Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

بَابٌ مِنْ الطَّلَاقِ

المبسوطHanafimasa’il 12764 to 13633

  1. 6/1106/110

    وَالْآخَرُ أُنْثَى، وَأَحَدُهُمَا أَسْوَدُ، وَالْآخَرُ أَبْيَضُ فَتَعَجَّبَ مِنْ فِطْنَتِهِ.

  2. وَإِنْ قَالَ لَهَا: كُلَّمَا حَبِلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ حَبَلٍ حَادِثٍ فَقَدْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ كَمَا حَبَلَتْ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْوِلَادَةِ،

  3. وَلَوْ كَانَ جَامَعَهَا بَعْدَ الْحَبَلِ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ رَجْعَةً؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ بِهَذَا اللَّفْظِ كَانَ رَجْعِيًّا، وَالْوَطْءُ فِي الْعِدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ يَكُونُ رَجْعَةً،

  4. فَإِنْ حَبَلَتْ مَرَّةً أُخْرَى، طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ بِكَلِمَةِ كُلَّمَا،

  5. وَكَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ الثَّالِثِ،

  6. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ تَلِدِي فَهِيَ طَالِقٌ حِينَ سَكَتَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا طَالِقًا فِي وَقْتٍ لَا تَلِدُ فِيهِ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَكَمَا سَكَتَ فَقَدْ وَجَدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ مَا لَمْ تَحْبَلِي، وَفِي قَوْلِهِ مَا لَمْ تَحِيضِي إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهَا مَعَ سُكُوتِهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَقَعُ، وَهَذَا؛

  7. لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِحَيْضٍ بِزَمَانٍ، وَهُوَ مَا بَعْدَ كَلَامِهِ وَقَدْ جَعَلَهَا طَالِقًا إلَى غَايَةٍ وَهُوَ أَنْ تَحِيضَ أَوْ تَحْبَلَ أَوْ تَلِدَ.

  8. فَإِذَا وُجِدَتْ الْغَايَةُ مُتَّصِلًا بِسُكُوتِهِ فَقَدْ انْعَدَمَ الزَّمَانُ الَّذِي أَوْقَعَ فِيهِ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ غَايَةً لِنَفْسِهِ فَلَا تَطْلُقُ،

  9. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ مَعَ سُكُوتِهِ فَقَدْ وُجِدَ الزَّمَانُ الَّذِي أَوْقَعَ فِيهِ الطَّلَاقَ فَتَطْلُقُ.

  10. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ تَحْبَلِي، أَوْ مَا لَمْ تَحِيضِي وَهِيَ حَائِضٌ فَهِيَ طَالِقٌ كَمَا سَكَتَ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ كَلَامِهِ لِحَبَلٍ وَحَيْضٍ حَادِثٍ، يُقَالُ حَبِلَتْ الْمَرْأَةُ وَحَاضَتْ عِنْدَ ابْتِدَاءِ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِسُكُوتِهِ فَلِهَذَا تَطْلُقُ،

  11. فَإِنْ كَانَ يَعْنِي مَا فِيهِ مِنْ الْحَبَلِ وَالْحَيْضِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْحَيْضِ بِخُرُوجِ الدَّمِ مِنْهَا سَاعَةً فَسَاعَةً وَمَا يَبْرُزُ مِنْهَا حَادِثٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ ابْتِدَاءِ الْحَيْضِ مَجَازًا، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.

  12. وَأَمَّا فِي الْحَبَلِ فَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَدَّدُ الْحَبَلُ فِي مُدَّتِهِ سَاعَةً فَسَاعَةً فَلَا يَكُونُ لِاسْتِدَامَتِهِ اسْمَ الِابْتِدَاءِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: حَاضَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ،

  13. وَلَا يُقَالُ: حَبِلَتْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ إنَّمَا يُقَالُ حَبِلَتْ وَوَضَعَتْ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ.

  14. وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: قَدْ طَلَّقْتُكِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك، فَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ؛ وَلِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْإِيقَاعِ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَكَانَ نَافِيًا لِلْوُقُوعِ عَلَيْهَا لَا مُثْبِتًا؛ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ تُولَدِي، أَوْ تُخْلَقِي، أَوْ قَبْلَ أَنْ أُولَدَ أَوْ أَنْ أُخْلَقَ.

  15. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُك أَمْسِ، وَإِنَّمَا تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْإِيقَاعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَمْسِ طَلُقَتْ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ إلَى وَقْتٍ كَانَ مَالِكًا لِلْإِيقَاعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَكَانَ كَلَامُهُ مُعْتَبَرًا

  16. 6/1116/111

    فِي الْإِيقَاعِ ثُمَّ إنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي الْحَالِ مُسْتَنِدًا إلَى أَمْسِ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ، وَلَكِنْ لَا يَمْلِكُ الْإِسْنَادَ فَلِهَذَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ.

  17. (قَالَ) : وَلَوْ قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُك وَأَنَا صَغِيرٌ، أَوْ قَالَ: وَأَنَا نَائِمٍ لَمْ يَقَعْ بِهَذَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ تُنَافِي صِحَّةَ الْإِيقَاعِ، فَكَانَ مُنْكِرًا لِلْإِيقَاعِ لَا مُقِرًّا بِهِ.

  18. وَلَوْ قَالَ: وَأَنَا مَجْنُونٌ،

  19. فَإِنْ عُرِفَ بِالْجُنُونِ قَبْلَ هَذَا لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ تُنَافِي صِحَّةَ الْإِيقَاعِ،

  20. وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْجُنُونِ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا، وَأَضَافَهُ إلَى حَالَةٍ لَمْ تُعْرَفْ تِلْكَ الْحَالَةُ مِنْهُ؛

  21. فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي الْإِضَافَةِ فَلِهَذَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ.

  22. ، وَإِنْ قَالَ: قُلْت لَك أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا، وَقَالَتْ هِيَ: طَلَّقْتنِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطِ يَمِينٌ، وَالْيَمِينُ غَيْرُ الطَّلَاقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَا مَا لَمْ يُوجَدْ الْحِنْثُ فَهِيَ تَدَّعِي عَلَيْهِ إيقَاعَ الطَّلَاقِ، وَالزَّوْجُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ،

  23. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، إنْ لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ إنْ لِلشَّرْطِ، فَقَدْ جَعَلَ عَدَمَ إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا شَرْطًا،

  24. وَلَا يَتَيَقَّنُ بِوُجُودِ هَذَا الشَّرْطِ مَا بَقِيَا حَيَّيْنِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.

  25. ثُمَّ إنْ مَاتَ الزَّوْجُ وَقَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ وَلَيْسَ لِذَلِكَ الْقَلِيلِ حَدٌّ مَعْرُوفٌ، وَلَكِنْ قُبَيْلَ مَوْتِهِ يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ مِنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فَيَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْحِنْثِ،

  26. فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا مِيرَاثَ لَهَا،

  27. وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ بِحُكْمِ الْفِرَارِ حِينَ وَقَعَ الثَّلَاثُ بِإِيقَاعِهِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ بِلَا فَصْلٍ،

  28. وَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَقَعَ الطَّلَاقُ أَيْضًا قَبْلَ مَوْتِهَا.

  29. وَفِي النَّوَادِرِ يَقُولُ: لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا مَا لَمْ تَمُتْ، وَإِنَّمَا عَجَزَ بِمَوْتِهَا فَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ، لَوَقَعَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْإِيقَاعَ مِنْ حِكْمَةِ الْوُقُوعِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ قَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ إيقَاعِهِ قُبَيْلَ مَوْتِهَا؛

  30. لِأَنَّهُ يَعْقُبُهُ الْوُقُوعُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِك فَيَقَعُ الطَّلَاقُ قُبَيْلَ مَوْتِهَا بِلَا فَصْلٍ.

  31. وَلَا مِيرَاثَ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ مَوْتِهَا بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا،

  32. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك طَلُقَتْ كَمَا سَكَتَ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَتَى تُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ فَقَدْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَقْتٍ بَعْدَ يَمِينِهِ لَا يُطَلِّقُهَا فِيهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ الْوَقْتُ كَمَا سَكَتَ،

  33. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: مَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْك.

  34. فَأَمَّا إذَا قَالَ: إذَا لَمْ أُطَلِّقْك، أَوْ إذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْك.

  35. فَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِإِذَا الشَّرْطَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا،

  36. وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ مَتَى وَقَعَ الطَّلَاقُ كَمَا سَكَتَ؛ لِأَنَّ إذَا تُسْتَعْمَلُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.

  37. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَطْلُقُ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ

  38. 6/1126/112

    وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا سَكَتَ يَقَعُ، وَأَصْلُ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ فَالْكُوفِيُّونَ مِنْهُمْ يَقُولُونَ إذَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ عَلَى السَّوَاءِ فَيُجَازَى بِهِ مَرَّةً وَلَا يُجَازَى بِهِ أُخْرَى،

  39. وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ سَقَطَ فِيهِ مَعْنَى الْوَقْتِ أَصْلًا كَحَرْفِ أَنْ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْبَصْرِيُّونَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُونَ: إذَا لِلْوَقْتِ، وَلَكِنْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ مَجَازًا،

  40. وَلَا يَسْقُطُ بِهِ مَعْنَى الْوَقْتِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الشَّرْطُ بِمَنْزِلَةِ مَتَى وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَهُمَا يَقُولَانِ: إذَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْخَطَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} وَ {إذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} .

