بَابُ الْخُلْعِ
المبسوطHanafimasa’il 14139 to 14567
-
6/1896/189
(قَالَ) : وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَهُ امْرَأَةً وَتُمْهِرَ عَنْهُ، فَالْخُلْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِلْجَهَالَةِ الْمُسْتَتِمَّةِ فِي الْمُسَمَّى، وَلَكِنَّ الْغُرُورَ يَتَمَكَّنُ لِتَسْمِيَةِ الْإِمْهَارِ، فَعَلَيْهَا رَدُّ الْعِوَضِ،
-
وَإِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى مَوْصُوفٍ مِنْ الْمَكِيلِ، أَوْ الْمَوْزُونِ، أَوْ النَّبَاتِ، فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا فِي الصَّدَاقِ،
-
وَإِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ عَلَى دَارٍ، فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ لِلْجَهَالَةِ الْمُسْتَتِمَّةِ كَمَا فِي الصَّدَاقِ، وَلَهُ الْمَهْرُ الَّذِي أَعْطَاهَا بِسَبَبِ الْغُرُورِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِدَابَّةٍ لِلْجَهَالَةِ الْمُسْتَتِمَّةِ،
-
فَإِنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ يَتَنَاوَلُ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً، فَلَهُ الْمَهْرُ الَّذِي أَعْطَاهَا،
-
وَإِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مُسَمًّى، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَزِمَهَا مَا سَمَّتْ لَهُ،
-
وَلَا شَيْءَ لَهَا مِمَّا سُمِّيَ عَلَى الزَّوْجِ مِنْ الْمَهْرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ، إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، وَيُنَصَّفُ الْمَهْرُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَخَذَتْ الْمَهْرَ،
-
ثُمَّ خَلَعَهَا قَبْلَ الدُّخُول عَلَى شَيْءٍ مُسَمًّى، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَهْرِ.
-
وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا بِلَفْظَةِ الْمُبَارَأَةِ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُبَارَأَةِ: الْجَوَابُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخُلْعَ، وَالْمُبَارَأَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُوجِبَانِ بَرَاءَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ حَتَّى لَا يَرْجِعَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُوجِبَانِ إلَّا الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ يُجْعَلُ كَالْفُرْقَةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ بِالطَّلَاقِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْخُلْعِ الْجَوَابُ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي الْمُبَارَأَةِ الْجَوَابُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ بِعِوَضٍ فَيَجِبُ بِهِ الْعِوَضُ الْمُسَمَّى،
-
وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ كَمَا لَوْ كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، وَهَذَا
-
6/1906/190
لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ إلَّا فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ الْمُسَمَّى بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ وَاجِبٌ بِسَبَبٍ آخَرَ، أَوْ عَيْنٌ فِي يَدِهِ، لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْخُلْعِ وَالْمُبَارَأَةِ، فَكَذَلِكَ الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ نَفَقَةَ عِدَّتِهَا لَا تَسْقُطُ، وَهِيَ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ، فَكَذَلِكَ الْمَهْرُ، بَلْ أَوْلَى؛
-
لِأَنَّ النَّفَقَةَ أَضْعَفُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْعَقْدِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِسْقَاطِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ، فَلِإِتْمَامِ هَذَا الْمَقْصُودِ يَتَعَدَّى حُكْمُ هَذَا الْعَقْدِ إلَى الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْخُلْعَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ النُّشُوزِ، وَسَبَبُ النُّشُوزِ الْوَصْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ النِّكَاحِ، فَتَمَامُ انْقِطَاعِ الْمُنَازَعَةِ وَالنُّشُوزِ، إنَّمَا يَكُونُ بِإِسْقَاطِ مَا وَجَبَ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْوَصْلَةِ.
