فَصْلٌ)
العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ٢١٬٤٢٥ إلى ٢١٬٨٧٨
-
٧/٢٣٧/٢٣
عَدَمَ الْجَوَازِ ثَمَّةَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ.
-
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ) بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ أَوْ بِالسَّوِيقِ لَا يَجُوزُ مُتَسَاوِيًا وَلَا مُتَفَاضِلًا لِشُبْهَةِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهَا مَكِيلَةٌ، وَالْمُجَانَسَةُ بَاقِيَةٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُمَا أَيْ الدَّقِيقَ وَالسَّوِيقَ مِنْ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّ الطَّحْنَ لَمْ يُؤَثِّرْ إلَّا فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ، وَالْمُجْتَمِعُ لَا يَصِير بِالتَّفْرِيقِ شَيْئًا آخَرَ زَائِلَةٌ مِنْ وَجْهٍ؛
-
لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ بِاخْتِلَافِ الِاسْمِ وَالصُّورَةِ وَالْمَعَانِي كَمَا بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَقَدْ زَالَ الِاسْمُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَتَبَدَّلَتْ الصُّورَةُ وَاخْتَلَفَتْ الْمَعَانِي،
-
فَإِنَّ مَا يَبْتَغِي مِنْ الْحِنْطَةِ لَا يَبْتَغِي مِنْ الدَّقِيقِ، فَإِنَّهَا تَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْكِشْكِ وَالْهَرِيسَةِ وَغَيْرِهِمَا دُونَ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ.
-
وَرِبَا الْفَضْلِ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالْحِنْطَةِ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الطَّحْنِ وَبِصَيْرُورَتِهِ دَقِيقًا زَالَتْ الْمُجَانَسَةُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِهِ وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّقِيقُ حِنْطَةً أَوْ لَا، وَالثَّانِي يُوجِبُ الْجَوَازَ مُتَسَاوِيًا وَمُتَفَاضِلًا لَا مَحَالَةَ، وَالْأَوَّلُ يُوجِبُ الْجَوَازَ إذَا كَانَ مُتَسَاوِيًا كَذَلِكَ. أَجَابَ بِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِالْكَيْلِ وَالْكَيْلُ غَيْرُ مُسَوٍّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحِنْطَةِ لِاكْتِنَازِهِمَا فِيهِ وَتَخَلْخُلِ حَبَّاتِ الْحِنْطَةِ فَصَارَ
-
٧/٢٤٧/٢٤
(وَبَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُتَفَاضِلًا،
-
وَلَا مُتَسَاوِيًا) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالْمَقْلِيَّةِ وَلَا بَيْعُ السَّوِيقِ بِالْحِنْطَةِ، فَكَذَا بَيْعُ أَجْزَائِهِمَا لِقِيَامِ الْمُجَانَسَةِ مِنْ وَجْهٍ.
-
وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ.
-
كَالْمُجَازَفَةِ فِي احْتِمَالِ الزِّيَادَةِ (فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ كَيْلًا بِكَيْلٍ) قَبْلَ حُرْمَةِ الرِّبَا حُرْمَةٌ تَتَنَاهَى بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْأَصْلِ، وَعَلَى مَا ذَكَرْتُمْ فِي هَذَا الْفَرْعِ تَثْبُتُ حُرْمَةٌ لَا تَتَنَاهَى فَصَارَ مِثْلَ ظِهَارِ الذِّمِّيِّ عَلَى مَا عُرِفَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا تَتَنَاهَى بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْحِنْطَةِ أَوْ فِي الشُّبْهَةِ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ فَإِنَّ حُرْمَةَ النَّسَاءِ لَا تَتَنَاهَى بِالْمُسَاوَاةِ، وَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الثَّانِي.
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْحُرْمَةُ تَتَنَاهَى بِالْمُسَاوَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا تَتَحَقَّقُ.
-
وَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ مُتَسَاوِيًا كَيْلًا بِكَيْلٍ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ وَهُوَ وُجُودُ الْمُسَوِّي وَمُتَسَاوِيًا وَكَيْلًا بِكَيْلٍ، قِيلَ حَالَانِ مُتَدَاخِلَانِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْأَوَّلِ بَيْعُ وَفِي الثَّانِي مُتَسَاوِيًا،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مُتَرَادِفَيْنِ. وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الثَّانِيَةِ نَفْيُ تَوَهُّمِ جَوَازِ الْمُسَاوَاةِ وَزْنًا حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ رحمه الله أَنَّ بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ إذَا تَسَاوَيَا كَيْلًا إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَا مَكْبُوسَيْنِ.
-
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُتَسَاوِيًا وَلَا مُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ أَجْزَاءُ حِنْطَةٍ غَيْرُ مَقْلِيَّةٍ وَالسَّوِيقُ أَجْزَاؤُهَا مَقْلِيَّةٌ فَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَجْزَاءِ بَعْضٍ بِالْآخَرِ لِقِيَامِ الْمُجَانَسَةِ مِنْ وَجْهٍ فَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَجْزَاءِ بَعْضٍ بِأَجْزَاءِ بَعْضٍ آخَرَ.
-
وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ
-
٧/٢٥٧/٢٥
قُلْنَا: مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّغَذِّي يَشْمَلُهُمَا فَلَا يُبَالَى بِفَوَاتِ الْبَعْضِ كَالْمَقْلِيَّةِ مَعَ غَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَالْعِلْكَةِ بِالْمُسَوِّسَةِ.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا بَاعَهُ بِلَحْمٍ مِنْ جِنْسِهِ لَا يَجُوزُ
-
إذْ هُوَ بِالدَّقِيقِ اتِّخَاذُ الْخُبْزِ وَالْعَصَائِدِ وَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالسَّوِيقِ بَلْ الْمَقْصُودُ بِهِ أَنْ يُلَتَّ بِالسَّمْنِ أَوْ الْعَسَلِ أَوْ يُشْرَبَ بِالْمَاءِ،
-
وَكَذَلِكَ الِاسْمُ «وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ» .