  41. وَيُقَالُ الرَّطْبُ إذَا اشْتَدَّتْ الْحَرُّ، وَالْبَرْدُ إذَا جَاءَ الشِّتَاءُ، وَالشَّرْطُ مَا هُوَ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لِلْوَقْتِ حَقِيقَةً فَعِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا شِئْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يَخْرُجْ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِقِيَامِهَا عَنْ الْمَجْلِسِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: مَتَى شِئْت

  42. بِخِلَافِ قَوْلِهِ: إنْ شِئْت.

  43. وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: " إذَا " قَدْ تَكُونُ لِلشَّرْطِ حَقِيقَةً يَقُولُ الرَّجُلُ: إذَا زُرْتَنِي، زُرْتُك،

  44. وَإِذَا أَكْرَمْتَنِي، أَكْرَمْتُك، وَالْمُرَادُ الشَّرْطُ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْقَائِلِ شِعْرٌ:

  45. اسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالْغِنَى ...

  46. وَإِذَا تُصِبْكَ حُصَاصَةٌ فَتَحَمَّلْ

  47. مَعْنَاهُ وَإِنْ تُصِبْك، فَعِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ هُنَا، إنْ حُمِلَ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا.

  48. وَإِنْ جُعِلَ بِمَعْنَى مَتَى، طَلُقَتْ فِي الْحَالِ، وَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ وَاقِعٍ فَلَا نُوقِعُهُ بِالشَّكِّ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِقِيَامِهَا عَنْ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَا " إذَا " بِمَعْنَى الشَّرْطِ، خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا.

  49. وَإِنْ جَعَلْنَاهَا بِمَعْنَى مَتَى، لَمْ يَخْرُجْ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَقَدْ عَرَفْنَا كَوْنَ الْأَمْرِ فِي يَدِهَا بِيَقِينٍ فَلَا نَخْرُجُهُ مِنْ يَدِهَا بِالشَّكِّ، وَفِي الْكِتَابِ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إذَا سَكَتُّ عَنْ طَلَاقِك، فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلُقُ كَمَا سَكَتَ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛

  50. لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ سَكَتُّ،

  51. وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ سَكَتَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَقْتٍ لَا يُطَلِّقُهَا فِيهِ بِكَلِمَةِ كُلَّمَا.

  52. وَعَقِيبَ سُكُوتِهِ يُوجَدُ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، بَعْضُهَا عَلَى أَثَرِ الْبَعْضِ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا بِطَرِيقِ الْإِتْبَاعِ وَلَا يَقَعْنَ مَعًا حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ،

  53. وَإِنْ قَالَ: مَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْكِ وَاحِدَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا،

  54. ثُمَّ قَالَ مُوصِلًا بِكَلَامِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ اسْتِحْسَانًا،

  55. وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا إلَّا وَاحِدَةٌ.

  56. وَفِي الْقِيَاسِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ إلَى أَنْ يَفْرُغَ

  57. 6/1136/113

    مِنْ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً يُوجَدُ وَقْتٌ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ،

  58. وَإِنْ لَطَّفَ، وَذَلِكَ يَكْفِي شَرْطًا لِلْحِنْثِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: الْبَرُّ مُرَادُ الْحَالِفِ،

  59. وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ الْبَرُّ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْقَدْرَ مُسْتَثْنًى، وَمَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ، يُجْعَلُ عَفْوًا.

  60. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا قَالَ: إنْ رَكِبْتُ هَذِهِ الدَّابَّةَ، وَهُوَ رَاكِبُهَا فَأَخَذَ فِي النُّزُولِ فِي الْحَالِ،

  61. وَلَوْ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، فَقَدْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا قَبْلَ قَوْلِهِ وَاحِدَةً، وَهَذَا: لِأَنَّ السُّكُوتَ فِيمَا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَا لَمْ أَقُمْ مِنْ مَقْعَدِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، إنْ قَامَ كَمَا سَكَتَ لَمْ تَطْلُقْ اسْتِحْسَانًا،

  62. وَإِنْ سَكَتَ هُنَيْهَةً طَلُقَتْ،

  63. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ حِينَ لَمْ أُطَلِّقَك وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَهِيَ طَالِقٌ كَمَا سَكَتَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ " لَمْ " عِبَارَةٌ عَنْ الْمَاضِي وَقَدْ مَضَى حِينَ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ، فَكَانَ الْوَقْتُ الْمُضَافُ إلَيْهِ الطَّلَاقُ مَوْجُودًا كَمَا سَكَتَ.

  64. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: زَمَانَ لَمْ أُطَلِّقْكِ، أَوْ يَوْمَ لَمْ أُطَلِّقْكِ، أَوْ حَيْثُ لَمْ أُطَلِّقْكِ؛ لِأَنَّ حَرْفَ " حَيْثُ " عِبَارَةٌ عَنْ الْمَكَانِ وَكَمْ مِنْ مَكَان لَمْ يُطَلِّقَهَا فِيهِ،

  65. وَلَوْ قَالَ: حِينَ لَا أُطَلِّقُك لَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ حَرْفَ " لَا " لِلِاسْتِقْبَالِ،

  66. وَإِنْ نَوَى بِحِينَ وَقْتًا يَسِيرًا أَوْ طَوِيلًا، تَعْمَلْ نِيَّتُهُ،

  67. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَهُوَ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا لَمْ تَمْضِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ بَعْدَ يَمِينِهِ لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ حِينَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى سَاعَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} أَيْ وَقْتَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ.

  68. وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى قِيَامِ السَّاعَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ} ، وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ} .

  69. وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} فَإِذَا نَوَى شَيْئًا، كَانَ الْمَنْوِيُّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ،

  70. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، كَانَ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حِينَ سُئِلَ عَمَّنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا حِينًا قَالَ: هُوَ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّ النَّخْلَةَ يُدْرَكُ ثَمَرُهَا فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} وَلِأَنَّهُ مَتَى أَرَادَ بِهِ سَاعَةً، لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ الْحِينِ عَادَةً،

  71. وَمَتَى أَرَادَ بِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَوْ قِيَامَ السَّاعَةِ، اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَفْظُ الْأَبَدِ فَتَعَيَّنَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مُرَادًا بِهِ.

  72. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: زَمَانَ لَا أُطَلِّقُك فَإِنَّ لَفْظَةَ حِينٍ وَزَمَانٍ يُسْتَعْمَلَانِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ لَمْ أَلْقَكَ مُنْذُ حِينٍ، وَلَمْ أَلْقَك مُنْذُ زَمَانٍ.

  73. وَلَوْ قَالَ: يَوْمَ لَا أُطَلِّقُك فَإِذَا مَضَى بَعْدَ يَمِينِهِ يَوْمٌ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ، طَلُقَتْ حَتَّى إذَا قَالَ هَذَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَكَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ حَتَّى يُقَدَّرَ الصَّوْمُ بِالْإِمْسَاكِ فِيهِ.

  74. (قَالَ) : وَإِذَا قَالَ: يَوْمَ أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَدَخَلَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ

  75. 6/1146/114

    يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

  76. {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمئِذٍ دُبُرَهُ} ،

  77. وَمَنْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، يَلْحَقْهُ هَذَا الْوَعِيدُ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ: أَنْتَظِرُ يَوْمَ فُلَانٍ أَيْ وَقْتَ إقْبَالِهِ، أَوْ إدْبَارِهِ.

  78. فَإِذَا قُرِنَ بِمَا لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِ الْوَقْتَيْنِ وَلَا يَكُونُ مُمْتَدًّا، كَانَ بِمَعْنَى الْوَقْتِ كَالطَّلَاقِ،

  79. وَإِذَا قُرِنَ بِمَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِ الْوَقْتَيْنِ كَالصَّوْمِ، كَانَ بِمَعْنَى بَيَاضِ النَّهَارِ،

  80. وَكَذَلِكَ إذَا قُرِنَ بِمَا يَكُونُ مُمْتَدًّا كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ يَوْمَ يَقْدُمُ فُلَانٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا قَالَ فِي الطَّلَاقِ: نَوَيْت النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي ذَلِكَ،

  81. وَإِنْ قَالَ: لَيْلَةَ أَدْخُلُهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَ نَهَارًا، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ اسْمٌ خَاصٌّ لِسَوَادِ اللَّيْلِ وَهُوَ ضِدُّ النَّهَارِ،

  82. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ بِالشَّيْءِ ضِدَّهُ،

  83. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى حِينٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ إلَى قَرِيبٍ،

  84. فَإِنْ نَوَى فِيهِ شَيْئًا، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى مِنْ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا قَرِيبٌ، فَالْمَنْوِيُّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ.

  85. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَفِي الْحِينِ وَالزَّمَانِ هِيَ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَفِي الْقَرِيبِ إلَى مُضِيِّ مَا دُونَ الشَّهْرِ حَتَّى إذَا مَضَى مِنْ وَقْتِ يَمِينِهِ شَهْرٌ إلَّا يَوْمًا طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ الْقَرِيبَ عَاجِلٌ وَالشَّهْرُ فَمَا فَوْقُهُ آجِلٌ، وَمَا دُونَ الشَّهْرِ عَاجِلٌ حَتَّى إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ حَقَّهُ عَاجِلًا فَقَضَاهُ فِيمَا دُونَ الشَّهْرِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَالْعَاجِلُ مَا يَكُونُ قَرِيبًا وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ.