-
وَفِي لَفْظِهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ،
-
فَإِنَّ الْمُبَارَأَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْبَرَاءَةِ، وَالْخُلْعُ مِنْ الْخَلْعِ، وَهُوَ الِانْتِزَاعُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: خَلَعْت الْخُفَّ مِنْ الرِّجْلِ إذَا قَطَعْت مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَصْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَقْدُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، فَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُسْقِطُ الْحُقُوقَ الْوَاجِبَةَ أَيْضًا بِالنِّكَاحِ؛ لِإِتْمَامِ الْمَقْصُودِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ فِي لَفْظِ الطَّلَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ؛ فَلِهَذَا لَا تَسْقُطُ،
-
فَأَمَّا سَائِرُ الدُّيُونِ فَوُجُوبُهَا مَا كَانَ بِسَبَبِ وَصْلَةِ النِّكَاحِ وَالنُّشُوزُ، وَالْمُنَازَعَةُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ؛ فَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ،
-
وَأَمَّا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ فَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَ الْخُلْعِ، إنَّمَا تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَالْخُلْعُ، وَالْمُبَارَأَةُ إسْقَاطُ مَا هُوَ وَاجِبٌ بِحُكْمِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ فِي الْمُبَارَأَةِ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْبَرَاءَةِ.
-
وَفِي الْخُلْعِ أَخَذَ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْبَرَاءَةِ عَنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، فَجَعَلَ لَفْظَ الْخُلْعِ بِمَنْزِلَةِ لَفْظِ الطَّلَاقِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَوْ كَانَ مَهْرُهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ مَهْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَى الزَّوْجِ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي قَوْلِهِمَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعِمِائَةٍ،
-
وَلَوْ كَانَتْ قَبَضَتْ الْأَلْفَ،
-
ثُمَّ اخْتَلَعَتْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْهَا، لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ غَيْرُ الْمِائَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا إلَى تَمَامِ النِّصْفِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَهْرُ عَبْدًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِهَا، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْعَبْدِ، وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْعَبْدِ،
-
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ دِرْهَمٍ، فَوَهَبَتْ لَهُ النِّصْفَ، وَقَبَضَتْ النِّصْفَ،
-
ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا دَفَعَ إلَيْهَا مِنْ الْمَهْرِ لَا بِالْأَلْفِ الَّتِي كَانَ أَصْلُ الْعَقْدِ بِهَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الرُّجُوعِ عِنْدَ الْغُرُورِ لِدَفْعِ
-
6/1916/191
الضَّرَرِ عَنْ الزَّوْجِ، وَذَلِكَ يَتِمُّ إذَا رَجَعَ بِمَا سَاقَ إلَيْهَا،
-
وَلَوْ كَانَتْ وَهَبَتْ جَمِيعَ الْمَهْرِ لِزَوْجِهَا لَمْ يَرْجِعْ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِحُكْمِ قَبْضِهَا، وَلَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا، وَالرُّجُوعُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الزَّوْجِ، وَالضَّرَرُ مُنْدَفِعٌ هُنَا حِينَ سُلِّمَ لَهُ جَمِيعُ الْمَهْرِ بِالْهِبَةِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَمَاتَ قَبْل أَنْ تُسَلِّمَهُ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ لَهُ كَمَا فِي الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلتَّسْلِيمِ لَمْ يَنْفَسِخْ بِهَلَاكِهِ،
-
فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ مَاتَ قَبْلَ الْخُلْعِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْمَهْرِ الَّذِي أَخَذَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا غَرَّتْهُ بِتَسْمِيَةِ الْعَبْدِ،
-
وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَاسْتُحِقَّ، فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ لَهُ،
-
وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا، فَعَلَيْهَا الْمَهْرُ الَّذِي أَخَذَتْ مِنْهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَيْهَا قِيمَتُهُ أَنْ لَوْ كَانَ عَبْدًا وَهَذَا وَالصَّدَاقُ سَوَاءٌ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِمَا لَا يَحِلُّ كَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ،
-
فَلَا يَتَمَكَّنُ الْغُرُورُ مِنْهَا بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ، فَصَارَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ، وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، وَبِهَذَا فَارَقَ الصَّدَاقَ،
-
فَإِنَّ تَسْمِيَةَ الْخَمْرِ هُنَاكَ، وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، وَلَكِنْ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ هُنَاكَ،
-
وَلَا يَجِبُ هُنَا شَيْءٌ،
-
وَإِنْ غَرَّتْهُ، فَقَالَتْ: أَخْتَلِعُ مِنْك بِهَذَا الْخَلِّ،
-
فَإِذَا هُوَ خَمْرٌ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَرُدَّ الْمَهْرَ الْمَأْخُوذَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا مِثْلُ ذَلِكَ الْكَيْلِ مِنْ خَلٍّ وَسَطٍ، وَهَذَا وَالصَّدَاقُ سَوَاءٌ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ،
-
ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِمَالٍ مُؤَجَّلٍ، فَهُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَيَصِحُّ اشْتِرَاطُ الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ فِي بَدَلِهِ كَسَائِرِ الْمُعَوَّضَاتِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ مَجْهُولًا جَهَالَةً مُسْتَتِمَّةً مِثْلُ الْمَيْسَرَةِ، أَوْ مَوْتِ فُلَانٍ، أَوْ قُدُومِ فُلَانٍ، فَالْمَالُ عَلَيْهَا حَالٌّ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ اسْمٌ لِزَمَانٍ مُنْتَظَرٍ، وَلَمْ يَصِرْ مَذْكُورًا بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَتَّصِلَ مَوْتُ فُلَانٍ، أَوْ قُدُومُهُ، وَالْمَيْسَرَةُ بِالْعَقْدِ، فَبَقِيَ هَذَا شَرْطًا فَاسِدًا، وَالْخُلْعُ لَا يَبْطُلُ بِهِ، فَكَانَ الْمَالُ حَالًّا عَلَيْهَا،
-
وَإِنْ كَانَ إلَى الْإِعْطَاءِ، أَوْ إلَى الدِّيَاسِ، أَوْ النَّيْرُوزِ، أَوْ الْمِهْرَجَانِ فَالْمَالُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُمَا ذَكَرَا فِي الْعَقْدِ مَا هُوَ أَجَلٌ، وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي هُوَ مُنْتَظَرٌ،
-
فَإِنَّ وَقْتَ الشِّتَاءِ لَيْسَ بِزَمَانِ الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ بِيَقِينٍ، وَلَكِنْ فِي آخِرِهِ بَعْضُ الْجَهَالَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَدْ يَتَقَدَّمُ إذَا تَعَجَّلَ الْحَرَّ، وَيَتَأَخَّرُ إذَا تَطَاوَلَ الْبَرْدُ، وَلَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْأَجَلِ خُصُوصًا فِي الْعَقْدِ الْمَبْنِيِّ عَلَى التَّوَسُّعِ كَالْكَفَالَةِ، وَالْخُلْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ فَتَثْبُتُ فِيهِ هَذِهِ الْآجَالِ،
-
فَإِنْ ذَهَبَتْ الْغَلَّةُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَكُنْ حَصَادٌ وَلَا جَزَازٌ، فَالْأَجَلُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ
-
6/1926/192
الَّذِي يَكُونُ فِيهِ فِي مِثْلِ الْبَلَدِ،
-
وَكَذَلِكَ الْعَطَاءُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَطَاءِ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ عَنْ وَقْتِهِ،
-
فَلَا مُعْتَبَرَ بِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ، وَوَقْتُهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ،
-
فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَالِ، وَبَدَلُ الْخُلْعِ إذَا كَانَ دَيْنًا، فَهُوَ فِي حُكْمِ أَخْذِ الرَّهْنِ، وَالْكَفِيلِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَاقِ حَتَّى إذَا هَلَكَ هَلَكَ بِمَا فِيهِ، وَكَانَ هُوَ أَمِينًا فِي الْفَضْلِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ خَلَعَهَا عَلَى وَصِيفٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ،
-
فَإِنْ جَاءَتْ بِقِيمَتِهِ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ كَمَا فِي الصَّدَاقِ،
-
وَإِنْ صَالَحَهَا مِنْ الْوَصِيفِ عَلَى دَرَاهِمَ مِمَّا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ، أَوْ الْعُرُوض، أَوْ الْحَيَوَانُ مِنْ غَيْرِ صِفَتِهِ، فَهُوَ جَائِزٌ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ كَمَا فِي الصَّدَاقِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا كَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ، وَذَلِكَ حَرَامٌ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا اخْتَلَعَتْ فِي مَرَضِهَا بِمَهْرِهَا الَّذِي كَانَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا،
