Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

كِتَابُ الشُّرُوطِ

المبسوطHanafimasa’il 72183 to 72631

  1. 30/19530/195

    وَإِنْ أَجَرَهَا الْحَاضِرُ، وَأَخَذَ الْآخَرُ حِصَّةَ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ تَطِيبُ لَهُ، وَحِصَّةُ نَصِيبِ شُرَكَائِهِ لَا تَطِيبُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ يُؤَاجِرُ فِي حِصَّتِهِمْ فَلَا يَطِيبُ لَهُ الْأَجْرُ وَلَكِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، وَيُعْطِي ذَلِكَ شُرَكَاءَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ؛

  2. لِأَنَّ تَمَكُّنَ الْخُبْثِ كَانَ لِمُرَاعَاةِ حَقِّهِمْ فَيَرْتَفِعُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ

  3. 30/19630/196

    ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ.

  4. وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الْأَرْضَ لِيَزْرَعَهَا كَتَبَ إنَّك أَطْعَمْتنِي أَرْضَ كَذَا لِأَزْرَعَ فِيهَا مَا بَدَا لِي مِنْ غَلَّةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا كَتَبَ عَارِيَّةً فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَكْتُبَ أَطْعَمْتَنِي، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛

  5. لِأَنَّهُ بِالْإِعَارَةِ يُجْعَلُ لَهُ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْعَارِيَّةُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذَا اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِ غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يُوضَعْ لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ نَظِيرُ إعَارَةِ الدَّارِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَوْ كَتَبَ أَعَرْتنِي كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ الِانْتِفَاعَ بِهَا مِنْ حَيْثُ السُّكْنَى،

  6. وَإِذَا كَتَبَ أَطْعَمْتنِي كَانَ الْمَفْهُومُ التَّمَكُّنَ مِنْ الزِّرَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا يُطْعَمُ عَيْنُهَا، وَإِنَّمَا يُطْعَمُ مَا يَكُونُ مِنْهَا، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالزِّرَاعَةِ،

  7. وَإِذَا كَانَتْ الْإِعَارَةُ لِلسُّكْنَى فَلَفْظُ الْإِعَارَةِ أَقْرَبُ فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ،

  8. وَإِذَا كَانَتْ الْإِعَارَةُ لِلزِّرَاعَةِ فَلَفْظُ الطُّعْمَةِ أَقْرَبُ إلَى بَيَانِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي كُلِّ فَصْلٍ مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ: وَخَرَاجُهَا عَلَى رَبِّهَا؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ، وَجَوَابُهُ يَعْتَمِدُ التَّمَكُّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ وَبِالْإِعَارَةِ لَا يَزُولُ تَمَكُّنُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُسْتَعِيرُ بِتَسْلِيطِ الْمُعِيرِ فَهُوَ كَانْتِفَاعِ الْمُعِيرِ بِهَا بِنَفْسِهِ،

  9. فَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ أَدَاءَ الْخَرَاجِ؛ فَبِهَذَا الشَّرْطِ يُخْرِجُهُ مِنْ الطُّعْمَةِ، وَتَكُونُ إجَارَةً فَاسِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ خَرَاجَهَا، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ،

  10. فَإِذَا شَرَطَهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فَكَأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا عَنْ الْمَنْفَعَةِ فَيَصِيرُ الْعَقْدُ بِهِ إجَارَةً، وَفَسَادُهَا لِجَهَالَةِ الْخَرَاجِ قَبْلَ هَذَا فِي الْأَرَاضِي الصُّلْحِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ خَرَاجُ الْحَمَاحِمِ وَالْأَرَاضِي جُمْلَةً ثُمَّ يُقْسِمُ عَلَى الْحَمَاحِمِ وَالْأَرَاضِي فَعِنْدَ قِلَّةِ الْحَمَاحِمِ تَزْدَادُ حِصَّةُ الْأَرْضِ، وَعِنْدَ كَثْرَةِ الْحَمَاحِمِ تُنْتَقَصُ فَأَمَّا خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ يَكُونُ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ،