  86. فَإِنْ نَوَى وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ، طَلُقَتْ وَلُغِيَ قَوْلُهُ إلَى شَهْرٍ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ مِنْ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَمِلُ الْأَجَلَ،

  87. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تَطْلُقُ فِي الْحَالِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَى شَهْرٍ؛ لِبَيَانِ الْأَجَلِ، وَالْأَجَلُ فِي الشَّيْءِ لَا يَنْفِي ثُبُوتَ أَصْلِهِ بَلْ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَصْلِهِ كَالْأَجَلِ فِي الدَّيْنِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ وُجُوبِ الدَّيْنِ، فَكَذَلِكَ ذِكْرُ الْأَجَلِ هُنَا فِيمَا أَوْقَعَهُ لَا يَنْفِي الْوُقُوعَ فِي الْحَالِ، وَلَكِنْ يَلْغُو الْأَجَلُ؛

  88. لِأَنَّ الْوَاقِعَ مِنْ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَأَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُونَ: الْوَاقِعُ لَا يَحْتَمِلُ الْأَجَلَ، وَلَكِنَّ الْإِيقَاعَ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ فِي التَّأْخِيرِ، وَالْإِيقَاعُ يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ.

  89. وَلَوْ جَعَلْنَا حَرْفَ " إلَى " دَاخِلًا عَلَى أَصْلِ الْإِيقَاعِ كَانَ عَامِلًا فِي تَأْخِيرِ الْوُقُوعِ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ دَاخِلًا عَلَى الْحُكْمِ، كَانَ لَغْوًا، وَكَلَامُ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَهْمَا أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ لَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ فَجَعَلْنَاهُ دَاخِلًا عَلَى أَصْلِ الْإِيقَاعِ، وَقُلْنَا بِتَأْخِيرِ الْوُقُوعِ إلَى مَا بَعْدَ الشَّهْرِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ،

  90. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا، تَطْلُقُ كَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ الْغَدِ لِوُجُودِ الْوَقْتِ الْمُضَافِ إلَيْهِ

  91. 6/1156/115

    الطَّلَاقُ، وَإِنْ قَالَ: عَنَيْتُ بِهِ آخِرَ النَّهَارِ لَمْ يُدَنْ بِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي لَفْظِ الْعُمُومِ فَإِنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ،

  92. فَإِذَا نَوَى الْوُقُوعَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْغَدِ، فَنِيَّتُهُ التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ صَحِيحَةٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ الطَّعَامَ، وَنَوَى طَعَامًا دُونَ طَعَامٍ،

  93. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ طَلُقَتْ كَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَيْضًا،

  94. فَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ آخِرَ النَّهَارِ، صُدِّقَ فِي الْقَضَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَمْ يُصَدَّقْ عِنْدَهُمَا، ذُكِرَ الْخِلَافُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَهُمَا سَوَّيَا بَيْنَ قَوْلِهِ غَدٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي غَدٍ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ،

  95. فَإِذَا عَنَى جُزْءًا خَاصًّا مِنْهُ، كَانَ هَذَا كُنْيَةَ التَّخْصِيصِ فِي لَفْظِ الْعُمُومِ.

  96. وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ: حَرْفُ " فِي " لِلظَّرْفِ، وَالظَّرْفُ قَدْ يَشْغَلُ جَمِيعَ الْمَظْرُوفِ، وَقَدْ يَشْغَلُ جُزْءًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ: فِي الْجُوَالِقِ حِنْطَةٌ، لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوءًا مِنْ الْحِنْطَةِ.

  97. فَإِذَا ذَكَرَ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالْوَقْتِ حَرْفَ الظَّرْفِ؛ كَانَ كَلَامُهُ مُحْتَمَلًا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ، أَوْ فِي جُزْءٍ مِنْهُ، وَالنِّيَّةُ فِي الْكَلَامِ الْمُحْتَمَلِ صَحِيحَةٌ فِي الْقَضَاءِ.

  98. وَالْوَقْتُ إنَّمَا يَكُونُ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ عَلَى أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا فِيهِ لَا أَنْ يَكُونَ شَاغِلًا لَهُ، وَالْوُقُوعُ يَكُونُ فِي جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ، فَكَانَ هَذَا أَقْرَبَ إلَى حَقِيقَةِ مَعْنَى الظَّرْفِ،

  99. وَإِذَا قَالَ: غَدًا، فَلَمْ يُدْخِلْ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالْوَقْتِ حَرْفَ الظَّرْفِ، فَكَانَ حَقِيقَتُهُ الْوَصْفَ لَهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ فَلِهَذَا لَا تَعْمَلُ نِيَّتُهُ فِي التَّخْصِيصِ فِي الْقَضَاءِ،

  100. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي رَمَضَانَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَهِيَ طَالِقٌ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا رَأَى الْهِلَالَ فَقَدْ وُجِدَ جُزْءٌ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ يَكْفِي لِلْوُقُوعِ،

  101. وَإِنْ قَالَ: نَوَيْتُ آخِرَ رَمَضَانَ، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا،

  102. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا فَهِيَ طَالِقٌ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ وَقْتَيْنِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَفِي مِثْلِهِ الْوُقُوعُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ ذِكْرًا، وَهُوَ الْيَوْمُ،

  103. وَلَوْ قَالَ: غَدًا الْيَوْمَ، طَلُقَتْ غَدًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ تَنْجِيزٌ وَقَوْلَهُ: غَدًا إضَافَةٌ إلَى وَقْتٍ مُنْتَظَرٍ، وَالْمُنَجَّزُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ؛ فَكَانَ قَوْلُهُ غَدًا لَغْوًا،

  104. وَإِذَا قَالَ: أَوَّلًا غَدًا، كَانَ هَذَا إضَافَةَ الطَّلَاقِ إلَى وَقْتٍ مُنْتَظَرٍ،

  105. فَلَوْ نَجَّزَ بِذِكْرِهِ الْيَوْمَ لَمْ يَبْقَ مُضَافًا، وَقَوْلُهُ: الْيَوْمَ لَيْسَ بِنَاسِخٍ لِحُكْمِ أَوَّلِ كَلَامِهِ؛ فَكَانَ لَغْوًا،

  106. وَإِنْ قَالَ: الْيَوْمَ وَغَدًا؛ طَلُقَتْ لِلْحَالِ وَاحِدَةً لَا تَطْلُقُ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ لِلِاشْتِرَاكِ فَقَدْ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي الْوَقْتَيْنِ، وَهِيَ بِالتَّطْلِيقَةِ الْوَاحِدَةِ تَتَّصِفُ بِالطَّلَاقِ فِي الْوَقْتَيْنِ جَمِيعًا.

  107. وَإِنْ قَالَ: غَدًا وَالْيَوْمَ تَطْلُقُ وَاحِدَةً الْيَوْمَ عِنْدَنَا، وَالْأُخْرَى غَدًا؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ

  108. 6/1166/116

    الْجُمْلَةَ النَّاقِصَةَ عَلَى الْجُمْلَةِ الْكَامِلَةِ فَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ فِي الْجُمْلَةِ الْكَامِلَةِ يَصِيرُ مُعَادًا فِي الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ فَإِنَّ الْعَطْفَ لِلِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ.

  109. وَعَنْ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ صِيغَةَ كَلَامِهِ وَصْفٌ وَهِيَ بِالتَّطْلِيقَةِ الْوَاحِدَةِ تَتَّصِفُ بِأَنَّهَا طَالِقٌ فِي الْوَقْتَيْنِ جَمِيعًا،

  110. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ السَّاعَةَ غَدًا؛ طَلُقَتْ لِلْحَالِ، وَكَانَ قَوْلُهُ غَدًا حَشْوًا لِمَا قُلْنَا،

  111. فَإِنْ قَالَ: عَنَيْتُ تِلْكَ السَّاعَةَ مِنْ الْغَدِ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ تَنْجِيزٌ، وَهُوَ يُرِيدُ بِنِيَّتِهِ صَرْفَ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ، وَهُوَ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِاحْتِمَالِ كَلَامِهِ الْمَنْوِيِّ،

  112. وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمِيرِهِ.

  113. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَهِيَ طَالِقٌ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إذَا جَاءَ غَدٌ تَعْلِيقٌ بِالشَّرْطِ، وَبِذِكْرِ الشَّرْطِ مَوْصُولًا بِكَلَامِهِ يَخْرُجُ كَلَامُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَنْجِيزًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إذَا كَلَّمْتَ فُلَانًا، أَوْ إنْ كَلَّمَتْ فُلَانًا، لَمْ تَطْلُقْ قَبْلَ الْكَلَامِ وَيَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ الشَّرْطِ أَنَّ قَوْلَهُ: الْيَوْمَ لِبَيَانِ وَقْتِ التَّعْلِيقِ لَا لِبَيَانِ وَقْتِ الْوُقُوعِ

  114. بِخِلَافِ قَوْلِهِ: الْيَوْمَ غَدًا فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِذِكْرِ الشَّرْطِ فَبَقِيَ قَوْلُهُ: الْيَوْمَ بَيَانًا لِوَقْتِ الْوُقُوعِ،

  115. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ، كَانَتْ طَالِقًا أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَقْتَيْنِ فَيَقَعُ عِنْدَ أَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ ذِكْرًا.

