ عَلَى آخِرِ الْوَصْفَيْنِ وُجُودًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَتِمُّ بِهِ وَثُبُوتُ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ كَمَالِ الْعِلَّةِ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ ثُمَّ آخَرُ فَقَضَى الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَا فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ وَلَا يُحَالُ بِالْإِتْلَافِ عَلَى شَهَادَةِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا بِدُونِ الْقَضَاءِ وَإِنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا جَمِيعًا فَهُوَ وَمَا لَوْ شَهِدَا مَعًا سَوَاءٌ وَهُنَا السَّبَبُ قَدْ ثَبَتَ قَبْلَ الْمَوْتِ ثُمَّ الْمَوْتُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُودًا بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ بِهِ؛
-
لِأَنَّهُ آخِرُ الْوَصْفَيْنِ وُجُودًا
-
وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ابْنُ هَذَا الْقَتِيلِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ وَالْقَاتِلُ يُقِرُّ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا فَقَضَى الْقَاضِي بِالْقِصَاصِ وَقَتَلَهُ الِابْنُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَضْمَنُونَهُ لِلْوَرَثَةِ الْمَعْرُوفِينَ وَإِنْ أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى الْمَوْلَى يَضْمَنُونَ كُلَّ مَالٍ وَرِثَهُ هَذَا الِابْنُ مِنْ الْقَتِيلِ لِوَرَثَتِهِ
-
١٧/١٧١٧/١٧
الْمَعْرُوفِينَ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالنَّسَبِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَكَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مُتَمِّمًا عِلَّةَ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّمَا يُحَالُ بِاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ عَلَى شَهَادَتِهِمْ وَقَدْ أَقَرُّوا بِالرُّجُوعِ ثُمَّ إنَّهُمْ أَتْلَفُوهُ عَلَى الْوَرَثَةِ الْمَعْرُوفِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِهَا كَانَ الْقِصَاصُ وَاجِبًا عَلَى حَالِهِ؛
-
لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِهَا وَلَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِهَا بَعْدَ مَا رَجَعُوا.
-
وَلَوْ شَهِدُوا لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ كَانَ أَبُوهُ كَافِرًا أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا وَلِلْمَيِّتِ ابْنٌ كَافِرٌ فَقَضَى الْقَاضِي بِمَالِ ابْنِهِ لِلْمُسْلِمِ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ ضَمِنُوا الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمْ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الِابْنِ الْكَافِرِ وَالْمِيرَاثُ كُلُّهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ كُفْرَ أَبِيهِ فِي الْأَصْلِ فَإِنَّمَا صَارَ الْمِيرَاثُ كُلُّهُ مُسْتَحَقًّا لِلِابْنِ الْمُسْلِمِ بِشَهَادَتِهِمَا فَعِنْدَ الرُّجُوعِ يَضْمَنَانِ ذَلِكَ
-
وَلَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ ثُمَّ مَاتَ وَلَهُ ابْنَانِ مُسْلِمَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ فَوَرَّثَهُمَا الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ أَحَدِهِمَا ضَمِنُوا جَمِيعَ مَا وَرِثَهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ بِبَيِّنَتِهِ أَثْبَتَ اسْتِحْقَاقَ جَمِيعِ الْمِيرَاثِ لِنَفْسِهِ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا فَالْمَشْهُودُ لَهُ إنَّمَا أَخَذَ نِصْفَ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا لَهُ وَقَدْ أَقَرَّ بِالرُّجُوعِ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِغَيْرِ حَقٍّ.