  11. وَقِيلَ: بَلْ الْمُرَادُ الْجَهَالَةُ فِي رَوَادِفِ الْخَرَاجِ فَإِنَّ وُلَاةَ الْجَوْرِ أَلْحَقُوا بِالْخَرَاجِ رَوَادِفَ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ يَزْدَادُ، وَيُنْتَقَصُ وَلِإِفْسَادِ هَذَا الْعَقْدِ عِلَّةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْخَرَاجَ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ، فَكَأَنَّهُ شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْإِجَارَةِ،

  12. وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِغَلَّةِ أَرْضِهِ، فَالْخَرَاجُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْغَلَّةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ، وَالْمُوصَى لَهُ هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ دُونَ الْوَارِثِ، وَبِهِ فَارَقَ الْإِعَارَةَ وَلِأَنَّ لِلْخَرَاجِ تَعَلُّقًا بِالْغَلَّةِ.

  13. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ إنْ مَنَعَ الْخَرَاجَ لَمْ تَطِبْ لَهُ الْغَلَّةُ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَلَّةِ لِيُؤَدِّيَ الْخَرَاجَ وَالْمُوصَى لَهُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْغَلَّةِ فَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ،

  14. وَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الْخَرَاجِ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ زَرَعُوا الْأَرْضَ

  15. 30/19730/197

    وَاصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُمْ الْخَرَاجُ،

  16. فَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ زِرَاعَتِهَا أَوْلَى لَا يَلْزَمُهُ الْخَرَاجُ.

  17. وَإِذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا مُدَّةً مَعْلُومَةً فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّهَا، وَلَمْ يَسْتَحْصِدْ الزَّرْعَ تُرِكَ الزَّرْعُ فِيهَا إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ اسْتِحْسَانًا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْإِجَارَاتِ قَالَ: وَجَعَلَ الْمُسْتَأْجِرُ آخَرَ مَا تَرَكَ فِيهِ، وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْفَسَخَ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ثُمَّ يَبْقَى الزَّرْعُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَدَفْعُ الضَّرَرِ وَاجِبٌ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِصَاحِبِهَا أَجْرُ الْمِثْلِ فِي مُدَّةِ التَّرْكِ وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ حِصَّةُ هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنْ الْمُسَمَّى؛

  18. لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ ابْتِدَاءُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ إبْقَاؤُهُ بَعْدَ ظُهُورِ السَّبَبِ الْمُفْسِدِ، وَهُوَ الْمَوْتُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الشَّيْءِ أَهْوَنُ مِنْ ابْتِدَائِهِ،

  19. وَإِذَا بَقِيَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّمَا يَجِبُ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا كَرْمٌ أَوْ رَطْبَةٌ لَمْ يُتْرَكْ وَقُطِعَ؛ لِأَنَّهُ لِانْتِهَاءِ ذَلِكَ مُدَّةٌ مَعْلُومَةٌ، وَتَطُولُ مُدَّتُهَا فَفِي إبْقَاءِ الْعَقْدِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إضْرَارٌ بِوَارِثِ الْمُؤَجِّرِ

  20. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ لِإِدْرَاكِ الزَّرْعِ نِهَايَةً مَعْلُومَةً، وَهِيَ مُدَّةٌ لَا تَطُولُ عَادَةً.

  21. وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً ثُمَّ جَعَلَ عَلَيْهَا سَرْجًا وَأَجَّرَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهَا طَابَ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْأَجْرِ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي بِإِزَاءِ مَنْفَعَةِ مَا زَادَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ رِبْحٌ إلَّا عَلَى ضَمَانِهِ، وَقَبْلَ الزِّيَادَةِ إنَّمَا كَانَ لَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ؛

  22. لِأَنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ لَا عَلَى ضَمَانِهِ،

  23. فَإِذَا انْعَدَمَ هَذَا الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ الزِّيَادَةِ كَانَ الْفَضْلُ طَيِّبًا لَهُ،