  116. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي رَمَضَانَ، فَهُوَ عَلَى أَوَّلِ رَمَضَانَ يَجِيءُ، هُوَ الظَّاهِرُ الْمَعْلُومُ بِالْعَادَةِ مِنْ كَلَامِهِ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ الْأَجَلَ فِي الْيَمِينِ إلَى رَمَضَانَ، أَوْ أَجَّرَ دَارِهِ إلَى رَمَضَانَ فَإِنْ قَالَ: عَنَيْتُ الثَّانِيَ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ؛

  117. لِأَنَّ مُوجِبَ كَلَامِهِ أَنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِالطَّلَاقِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ يَجِيءُ بَعْدَ يَمِينِهِ،

  118. فَإِذَا عَيَّنَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، كَانَ هَذَا تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالنِّيَّةِ صَحِيحٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الْقَضَاءِ،

  119. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ السَّبْتِ فَهُوَ عَلَى أَوَّلِ سَبْتٍ فَإِنْ قَالَ: عَنَيْت الثَّانِيَ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ،

  120. وَإِنْ قَالَ: طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي مَكَان مَوْجُودٍ، وَالطَّلَاقُ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان، وَلَكِنْ إذَا وَقَعَ عَلَيْهَا فِي مَكَان تَتَّصِفُ بِهِ فِي الْأَمْكِنَةِ كُلِّهَا،

  121. فَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ إذَا أَتَيْت مَكَّةَ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ، وَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمَكَانَ وَعَبَّرَ بِهِ عَنْ الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ فِيهِ، وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْمَجَازِ مُخَالِفٌ لِلْحَقِيقَةِ وَالظَّاهِرِ فَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.

  122. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي ثَوْبِ كَذَا وَعَلَيْهَا غَيْرُهُ طَلُقَتْ

  123. 6/1176/117

    لِأَنَّ وَصْفَهُ إيَّاهَا بِالطَّلَاقِ لَا يَخْتَصُّ بِثَوْبٍ دُونَ ثَوْبٍ،

  124. فَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ إذَا لَبِسَتْ ذَلِكَ الثَّوْبَ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذِكْرَ الثَّوْبِ كِنَايَةً عَنْ فِعْلِ اللُّبْسِ فِيهِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْمَجَازِ،

  125. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فِي الدَّارِ أَوْ فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي الظِّلِّ أَوْ فِي الشَّمْسِ،

  126. وَإِنْ قَالَ: فِي ذَهَابِك إلَى مَكَّةَ أَوْ فِي دُخُولِ الدَّارِ أَوْ فِي لُبْسِك ثَوْبَ كَذَا لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ " فِي " لِلظَّرْفِ، وَالْفِعْلُ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ عَلَى أَنْ يَكُونَ شَاغِلًا لَهُ فَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ؛

  127. لِأَنَّ الْمَظْرُوفَ يَسْبِقُ الظَّرْفَ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يَسْبِقُ الْجَزَاءَ وَيَجْعَلُ حَرْفَ " فِي " بِمَعْنَى مَعَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} أَيْ مَعَ عِبَادِي وَيُقَالُ: دَخَلَ الْأَمِيرُ الْبَلْدَةَ فِي جُنْدِهِ أَيْ مَعَهُمْ.

  128. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ دُخُولِك الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ فَهَذَا مِثْلُهُ

  129. بِخِلَافِ قَوْلِهِ: فِي الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَعَ الدَّارِ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ الطَّلَاقَ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ،

  130. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ تُصَلِّينَ طَلُقَتْ لِلْحَالِ: لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَنْتِ تُصَلِّينَ ابْتِدَاءٌ فَإِنْ قَالَ: عَنَيْتُ إذَا صَلَّيْتُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يُعْطَفُ عَلَى الْجَزَاءِ، وَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى الْحَالِ تَقُولُ: دَخَلْتُ الدَّارَ عَلَى فُلَانٍ، وَهُوَ يَفْعَلُ كَذَا أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى هَذَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَالِ اشْتِغَالِك بِالصَّلَاةِ فَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛

  131. لِاحْتِمَالِ لَفْظِهِ مَا نَوَى،

  132. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مُصَلِّيَةً فِي الْقَضَاءِ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ،

  133. وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت إذَا صَلَّيْتِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْحَالِ.

  134. وَأَهْلُ النَّحْوِ يَقُولُونَ إنْ قَالَ: مُصَلِّيَةٌ بِالرَّفْعِ لَا يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى،

  135. وَإِنْ قَالَ: مُصَلِّيَةً بِالنَّصْبِ حِينَئِذٍ يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ أَيْضًا وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ أَهْلِ النَّحْوِ وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى،

  136. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَرَضِك أَوْ فِي وَجَعِك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَكُونَ مِنْهَا ذَلِكَ الْفِعْلُ إمَّا؛ لِأَنَّ حَرْفَ " فِي " بِمَعْنَى مَعَ أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ وَالْوَجَعَ لَمَّا لَمْ يَصْلُحْ ظَرْفًا حُمِلَ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ مَجَازًا لِتَصْحِيحِ كَلَامِ الْعَاقِلِ.

  137. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ فَقَدِمَ فُلَانٌ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَقْتٍ مُنْتَظَرٍ وَهُوَ أَوَّلُ شَهْرٍ يَتَّصِلُ بِآخِرِهِ قُدُومُ فُلَانٍ فَيُرَاعَى وُجُودُ هَذَا الْوَقْتِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَلَمْ يُوجَدْ،

  138. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ فَمَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ، لَمْ تَطْلُقْ

  139. بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ رَمَضَانَ بِشَهْرٍ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَقْتٍ قَدْ تَيَقَّنَ مُضِيُّهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَنْجِيزًا مِنْهُ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.

  140. فَأَمَّا إذَا قَدِمَ فُلَانٌ

  141. 6/1186/118

    أَوْ مَاتَ لِتَمَامِ الشَّهْرِ فَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا يَقَعُ الطَّلَاقُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ حَتَّى تُعْتَبَرَ الْعِدَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ،

  142. وَلَوْ كَانَ وَطِئَهَا فِي الشَّهْرِ صَارَ مُرَاجِعًا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَفِي الْبَائِنِ يَلْزَمُهُ مَهْرٌ بِالْوَطْءِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَقَعُ الطَّلَاقُ مَقْصُورًا عَلَى حَالَةِ الْقُدُومِ وَالْمَوْتِ حَتَّى تُعْتَبَرَ الْعِدَّةُ فِي الْحَالِ،

  143. وَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالْوَطْءِ فِي الشَّهْرِ،

  144. وَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ مَهْرٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فِي الْقُدُومِ الْجَوَابُ كَمَا قَالَا، وَفِي الْمَوْتِ الْجَوَابُ كَمَا قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

  145. وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِإِيقَاعِهِ إنَّمَا يَقَعُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَوْقَعَهُ، وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ يَتَّصِلُ بِآخِرِهِ قُدُومُ فُلَانٍ أَوْ مَوْتُهُ فَيَقَعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ الْوَقْتُ بَعْدَ الْيَمِينِ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَنَا مَا لَمْ يُوجَدْ الْقُدُومُ وَالْمَوْتُ،

  146. فَإِذَا صَارَ مَعْلُومًا لَنَا، تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ وَاقِعًا كَمَا قَالَ لَهَا: إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَأَتْ الدَّمَ لَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ حَتَّى يَسْتَمِرَّ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ كَانَ وَاقِعًا عِنْدَ رُؤْيَةِ الدَّمِ،

  147. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: إنْ كَانَ فِي بَطْنِك غُلَامٌ؛ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يُحْكَمُ بِالْوُقُوعِ حَتَّى تَلِدَ،

  148. فَإِذَا وَلَدَتْ غُلَامًا تَبَيَّنَ أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ وَاقِعًا.

  149. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ أُوقِعَ عِنْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ بَعْدَ الْقُدُومِ أَوْ الْمَوْتِ لَا يَقَعُ إلَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَكَذَلِكَ إذَا أُوقِعَ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ،

  150. وَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك بِشَهْرٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ شَهْرٍ لَمْ تَطْلُقْ.

  151. وَلَوْ انْتَصَبَ التَّزَوُّجُ شَرْطًا وَكَانَ أَوَانُ الْوُقُوعِ بَعْدَهُ لَطَلُقَتْ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا: وُقُوعُ الطَّلَاقِ تَوَقَّفَ بِكَلَامِهِ عَلَى وُجُودِ الْقُدُومِ وَالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ شَرْطٌ مَعْنًى، وَالْجَزَاءُ يَتَأَخَّرُ عَنْ الشَّرْطِ ثُمَّ هَذَا فِي الْقُدُومِ وَاضِحٌ؛

  152. لِأَنَّهُ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ، وَفِي الشَّرْطِ مَعْنَى الْخَطَرِ وَالْمَوْتِ.