-
وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ رَجُلٌ عَنْ أَخٍ مَعْرُوفٍ فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ ابْنُهُ وَشَهِدَ لَهُ بِهِ شَاهِدَانِ وَحَكَمَ لَهُ بِالْمِيرَاثِ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا ذَلِكَ لِلْأَخِ؛ لِأَنَّ الْأَخَ كَانَ مُسْتَحِقًّا بِجَمِيعِ الْمِيرَاثِ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا بِنَسَبِ الِابْنِ وَقَدْ أَقَرَّ بِالرُّجُوعِ أَنَّهُمَا أَتْلَفَا ذَلِكَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ
-
وَلَوْ كَانَ صَبِيٌّ فِي يَدِ رَجُلٍ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ فَأَثْبَتَ الْقَاضِي نَسَبَهُ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ فَقَضَى لَهُ بِمِيرَاثِهِ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِالنَّسَبِ فِي حَيَاتِهِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ إنَّمَا يُحَالُ بِهِ عَلَى آخِرِ الْوَصْفَيْنِ وُجُودًا وَهُوَ الْمَوْتُ دُونَ مَا شَهِدَا بِهِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا لِامْرَأَةٍ بِالنِّكَاحِ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا فَقَضَى بِهِ ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ فَوَرِثَتْ مِنْهُ ثُمَّ رَجَعَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا وَلَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ ضَمِنَا جَمِيعَ مَا أَخَذَتْهُ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْوَصْفَيْنِ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ هُنَا وَبِهِ يَتِمُّ عِلَّةُ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ
-
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ صَغِيرٌ وَأَمَةٌ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ الصَّبِيَّ ابْنُهُ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ هَذِهِ الْأَمَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ يَجْحَدُ ذَلِكَ فَقَضَى الْقَاضِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ عَنْ بِنْتَيْنِ سِوَى الصَّبِيِّ فَقَضَى الْقَاضِي لِلْمَرْأَةِ بِالْمَهْرِ وَقَسَّمَ الْمَالَ بَيْنَهُمْ عَلَى الْمِيرَاثِ ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ فَإِنَّ شُهُودَ الِابْنِ يَضْمَنُونَ قِيمَةَ الِابْنِ لِلْوَرَثَةِ إلَّا نَصِيبَ الِابْنِ مِنْهَا؛
-
لِأَنَّهُمْ أَتْلَفُوا مِلْكَهُ فِي الْعَبْدِ بِشَهَادَتِهِمْ فَإِنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمْ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إنَّ الصَّغِيرَ عَبْدُهُ فَإِنَّهُ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ
-
١٧/١٨١٧/١٨
وَقَدْ أَقَرَّ عِنْدَ الرُّجُوعِ أَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَضْمَنَانِ قِيمَتَهُ لِلْمَوْلَى وَيَصِيرُ ذَلِكَ مِيرَاثًا عَنْهُ لِوَرَثَتِهِ لَا أَنَّهُ يَطْرَحُ عَنْهُمَا حِصَّةَ الِابْنِ الْمَشْهُودِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُكَذِّبُهُمَا فِي الرُّجُوعِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُمَا كَانَا صَادِقَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ بِنَسَبِهِ وَأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا وَزَعْمُهُ مُعْتَبَرٌ فِي نَصِيبِهِ وَيَضْمَنُ شُهُودُ الْأَمَةِ قِيمَةَ الْأَمَةِ إلَّا مِيرَاثَ الْأَمَةِ مِنْهَا لِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَضْمَنُونَ غَيْرَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَيَضْمَنُونَ الْفَضْلَ لِإِقْرَارِهِمْ أَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ ذَلِكَ الْفَضْلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَكِنْ يَطْرَحُ مِنْ ذَلِكَ حِصَّتَهَا مِنْهُ بِمِيرَاثِهَا؛
-
لِأَنَّهَا تُكَذِّبُهُمْ فِي الرُّجُوعِ وَتُصَدِّقُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ فَيُعْتَبَرُ زَعْمُهَا فِي حِصَّتِهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الشُّهُودِ فِيمَا أَخَذَ الْمَشْهُودُ لَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالنَّسَبِ وَالنِّكَاحِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ
-
وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَقَضَى لَهُ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا ضَمِنَا الثُّلُثَ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ اسْتَحَقَّ الثُّلُثَ بِشَهَادَتِهِمَا فَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ فِي حَيَاةِ الْمَيِّتِ وَلَمْ يَخْتَصِمُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ وَفِي هَذَا نَوْعُ إشْكَالٍ فَالْوَصِيَّةُ أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا بِالنَّسَبِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا بَعْدَ الْمَوْتِ
-
وَإِذَا شَهِدُوا بِالْوَصِيَّةِ ضَمِنُوا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ بِالْعَقْدِ لَا بِالْمَوْتِ فَإِنَّ الْمِلْكَ لِلْمُوصَى لَهُ مِلْكٌ مُتَجَدِّدٌ ثَابِتٌ بِالْعَقْدِ
-
بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ خِلَافُهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَبْقَى لِلْوَارِثِ مِنْ الْمِلْكِ مَا كَانَ ثَابِتًا لِلْمُورِثِ وَهَذِهِ الْخِلَافَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْمَوْتِ يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالنَّسَبِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَإِنْ كَانَتْ تُوجِبُ الْمِيرَاثَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَفِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَوَّلًا فَيَرِثُهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَلِهَذَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ وَلَا تَتَحَقَّقُ مِثْلُ هَذِهِ الْمُعَاوَضَةِ فِي الشَّهَادَةِ بِالْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِمَا إذَا رَجَعَا وَلَوْ شَهِدَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَوْصَى بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِهَذَا الْمُدَّعِي وَهِيَ تُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِهِ فَقَضَى لَهُ بِهَا فَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ ضَمِنَا قِيمَتَهَا يَوْمَ قُضِيَ بِهَا وَلَمْ يَضْمَنَا الْعُقْرَ وَلَا قِيمَةَ الْوَلَدِ؛
-
لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا مِلْكَ الرَّقَبَةِ عَلَى الْوَرَثَةِ بِشَهَادَتِهِمَا لِمِلْكِ الْمُوصَى لَهُ فَيَضْمَنَانِ قِيمَةَ الرَّقَبَةِ كَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَا بِالْهِبَةِ وَالتَّسْلِيمِ فِي حَيَاةِ صَاحِبِهَا
-
وَكَذَلِكَ لَوْ وُلِدَتْ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنَا لِلْوَرَثَةِ شَيْئًا مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا اسْتَحَقُّوا الْوَلَدَ، وَالِاسْتِحْقَاقُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْوُجُودِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ دُونَ الْوَرَثَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً فَالْقَوْلُ فِي قِيمَتِهَا قَوْلُ الشَّاهِدَيْنِ فِي قِيمَتِهَا لِإِنْكَارِهِمْ الزِّيَادَةَ وَإِنْ كَانَتْ حَيَّةً فَقَالَ الشَّاهِدَانِ قَدْ ازْدَادَتْ قِيمَتُهَا لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى ذَلِكَ وَضَمِنَا قِيمَتَهَا الْيَوْمَ إلَّا أَنْ يُقِيمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا قَالَا؛ لِأَنَّ قِيمَتَهَا
-
١٧/١٩١٧/١٩
فِي الْحَالِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قِيمَتِهَا فِيمَا مَضَى وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ وَعَلَى مَنْ يَدَّعِي خِلَافَ الظَّاهِرِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ؛ أَخَذَ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْوَرَثَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا يَوْمَ شَهِدَا أَكْثَرُ مِمَّا قَالَ شُهُودُهُمَا فَيُؤْخَذُ بِبَيِّنَةِ الْوَرَثَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ
-
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَى هَذَا فِي تَرِكَتِهِ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا مَا أَتْلَفَا عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا عَلَى الْوَرَثَةِ شَيْئًا بِشَهَادَتِهِمَا إنَّمَا نَصَّبَا مَنْ يَحْفَظُ الْمَالَ عَلَيْهِمْ وَيُقَوِّمُ التَّصَرُّفَ فِيهِ لَهُمْ وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ إتْلَافَ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ فَإِنْ اسْتَهْلَكَ الْوَصِيُّ الْمَالَ فَهُوَ ضَامِنٌ؛
-
لِأَنَّهُ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا عَلَى اسْتِحْقَاقٍ فِي عِلْمِهِ الْمَالَ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا أَتْلَفَ الْمَالَ بِاسْتِهْلَاكِ الْوَصِيِّ بِاخْتِيَارِهِ فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.