-
ثُمَّ مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ مِيرَاثِهِ،
-
وَمِنْ الْمَهْرِ إنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا مَهْرٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ سِوَى ذَلِكَ، فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا،
-
وَمِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَلَهُ الْمَهْرُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَعَتْ فِي مَرَضِهَا، فَبَدَلُ الْخُلْعِ مُعْتَبَرٌ مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَاعْتُبِرَ الْخُلْعُ بِالنِّكَاحِ،
-
فَإِنَّ الْمَرِيضَ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِصَدَاقِ مِثْلِهَا اُعْتُبِرَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِ،
-
وَكَذَلِكَ الْمَرِيضَةُ إذَا اخْتَلَعَتْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهَا لِتَتَخَلَّصَ بِهِ مِنْ أَذَى الزَّوْجِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْبُضْعُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ لَا يَتَقَوَّمُ حَتَّى إنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَهُ امْرَأَةً بِمَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَالِعَ ابْنَتَهُ مِنْ زَوْجِهَا بِمَالِهَا، وَالْخُلْعُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهَا، فَكَانَ بَدَلُ الْخُلْعِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ مِنْهَا لِلزَّوْجِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ،
-
وَمَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا صَالَحَ فِي مَرَضِهِ عَلَى الدِّيَةِ عِنْدَنَا يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ
-
بِخِلَافِ بَدَلِ الْخُلْعِ، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعْتَبَرُ هُنَا مِنْ الثُّلُثِ
-
بِخِلَافِ الْخُلْعِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ،
-
فَلَا يُعْتَاضُ عَنْهُ بِالْمَالِ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ الْتِزَامُ الْمَالِ بِمَعْنَى الصِّلَةِ الْمُبْتَدَأَةِ، وَالْمَمْلُوكُ بِالنِّكَاحِ مِمَّا يُعْتَاضُ عَنْهُ بِالْمَالِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَمَا يُسَلَّمُ لِلزَّوْجِ هُنَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهَا، إذَا عَرَفْنَا هَذَا، فَنَقُولُ إذَا مَاتَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَسَبَبُ مِيرَاثِهِ بَاقٍ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهَا بِهَذَا الْخُلْعِ إيصَالَ الْمَنْفَعَةِ الْمَالِيَّةِ إلَى الزَّوْجِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ التُّهْمَةَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ،
-
فَأَمَّا فِي الْأَقَلِّ، فَلَا تُهْمَةَ؛ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ مِيرَاثِهِ وَمِمَّا سَمَّتْ لَهُ،
-
وَإِذَا مَاتَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سَبَبُ التَّوَارُثِ عِنْدَ مَوْتِهَا، فَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْمُسَمَّى مِنْ الثُّلُثِ بِمَنْزِلَةِ
-
6/1936/193
مَا لَوْ، أَوْصَتْ لَهُ، أَوْ أَقَرَّتْ بِشَيْءٍ بَعْدَ مَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا.
-
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ فِي مَرَضِهَا بِمَهْرِهَا، فَنَقُولُ: أَمَّا نِصْفُ الْمَهْرِ، فَقَدْ سَقَطَ عَنْ الزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا مِنْ جِهَتِهَا، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لَهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ مِنْهَا لَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سَبَبُ التَّوَارُثِ، إذَا كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ،
-
فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الْأَقَلِّ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِهَا، فَنِصْفُ الْمَهْرِ سَقَطَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي مَعَ الزِّيَادَةِ لِلزَّوْجِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا،
-
فَإِنْ بَرِئَتْ مِنْ مَرَضِهَا، فَلَهُ جَمِيعُ الْمُسَمَّى بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ خَالَعَهَا فِي صِحَّتِهَا.