  153. وَإِنْ كَانَ كَائِنًا لَا مَحَالَةَ وَلَكِنْ مَضَى الشَّهْرُ بَعْدَ كَلَامِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ كَائِنًا عِنْدَ يَمِينِهِ لَا مَحَالَةَ وَلِهَذَا قَالَ: لَوْ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ، لَمْ تَطْلُقْ وَلِأَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَتَقَدَّمُ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ؛ فَكُلُّ شَهْرٍ يَمْضِي بَعْدَ يَمِينِهِ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ الْوَقْتُ الْمُضَافُ إلَيْهِ الطَّلَاقُ مَا لَمْ يَتَّصِلْ الْمَوْتُ بِآخِرِهِ؛

  154. لِجَوَازِ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ كَمَا فِي الْقُدُومِ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَقْدُمَ أَصْلًا فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى الشَّرْطِ أَيْضًا

  155. بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك بِشَهْرٍ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ هُنَا لَغْوٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلطَّلَاقِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَضَافَ إلَيْهِ، وَاعْتِبَارُ مَعْنَى الشَّرْطِ بَعْدَ صِحَّةِ الْإِضَافَةِ.

  156. وَفِي مَسْأَلَةِ الْحَيْضِ الشَّرْطُ يُوجَدُ بِرُؤْيَةِ قَطْرَةٍ مِنْ الدَّمِ، وَلَكِنْ لَا يُحْكَمُ بِالطَّلَاقِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَنْقَطِعَ قَبْلَ تَمَامِ الثَّلَاثِ فَلَمْ يَكُنْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ هُنَاكَ

  157. 6/1196/119

    مَوْقُوفًا عَلَى وُجُودِ أَمْرٍ مُنْتَظَرٍ،

  158. وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَبَلِ كَلَامُهُ تَنْجِيزٌ لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ يَكُونُ تَنْجِيزًا فَلَمْ يَكُنْ الْوُقُوعُ مَوْقُوفًا عَلَى أَمْرٍ مُنْتَظَرٍ، وَلَكِنَّا لَا نَحْكُمُ بِهِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ؛ لِعَدَمِ عِلْمِنَا بِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ.

  159. وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ فَقَالَ: إنَّ مَوْتَ فُلَانٍ حَقٌّ كَائِنٌ، وَقُدُومُهُ لَا يَدْرِي أَيَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ، وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ شَرْطًا بِذِكْرِ حَرْفِ الشَّرْطِ فِيهِ، أَوْ وُجُودِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَرْفَ الشَّرْطِ فِي الْفَصْلَيْنِ وَلَكِنْ وُجِدَ مَعْنَى الشَّرْطِ فِي مَسْأَلَةِ الْقُدُومِ؛

  160. لِأَنَّ وُجُودَهُ عَلَى خَطَرٍ وَهُوَ مِمَّا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ وَهَذَا مَعْنَى الشَّرْطِ فَإِنَّ الْحَالِفَ يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ مَنْعَ الشَّرْطِ.

  161. فَإِذَا تَوَقَّفَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى وُجُودِهِ وَفِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، انْتَصَبَ شَرْطًا،

  162. فَأَمَّا الْمَوْتُ فَلَا خَطَرَ فِي وُجُودِهِ بَلْ هُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ،

  163. وَلَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ بِهَذَا الْكَلَامِ مَنْعَ الْمَوْتِ،

  164. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، كَانَ مُعَرِّفًا لِلْوَقْتِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَإِنَّمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مِنْ أَوَّلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ رَمَضَانَ بِشَهْرٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ شَعْبَانَ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ الْوَقْتَ يَصِيرُ مَعْلُومًا قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ، وَهُنَا لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا مَا لَمْ يَمُتْ،

  165. فَإِذَا صَارَ مَعْلُومًا لَنَا، تَبَيَّنَ أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ وَاقِعًا مِنْ أَوَّلِهِ.

  166. (وَالثَّانِي) أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ يَتَّصِلُ بِآخِرِهِ قُدُومُ فُلَانٍ أَوْ مَوْتُهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْقُدُومِ هَذَا الِاتِّصَالُ لَا يَقَعُ أَصْلًا إلَّا بَعْدَ الْقُدُومِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَا يَقْدَمُ أَصْلًا، وَبِدُونِ هَذَا الِاتِّصَالِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ أَصْلًا، أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ، هَذَا الِاتِّصَالُ ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ؛

  167. لِأَنَّ الْمَوْتَ كَائِنٌ فَيُعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ فِي الشُّهُورِ الَّتِي تَأْتِي شَهْرًا مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَكِنْ لَا يُدْرَى أَيُّ شَهْرٍ ذَاكَ فَلَا يُحْكَمُ بِالطَّلَاقِ مَا لَمْ يَصِرْ مَعْلُومًا لَنَا،

  168. فَإِذَا صَارَ مَعْلُومًا، تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ وَاقِعًا مِنْ أَوَّلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، يُقَرِّرُهُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ الْوَقْتَ الْمُضَافَ إلَيْهِ يَصِيرُ مَعْلُومًا قَبْلَ حَقِيقَةِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ صَارَ الْوَقْتُ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَعْلُومًا فَلِهَذَا لَا يَتَأَخَّرُ الطَّلَاقُ عَنْ الْمَوْتِ.

  169. وَفِي مَسْأَلَةِ الْقُدُومِ لَا يَصِيرُ الْوَقْتُ مَعْلُومًا مَا لَمْ يُوجَدْ حَقِيقَةُ الْقُدُومِ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَقْدَمَ فَلِهَذَا تَأَخَّرَ الطَّلَاقُ عَنْهُ،

  170. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَ مَوْتِك بِشَهْرٍ فَمَاتَتْ قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْوَقْتُ الْمُضَافُ إلَيْهِ بَعْدَ الْيَمِينِ،

  171. فَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ تَمَامِ الشَّهْرِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ وَقَعَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْمَوْتِ.

  172. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقَعُ مِنْ

  173. 6/1206/120

    أَوَّلِ الشَّهْرِ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ مِنْهَا،

  174. وَإِنْ كَانَ جَامَعَهَا فِي الشَّهْرِ، فَعَلَيْهِ مَهْرٌ آخَرُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ جَامَعَهَا بَعْدَ وُقُوعِ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا،

  175. وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَتْ أَوْ غَرِقَتْ فَهَذَا مَوْتٌ،

  176. وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ مَخْصُوصٍ،

  177. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ ثُمَّ مَاتَ لِتَمَامِ الشَّهْرِ عِنْدَهُمَا لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ وَقَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ.

  178. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَبَيَّنُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ حَتَّى إذَا كَانَ صَحِيحًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِثَلَاثِ حِيَضٍ،

  179. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ الْأَضْحَى بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ فَهِيَ طَالِقٌ حِينَ يَنْسَلِخُ ذُو الْقِعْدَةِ؛ لِعِلْمِنَا بِوُجُودِ الْوَقْتِ الْمُضَافِ إلَيْهِ الطَّلَاقُ،

  180. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ بِشَهْرٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الْمُضَافَ إلَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ لَمْ يُوجَدْ:

  181. فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الشَّهْرِ طَلُقَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِحْسَانًا مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَعِنْدَهُمَا طَلُقَتْ فِي الْحَالِ

  182. بِخِلَافِ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ بِشَهْرٍ فَقَدِمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الشَّهْرِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَقْدَمَ الْآخَرُ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ فَرْقُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْقُدُومَ يَنْتَصِبُ شَرْطًا، وَالْمَوْتُ لَا يَنْتَصِبُ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي وَقْتٍ مَوْصُوفٍ بِأَنَّهُ قَبْلَ قُدُومِهِمَا بِشَهْرٍ وَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا بِقُدُومِ أَحَدِهِمَا؛

  183. لِجَوَازِ أَنْ لَا يَقْدَمَ الْآخَرُ أَصْلًا.

  184. فَأَمَّا فِي الْمَوْتِ يَصِيرُ ذَلِكَ الْوَقْتُ مَعْلُومًا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ مَوْتَ الْآخَرِ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ طَعَنَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا وَقَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ الْوَقْتَ إنَّمَا يَصِيرُ مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِمَا بِشَهْرٍ إذَا مَاتَا مَعًا،

  185. فَأَمَّا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، وَبَقِيَ الْآخَرُ زَمَانًا، فَأَوَّلُ هَذَا الشَّهْرِ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا بِشَهْرٍ، وَقَبْلَ الْآخَرِ بِسَنَةٍ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَوْتُهُمَا مَعًا نَادِرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ.

  186. وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الشَّهْرِ، فَأَوَّلُ هَذَا الشَّهْرِ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِمَا بِشَهْرٍ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ كَمَا يُقَالُ: رَمَضَانُ قَبْلَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى بِشَهْرٍ،

  187. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْأَضْحَى بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَأَكْثَرَ

  188. (قَالَ) : وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ السَّاعَةَ إنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ فُلَانًا يَقْدَمُ إلَى شَهْرٍ فَقَدِمَ فُلَانٌ لِتَمَامِ الشَّهْرِ طَلُقَتْ بَعْدَ الْقُدُومِ، وَهُوَ دَلِيلٌ لَهُمَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى مُحِيطٌ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا كَمَا أَنَّ الْمَوْتَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ إلَى شَهْرٍ؛

  189. لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى لَا طَرِيقَ لِلْحَالِفِ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَإِنَّمَا تَنْبَنِي الْأَحْكَامُ عَلَى مَا يَكُونُ لَنَا طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ إلَى شَهْرٍ فَلِهَذَا

  190. 6/1216/121

    تَأَخَّرَ الْوُقُوعُ إلَى الْقُدُومِ.