  24. وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَجَرَ نِصْفَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَّا دَانِقًا وَمُرَادُهُ: أَجَّرَ نِصْفًا مُعَيَّنًا مِنْهُ أَوْ نِصْفًا شَائِعًا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَ إجَارَةِ الْمُشَاعِ، وَإِنَّمَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَتَحَقَّقُ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الدَّانِقُ حِصَّةَ النِّصْفِ الْآخَرِ لِيَكُونَ مِائَةَ دِرْهَمٍ إلَّا دَانِقًا حِصَّةَ الَّذِي أَجَرَهُ وَلَا يُقَالُ: قَدْ كَانَ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ نِصْفٍ مِنْ الْبَيْتِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ نِصْفُ الْآخَرِ؛

  25. لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِاعْتِبَارِ تَنْصِيصِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَلْ بِاعْتِبَارِ الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُسَاوَاةِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَجَرَ فِيهِ النِّصْفَ فَقَطْ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْخُبْثَ الَّذِي يُمْكِنُ فِي إجَارَةِ الشَّيْءِ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهُ بِهِ يَسِيرٌ فَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْإِمْكَانِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ زَادَ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا قَلِيلًا ثُمَّ أَجَرَهُ بِأَضْعَافٍ مِمَّا اسْتَأْجَرَهُ طَابَ لَهُ الْفَضْلُ فَكَذَلِكَ إذَا أَجَرَ بَعْضَهُ بِمَا دُونَ الْأَجْرِ الْأَوَّلِ وَالنُّقْصَانُ يَسِيرٌ قُلْنَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ.

  26. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَجَرَهُ بِالدَّنَانِيرِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَتَصَدَّقُ

  27. 30/19830/198

    بِالْفَضْلِ وَأَشَارَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْخُبْثِ ضَعِيفٌ هُنَا وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فِي الْحَقِيقَةِ جِنْسَانِ فَبِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ يَنْعَدِمُ رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَوَجْهُ مَا ذُكِرَ هُنَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي الصُّورَةِ جِنْسَانِ، وَفِي الْحُكْمِ جِنْسٌ وَاحِدٌ.

  28. (أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ جُعِلَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَ يُجْعَلَانِ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ أَنَّ الرِّبْحَ يَحْصُلُ لَا عَلَى ضَمَانِهِ،

  29. وَإِنْ أَجَرَ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْبَدَلَيْنِ مُخْتَلِفٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ عَوْدِ رَأْسِ الْمَالِ إلَيْهِ.

  30. وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ رَجُلًا يَحْمِلُ لَهُ دَنَّ خَلٍّ فَعَثَرَ الْحَمَّالُ فَانْكَسَرَ الْحَمْلُ قَدْ بَيَّنَّا فِي الْإِجَارَاتِ أَنَّ الْحَمَّالَ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ،

  31. وَأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِانْكِسَارِ يَكُونُ بِجِنَايَةِ يَدِهِ فَيَكُونُ ضَامِنًا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَصَاحِبُ الدَّنِّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَحْمُولٍ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ،

  32. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَحْمُولًا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي انْكَسَرَ فِيهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا حَمَلَ وَلَوْ تَعَمَّدَ كَسْرَهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَنَا.

  33. وَقَالَ زُفَرُ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ مَحْمُولًا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كُسِرَ فِيهِ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ بِحِسَابِ مَا حَمَلَ وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ قِيَاسَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَكَذَا؛ لِأَنَّ أَجِيرَ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَهُ أَمِينٌ لَا يَضْمَنُ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ بِاعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ عِنْدَ الْكَسْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ قِيمَتِهِ عِنْدَ تَقَرُّرِ سَبَبِ الضَّمَانِ؛

  34. لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَسْبِقُ سَبَبَهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إذَا اخْتَارَ صَاحِبُ الدَّنِّ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَحْمُولٍ لَمْ يُضَمِّنْهُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ،

  35. وَلَا بِاعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ أَيْضًا، وَلَكِنْ تُفَرَّقُ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ حِينَ كَسَرَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَغَيَّرَ عَلَيْهِ شَرْطَ عَقْدِهِ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ فِي مِقْدَارِ مَا يَحْمِلُهُ فَيُسْقِطُ حِصَّةَ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ وَيُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَحْمُولٍ،