-
(قَالَ) : وَإِنْ اخْتَلَعَتْ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَالزَّوْجُ مَرِيضٌ، فَالْخُلْعُ جَائِزٌ بِالْمُسَمَّى قَلَّ، أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَانَ صَحِيحًا، فَبِالْعِوَضِ الْقَلِيلِ، أَوْلَى،
-
وَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ إنَّمَا وَقَعَتْ بِقَبُولِهَا، فَكَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بِسُؤَالِهَا.
-
(قَالَ) : وَإِنْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ فِي مَرَضِهِ بِاخْتِلَاعِهَا مِنْ الزَّوْجِ بِمَالٍ ضَمِنَهُ لِلزَّوْجِ، فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ ثُلُثِهِ إذَا مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ الْتَزَمَ الْمَالَ فِي مَرَضِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ حَصَلَ لَهُ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَرِيضًا حِينَ فَعَلَ الْأَجْنَبِيُّ هَذَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَلَهَا الْمِيرَاثُ إذَا مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَيَكُونُ الزَّوْجُ فَارًّا فِي حَقِّهَا.
-
(قَالَ) : وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يَخْلَعَ امْرَأَتَهُ، فَقَامَ الْوَكِيلُ مِنْ مَجْلِسِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلَعَهَا، فَهُوَ عَلَى وَكَالَتْهُ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّوْكِيلِ لَا يَتَوَقَّتُ بِالْمَجْلِسِ كَمَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْوَكِيلِ تَحْصِيلُ مَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ، وَالْمَجْلِسُ وَمَا بَعْدَهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَمْلِيكُ الْأَمْرِ مِنْهَا، وَجَوَابُ التَّمْلِيكِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَهَذَا إنَابَةٌ لَهُ مَنَابَ نَفْسِهِ فِي عَقْدِ الْخُلْعِ، فَيَصِيرُ نَائِبًا عَنْهُ مَا لَمْ يَعْزِلْهُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: طَلِّقْهَا.
-
(قَالَ) : وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلَيْنِ بِالْخُلْعِ فَخَلَعَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ، وَهُوَ إنَّمَا رَضِيَ بِرَأْيِ الْمَثْنَى وَرَأْيُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ كَرَأْيِ الْمَثْنَى،
-
فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ إذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ طَلِّقَاهَا فَطَلَّقَهَا أَحَدُهُمَا، جَازَ؛ لِأَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ مُجَرَّدُ عِبَارَةٍ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ، وَعِبَارَةُ الْوَاحِدِ وَعِبَارَةُ الْمَثْنَى سَوَاءٌ، وَمَا هُوَ مَقْصُودُ الزَّوْجِ يَحْصُلُ بِإِيقَاعِ أَحَدِهِمَا.
-
(قَالَ) : وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَلَى عَبْدِي هَذَا إنْ شِئْت، فَقَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا قَبْلَ أَنْ تَشَاءَ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ،
-
وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي هَذَا إلَّا بِقَبُولِهَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُسَمَّى مِلْكُ الزَّوْجِ، فَكَانَ ذِكْرُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ سَوَاءً، فَيَبْقَى قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شِئْت،
-
فَإِذَا قَامَتْ قَبْلَ أَنْ تَشَاءَ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ
-
6/1946/194
يَدِهَا فَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ مِنْهَا لَمْ تُوجَدْ؛ وَلِأَنَّهُ، أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِعِوَضٍ،
-
فَلَا يَقَعُ إلَّا بِوُجُودِ الْقَبُولِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْعِوَضُ،
-
وَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا عَلَى خَمْرٍ، أَوْ مَيْتَةٍ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا بِقَبُولِهَا،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ بَعْدَ الْقَبُولِ،
-
وَإِنْ قَبِلَتْ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا لِوُجُودِ الْقَبُولِ؛ وَلِأَنَّهَا لَمَّا قَبِلَتْ فَقَدْ شَاءَتْ، وَالْعَبْدُ عَبْدُ الزَّوْجِ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ،
-
وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَغُرَّهُ،
-
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت عَلَى عَبْدِك الَّذِي فِي يَدِي،