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّغَذِّي يَشْمَلُهُمَا وَفَوَاتُ الْبَعْضِ لَا يَضُرُّ كَالْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ (وَالْعِلْكَةُ بِالْمُسَوِّسَةِ) الَّتِي أَكَلَهَا السُّوسُ وَالْمَقْلِيَّةُ هِيَ الْمَشْوِيَّةُ مِنْ قَلَى يَقْلِي إذَا شَوَى،
-
وَيَجُوزُ مَقْلُوَّةٌ مِنْ قَلَا يَقْلُو، وَالْعِلْكَةُ هِيَ الْجَيِّدَةُ الَّتِي تَكُونُ كَالْعِلْكِ مِنْ صَلَابَتِهَا تَمْتَدُّ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ، وَالسُّوسَةُ الْعُثَّةُ، وَهِيَ دُودَةٌ تَقَعُ فِي الصُّوفِ وَالثِّيَابِ وَالطَّعَامِ، وَمِنْهُ حِنْطَةٌ مُسَوِّسَةٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا مَا إذَا بَاعَهُ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَمَا إذَا بَاعَ لَحْمَ الْبَقَرِ بِالشَّاةِ مَثَلًا وَهُوَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ كَمَا فِي اللُّحْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ.
-
وَمِنْهَا مَا إذَا بَاعَهُ الْحَيَوَانَ مِنْ جِنْسِهِ كَمَا إذَا بَاعَ لَحْمَ الشَّاةِ بِالشَّاةِ لَكِنَّهَا مَذْبُوحَةٌ مَفْصُولَةٌ عَنْ السَّقَطِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْوَزْنِ وَإِلَّا فَلَا. وَمِنْهَا مَا إذَا بَاعَهُ بِجِنْسِهِ مَذْبُوحًا غَيْرَ مَفْصُولٍ عَنْ السَّقَطِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ الْمَفْصُولُ أَكْثَرَ وَهُوَ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ.
-
وَمِنْهَا مَا إذَا بَاعَهُ بِجِنْسِهِ حَيًّا وَهُوَ مَسْأَلَةُ
-
٧/٢٦٧/٢٦
إلَّا إذَا كَانَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ أَكْثَرَ لِيَكُونَ اللَّحْمُ بِمُقَابَلَةِ مَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ السَّقْطِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ السَّقْطِ أَوْ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ اللَّحْمِ فَصَارَ كَالْخَلِّ بِالسِّمْسِمِ.
-
وَلَهُمَا أَنَّهُ بَاعَ الْمَوْزُونَ بِمَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ،
-
الْكِتَابِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ (إلَّا إذَا كَانَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ أَكْثَرَ لِيَكُونَ اللَّحْمُ بِمُقَابَلَةِ مَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ السَّقَطِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَتَحَقَّقَ الرِّبَا) إمَّا (مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ السَّقَطِ أَوْ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ اللَّحْمِ) وَالْقِيَاسُ مَعَهُ لِوُجُودِ الْجِنْسِيَّةِ بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ (فَصَارَ كَالْحَلِّ) أَيْ الشَّيْرَجِ (بِالسِّمْسِمِ.
-
وَلَهُمَا أَنَّهُ بَاعَ الْمَوْزُونَ بِمَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ) ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ مَوْزُونٌ لَا مَحَالَةَ، وَالْحَيَوَانُ لَا يُوزَنُ عَادَةً وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثِقَلِهِ وَخِفَّتِهِ بِالْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ يُخَفِّفُ نَفْسَهُ مَرَّةً وَيُثْقِلُ أُخْرَى يَضْرِبُ قُوَّةً فِيهِ فَلَا يُدْرَى أَنَّ الشَّاةَ خَفَّفَتْ نَفْسَهَا أَوْ ثَقَّلَتْ،
-
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْحَلِّ بِالسِّمْسِمِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِي الْحَلِّ يُعْرَفُ قَدْرُ الدُّهْنِ إذَا مُيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّجِيرِ يُوزَنُ الثَّجِيرُ وَهُوَ ثِقَلُهُ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ السِّمْسِمَ لَا يُوزَنُ عَادَةً كَالْحَيَوَانِ فَقَالَ لَكِنْ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْوَزْنِ وَلَا كَذَلِكَ الْحَيَوَانُ.
-
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَزْنَ يَشْمَلُ الْحَلَّ وَالسِّمْسِمَ عِنْدَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الدُّهْنِ وَالثَّجِيرِ وَلَا يَشْمَلُ اللَّحْمَ وَالْحَيَوَانَ بِحَالٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَلَّ وَالسِّمْسِمَ يُوزَنَانِ ثُمَّ يُمَيَّزُ الثَّجِيرُ وَيُوزَنُ فَيُعْرَفُ قَدْرُ الْحَلِّ مِنْ السِّمْسِمِ، وَالْحَيَوَانُ لَا يُوزَنُ فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى
-
٧/٢٧٧/٢٧
لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُوزَنُ عَادَةً وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثِقَلِهِ بِالْوَزْنِ لِأَنَّهُ يُخَفِّفُ نَفْسَهُ مَرَّةً بِصَلَابَتِهِ وَيَثْقُلُ أُخْرَى،
-
بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِي الْحَالِ يُعَرِّفُ قَدْرَ الدُّهْنِ إذَا مِيزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّجِيرِ، وَيُوزَنُ الثَّجِيرُ.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَالَا: لَا يَجُوزُ «لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام حِينَ سُئِلَ عَنْهُ أَوَ يَنْقُصُ إذَا جَفَّ؟ فَقِيلَ نَعَمْ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : لَا إذًا»
-
إذَا ذُبِحَ وَوُزِنَ السَّقَطُ وَهُوَ مَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّحْمِ كَالْجِلْدِ وَالْكَرِشِ وَالْأَمْعَاءِ وَغَيْرِهَا يُعْرَفُ بِهِ قَدْرُ اللَّحْمِ، فَكَانَ بَيْعُ اللَّحْمِ بِهِ بَيْعَ مَوْزُونٍ بِمَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ. وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْجِنْسَيْنِ أَيْضًا،
-
فَإِنَّ اللَّحْمَ غَيْرُ حَسَّاسٍ وَالْحَيَوَانُ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ وَالْبَيْعُ فِيهِ جَائِزٌ مُتَفَاضِلًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ.