  191. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: أَطْوَلُكُمَا حَيَاةً طَالِقٌ السَّاعَةَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ حَتَّى تَمُوتَ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ طُولُ الْحَيَاةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمَاضِي حَتَّى إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا بِنْتَ عَشْرِ سِنِينَ، وَالْأُخْرَى بِنْتَ سِتِّينَ سَنَةً لَمْ تَطْلُقْ الْعَجُوزُ فَعَرَفْنَا أَنَّ طُولَ الْحَيَاةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُرَادٌ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛

  192. لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَا مَعًا،

  193. فَإِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا طَلُقَتْ الْأُخْرَى فِي الْحَالِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - طَلُقَتْ مِنْ حِينِ تَكَلَّمَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلُهُمَا حَيَاةً،

  194. وَأَنَّ الزَّوْجَ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ مَوْجُودٍ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَعْنَى كَلَامِ الزَّوْجِ الَّتِي تَبْقَى مِنْكُمَا بَعْدَ مَوْتِ الْأُخْرَى طَالِقٌ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ قَبْلَ مَوْتِ إحْدَاهُمَا بَلْ هُوَ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَا مَعًا فَلِهَذَا انْتَصَبَ شَرْطًا.

  195. (قَالَ) : وَلَوْ قَالَ: يَا زَيْنَبُ، فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ؛ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا طَلُقَتْ الَّتِي أَجَابَتْهُ، لِأَنَّهُ أَتْبَعَ الْإِيقَاعَ الْجَوَابَ فَيَصِيرُ مُخَاطِبًا لِلْمُجِيبَةِ،

  196. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت زَيْنَبَ قُلْنَا تَطْلُقُ زَيْنَبُ بِقَصْدِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي صَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَتَطْلُقُ عَمْرَةُ أَيْضًا بِالظَّاهِرِ كَمَا لَوْ قَالَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ، وَلَهُ امْرَأَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ تَطْلُقُ،

  197. فَإِنْ قَالَ: لِي امْرَأَةٌ أُخْرَى بِهَذَا الِاسْمِ تَزَوَّجْتهَا سِرًّا، وَإِيَّاهَا عَنَيْت قُلْنَا تَطْلُقُ تِلْكَ بِنِيَّتِهِ، وَالْمَعْرُوفَةُ بِالظَّاهِرِ،

  198. وَلَوْ قَالَ: يَا زَيْنَبُ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ طَلُقَتْ زَيْنَبُ؛ لِأَنَّهُ أَتْبَعَ الْإِيقَاعَ النِّدَاءَ فَيَكُونُ خِطَابًا لِلْمُنَادَى وَهِيَ زَيْنَبُ.

  199. وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يُشِيرُ إلَيْهَا: يَا زَيْنَبُ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا هِيَ عَمْرَةُ طَلُقَتْ عَمْرَةُ، إنْ كَانَتْ امْرَأَتَهُ،

  200. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ امْرَأَتُهُ، لَمْ تَطْلُقْ زَيْنَبُ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْإِشَارَةِ أَبْلَغُ مِنْ التَّعْرِيفِ بِالِاسْمِ،

  201. فَإِنَّ التَّعْرِيفَ بِالْإِشَارَةِ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَبِالِاسْمِ لَا، فَكَانَ هَذَا أَقْوَى،

  202. وَلَا يَظْهَرُ الضَّعِيفُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَوِيِّ؛ فَكَانَ هُوَ مُخَاطِبًا بِالْإِيقَاعِ لِمَنْ أَشَارَ إلَيْهَا خَاصَّةً،

  203. وَإِنْ قَالَ: يَا زَيْنَبُ أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُشِرْ إلَى شَيْءٍ غَيْرَ أَنَّهُ رَأَى شَخْصًا فَظَنَّهَا زَيْنَبَ، وَهِيَ غَيْرُهَا طَلُقَتْ زَيْنَبُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ بَنَى الْإِيقَاعَ عَلَى التَّعْرِيفِ بِالِاسْمِ هُنَا فَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْمُسَمَّاةِ،

  204. وَلَا مُعْتَبَرَ بِظَنِّهِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَحْصُلُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ.

  205. فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَطْلُقُ هِيَ وَلَا الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ عَنَاهَا بِقَلْبِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى مَا فِي ضَمِيرِهِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ الْإِيقَاعُ عَلَى زَيْنَبَ الَّتِي لَمْ يَعْنِهَا بِقَلْبِهِ، وَعَلَى الَّتِي عَنَاهَا بِقَلْبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْهَا بِلِسَانِهِ حِينَ أَتْبَعَ الْخِطَابَ النِّدَاءَ،

  206. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً،

  207. وَإِنْ أَشَارَ بِأُصْبُعَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ،

  208. وَإِنْ أَشَارَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْأَصَابِعِ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِالْعَدَدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَخَنَّسَ إبْهَامَهُ

  209. 6/1226/122

    فِي الثَّالِثَةِ» فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيَانًا أَنَّ الشَّهْرَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا.

  210. ثُمَّ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْإِشَارَةِ أَنَّهَا تَقَعُ بِالْأَصَابِعِ الْمَنْشُورَةِ لَا بِالْأَصَابِعِ الْمَعْقُودَةِ، وَالْعُرْفُ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا،

  211. وَكَذَلِكَ الشَّرْعُ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَنَّسَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا نَشَرَ مِنْ الْأَصَابِعِ دُونَ مَا عَقَدَ حَتَّى لَوْ قَالَ: عَنَيْت الْإِشَارَةَ بِالْأُصْبُعَيْنِ اللَّتَيْنِ عَقَدْت لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛

  212. لِكَوْنِ مَا قَالَ مُحْتَمَلًا،

  213. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: عَنَيْت الْإِشَارَةَ بِالْكَفِّ دُونَ الْأَصَابِعِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِكَوْنِهِ مُحْتَمَلًا،

  214. وَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا.

  215. وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُونَ إنْ جَعَلَ ظَهْرَ الْكَفِّ إلَيْهَا، وَالْأَصَابِعَ الْمَنْشُورَةَ إلَى نَفْسِهِ، دِينَ فِي الْقَضَاءِ،

  216. وَإِنْ جَعَلَ الْأَصَابِعَ الْمَنْشُورَةَ إلَيْهَا، لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ،

  217. وَإِذَا أَشَارَ بِأَصَابِعِهِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يَقُلْ هَكَذَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ لَا يَتَّصِلُ بِإِشَارَتِهِ إلَّا بِقَوْلِهِ: هَكَذَا فَإِذَا لَمْ يَقُلْ كَانَ وُجُودُ الْإِشَارَةِ كَعَدَمِهَا فَتَطْلُقُ وَاحِدَةً بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ،

  218. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ ثَلَاثًا فَأَمْسَكَ رَجُلٌ عَلَى فِيهِ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلَاقِ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ بِلَفْظِهِ لَا بِقَصْدِهِ، وَهُوَ مَا تَلَفَّظَ إلَّا بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.

  219. وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الرَّجُلُ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً

  220. بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ وَصَلَ لَفْظَ الطَّلَاقِ بِذِكْرِ الْعَدَدِ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ هُوَ الْعَدَدَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَطْلُقُ ثَلَاثًا؛

  221. لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَدَدِ حَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهَا،

  222. فَأَمَّا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ، فَلَفْظُ الطَّلَاقِ هُنَا لَمْ يَتَّصِلْ بِذِكْرِ الْعَدَدِ فَبَقِيَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ،

  223. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ ذِكْرِ الثَّانِيَةِ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لِمَا قُلْنَا أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا إيقَاعٌ عَامِلٌ فِي الْوُقُوعِ، فَإِنَّمَا يَقَعُ مَا صَادَفَهَا وَهِيَ حَيَّةٌ دُونَ مَا صَادَفَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ،

  224. وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَمَاتَتْ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الْكَلَامِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمَعْطُوفَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ إذَا اتَّصَلَ الشَّرْطُ بِآخِرِهِ؛ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيقَاعًا كَمَا إذَا اتَّصَلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ اتِّصَالُ الشَّرْطِ بِالْكَلَامِ بَعْدَ مَوْتِهَا.

  225. وَإِنْ قَالَ: إحْدَى امْرَأَتَيَّ طَالِقٌ ثَلَاثًا،

  226. وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَذَلِكَ إلَيْهِ يُوقِعُهَا عَلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ فَإِنَّ إيجَابَ الطَّلَاقِ فِي الْمَجْهُولِ صَحِيحٌ

  227. بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ نُفَاةُ الْقِيَاسِ، وَحُجَّتُنَا عَلَيْهِمْ الْحَدِيثُ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ» ،

  228. ثُمَّ الْأَصْلُ أَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْمَجْهُولِ يَصِحُّ فِيمَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُعَلَّقِ بِخَطَرِ الْبَيَانِ فِي حَقِّ الْعَيْنِ وَلِأَنَّ مَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضِّيقِ، وَهُوَ

  229. 6/1236/123

    الْبَيْعُ يَصِحُّ إيجَابُهُ فِي الْمَجْهُولِ إذَا كَانَ لَا يُؤَدِّي إلَى الْمُنَازَعَةِ، وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ فَفِيمَا يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى السِّعَةِ؛ لَأَنْ يَصِحَّ إيجَابُهُ فِي الْمَجْهُولِ كَانَ أَوْلَى.