-
فَإِنْ قَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا، وَلَهُ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا يَصْلُحُ عِوَضًا عَنْ الطَّلَاقِ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهَا، أَوْ فِي يَدِ الزَّوْجِ،
-
فَإِنْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ فَلَهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ بِالْعَقْدِ صَارَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهَا، وَقَدْ بَطَلَ فَيَبْقَى الزَّوْجُ بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْأَصْلِ وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ تَسْلِيمٌ قَائِمٌ، فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ لَهُ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ طَلَّقَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهِ فَقَبِلَتْ،
-
فَإِذَا فِي يَدِهِ جَوْهَرَةٌ لَهَا، فَهِيَ لَهُ،
-
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي أَضَرَّتْ بِنَفْسِهَا حِينَ قَبِلَتْ الْخُلْعَ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ مَا فِي يَدِهِ،
-
وَلَوْ اشْتَرَى مِنْهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ جَائِزًا،
-
وَلَا خِيَارَ لَهَا فَالْخُلْعُ، أَوْلَى،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ، فَالطَّلَاقُ رَجْعِيٌّ،
-
وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَغُرَّهُ، وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ لَا يُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ إلَّا بِعِوَضٍ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِعَبْدٍ حَلَالِ الدَّمِ فَقُتِلَ عِنْدَهُ بِقِصَاصٍ رَجَعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ وَجَبَ قَطْعُ يَدِهِ فَقُطِعَ، عِنْدَ الزَّوْجِ رَدَّهُ، وَأَخْذُ قِيمَتِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْفَاحِشِ يَكُونُ فِي يَدِهَا بِالْعَبْدِ وَعِنْدَهُمَا عَيْبُ الْقَطْعِ فِي حُكْمِ الْحَادِثِ عِنْدَ الزَّوْجِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ رَدِّ الْعَبْدِ عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى عَبْدٍ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ أَمَةٍ لَهَا زَوْجٌ، أَوْ عَبْدٌ لَهُ امْرَأَةٌ، وَلَمْ تُعْلِمْهُ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ،
-
فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْمَالِيَّةِ يَقِلُّ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَبَدَلُ الْخُلْعِ لَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ الْيَسِيرِ كَالصَّدَاقِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ اخْتَلَعَتْ وَمَهْرُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى عَبْدٍ عَلَى أَنْ زَادَهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَاسْتَحَقَّ الْعَبْدُ مِنْ يَدِهِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِالْأَلْفِ وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ بَذَلَتْ الْعَبْدَ بِإِزَاءِ شَيْئَيْنِ الْأَلْفِ الَّتِي قَبَضَتْ، وَالْخُلْعِ، وَهُمَا سَوَاءٌ فَانْقَسَمَ الْعَبْدُ نِصْفَيْنِ نِصْفُهُ بِيعَ مِنْ الزَّوْجِ بِالْأَلْفِ، فَعِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ الْمَدْفُوعِ، وَنِصْفُهُ بَدَلُ الْخُلْعِ، فَعِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ؛
-
فَلِهَذَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِالْأَلْفِ وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَعْطَاهَا مَكَانَ الْأَلْفِ خَادِمًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ أَخَذَ الْخَادِمَ وَنِصْفَ قِيمَةِ الْعَبْدِ
-
6/1956/195
لِأَنَّ نِصْفَ الْعَبْدِ كَانَ بَيْعًا لَهُ بِالْخَادِمِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ يُبْطِلُ الْبَيْعَ فَيَرْجِعُ بِالْخَادِمِ وَالنِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ الْعَبْدِ جُعْلًا فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ خَلَعَهَا عَلَى أَنْ أَعْطَتْهُ دِرْهَمًا قَدْ نَظَرَ إلَيْهِ فِي يَدِهَا،
-
فَإِذَا هُوَ زَيْفٌ، أَوْ سَتُّوقٌ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا جَيِّدًا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ تَسْمِيَةِ الدَّرَاهِمِ يَتَنَاوَلُ الْجِيَادَ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الزَّيْفَ وَالسَّتُّوقَ وَيُطَالِبَهَا بِمَا اسْتَحَقَّ مِنْ الْعَقْدِ.