-
فَإِنْ قِيلَ: إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ وَلَمْ يَشْمَلْهُمَا الْوَزْنُ جَازَ الْبَيْعُ نَسِيئَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ. أُجِيبَ بِأَنَّ النَّسِيئَةَ إنْ كَانَتْ فِي الشَّاةِ الْحَيَّةِ فَهُوَ سَلَمٌ فِي الْحَيَوَانِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ فَهُوَ سَلَمٌ فِي اللَّحْمِ وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ.
-
(قَالَ وَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ) بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَمِثْلًا بِمِثْلٍ جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ خَاصَّةً (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حِينَ «سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَقَالَ أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ؟ فَقِيلَ نِعْمَ، قَالَ: لَا إذَا» أَيْ لَا يَجُوزُ عَلَى تَقْدِيرِ النُّقْصَانِ بِالْجَفَافِ.
-
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْجَفَافِ وَبِالْكَيْلِ فِي الْحَالِ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَقَالَ عليه الصلاة والسلام ) هُوَ الدَّلِيلُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ
-
٧/٢٨٧/٢٨
وَلَهُ أَنَّ الرُّطَبَ تَمْرٌ «لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام حِينَ أُهْدَى إلَيْهِ رُطَبٌ أَوَ كُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا» سَمَّاهُ تَمْرًا.
-
وَبَيْعُ التَّمْرِ بِمِثْلِهِ جَائِزٌ لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْبَيْعُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ،
-
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ تَمْرٍ فَبِآخِرِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام
-
الْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ ﷺ سَمَّى الرُّطَبَ تَمْرًا حِينَ أُهْدِيَ رُطَبًا فَقَالَ: أَوَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ وَبَيْعُ التَّمْرِ بِمِثْلِهِ جَائِزٌ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ،
-
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله لَمَّا دَخَلَ بَغْدَادَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانُوا أَشِدَّاءَ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ فَاحْتَجَّ بِأَنَّ الرُّطَبَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ تَمْرًا أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْعَقْدُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ: يَعْنِي قَوْلَهُ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازَ بِقَوْلِهِ «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» فَأُورِدَ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَعْدٍ فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ دَارَ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي النَّقْلَةِ. وَاسْتَحْسَنَ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْهُ هَذَا الطَّعْنَ.
-
سَلَّمْنَا قُوَّتَهُ فِي الْحَدِيثِ لَكِنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا يُعَارَضُ بِهِ الْمَشْهُورُ.
-
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّرْدِيدَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْلِيَّةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ حِنْطَةً فَتَجُوزُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ أَوْ لَا فَتَجُوزُ بِآخِرِهِ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَلَامٌ حَسَنٌ فِي الْمُنَاظَرَةِ لِدَفْعِ شَغَبِ الْخَصْمِ، وَالْحُجَّةُ لَا تَتِمُّ بِهِ بَلْ بِمَا بَيَّنَّا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ التَّمْرِ عَلَيْهِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّمْرَ اسْمٌ لِثَمَرَةٍ خَارِجَةٍ مِنْ النَّخْلِ مِنْ حَيْثُ تَنْعَقِدُ صُورَتُهَا إلَى أَنْ تُدْرِكَ، وَالرُّطَبُ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنْهُ كَالْبَرْنِيِّ وَغَيْرِهِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ حِنْطَةٌ (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ) قُلْنَا: إنَّمَا جَازَ أَنْ لَوْ ثَبَتَتْ
-
٧/٢٩٧/٢٩
إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ وَمَدَارُ مَا رَوَيَاهُ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّقَلَةِ.
-
الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا كَيْلًا، وَلَا تَثْبُتُ لِمَا قِيلَ إنَّ الْقَلْيَ صَنْعَةٌ يُغْرَمُ عَلَيْهَا الْأَعْوَاضُ، فَصَارَ كَمَنْ بَاعَ قَفِيزًا بِقَفِيزٍ وَدِرْهَمٍ. لَا يُقَالُ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى التَّفَاوُتِ فِي الصِّفَةِ وَهُوَ سَاقِطٌ كَالْجَوْدَةِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ الرَّاجِعَ إلَى صُنْعِ اللَّهِ سَاقِطٌ بِالْحَدِيثِ.
-
وَأَمَّا الرَّاجِعُ إلَى صُنْعِ الْعِبَادِ فَمُعْتَبَرٌ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِهِ بَيْنَ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ، فَكُلُّ تَفَاوُتٍ يَنْبَنِي عَلَى صُنْعِ الْعِبَادِ فَهُوَ مُفْسِدٌ كَمَا فِي الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِهَا وَالْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ، وَكُلُّ تَفَاوُتٍ خِلْقِيٍّ فَهُوَ سَاقِطُ الْعِبْرَةِ كَمَا فِي الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ وَالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ.
-
٧/٣٠٧/٣٠
قَالَ (وَكَذَا الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ) يَعْنِي عَلَى الْخِلَافِ وَالْوَجْهُ مَا بَيَّنَّاهُ.
-
وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ اعْتِبَارًا بِالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ، وَالرُّطَبُ بِالرُّطَبِ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا عِنْدَنَا لِأَنَّهُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ،
-
وَكَذَا بَيْعُ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ أَوْ الْمَبْلُولَةِ بِمِثْلِهَا أَوْ بِالْيَابِسَةِ، أَوْ التَّمْرُ أَوْ الزَّبِيبُ الْمُنْقَعُ بِالْمُنْقَعِ مِنْهُمَا مُتَمَاثِلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله لَا يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ الْمَالُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله يَعْتَبِرُهُ فِي الْحَالِ،
-
وَالْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَلَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالْخِلَافِ دُونَ الِاخْتِلَافِ إشَارَةً إلَى قُوَّةِ دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله (وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ اعْتِبَارًا بِالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِهَا) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ الْحُجَّةُ إنَّمَا تَتِمُّ بِإِطْلَاقِ اسْمِ التَّمْرِ عَلَيْهِ،
-
فَإِنَّ النَّصَّ لَمَّا وَرَدَ بِإِطْلَاقِ اسْمِ التَّمْرِ عَلَى الرُّطَبِ جُعِلَا نَوْعًا وَاحِدًا فَجَازَ الْبَيْعُ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَمْ يَرِدْ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْعِنَبِ عَلَى الزَّبِيبِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ التَّفَاوُتُ الصَّنْعِيُّ الْمُفْسِدُ كَمَا فِي الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِهَا، وَالرُّطَبُ
-
٧/٣١٧/٣١
وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ رحمه الله عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْأَصْلَ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِمَا رَوَيْنَاهُ لَهُمَا.
-
وَوَجْهُ الْفَرْقِ لِمُحَمَّدٍ رحمه الله بَيْنَ هَذِهِ الْفُصُولِ وَبَيْنَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ أَنَّ التَّفَاوُتَ فِيمَا يَظْهَرُ مَعَ بَقَاءِ الْبَدَلَيْنِ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَفِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَعَ بَقَاءِ أَحَدِهِمَا عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونَ تَفَاوُتًا فِي عَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَفِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ
-
بِالرُّطَبِ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا: أَيْ مِنْ حَيْثُ الْكَيْلُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله ؛ لِأَنَّهُ رِبَوِيٌّ يَتَفَاوَتُ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ: أَعْنِي عِنْدَ الْجَفَافِ فَلَا يَجُوزُ كَالْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ.
-
وَلَنَا أَنَّهُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُتَسَاوِيًا فَكَانَ جَائِزًا
-
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ أَوْ الْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ بِالْمَبْلُولَةِ أَوْ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْمَبْلُولَةِ أَوْ الْيَابِسَةِ أَوْ التَّمْرِ الْمُنْقَعِ بِالْمُنْقَعِ أَوْ الزَّبِيبِ الْمُنْقَعِ بِالْمُنْقَعِ، مِنْ أُنْقِعَ إذَا أُلْقِيَ فِي الْخَابِيَةِ لِيَبْتَلَّ وَتُخْرَجَ مِنْهُ الْحَلَاوَةُ جَائِزٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، هُوَ يَعْتَبِرُ الْمُسَاوَاةَ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ حَالُ الْجَفَافِ، وَمُفَرَّعُهُ حَدِيثُ سَعْدٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُهَا فِي الْحَالِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْمَشْهُورِ،
-
وَكَذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْأَصْلَ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِحَدِيثِ سَعْدٍ رضي الله عنه وَاحْتَاجَ مُحَمَّدٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْفُصُولِ: يَعْنِي بَيْعَ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ وَالْمَبْلُولَةِ إلَى آخِرِهَا، وَبَيْنَ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ حَيْثُ اعْتَبَرَ الْمُسَاوَاةَ فِيهَا فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَفِيهِ فِي الْحَالِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
-
وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّفَاوُتَ إذَا ظَهَرَ مَعَ بَقَاءِ الْبَدَلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَلَى الِاسْمِ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَهُوَ مُفْسِدٌ لِكَوْنِهِ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ،
-
وَإِذَا ظَهَرَ بَعْدَ زَوَالِ الِاسْمِ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ عَنْ الْبَدَلَيْنِ فَلَيْسَ بِمُفْسِدٍ إذَا لَمْ يَكُنْ تَفَاوُتًا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَ الْعَقْدُ وَارِدًا عَلَى الْبَدَلَيْنِ بِالتَّسْمِيَةِ،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِالْإِشَارَةِ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الذَّاتُ الْمُشَارُ إلَيْهَا وَهِيَ
-
٧/٣٢٧/٣٢
التَّفَاوُتُ بَعْدَ زَوَالِ ذَلِكَ الِاسْمِ فَلَمْ يَكُنْ تَفَاوُتًا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا يُعْتَبَرُ.
-
وَلَوْ بَاعَ الْبُسْرَ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْبُسْرَ تَمْرٌ،
-
بِخِلَافِ الْكُفُرَّى حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا شَاءَ مِنْ التَّمْرِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْرٍ،
-
فَإِنَّ هَذَا الِاسْمَ لَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا تَنْعَقِدُ صُورَتُهُ لَا قَبْلَهُ، وَالْكُفَرَّى عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ، حَتَّى لَوْ بَاعَ التَّمْرَ بِهِ نَسِيئَةً لَا يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ.
-
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ وَالسِّمْسِمُ بِالشَّيْرَجِ حَتَّى يَكُونَ الزَّيْتُ وَالشَّيْرَجُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ فَيَكُونَ الدُّهْنُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِالثَّجِيرِ) لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَعْرَى عَنْ الرِّبَا إذْ مَا فِيهِ مِنْ الدُّهْنِ مَوْزُونٌ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا فِيهِ لَوْ كَانَ
-
لَا تَتَبَدَّلُ.