  230. وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ هُنَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَنْفَرِدُ بِالْبَيَانِ كَمَا يَنْفَرِدُ بِالْإِيقَاعِ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت هَذِهِ حِينَ تَكَلَّمْت فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِلْإِيقَاعِ عَلَيْهَا فَيَصِحُّ بَيَانُهُ أَيْضًا، وَمَا فِي ضَمِيرِهِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ،

  231. وَإِنْ قَالَ: مَا نَوَيْت وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا يُقَالُ لَهُ: أَوْقِعْ الْآنَ عَلَى أَيَّتِهِمَا شِئْتَ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ الْأَوَّلَ كَانَ عَلَى مُنَكَّرٍ، وَأَحْكَامُ الطَّلَاقِ تَتَقَرَّرُ فِي الْمُنَكَّرِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ فَلِهَذَا يُقَالُ لَهُ: أَوْقِعْ عَلَى أَيَّتِهِمَا شِئْت.

  232. وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ طَلُقَتْ الْبَاقِيَةُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ لَا يَتَبَيَّنُ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي إحْدَاهُمَا لِمُزَاحَمَةِ الْأُخْرَى مَعَهَا وَقَدْ زَالَتْ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ الَّتِي مَاتَتْ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ، وَتَعْيِينُ الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ فِي حَقِّ الْعَيْنِ كَابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ،

  233. فَإِذَا خَرَجَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ تَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى،

  234. وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت الْمَيِّتَةَ حِينَ تَكَلَّمْتُ صُدِّقَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ حَتَّى يُبْطِلَ مِيرَاثَهُ عَنْهَا وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى إبْطَالِ الطَّلَاقِ عَنْ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَعَيَّنَ فِيهَا شَرْعًا فَلَا يَمْلِكُ صَرْفَ الطَّلَاقِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ.

  235. (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَاطَّلَعَتْ إحْدَاهُنَّ، فَقَالَ الزَّوْجُ الَّتِي اطَّلَعَتْ طَالِقٌ ثَلَاثًا،

  236. ثُمَّ لَمْ يَعْلَمْ أَيَّتُهُنَّ هِيَ، وَقَدْ عَلِمَ الزَّوْجُ أَنَّهَا كَانَتْ إحْدَاهُنَّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُطَلَّقَةَ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ هُنَا عَلَى الْمُعَيَّنَةِ ابْتِدَاءً فَتَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ.

  237. وَلَا طَرِيقَ إلَى التَّحَرِّي فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ إنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ بِالضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْفَرْجِ، وَلَيْسَ لَهُ الْبَيَانُ بِالْإِيقَاعِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ عَلَى الْمُعَيَّنَةِ هُنَا، وَقَدْ تَمَّ

  238. بِخِلَافِ الْأَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الْإِبْهَامَ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ، بَلْ بِاخْتِلَاطِ الْمُطَلَّقَةِ بِغَيْرِهَا

  239. بِخِلَافِ الْأَوْلَى، فَالْإِبْهَامُ هُنَاكَ مِنْهُ، فَكَانَ الْبَيَانُ إلَيْهِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُطَلِّقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، وَيَتْرُكَهُنَّ حَتَّى يَبِنَّ،

  240. وَلَا يَتَزَوَّجَ شَيْئًا مِنْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَّتُهُنَّ صَاحِبَةُ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْفَرْجِ وَاجِبٌ شَرْعًا، وَالِاحْتِيَاطُ فِي هَذَا.

  241. (قَالَ) : فَإِنْ تَزَوَّجَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ فَخَاصَمَتْهُ فِي الطَّلَاقِ يَحْلِفُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا، وَالزَّوْجُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ،

  242. وَلَوْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا كَانَ يَحْلِفُ لَهَا فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ،

  243. فَإِنْ حَلَفَ أَمْسَكَهَا؛ لِأَنَّا عَرَفْنَاهَا فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مُطَلَّقَةٍ ثَلَاثًا فَحِينَ حَلَفَ؛ بَقِيَ الْأَمْرُ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا كَانَ مَعْلُومًا لَنَا قَبْلَ هَذَا،

  244. وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا،

  245. فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ، وَتَزَوَّجْنَ بِأَزْوَاجٍ غَيْرِهِ، وَدَخَلَ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ،

  246. ثُمَّ فَارَقُوهُنَّ نَكَحَ أَيَّتَهنَّ

  247. 6/1246/124

    شَاءَ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ قَدْ حَلَّتْ لَهُ بِإِصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي؛ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ.

  248. وَإِنْ ادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ،

  249. وَلَا بَيِّنَةَ لَهَا، وَجَحَدَ الزَّوْجُ يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَا هِيَ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَدَّعِي عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ،

  250. فَإِنْ حَلَفَ لَهُنَّ جَمِيعًا بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا مُجَازَفَتَهُ فِي هَذِهِ الْأَيْمَانِ،

  251. فَإِنَّ الْمُطَلَّقَةَ فِيهِنَّ، وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ لَا تَرْفَعُ الْحُرْمَةَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا حَلَفَ لِثَلَاثٍ مِنْهُنَّ تَعَيَّنَتْ لِلطَّلَاقِ الرَّابِعَةُ،

  252. وَلَا يَحْلِفُ لَهَا وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَهُنَّ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا.

  253. (قَالَ) : وَإِذَا قَالَ لِنِسْوَةٍ لَهُ: أَيَّتُكُنَّ أَكَلَتْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ فَهِيَ طَالِقٌ فَأَكَلْنَهُ؛ طَلُقْنَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ أَيَّ تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى الِانْفِرَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ، وَقَالَ تَعَالَى: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} ، وَحَرْفُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، فَصَارَ مُعَلِّقًا طَلَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِتَنَاوُلِهَا شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ، وَقَدْ وُجِدَ فِي حَقِّهِنَّ جَمِيعًا.

  254. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيَّتُكُنَّ دَخَلَتْ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلْنَهَا؛ طَلُقْنَ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ،

  255. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَيَّتُكُنَّ شَاءَتْ فَهِيَ طَالِقٌ فَشِئْنَ جَمِيعًا.

  256. وَلَوْ قَالَ: أَيَّتُكُنَّ بَشَّرَتْنِي بِكَذَا، فَهِيَ طَالِقٌ فَبَشَّرْنَهُ جَمِيعًا مَعًا؛ طَلُقْنَ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ،

  257. وَإِنْ بَشَّرَتْهُ وَاحِدَةٌ بَعْدَ أُخْرَى طَلُقَتْ الْأُولَى وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْبَشِيرَةُ فَإِنَّ الْبِشَارَةَ اسْمٌ لِخَبَرٍ سَارٍّ صِدْقٍ غَابَ عَنْ الْمُخْبَرِ عِلْمُهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ كُلُّ خَبَرٍ غَابَ عَنْ الْمُخْبَرِ بِهِ عِلْمُهُ، إذَا كَانَ صِدْقًا، فَهُوَ بِشَارَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَبِشَرِّهِمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الْخَبَرُ بِشَارَةً؛

  258. لِتَغَيُّرِ بَشَرَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ سَمَاعِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مُحْزِنًا يَتَغَيَّرُ إلَى الصُّفْرَةِ،

  259. وَإِنْ كَانَ سَارًّا إلَى الْحُمْرَةِ، وَلَكِنْ فِي الْعُرْفِ إنَّمَا يُطْلَقُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الْخَبَرِ السَّارِّ، وَإِنَّمَا وُجِدَ هَذَا فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِمَا غَابَ عَنْهُ عِلْمُهُ.

  260. فَأَمَّا الثَّانِيَةُ أَخْبَرَتْهُ بِمَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُ، فَكَانَتْ مُخْبِرَةً لَا بَشِيرَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» فَاسْتَبَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنْ يُخْبِرَاهُ فَسَبَقَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: بَشَّرَنِي بِهِ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَأَخْبَرَنِي بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

  261. (قَالَ) : قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِلْءَ الدَّارِ، أَوْ مِلْءَ الْجُبِّ،

  262. فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَإِلَّا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَمْلَأُ الْوِعَاءَ الْعَظِيمَةَ فِي نَفْسِهِ تَارَةً؛ وَلِكَثْرَةِ عَدَدِهِ أُخْرَى،

  263. فَإِذَا نَوَى الثَّلَاثَ، عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ كَثْرَةَ الْعَدَدِ فَكَأَنَّهُ قَالَ

  264. 6/1256/125

    أَنْتِ طَالِقٌ أَكْثَرَ الْعَدَدِ،

  265. وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْوَصْفَ بِعِظَمِ التَّطْلِيقَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْتَدَّ حُكْمُهَا،

  266. وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ؛ لِأَنَّ فِي وُقُوعِ الْوَاحِدَةِ يَقِينًا، وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ شَكًّا،

  267. وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مُجَرَّدُ الْعَدَدِ، وَذَلِكَ لَا يَسَعُ فِي هَذَا اللَّفْظِ،

  268. وَإِنْ قَالَ: وَاحِدَةٌ تَمْلَأُ الدَّارَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ،

  269. وَلَا تَسَعُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْوَاحِدَةِ فَيَبْقَى مَعْنَى الْوَصْفِ بِالْعِظَمِ فَتَكُونُ بَائِنَةً.