  36. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَفْسَخُ الْعَقْدَ فِي مِقْدَارِ مَا يَحْمِلُهُ، وَذَلِكَ مُتَلَاشٍ غَيْرُ قَائِمٍ؟ قُلْنَا: بَلْ هُوَ قَائِمٌ حُكْمًا بِبَقَاءِ بَدَلِهِ فَإِنَّ الْحَمَّالَ ضَامِنٌ قِيمَتَهُ مَحْمُولًا إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ عِنْدَ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْعَيْنِ يَجُوزُ فَسْخُهُ عَلَى بَدَلِ الْعَيْنِ إذَا كَانَ قَائِمًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ مَاتَ الْآخَرُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ عَلَى الْقِيمَةِ فِي الْمَنْقُولِ كَتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَوْ انْكَسَرَ مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِ بِأَنْ أَصَابَهُ حَجَرٌ مِنْ مَكَان أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ حَائِطٌ أَوْ كَسَرَهُ رَجُلٌ، وَهُوَ عَلَى رَأْسِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَهُمَا هُوَ ضَامِنٌ إذَا تَلِفَ بِمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ

  37. 30/19930/199

    وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِهِ،

  38. وَإِنْ قَالَ رَبُّ الدَّنِّ عَبَرَ فَانْكَسَرَ، وَقَالَ الْحَمَّالُ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَانْكَسَرَ أَوْ قَالَ كَانَ مُنْكَسِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَمَّالِ وَلَهُ الْأَجْرُ إلَى حَيْثُ انْكَسَرَ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ سَبَبَ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُودَعِ يَدَّعِي عَلَيْهِ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ الِاسْتِهْلَاكَ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ،

  39. وَأَمَّا الْأَجْرُ إلَى حَيْثُ انْكَسَرَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّنِّ صَارَ مُسْتَوْفِيًا ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيُقَرِّرُ عَلَيْهِ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَجْرِ ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يُخْلِفْ بَدَلًا فَلَا يُمْكِنُ فَسْخُ الْعَقْدِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ؛ فَلِهَذَا كَانَ لِلْحَمَّالِ الْأَجْرُ حَيْثُ انْكَسَرَ.

  40. وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ ثَوْبًا إلَى صَبَّاغٍ يَصْبُغُهُ فَصَبَغَهُ فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: أَمَرْتُك أَنْ تَصْبُغَهُ أَحْمَرَ وَقَالَ الصَّبَّاغُ: أَمَرْتنِي أَنْ أَصْبُغَهُ أَسْوَدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُسْتَفَادٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَفِيهِ خِلَافُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْإِجَارَاتِ،

  41. فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الثَّوْبِ قُوِّمَ الثَّوْبُ أَبْيَضَ وَقُوِّمَ مَصْبُوغًا بِذَلِكَ الصِّبْغِ فَأَعْطَاهُ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ وَلِأَنَّهُ وَافَقَ فِي أَصْلِ الصِّبْغِ،

  42. وَإِنْ خَالَفَ فِي الصِّفَةِ وَلِأَنَّ الصِّبْغَ عَيْنٌ اتَّصَلَ بِهِ فَلَا يُسَلَّمُ لَهُ مَجَّانًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ بِثَوْبِ إنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي صَبْغِ غَيْرِهِ أَوْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصَبَغَهُ وَاخْتَارَ رَبُّ الثَّوْبِ أَخْذَ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ.

  43. وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ دَابَّةً مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ فَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى أَيِّ نَوَاحِيهَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْكُوفَةَ اسْمٌ لِلْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ، وَجَوَانِبُ الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ.

  44. (أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي عَقْدِ السَّلَمِ إذَا شَرَطَ إبْقَاءَ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِالْكُوفَةِ جَازَ الْعَقْدُ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ إذَا اسْتَأْجَرَهَا إلَى الْكُوفَةِ جَازَ الْعَقْدُ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى أَيِّ نَوَاحِيهَا شَاءَ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ فَإِنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ يَبْلُغُ عَلَيْهَا إلَى مَنْزِلِهِ فِي الْعَادَةِ.