-
(قَالَ) : وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ فِي الْعَبْدِ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ الْيَسِيرِ فِي الْخُلْعِ، وَالدَّرَاهِمُ تُرَدُّ بِعَيْبِ الزِّيَافَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا يَسِيرًا؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مَا تَعَلَّقَ بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِدَرَاهِمَ جِيَادٍ فِي ذِمَّتِهَا حَتَّى إنَّ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ ذَلِكَ الدِّرْهَمَ وَتُعْطِيَهُ آخَرَ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهَا بِمَا اسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ؛ وَلِأَنَّهُ بِالرَّدِّ هُنَا يَسْتَفِيدُ شَيْئًا، وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالْجَيِّدِ
-
بِخِلَافِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ،
-
فَلَا يَسْتَفِيدُ شَيْئًا بِرَدِّهِ بِعَيْبٍ يَسِيرٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ،
-
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَبَيْنَ عَيْنِهِ مَعَ الْعَيْبِ الْيَسِيرِ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى ثَوْبٍ فِي يَدِهَا أَصْفَرَ، فَقَالَتْ هُوَ هَرَوِيٌّ،
-
فَإِذَا هُوَ مَصْبُوغٌ كَانَ لَهُ ثَوْبٌ هَرَوِيٌّ وَسَطٌ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ، فَالْعَقْدُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى؛ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى، وَهُوَ مَعْدُومٌ، فَكَذَلِكَ بِالْخُلْعِ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى، وَهُوَ ثَوْبٌ هَرَوِيٌّ، وَالْخُلْعُ عَلَى مِثْلِهِ صَحِيحٌ وَيَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ كَمَا فِي الصَّدَاقِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ امْرَأَةً مَرِيضَةً عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَدَفَعَهَا إلَيْهَا،
-
وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ فَاخْتَلَعَتْ بِهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا،
-
ثُمَّ مَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ،
-
وَلَا مَالَ لَهَا غَيْرُهَا،
-
ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ بَعْدَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، فَلِوَرَثَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفِ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَخَمْسَةُ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا، وَلِوَرَثَةِ الزَّوْجِ سَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى أُصُولٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا، فَالزِّيَادَةُ عَلَى صَدَاقِ الْمِثْلِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ فِي الِاعْتِبَارِ مِنْ الثُّلُثِ، وَمِقْدَارُ صَدَاقِ مِثْلِهَا لَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمَرِيضَةَ إذَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِمَالٍ يَكُونُ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا، وَالثَّالِثُ أَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُسْقِطُ نِصْفَ الصَّدَاقِ عَنْ الزَّوْجِ شَرْعًا،
-
ثُمَّ وَجْهُ تَخْرِيجِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ فِي مِقْدَارِ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَهُوَ الْمِائَةُ لَا وَصِيَّةَ مِنْ الزَّوْجِ لَهَا، وَقَدْ عَادَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفُهُ إلَيْهِ بَقِيَ لَهَا خَمْسُونَ، وَقَدْ أَوْصَتْ بِذَلِكَ لِلزَّوْجِ حِينَ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِهِ، فَإِنَّمَا يُسَلَّمُ لِلزَّوْجِ ثُلُثُ ذَلِكَ، وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ، فَيَكُونُ حَاصِلُ مَالِ الزَّوْجِ تِسْعَمِائَةٍ وَسِتَّةً وَسِتِّينَ وَثُلُثَيْنِ، وَقَدْ حَابَاهَا بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ؛
-
لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ كَانَتْ تِسْعَمِائَةٍ، وَلَكِنْ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ عَادَ إلَى الزَّوْجِ
-
6/1966/196
نِصْفُهَا فَبَقِيَتْ الْمُحَابَاةُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَتُعْتَبَرُ مُحَابَاتُهُ مِنْ الثُّلُثِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ لَهَا ثُلُثُ هَذَا الْمِقْدَارِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْمَانِ هَذَا الْمِقْدَارِ؛ لِأَنَّا لَوْ نَفَّذْنَا فِي ثُلُثِهَا رَجَعَ ثُلُثُ ذَلِكَ إلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ بِالْخُلْعِ، فَيَزْدَادُ مَالُهُمْ وَتَجِبُ الزِّيَادَةُ فِي تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ لَهَا بِحَسْبِهِ،
-
فَلَا يَزَالُ يَدُورُ هَكَذَا فَلِقَطْعِ الدَّوْرِ قَالَ: تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْمَانِهِ.