  270. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا تَكُونُ رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِمَا لَا يُوصَفُ بِهِ فَكَانَ لَاغِيًا فِي وَصْفِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: تَطْلِيقَةٌ تَصِيحُ، أَوْ تَطِيرُ كَانَ هَذَا الْوَصْفُ لَغْوًا،

  271. ثُمَّ الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مَتَى صَرَّحَ بِلَفْظِ الْعِظَمِ يَكُونُ الْوَاقِعُ بَائِنًا سَوَاءٌ شَبَّهَهَا بِعَظِيمٍ، أَوْ صَغِيرٍ حَتَّى إذَا قَالَ: عِظَمَ الْجَبَلِ أَوْ عِظَمَ رَأْسِ الْإِبْرَةِ أَوْ الْخَرْدَلَةِ تَكُونُ بَائِنَةً،

  272. وَإِنْ لَمْ تُوصَفْ بِالْعِظَمِ، وَلَكِنْ قَالَ: مِثْلَ الْجَبَلِ، أَوْ مِثْلَ رَأْسِ الْإِبْرَةِ تَكُونُ رَجْعِيَّةً، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تَكُونُ بَائِنًا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا شَبَّهَ التَّطْلِيقَةَ بِمَا يَكُونُ عَظِيمًا عِنْدَ النَّاسِ كَالْجَبَلِ، تَقَعُ بَائِنَةً،

  273. وَإِذَا شَبَّهَهَا بِمَا يَكُونُ حَقِيرًا كَالْخَرْدَلَةِ تَكُونُ رَجْعِيَّةً.

  274. وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً عَظِيمَةً، أَوْ كَبِيرَةً، أَوْ شَدِيدَةً، أَوْ طَوِيلَةً، أَوْ عَرِيضَةً فَوَصَفَهَا بِشَيْءٍ يُشَدِّدُهَا بِهِ؛ فَهِيَ بَائِنَةٌ فِي الْقَضَاءِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مُرَادَهُ مَعْنَى الشِّدَّةِ عَلَيْهَا فِي حُكْمِهَا، وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بِالتَّدَارُكِ

  275. بِخِلَافِ الرَّجْعِيِّ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى الصِّينِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْهَا بِعِظَمٍ،

  276. وَلَا كِبَرٍ إنَّمَا مَدّهَا إلَى مَكَان، وَالطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ نَفْسَهُ،

  277. وَلَا حُكْمَهُ وَلِأَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ قَصَرَ حُكْمَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ تَكُونُ وَاقِعَةً مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ،

  278. فَلَا يَثْبُتُ بِهَذَا اللَّفْظِ زِيَادَةُ شِدَّةٍ.

  279. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى الشِّتَاءِ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً بَعْدَ الْأَجَلِ كَمَا فِي إلَى شَهْرٍ،

  280. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إلَى الصَّيْفِ، وَمَعْرِفَةُ دُخُولِ الشِّتَاءِ بِلُبْسِ أَكْثَرِ النَّاسِ الْفَرْوَ، وَالثَّوْبَ الْمَحْشُوَّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَدُخُولِ الصَّيْفِ بِإِلْقَاءِ أَكْثَرِ النَّاسِ ذَلِكَ حَتَّى يَتَعَجَّبَ مِمَّنْ يُرَى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالرَّبِيعُ فِي آخِرِ الشِّتَاءِ قَبْلَ دُخُولِ الصَّيْفِ إذَا كَانَ النَّاسُ بَيْنَ لَابِسٍ لِلْمَحْشُوِّ، وَغَيْرِ لَابِسٍ لَا يَعِيبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ،

  281. وَكَذَلِكَ الْخَرِيفُ فِي آخِرِ الصَّيْفِ قَبْلَ دُخُولِ الشِّتَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ،

  282. وَقِيلَ: الرَّبِيعُ إذَا نَبَتَ الْعُشْبُ، وَالصَّيْفُ إذَا احْتَرَقَ الْعُشْبُ وَجَفَّ، وَالْخَرِيفُ إذَا أَخَذَ النَّاسُ فِي التَّأَهُّبِ لِلشِّتَاءِ، وَالشِّتَاءُ إذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.

  283. (قَالَ) : وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ اثْنَتَيْنِ، فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ لَا بَلْ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ بِإِقَامَةِ الثَّانِي

  284. 6/1266/126

    مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَالرُّجُوعِ عَنْ الْأَوَّلِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَمَّا أَوْقَعَهُ وَلَكِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إيقَاعِ أُخْرَيَيْنِ، إذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا لِهَذَا،

  285. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى لَا إلَى عِدَّةٍ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهَا،

  286. وَلَا عَلَى إقَامَةِ الثِّنْتَيْنِ مَقَامَهَا بِإِيقَاعِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ فَلُغِيَ آخِرُ كَلَامِهِ،

  287. وَإِنْ قَالَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا: نَوَيْت بِالِاثْنَتَيْنِ تِلْكَ الْوَاحِدَةَ، وَأُخْرَى مَعَهَا لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الثِّنْتَيْنِ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ؛ وَلِأَنَّ كَلَامَهُ إيقَاعُ مُبْتَدَأٌ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ مَدِينٌ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ.

  288. (قَالَ) : وَإِذَا قَالَ: قَدْ كُنْتُ طَلَّقْتُكِ أَمْسِ وَاحِدَةً، لَا، بَلْ اثْنَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا فِي الْإِيقَاعِ؛ لِأَنَّ اثْنَتَيْنِ غَيْرُ وَاحِدَةٍ فَرُجُوعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْوَاحِدَةِ بَاطِلٌ، وَإِقْرَارُهُ بِالثِّنْتَيْنِ صَحِيحٌ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَقُولُ الْإِقْرَارُ إخْبَارٌ، وَهُوَ مِمَّا يَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الْإِيقَاعِ، وَالْعَادَةِ.

  289. الظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْإِخْبَارِ بِهَذَا اللَّفْظِ يُرَادُ تَدَارُكُ الْغَلَطِ بِإِثْبَاتِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَدَدِ الْأَوَّلِ مَعَ إعَادَتِهَا فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: حَجَجْتُ حَجَّةً، لَا، بَلْ حَجَّتَيْنِ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْإِخْبَارِ حَجَّتَيْنِ،

  290. وَإِذَا قَالَ: سِنِّي سِتُّونَ سَنَةً لَا، بَلْ سَبْعُونَ، يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْإِخْبَارِ سَبْعِينَ لَا غَيْرُ، وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فَلِهَذَا تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ،

  291. وَإِنْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ، لَا بَلْ فُلَانَةُ طَلُقَتَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا خَبَرًا فَيَكُونُ خَبَرُ الْأُولَى خَبَرًا لَهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا، بَلْ فُلَانَةُ طَالِقٌ،

  292. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا، بَلْ فُلَانَةُ، أَوْ قَالَ، بَلْ فُلَانَةُ تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا.

  293. وَإِنْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا، لَا بَلْ فُلَانَةُ طَالِقٌ طَلُقَتْ الْأُولَى ثَلَاثًا، وَالثَّانِيَةُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لِلثَّانِيَةِ خَبَرًا فَوَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ بِذَلِكَ عَنْ جَعْلِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ خَبَرًا لَهَا.

  294. وَإِنْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ، أَوْ فُلَانَةُ طَلُقَتْ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّ مُوجِبَ كَلِمَةِ " أَوْ " إذَا دَخَلَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ إثْبَاتُ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ، بَيَانُهُ فِي آيَةِ الْكَفَّارَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إحْدَاهُمَا طَالِقٌ،

  295. وَمَنْ يَقُولُ أَنَّ حَرْفَ " أَوْ " لِلتَّشْكِيكِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّشْكِيكَ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا لِيُوضَعَ لَهُ حَرْفٌ، وَلَكِنَّ حَقِيقَتَهُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ مُوجِبَهُ إثْبَاتُ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ،

  296. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فَالْخِيَارُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ حَرْفَ " أَوْ " بَيْنَ عَدَدَيْنِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا، وَالْبَيَانُ إلَيْهِ،

  297. وَلَوْ قَالَ لَهَا: كُلَّمَا حَبِلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكُلَّمَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَحَبِلَتْ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ، وَوَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا حِينَ حَبِلَتْ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْوِلَادَةِ فَلَا يَقَعُ بِهِ عَلَيْهَا شَيْءٌ،

  298. فَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا، وَهِيَ حُبْلَى، فَذَلِكَ مِنْهُ رَجْعَةٌ،

  299. ثُمَّ تَطْلُقُ بِالْوِلَادَةِ تَطْلِيقَةً أُخْرَى بِالْكَلَامِ الثَّانِي، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَهُوَ أَمْلَكُ بِرَجْعَتِهَا، فَإِنْ

  300. 6/1276/127

    حَبِلَتْ، وَقَعَتْ الثَّالِثَةُ عَلَيْهَا بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ،