فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

بَابٌ فِي الْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ

العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ٥٬٧٦٨ إلى ٦٬١٠٧

  1. ٢/٢٧٧٢/٢٧٧

    عَلِمَ أَنَّهُ فَقِيرٌ هُوَ الصَّحِيحُ،

  2. وَلَوْ دَفَعَ إلَى شَخْصٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ لَا يُجْزِيهِ لِانْعِدَامِ التَّمْلِيكِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ وَهُوَ الرُّكْنُ عَلَى مَا مَرَّ.

  3. (وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ) لِأَنَّ الْغِنَى الشَّرْعِيَّ مُقَدَّرٌ بِهِ، وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ

  4. الْفَقْرَ هُوَ الْمَقْصُودُ وَقَدْ حَصَلَ بِدُونِهِ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ،

  5. وَإِنْ تَحَرَّى وَدَفَعَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ مَصْرِفٌ أَوْ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ،

  6. فَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَا يُجْزِيهِ إلَّا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ فَقِيرٌ،

  7. فَإِذَا ظَهَرَ صَحَّ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَزَعَمَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَتَحَرَّى إلَى جِهَةٍ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّى إلَيْهَا اجْتِهَادُهُ وَصَلَّى إلَى جِهَةٍ أُخْرَى،

  8. ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،

  9. وَالْأَصَحُّ هُوَ الْفَرْقُ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ مَعَ الْعِلْمِ لَا تَكُونُ طَاعَةً،

  10. فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ فِعْلَهُ مَعْصِيَةٌ لَا يُمْكِنُ إسْقَاطُ الْوَاجِبِ عَنْهُ بِهِ،

  11. وَأَمَّا التَّصَدُّقُ عَلَى الْغَنِيِّ فَصَحِيحٌ وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمَعْصِيَةِ شَيْءٌ، وَيُمْكِنُ إسْقَاطُ الْوَاجِبِ عِنْدَ إصَابَةِ مَحَلِّهِ بِفِعْلِهِ فَكَانَ الْعَمَلُ بِالتَّحَرِّي لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَقَدْ حَصَلَ بِغَيْرِهِ،

  12. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ،

  13. وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ غَنِيٌّ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا.

  14. ثُمَّ قَالَ: تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ كَمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله . وَقَوْلُهُ (وَهُوَ الرُّكْنُ) أَيْ التَّمْلِيكُ هُوَ الرُّكْنُ فِي الزَّكَاةِ (كَمَا مَرَّ)

  15. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ النُّقُودِ أَوْ السَّوَائِمِ أَوْ الْعُرُوضِ وَهُوَ فَاضِلٌ عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ كَالدَّيْنِ فِي النُّقُودِ وَالِاحْتِيَاجِ إلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي أَمْرِ

  16. ٢/٢٧٨٢/٢٧٨

    وَإِنَّمَا شَرَطَ الْوُجُوبَ (وَيَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مَنْ يَمْلِكُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا) لِأَنَّهُ فَقِيرٌ وَالْفُقَرَاءُ هُمْ الْمَصَارِفُ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحَاجَةِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا فَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَى دَلِيلِهَا وَهُوَ فَقْدُ النِّصَابِ

  17. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى وَاحِدٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا وَإِنْ دَفَعَ جَازَ) وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله : لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْغِنَى قَارَنَ الْأَدَاءَ فَحَصَلَ الْأَدَاءُ إلَى

  18. الْمَعَاشِ فِي غَيْرِهِمَا لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ، وَعَنْ هَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ رَجُلٌ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ وَسِلَاحٌ وَفَرَسٌ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ قِيمَتُهَا عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ مَصْرُوفٌ إلَى الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ مُعَدٌّ لِلتَّقَلُّبِ وَالتَّصَرُّفِ بِهِ، فَكَانَ الدَّيْنُ مَصْرُوفًا إلَيْهِ.

  19. فَأَمَّا الْخَادِمُ وَالدَّارُ وَالْفَرَسُ وَالسِّلَاحُ فَمَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ فَلَا يُصْرَفُ الدَّيْنُ إلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا إنَّ الْفَقِيهَ إذَا مَلَكَ مِنْ الْكُتُبِ مَا يُسَاوِي مَالًا عَظِيمًا وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ مَا يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.

  20. وَقَوْلُهُ (وَإِنَّمَا النَّمَاءُ شَرْطُ الْوُجُوبِ) يَعْنِي أَنَّ الشَّرْطَ فِي عَدَمِ جَوَازِ الدَّفْعِ مِلْكُ النِّصَابِ الْفَاضِلِ عَنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ نَامِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ نَامٍ، وَإِنَّمَا النَّمَاءُ شَرْطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (وَيَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مَنْ يَمْلِكُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْفَقِيرِ الْكَسُوبِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» وَلَنَا أَنَّهُ فَقِيرٌ وَالْفُقَرَاءُ هُمْ الْمَصَارِفُ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحَاجَةِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا خَفِيَّةً، وَلَهَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَهُوَ فَقْدُ النِّصَابِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ كَمَا فِي الْإِخْبَارِ عَنْ الْمَحَبَّةِ فِيمَا إذَا قَالَ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ: فَقَالَتْ: أُحِبُّك وَتَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ حُرْمَةُ الطَّلَبِ، أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ الصَّدَقَاتِ فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلَانِ يَسْأَلَانِهِ فَنَظَرَ إلَيْهِمَا وَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ: إنَّهُ لَا حَقَّ لَكُمَا فِيهِ وَإِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا» مَعْنَاهُ لَا حَقَّ لَكُمَا فِي السُّؤَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَوَّزَ الْإِعْطَاءَ إيَّاهُمَا.

  21. وَقَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَعَ إلَى وَاحِدٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا) قِيلَ: مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عِيَالٌ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ،

  22. فَأَمَّا إذَا كَانَ مُعِيلًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِقْدَارَ مَا لَوْ وَزَّعَهُ عَلَى عِيَالِهِ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ الْمِائَتَيْنِ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى تَصَدُّقٌ عَلَيْهِ وَعَلَى عِيَالِهِ،

  23. ٢/٢٧٩٢/٢٧٩

    الْغِنَى. وَلَنَا أَنَّ الْغِنَى حُكْمُ الْأَدَاءِ فَيَتَعَقَّبُهُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِقُرْبِ الْغِنَى مِنْهُ كَمَنْ صَلَّى وَبِقُرْبِهِ نَجَاسَةٌ (قَالَ:

  24. وَأَنْ تُغْنِيَ بِهَا إنْسَانًا أَحَبُّ إلَيَّ) مَعْنَاهُ الْإِغْنَاءُ عَنْ السُّؤَالِ يَوْمَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِغْنَاءَ مُطْلَقًا مَكْرُوهٌ. .

  25. قَالَ (وَيُكْرَهُ نَقْلُ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ) وَإِنَّمَا تُفَرَّقُ صَدَقَةُ كُلِّ فَرِيقٍ فِيهِمْ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ رضي الله عنه ، وَفِيهِ رِعَايَةُ حَقِّ الْجِوَارِ

  26. وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَهُ مِائَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِقْدَارَ مَا إذَا قَضَى بِهِ دَيْنَهُ لَهُ دُونَ الْمِائَتَيْنِ،

  27. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَبْسُوطِ مُقَيَّدَةً بِهَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ فَقَالَ:

  28. وَيُكْرَهُ أَنْ يُعْطِيَ رَجُلًا مِنْ الزَّكَاةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ عِيَالٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الْمِائَتَيْنِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ فَوْقَ الْمِائَتَيْنِ.

  29. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمِائَتَيْنِ، وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ جُزْءًا مِنْ الْمِائَتَيْنِ مُسْتَحَقٌّ لِحَاجَتِهِ لِلْحَالِ وَالْبَاقِي دُونَ الْمِائَتَيْنِ فَلَا تَثْبُتُ بِهِ صِفَةُ الْغِنَى إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ فَوْقَ الْمِائَتَيْنِ. وَوَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ: إنَّ الْغِنَى قَارَنَ الْأَدَاءَ لِأَنَّ الْأَدَاءَ عِلَّةُ الْغِنَى وَالْحُكْمُ يُقَارِنُ الْعِلَّةَ كَمَا فِي الِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ، وَهَذَا مُقَرَّرٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الْمُحَقِّقِينَ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَنَا مَا ذَكَرَهُ: أَنَّ الْغِنَى حُكْمُ الْأَدَاءِ وَحُكْمُ الشَّيْءِ يَعْقُبُهُ، وَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا.

  30. كَمَا قَالَ زُفَرُ فَمَا وَجْهُ هَذَا الْكَلَامِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ الْغِنَى حُكْمُ الْأَدَاءِ الْغِنَى حُكْمُ حُكْمِ الْأَدَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَدَاءَ عِلَّةُ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ عِلَّةُ الْغِنَى، فَكَانَ الْغِنَى مُضَافًا إلَى الْأَدَاءِ لَكِنْ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ فَكَانَ لِلْعِلَّةِ الْأُولَى وَهِيَ الْأَدَاءُ شُبْهَةُ السَّبَبِ، وَالسَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ عَلَى الْحُكْمِ حَقِيقَةً، وَمَا كَانَ يُشْبِهُ السَّبَبَ مِنْ الْعِلَلِ لَهُ شُبْهَةُ التَّقَدُّمِ فَكَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ شِرَاءِ الْقَرِيبِ لِلْإِعْتَاقِ،

  31. فَإِنَّ الشِّرَاءَ عِلَّةٌ لِلْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ فِي الْقَرِيبِ عِلَّةُ الْعِتْقِ بِالْحَدِيثِ، فَكَانَ الْعِتْقُ حُكْمُ حُكْمِ الشِّرَاءِ فَلِذَلِكَ جَازَتْ نِيَّةُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الشِّرَاءِ لِشُبْهَةِ تَقَدُّمِ الشِّرَاءِ عَلَى الْعِتْقِ بِوُجُودِ الْوَاسِطَةِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشْعِرُ بِهِ. وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: الْأَدَاءُ يُلَاقِي الْفَقْرَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْغِنَى بِحُكْمِهِ وَحُكْمُ الشَّيْءِ لَا يَصْلُحُ مَانِعًا لِأَنَّ الْمَانِعَ مَا يَسْبِقُهُ لَا مَا يَلْحَقُهُ، وَالْجَوَازُ لَا يَحْتَمِلُ الْبُطْلَانَ لِأَنَّ الْبَقَاءَ يَسْتَغْنِي عَنْ الْفَقْرِ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى التَّأَخُّرِ كَمَا تَرَى، وَالْحُكْمُ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ.

  32. وَأَقُولُ: الْحُكْمُ يَتَعَقَّبُ الْعِلَّةَ فِي الْعَقْلِ وَيُقَارِنُهَا فِي الْوُجُودِ، فَبِالنَّظَرِ إلَى التَّأَخُّرِ الْعَقْلِيِّ جَازَ، وَبِالنَّظَرِ إلَى التَّقَارُنِ الْخَارِجِيِّ يُكْرَهُ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ.

  33. وَقَوْلُهُ (وَأَنْ تُغْنِيَ بِهَا إنْسَانًا أَحَبُّ إلَيَّ) هَذَا خِطَابُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا أَحَبَّ لِأَنَّ فِيهِ صِيَانَةَ الْمُسْلِمِ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ مَعَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَى بِهِ فُلُوسًا فَفَرَّقَهَا فَقَدْ قَصَّرَ فِي أَمْرِ الصَّدَقَةِ (وَمَعْنَاهُ الْإِغْنَاءُ عَنْ السُّؤَالِ فِي يَوْمِهِ) لَا أَنْ يُمَلِّكَهُ نِصَابًا (لِأَنَّ الْإِغْنَاءَ مُطْلَقًا مَكْرُوهٌ) كَمَا تَقَدَّمَ.

  34. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَدْيُونًا أَوْ مُعِيلًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ

  35. وَقَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ نَقْلُ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ) قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْقُدُورِيُّ: يُكْرَهُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْقُلْ إلَى قَرَابَتِهِ أَوْ إلَى قَوْمٍ هُمْ أَحْوَجُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ، أَمَّا إذَا نَقَلَ إلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ، أَمَّا الْجَوَازُ

  36. ٢/٢٨٠٢/٢٨٠

    (إلَّا أَنْ يَنْقُلَهَا الْإِنْسَانُ إلَى قَرَابَتِهِ أَوْ إلَى قَوْمٍ هُمْ أَحْوَجُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّلَةِ: أَوْ زِيَادَةِ دَفْعِ الْحَاجَةِ،

  37. وَلَوْ نَقَلَ إلَى غَيْرِهِمْ أَجْزَأَهُ،

  38. وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا لِأَنَّ الْمَصْرِفَ مُطْلَقُ الْفُقَرَاءِ بِالنَّصِّ.

  39. فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّ الْمَصْرِفَ مُطْلَقُ الْفُقَرَاءِ بِالنَّصِّ.

  40. وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِحَدِيثِ مُعَاذٍ، وَلِأَنَّ فِي النَّقْلِ تَرْكَ رِعَايَةِ حَقِّ الْجِوَارِ،

  41. وَأَمَّا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِيمَا إذَا نَقَلَ إلَى قَرَابَتِهِ فَلِمَا فِيهِ مِنْ أَجْرِ الصَّدَقَةِ وَأَجْرِ صِلَةِ الرَّحِمِ،

  42. وَأَمَّا إلَى قَوْمٍ هُمْ أَحْوَجُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ الْفَقِيرِ فَمَنْ كَانَ أَحْوَجَ كَانَ أَوْلَى، وَقَدْ صَحَّ عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِالْيَمِينِ: ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ فِي الصَّدَقَةِ، فَإِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْكُمْ وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَالْخَمِيسُ الثَّوْبُ الصَّغِيرُ طُولُهُ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ، وَاللَّبِيسُ الْخَلَقُ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فِي أَنَّهُ اُعْتُبِرَ هَاهُنَا مَكَانُ الْمَالِ وَفِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.

  43. وَأُجِيبَ بِأَنَّ وُجُوبَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَوْلَى فِي ذِمَّتِهِ عَنْ رَأْسِهِ فَحَيْثُ كَانَ رَأْسُهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَرَأْسُ مَمَالِيكِهِ فِي حَقِّهِ كَرَأْسِهِ فِي وُجُوبِ الْمُؤْنَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الصَّدَقَةِ فَيَجِبُ حَيْثُمَا كَانَتْ رُءُوسُهُمْ،

  44. وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي الْمَالِ وَلِهَذَا إذَا هَلَكَ الْمَالُ سَقَطَتْ فَاعْتُبِرَ بِمَكَانِهِ.