-
وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالسِّهَامِ أَنَّك تَحْتَاجُ إلَى مَالٍ يَنْقَسِمُ ثُلُثُهُ أَثْلَاثًا، وَأَقَلُّ ذَلِكَ تِسْعَةٌ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مَالُ الزَّوْجِ عَلَى تِسْعَةِ أَسْهُمٍ، وَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلُثِهِ إلَّا أَنَّ سَهْمًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَعُودُ إلَى الْوَرَثَةِ بِالْخُلْعِ وَصِيَّةً مِنْهَا لَهُ، فَيَصِيرُ فِي يَدِ وَرَثَةِ الزَّوْجِ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ وَحَاجَتُهُمْ إلَى سِتَّةٍ، وَهَذَا السَّهْمُ الزَّائِدُ هُوَ الدَّائِرُ الَّذِي يَسْعَى إلَى الْفَسَادِ، فَالسَّبِيلُ طَرْحُ هَذَا السَّهْمِ مِنْ قِبَلِ مَنْ خَرَجَ الدَّوْرُ مِنْ قِبَلِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: سَهْمُ الدَّوْرِ سَاقِطٌ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ هَذَا الدَّوْرُ مِنْ جَانِبِ الْوَرَثَةِ بِزِيَادَةِ حَقِّهِمْ، فَنَطْرَحُ مِنْ أَصْلِ حَقِّهِمْ سَهْمًا، فَيَبْقَى حَقُّهُمْ فِي خَمْسَةٍ، وَحَقُّ الْمَرْأَةِ فِي ثَلَاثَةٍ فَيَكُونُ ثَمَانِيَةً؛
-
فَلِهَذَا جَعَلْنَا مَالَ الزَّوْجِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ،
-
ثُمَّ نَفَّذْنَا وَصِيَّتَهُ لَهَا فِي ثَلَاثَةٍ، وَيَعُودُ سَهْمٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إلَى وَرَثَتِهِ بِالْخُلْعِ فَيَصِلُ لِلْوَرَثَةِ سِتَّةٌ، وَقَدْ نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ فِي ثُلُثِهِ، فَيَسْتَقِيمُ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ،
-
ثُمَّ وَجْهُ التَّخْرِيجِ مِنْ حَيْثُ الدَّرَاهِمِ أَنَّ مَالَ الزَّوْجِ تِسْعُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ،
-
فَإِذَا قَسَّمْتَ ذَلِكَ أَثْمَانًا، فَكُلُّ ثُمُنٍ مِنْ ذَلِكَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ وَخَمْسَةُ أَسْدَاسٍ، فَثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ تَكُونُ ثَلَثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَنِصْفًا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الِابْتِدَاءِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ سِتُّمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَسُدُسٌ،
-
ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِمْ مِنْ جِهَتِهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ وَخَمْسَةُ أَسْدَاسٍ، فَيَكُونُ جُمْلَةُ ذَلِكَ سَبْعَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَقَدْ نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ فِي ثَلَثِمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَنِصْفٍ، فَيَسْتَقِيمُ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ، وَحَصَلَ لِوَرَثَةِ الْمَرْأَةِ فِي الِابْتِدَاءِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، وَبِالْوَصِيَّةِ مِائَتَانِ وَاحِدٌ وَأَرْبَعُونَ وَثُلُثَانِ، فَيَكُونُ جُمْلَةُ ذَلِكَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ، فَاسْتَقَامَ التَّخْرِيجُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِأَخَوَاتِهَا تَعُودُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ، فَيُؤَخَّرُ تَخْرِيجُ سَائِرِ الطُّرُقِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