-
قَالَ (وَلَوْ بَاعَ الْبُسْرَ بِالتَّمْرِ إلَخْ) بَيْعُ الْبُسْرِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَمْرٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّمْرَ اسْمٌ لِثَمَرَةِ النَّخْلِ مِنْ أَوَّلِ مَا تَنْعَقِدُ صُورَتُهُ وَبَيْعُهُ بِهِ مُتَسَاوِيًا مِنْ حَيْثُ الْكَيْلُ يَدًا بِيَدٍ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَبَيْعُ الْكُفُرَّى بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ كُمُّ النَّخْلِ سُمِّيَ بِهِ؛
-
لِأَنَّهُ يَسْتُرُ مَا فِي جَوْفِهِ بِالثَّمَرِ جَائِزٌ مُتَسَاوِيًا وَمُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ؛ لِأَنَّ الْكُفُرَّى لَيْسَ بِتَمْرٍ لِكَوْنِهِ قَبْلَ انْعِقَادِ الصُّورَةِ (قَوْلُهُ: وَالْكُفُرَّى عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ) قِيلَ: هُوَ جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْرِيرُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَمْرًا لَجَازَ إسْلَامُ التَّمْرِ فِي الْكُفُرَّى لَكِنَّهُ لَمْ يَجُزْ.
-
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَتَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْمَالِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ الْإِسْلَامُ فِيهِ لِلْجَهَالَةِ.
-
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ إلَخْ) الزَّيْتُونُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الزَّيْتُ وَالشَّيْرَجُ الدُّهْنُ الْأَبْيَضُ، وَيُقَالُ لِلْعَصِيرِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ شَيْرَجٌ وَهُوَ تَعْرِيبُ شَيْرَهْ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا مَا يُتَّخَذُ مِنْ السِّمْسِمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ تَكُونُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ وَأُخْرَى بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ.
-
وَلَا يُعْتَبَرُ الثَّانِي مَعَ وُجُودِ الْأَوَّلِ، وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ قَفِيزِ حِنْطَةٍ عِلْكَةٍ بِقَفِيزِ مُسَوِّسَةٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ،
-
وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْأَوَّلُ يُعْتَبَرُ الثَّانِي، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ وَالزَّيْتِ مَعَ الزَّيْتُونِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ.
-
فَإِذَا بِيعَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تُعْلَمَ كَمِّيَّةُ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الزَّيْتُونِ أَوْ لَا، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ الَّذِي هُوَ كَالْمُحَقَّقِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَصِلُ أَكْثَرَ أَوْ لَا. وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِتَحَقُّقِ الْفَضْلِ وَهُوَ بَعْضُ الزَّيْتِ وَالثَّجِيرِ
-
٧/٣٣٧/٣٣
أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، فَالثَّجِيرُ وَبَعْضُ الدُّهْنِ أَوْ الثَّجِيرُ وَحْدَهُ فَضْلٌ،
-
وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ مَا فِيهِ لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا، وَالشُّبْهَةُ فِيهِ كَالْحَقِيقَةِ، وَالْجَوْزُ بِدُهْنِهِ وَاللَّبَنُ بِسَمْنِهِ وَالْعِنَبُ بِعَصِيرِهِ وَالتَّمْرُ بِدِبْسِهِ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ.
-
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقُطْنِ بِغَزْلِهِ، وَالْكِرْبَاسُ بِالْقُطْنِ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ بِالْإِجْمَاعِ.
-
إنْ نَقَصَ الْمُنْفَصِلُ عَنْ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الزَّيْتِ وَالثَّجِيرِ وَحْدَهُ: أَيْ سَاوَاهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الثَّجِيرُ ذَا قِيمَةٍ،
-
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَمَا فِي الزُّبْدِ بَعْدَ إخْرَاجِ السَّمْنِ إذَا كَانَ السَّمْنُ الْخَالِصُ مِثْلَ مَا فِي الزُّبْدِ مِنْ السَّمْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأَوَّلُ جَائِزٌ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَالشَّيْرَجُ بِالسِّمْسِمِ وَالْجَوْزُ بِدُهْنِهِ وَاللَّبَنُ بِسَمْنِهِ وَالْعِنَبُ بِعَصِيرِهِ وَالتَّمْرُ بِدِبْسِهِ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ.
-
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: السِّمْسِمُ يَشْتَمِلُ عَلَى الشَّيْرَجِ وَالثَّجِيرِ،
-
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ مَنْظُورًا إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ جَوَازُ بَيْعِ الشَّيْرَجِ بِالسِّمْسِمِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الشَّيْرَجَ وَزْنِيٌّ وَالسِّمْسِمَ كَيْلِيٌّ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَازُ فَيَجُوزُ بَيْعُ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ مُتَفَاضِلًا صَرْفًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدُّهْنِ وَالثَّجِيرِ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ كَمَا إذَا بَاعَ كُرَّ حِنْطَةٍ وَكُرَّ شَعِيرٍ بِثَلَاثَةِ أَكْرَارٍ حِنْطَةٍ وَكُرِّ شَعِيرٍ أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا إمَّا الدُّهْنُ أَوْ الثَّجِيرُ مَنْظُورًا إلَيْهِ فَقَطْ، وَالثَّانِي مُنْتَفٍ عَادَةً، وَالْأَوَّلُ يُوجِبُ أَنْ لَا يُقَابَلَ الثَّجِيرُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّهْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
-
٧/٣٤٧/٣٤
قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا) وَمُرَادُهُ لَحْمُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ؛
-
فَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْجَوَامِيسُ جِنْسٌ وَاحِدٌ،
-
وَكَذَا الْمَعْزُ مَعَ الضَّأْنِ
-
وَكَذَا مَعَ الْعِرَابِ الْبَخَاتِيِّ.
-
قَالَ (وَكَذَلِكَ أَلْبَانُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) وَعَنْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ.
-
وَلَنَا أَنَّ الْأُصُولَ مُخْتَلِفَةٌ حَتَّى لَا يَكْمُلَ نِصَابُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ،
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ هُوَ الْمَجْمُوعُ مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ،
-
وَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ بَيْعِ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ مُتَفَاضِلًا. قَوْلُهُ: صَرْفًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدُّهْنِ وَالثَّجِيرِ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ.
-
قُلْنَا: ذَاكَ إذَا كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ خِلْقَةً كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ لِظُهُورِ كَمَالِ الْجِنْسِيَّةِ حِينَئِذٍ وَالدُّهْنُ وَالثَّجِيرُ لَيْسَا كَذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ بَيْعِ الْقُطْنِ بِغَزْلِهِ مُتَسَاوِيًا فَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقُطْنَ يَنْقُصُ بِالْغَزْلِ فَهُوَ نَظِيرُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ،
-
وَقِيلَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا وَاحِدٌ فَكِلَاهُمَا مَوْزُونٌ،
-
وَإِنْ خَرَجَا عَنْ الْوَزْنِ أَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْوَزْنِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَبَيْعُ الْغَزْلِ بِالثَّوْبِ جَائِزٌ وَالْكِرْبَاسِ بِالْقُطْنِ جَائِزٌ كَيْفَمَا كَانَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ بَيْعَ الْقُطْنِ بِالثَّوْبِ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا.
-
(قَالَ: وَيَجُوزُ بَيْعُ اللُّحْمَانِ إلَخْ) كُلُّ مَا يَكْمُلُ بِهِ نِصَابُ الْآخَرِ مِنْ الْحَيَوَانِ فِي الزَّكَاةِ لَا يُوصَفُ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ كَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ مُتَفَاضِلًا.
-
وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَالْعِرَابُ وَالْبَخَاتِيُّ وَالْمَعْزُ وَالضَّأْنُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا، وَكُلُّ مَا لَا يَكْمُلُ بِهِ نِصَابُ الْآخَرِ فَهُوَ يُوصَفُ بِالِاخْتِلَافِ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَيَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا وَكَذَلِكَ الْأَلْبَانُ.
-
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ اللَّحْمِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ التَّغَذِّي وَالتَّقَوِّي فَكَانَ الْجِنْسُ مُتَّحِدًا. وَلَنَا أَنَّهَا فُرُوعُ أُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاخْتِلَافُ الْأَصْلِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ
-
٧/٣٥٧/٣٥
فَكَذَا أَجْزَاؤُهَا إذَا لَمْ تَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ.
-
قَالَ (وَكَذَا خَلُّ الدَّقَلِ بِخَلِّ الْعِنَبِ) لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَصْلَيْهِمَا، فَكَذَا بَيْنَ مَاءَيْهِمَا وَلِهَذَا كَانَ عَصِيرَاهُمَا جِنْسَيْنِ.
-
وَشَعْرُ الْمَعْزِ وَصُوفُ الْغَنَمِ جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ.
-
الْفَرْعِ ضَرُورَةً كَالْأَدْهَانِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الِاتِّحَادِ فِي التَّغَذِّي فَذَلِكَ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى الْعَامِّ كَالطَّعْمِ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالتَّفَكُّهِ فِي الْفَوَاكِهِ، وَالْمُعْتَبَرُ الِاتِّحَادُ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ،
-
وَلَا يُشْكِلُ بِالطُّيُورِ فَإِنَّ بَيْعَ لَحْمِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا يَجُوزُ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُوزَنُ عَادَةً فَلَيْسَ بِوَزْنِيٍّ وَلَا كَيْلِيٍّ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْقَدْرُ الشَّرْعِيُّ، وَفِي مِثْلِهِ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ تَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ) قِيلَ مُرَادُهُ أَنَّ اتِّحَادَ الْأُصُولِ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْفُرُوعِ وَالْأَجْزَاءِ إذَا لَمْ تَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ،
-
فَإِذَا تَبَدَّلَتْ الْأَجْزَاءُ بِالصَّنْعَةِ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ مُتَّحِدًا كَالْهَرَوِيِّ وَالْمَرْوِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي اخْتِلَافِ الْأُصُولِ لَا فِي اتِّحَادِهَا، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: اخْتِلَافُ الْأُصُولِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْأَجْزَاءِ إذَا لَمْ تَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ،
-
وَأَمَّا إذَا تَبَدَّلَتْ فَلَا تُوجِبُهُ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ الِاتِّحَادَ،
-
فَإِنَّ الصَّنْعَةَ كَمَا تُؤَثِّرُ فِي تَغَيُّرِ الْأَجْنَاسِ مَعَ اتِّحَادِ الْأَصْلِ كَالْهَرَوِيِّ مَعَ الْمَرْوِيِّ مَعَ اتِّحَادِهِمَا فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْقُطْنُ كَذَلِكَ تُؤَثِّرُ فِي اتِّحَادِهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْأَصْلِ كَالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْغِشِّ مِثْلِ الْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ إذَا كَانَتْ الْفِضَّةُ غَالِبَةً فَإِنَّهَا مُتَّحِدَةٌ فِي الْحُكْمِ بِالصَّنْعَةِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأُصُولِ.
-
قَالَ (وَكَذَا خَلُّ الدَّقَلِ بِخَلِّ الْعِنَبِ إلَخْ) الدَّقَلُ هُوَ أَرْدَأُ التَّمْرِ، وَبَيْعُ خَلِّهِ بِخَلِّ الْعِنَبِ مُتَفَاضِلًا جَائِزٌ يَدًا بِيَدٍ
-
وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ التُّمُورِ. وَلَمَّا كَانُوا يَجْعَلُونَ الْخَلَّ مِنْ الدَّقَلِ غَالِبًا أَخْرَجَ الْكَلَامَ عَلَى مَجْرَى الْعَادَةِ، وَإِنَّمَا جَازَ التَّفَاضُلُ لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَصْلَيْهِمَا وَلِهَذَا كَانَ عَصِيرَاهُمَا: يَعْنِي الدَّقَلَ وَالْعِنَبَ جِنْسَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ (وَشَعْرُ الْمَعْزِ وَصُوفُ الْغَنَمِ جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ) فَجَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا
-
٧/٣٦٧/٣٦
قَالَ (وَكَذَا شَحْمُ الْبَطْنِ بِالْأَلْيَةِ أَوْ بِاللَّحْمِ) لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي وَالْمَنَافِعِ اخْتِلَافًا فَاحِشًا.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا) لِأَنَّ الْخُبْزَ صَارَ عَدَدِيًّا أَوْ مَوْزُونًا فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكِيلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْحِنْطَةُ مَكِيلَةٌ.
-
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ،
-
بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَقْصُودِ كَالتَّبَدُّلِ بِالصَّنْعَةِ فِي تَغْيِيرِ الْأَجْزَاءِ مَعَ اتِّحَادِ الْأَصْلِ،
-
فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَقْصُودُ فَاخْتِلَافُهُ يُوجِبُ التَّغْيِيرَ وَاخْتِلَافُ الْمَقْصُودِ فِيهِمَا ظَاهِرٌ،
-
فَإِنَّ الشَّعْرَ يُتَّخَذُ مِنْهُ الْحِبَالُ الصُّلْبَةُ وَالْمُسُوحُ، وَالصُّوفُ يُتَّخَذُ مِنْهُ اللُّبُودُ وَاللِّفَافَةُ. لَا يُقَالُ: لَوْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ بِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ لَمَا جَازَ بَيْعُ لَبَنِ الْبَقَرِ بِلَبَنِ الْغَنَمِ مُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا مُتَّحِدٌ فَكَانَ الْجِنْسُ مُتَّحِدًا؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ،
-
فَإِنَّ لَبَنَ الْبَقَرِ قَدْ يَضُرُّ حِينَ لَا يَضُرُّ لَبَنُ الْغَنَمِ فَلَا يَتَّحِدُ الْقَصْدُ إلَيْهِمَا. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: قُلْنَا إنَّ اخْتِلَافَ الْمَقْصُودِ قَدْ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْأُصُولِ، وَلَمْ نَقُلْ اتِّحَادُ الْمَقْصُودِ يُوجِبُ الِاتِّحَادَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأُصُولِ، فَالْأَصْلُ أَنْ يُوجِبَ اخْتِلَافُ الْأُصُولِ اخْتِلَافَ الْأَجْزَاءِ وَالْفُرُوعِ إلَّا عِنْدَ التَّبَدُّلِ بِالصَّنْعَةِ،
-
وَأَنْ يُوجِبَ اتِّحَادُ الْأُصُولِ اتِّحَادَ الْفُرُوعِ إلَّا عِنْدَ التَّبَدُّلِ بِالصَّنْعَةِ أَوْ اخْتِلَافُ الْمَقْصُودِ بِالْفُرُوعِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ نَقْضٌ،
-
وَمِنْ هَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مَانِعٌ رَاجِحٌ فَلَا يُعَارِضُهُ اتِّحَادُ الْأَصْلِ، وَيَسْقُطُ مَا قِيلَ شَعْرُ الْمَعْزِ وَصُوفُ الْغَنَمِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَصْلِ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَبِالنَّظَرِ إلَى الْمَقْصُودِ جِنْسَانِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْحُرْمَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَاجِحٌ
-
قَالَ (وَكَذَا شَحْمُ الْبَطْنِ بِالْأَلْيَةِ أَوْ بِاللَّحْمِ) جَائِزٌ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي وَالْمَنَافِعِ اخْتِلَافًا فَاحِشًا، أَمَّا اخْتِلَافُ الصُّوَرِ فَلِأَنَّ الصُّورَةَ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ فِي الذِّهْنِ عِنْدَ تَصَوُّرِهِ،
-
وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ عِنْدَ تَصَوُّرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
-
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْمَعَانِي فَلِأَنَّهُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ لَا مَحَالَةَ.
-
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْمَنَافِعِ فَكَافِلَةُ الطِّبِّ.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْحِنْطَةِ) بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَالَ كَوْنِهِمَا نَقْدَيْنِ أَوْ حَالَ كَوْنِ أَحَدِهِمَا نَقْدًا وَالْآخَرِ نَسِيئَةً،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَدَدِيًّا أَوْ مَوْزُونًا فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَكِيلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ
-
٧/٣٧٧/٣٧
وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَهَذَا إذَا كَانَا نَقْدَيْنِ؛
-
فَإِنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ نَسِيئَةً جَازَ أَيْضًا،
-
وَإِنْ كَانَ الْخُبْزُ نَسِيئَةً يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى،
-
وَكَذَا السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ جَائِزٌ فِي الصَّحِيحِ،
-
وَلَا خَيْرَ فِي اسْتِقْرَاضِهِ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالْخُبْزِ وَالْخَبَّازِ وَالتَّنُّورِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ.
-
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله يَجُوزُ بِهِمَا لِلتَّعَامُلِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله يَجُوزُ وَزْنًا وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا لِلتَّفَاوُتِ فِي آحَادِهِ.
-
وَالْحِنْطَةُ مَكِيلَةٌ فَاخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ وَجَازَ التَّفَاضُلُ (وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ: أَيْ لَا يَجُوزُ، وَالتَّرْكِيبُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ نَفْيَ جَمِيعِ جِهَاتِ الْخَيْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الْحِنْطَةُ وَالدَّقِيقُ نَسِيئَةً أَوْ الْخُبْزُ،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ مَوْزُونًا فِي مَكِيلٍ يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ.
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ فِي مَوْزُونٍ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا لِمَا نَذْكُرُ.
-
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ) وَهَذَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ
-
وَكَذَا السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ جَائِزٌ فِي الصَّحِيحِ: يَعْنِي قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْفَتْوَى عَلَى ذَلِكَ لِحَاجَةِ النَّاسِ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُحْتَاطَ وَقْتُ الْقَبْضِ حَتَّى يَقْبِضَ مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي سَمَّى لِئَلَّا يَصِيرَ اسْتِبْدَالًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَلَا خَيْرَ فِي اسْتِقْرَاضِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا؛ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالْخُبْزِ مِنْ حَيْثُ الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالْغِلَظُ وَالرِّقَّةُ، وَبِالْخَبَّازِ بِاعْتِبَارِ حِذْقِهِ وَعَدَمِهِ، وَبِالتَّنُّورِ فِي كَوْنِهِ جَدِيدًا فَيَجِيءُ خُبْزُهُ جَيِّدًا أَوْ عَتِيقًا فَيَكُونُ بِخِلَافِهِ، وَبِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فَإِنَّهُ فِي أَوَّلِ التَّنُّورِ لَا يَجِيءُ مِثْلَ مَا فِي آخِرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَانِعُ عَنْ جَوَازِ السَّلَمِ عِنْدَهُمَا.
-
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ عَدَدًا وَوَزْنًا، تُرِكَ قِيَاسُ السَّلَمِ فِيهِ لِلتَّعَامُلِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَزْنًا وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا لِلتَّفَاوُتِ فِي آحَادِهِ.
-
٧/٣٨٧/٣٨
قَالَ (وَلَا رِبَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِمَوْلَاهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا، وَهَذَا إذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ،
-
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ لَيْسَ مِلْكَ الْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَعِنْدَهُمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فَصَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ فَيَتَحَقَّقَ الرِّبَا كَمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُكَاتَبِهِ.
-
قَالَ (وَلَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
-
لَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالْمُسْتَأْمَنِ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا.
-
وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ»
-
قَالَ (وَلَا رِبَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ) لَا رِبَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ مُحِيطٌ بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِمَوْلَاهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْبَيْعُ وَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا، فَعَدَمُ تَحَقُّقِ الرِّبَا بَعْدَ وُجُودِ الْبَيْعِ بِحَقِيقَتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مُشْتَمِلًا عَلَى شَرَائِطِ الرِّبَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ (فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا؛
-
لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ لَيْسَ مِلْكًا لِمَوْلَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَهُمَا) وَإِنْ كَانَ مِلْكَهُ، لَكِنْ لَمَّا (تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ) صَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا كَمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَمَوْلَاهُ.
-
قَالَ (وَلَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ) لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
-
٧/٣٩٧/٣٩
وَلِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ فِي دَارِهِمْ فَبِأَيِّ طَرِيقٍ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَدْرٌ،
-
بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمِنِ مِنْهُمْ لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَحْظُورًا بِعَقْدِ الْأَمَانِ.
-
خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. لَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالْمُسْتَأْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِنَا، فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَبَاعَ دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فَكَذَا إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ وَفَعَلَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِجَامِعِ تَحَقُّقِ الْفَضْلِ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ الْبَيْعِ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَا رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ» ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ؛ وَلِأَنَّ مَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِهِمْ مُبَاحٌ بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ أَخْذِهِ لِعَقْدِ الْأَمَانِ حَتَّى لَا يَلْزَمَ الْغَدْرُ،
-
فَإِذَا بَذَلَ الْحَرْبِيُّ مَالَهُ بِرِضَاهُ زَالَ الْمَعْنَى الَّذِي حُظِرَ لِأَجْلِهِ (قَوْلُهُ:
-
بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسٍ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَخْذُ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَحْظُورًا بِعَقْدِ الْأَمَانِ وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
-
٧/٤٠٧/٤٠
(بَابُ الْحُقُوقِ)
-
(وَمَنْ اشْتَرَى مَنْزِلًا فَوْقَهُ مَنْزِلٌ فَلَيْسَ لَهُ الْأَعْلَى إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ أَوْ بِمَرَافِقِهِ أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهِ أَوْ مِنْهُ.
-
وَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا فَوْقَهُ بَيْتٌ بِكُلِّ حَقٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَعْلَى،
-
وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِحُدُودِهَا فَلَهُ الْعُلُوُّ وَالْكَنِيفُ) جَمَعَ بَيْنَ الْمَنْزِلِ وَالْبَيْتِ وَالدَّارِ، فَاسْمُ الدَّارِ يَنْتَظِمُ الْعُلُوَّ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ، وَالْعُلُوُّ مِنْ تَوَابِعِ الْأَصْلِ وَأَجْزَائِهِ فَيَدْخُلَ فِيهِ. وَالْبَيْتُ اسْمٌ لِمَا يُبَاتُ فِيهِ، وَالْعُلُوُّ مِثْلُهُ، وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِمِثْلِهِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، وَالْمَنْزِلُ بَيْنَ الدَّارِ وَالْبَيْتِ لِأَنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ مَرَافِقُ السُّكْنَى مَعَ ضَرْبِ قُصُورٍ إذْ لَا يَكُونُ فِيهِ مَنْزِلُ الدَّوَابِّ، فَلِشَبَهِهِ بِالدَّارِ يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِيهِ تَبَعًا عِنْدَ ذِكْرِ التَّوَابِعِ، وَلِشَبَهِهِ بِالْبَيْتِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ بِدُونِهِ.