  45. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى الرَّيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى أَيِّ نَوَاحِيهَا شَاءَ، وَالْكِرَاءُ إلَى الرَّيِّ فَاسِدٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: هُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ إلَى مَدِينَتِهَا دُونَ نَوَاحِيهَا، وَقَدْ رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إلَى مَدِينَتِهَا بِالِاسْتِحْسَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ الرَّيَّ اسْمٌ لِوِلَايَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى مَدَائِنَ وَنَوَاحِيَ فَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ الَّتِي تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنَّمَا يُطْلَقُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى مَدِينَتِهَا فِي الْعُرْفِ وَالثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ وَلَوْ سَمَّى مَدِينَةً مِنْ مَدَائِنِهَا كَانَ جَائِزًا،

  46. وَكَذَلِكَ خُرَاسَانُ وَالشَّامُ وَالْعِرَاقُ إنْ سَمَّى مِنْهَا مَكَانًا مَعْلُومًا جَازَ الْعَقْدُ،

  47. وَإِنْ أَطْلَقَ فَسَدَ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ الَّتِي تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَنَظِيرُ هَذَا فِي دِيَارِنَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى كَاشْغَرَ جَازَ الْعَقْدُ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْبَلْدَةِ خَاصَّةً،

  48. وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا مِنْ كَاشْغَرَ إلَى فَرْغَانَةَ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ

  49. 30/20030/200

    مُشْتَمِلٌ عَلَى بِلَادٍ مُتَبَاعِدَةٍ فَتُمْكِنُ فِيهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا إلَى أُوزْجَنْدَ جَازَ الْعَقْدُ،

  50. وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهَا مِنْ أُوزْجَنْدَ إلَى سَمَرْقَنْدَ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْبَلْدَةِ أَوْ إنْ اسْتَأْجَرَهَا إلَى بُخَارَى فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ مَشَايِخُ بُخَارَى - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَإِنَّ بُخَارَى مِنْ كَرْمِينِيَةَ إلَى قَرِيرٍ وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى مَوَاضِعَ مُتَبَايِنَةٍ بِمَنْزِلَةِ الرَّيِّ فَتَمَكَّنَ فِيهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا.

  51. وَلَوْ تَكَارَى دَابَّتَيْنِ يَحْمِلُ عَلَيْهِمَا إلَى الْمَدَائِنِ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَأَكْرَى أَحَدَهُمَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا بِمِثْلِ ذَلِكَ الشَّرْطِ طَابَ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ خَاصَّةً بِحِصَّةِ هَذِهِ الدَّابَّةِ فَلَا يَظْهَرُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي رِبْحٌ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ أَكْرَى أَحَدَهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ الْأَجْرِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ وَبِشَيْءٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛

  52. لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِإِزَاءِ الدَّابَّةِ الثَّانِيَةِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ رِبْحًا مَا لَمْ يَضْمَنْ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَيَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ الْفَضْلِ.

  53. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَيْنِ يَبْنِيَانِ لَهُ حَائِطًا، فَعَمِلَهُ أَحَدُهُمَا، وَمَرِضَ الْآخَرُ وَهُمَا شَرِيكَانِ فَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا أَجْرَ لِلَّذِي لَمْ يَعْمَلْ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمَا قَبِلَا الْعَقْدَ جَمِيعًا ثُمَّ الَّذِي أَقَامَ الْعَمَلَ فِي نَصِيبِهِ مُسْلِمٌ لِمَا الْتَزَمَهُ، وَفِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ نَائِبٌ عَنْهُ فَقَامَ مَقَامَهُ فَيَكُونُ الْأَجْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَهُ فِي الْإِجَارَاتِ وَذَكَرْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشَّرِكَةِ هَذَا فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ.

  54. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحْمِلُ لَهُ طَعَامًا مَعْلُومًا إلَى مَكَان مَعْلُومٍ عَلَى دَوَابِّهِ هَذِهِ فَحَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الدَّوَابِّ فَلَهُ الْأَجْرُ كُلُّهُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَنَافِعَ الدَّوَابِّ الَّتِي عَيَّنَهَا، وَلَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ ذَلِكَ، وَفِي حَقِّ غَيْرِ تِلْكَ الدَّوَابِّ يُجْعَلُ الْعَقْدُ كَأَنْ لَيْسَ فَكَأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِحَمْلِ طَعَامِهِ عَلَى دَوَابِّهِ فَلَا أَجْرَ لَهُ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ قَبِلَ عَمَلَ الْحَمْلِ فِي ذِمَّتِهِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ، وَقَدْ أَوْفَى مَا قَبِلَهُ سَوَاءٌ حَمَلَ الطَّعَامَ عَلَى تِلْكَ الدَّوَابِّ أَوْ عَلَى غَيْرِهَا، وَهَذَا؛

  55. لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَعْيِينِ تِلْكَ الدَّوَابِّ فِي تَصْحِيحِ الْعَقْدِ بَعْدَ إعْلَامِ مِقْدَارِ الطَّعَامِ.

  56. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحْمِلُ لَهُ طَعَامًا مَعْلُومًا إلَى مَكَان مَعْلُومٍ كَانَ الْعَقْدُ جَائِزًا،

  57. وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الدَّوَابَّ،

  58. وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ فِي عَيْنِ تِلْكَ الدَّوَابِّ مَقْصُودٌ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ حَمْلُ الطَّعَامِ،

  59. فَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ تَعْيِينِ الدَّوَابِّ لِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ بِإِقَامَةِ الْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ، وَهُوَ حَمْلُ الطَّعَامِ.

  60. وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِهِ بِنَفْسِهِ فَحَمَلَهُ عَلَى دَوَابِّهِ أَوْ عَبِيدِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَذَهَبَ مَعَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَلَهُ الْأَجْرُ اسْتِحْسَانًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَمْلُ

  61. 30/20130/201

    الطَّعَامِ، وَقَدْ أَوْفَاهُ كَمَا الْتَزَمَ، وَلَيْسَ هُوَ بِمُخَالِفٍ؛ لِأَنَّهُ مَا فَارَقَ الطَّعَامَ حِينَ ذَهَبَ مَعَهُ،

  62. وَلَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا،

  63. وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطَ لَهُ طَرِيقًا فَحَمَلَهُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ صَاحِبِ الطَّعَامِ قَدْ حَصَلَ حِينَ أَوْصَلَ الطَّعَامَ إلَى الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ فِي أَيِّ الطَّرِيقَيْنِ حَمَلَهُ،

  64. وَإِنْ حَمَلَهُ فِي الْبَحْرِ ضَمِنَهُ إنْ غَرِقَ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلتَّلَفِ فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ رَاكِبِ الْبَحْرِ أَنَّهُ عَلَى شَرَفِ الْهَلَاكِ مَعَ مَا مَعَهُ،

  65. وَإِنْ سَلَّمَ لَهُ الْأَجْرَ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ طَرِيقَانِ فِي الْبَرِّ أَحَدُهُمَا: آمِنٌ وَالْآخَرُ مَخُوفٌ فَحَمَلَهُ فِي الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ،

  66. فَإِنْ تَلِفَ كَانَ ضَامِنًا،

  67. وَإِنْ سَلِمَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ اسْتِحْسَانًا، فَكَذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ بِمَنْزِلَةِ الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُودَعِ أَنْ يُسَافِرَ الْوَدِيعَةِ فِي طَرِيقِ الْبَحْرِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا فِي الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ.

  68. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَيْنِ يَحْمِلَانِ لَهُ طَعَامًا مِنْ الْفُرَاتِ إلَى أَهْلِهِ فَحَمَلَهُ كُلَّهُ أَحَدُهُمَا، وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْعَمَلِ فَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَجْرِ بِاعْتِبَارِ تَقَبُّلِ الْعَمَلِ، وَقَدْ بَاشَرَاهُ أَوْ بَاشَرَهُ أَحَدُهُمَا بِوَكَالَةٍ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى شَرِكَةِ الْعِنَانِ عَلَى الْوَكَالَةِ ثُمَّ هُوَ فِي إقَامَةِ الْعَمَلِ نَائِبٌ عَنْ صَاحِبِهِ أَيْضًا،

  69. وَإِنْ لَمْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي الْعَمَلِ فَلِلْعَامِلِ نِصْفُ الْأَجْرِ فِي نِصْفِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَبِلَ حَمْلَ نِصْفِ الطَّعَامِ بِنِصْفِ الْأَجْرِ، وَقَدْ حَمَلَهُ وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْحَمْلِ ضَامِنًا لِنِصْفِ الْأَجْرِ بِمَنْزِلَةِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ لَوْ حَمَلَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ غَيْرُ نَائِبٍ عَنْ الْآخَرِ هُنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ بَيْنَهُمَا عَقْدُ شَرِكَةٍ فَلَمْ يَجْعَلْهُ نَائِبًا عَنْ نَفْسِهِ فَيَكُونُ هُوَ فِي ذَلِكَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ.

  70. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَذْهَبَ إلَى مَكَانِ كَذَا فَيَجِيءَ بِأَهْلِهِ كُلِّهِمْ، وَهُمْ خَمْسَةٌ، فَذَهَبَ وَجَاءَ بِهِمْ فَلَهُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ، وَقَدْ أَوْفَى الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِ بِكَمَالِهِ فَلَهُ الْأَجْرُ كُلُّهُ،

  71. فَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُمْ قَدْ مَاتَ فَجَاءَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فَلَهُ أَجْرُ ذَهَابِهِ، وَلَهُ الْأَجْرُ بِحِسَابِ مَنْ جَاءَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِي الذَّهَابِ أَقَامَ مَا الْتَزَمَ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى نَحْوِ مَا الْتَزَمَهُ فَاسْتَوْجَبَ أَجْرَ الذَّهَابِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى، فَإِنَّهُ يَتَوَزَّعُ عَلَى حِصَّةِ مَنْ جَاءَ بِهِمْ،

  72. وَمَنْ مَاتُوا فَيَلْزَمُهُ بِحِصَّةِ مَنْ جَاءَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ بَعْضَ هَذَا الْعَمَلِ دُونَ الْبَعْضِ فَيَكُونُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا أَقَامَ مِنْ الْعَمَلِ،

  73. وَإِنْ وَجَدَهُمْ كُلَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا فَعَادَ بِنَفْسِهِ فَلَهُ أَجْرُ ذَهَابِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الذَّهَابِ أَقَامَ مَا لَزِمَهُ بِالْعَقْدِ كَمَا الْتَزَمَهُ، وَفِي الرُّجُوعِ هُوَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ بِالْعَوْدِ إلَى وَطَنِهِ لَيْسَ بِعَامِلٍ لِلْمُسْتَأْجِرِ حِينَ لَمْ يَأْتِ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ؛ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَجْرُ الذَّهَابِ خَاصَّةً؛

  74. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَذْهَبُ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْمُسْتَأْجِرِ فَكَانَ عَامِلًا لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي رُجُوعِهِ وَحْدَهُ تَحْصِيلُ شَيْءٍ مِنْ مَقْصُودِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عَامِلًا لَهُ فِي ذَلِكَ.

  75. 30/20230/202

    فَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَذْهَبَ بِكِتَابٍ لَهُ إلَى مَكَانِ كَذَا فَيَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ، فَذَهَبَ بِهِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ أَوْ تَحَوَّلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَرَدَّ الْكِتَابَ فَلَا شَيْءَ لَهُ،

  76. وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ الْكِتَابَ فَلَهُ الْأَجْرُ بِحِسَابِ ذَهَابِهِ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِالْكِتَابِ إلَى فُلَانٍ وَيَأْتِيَهُ بِالْجَوَابِ،

  77. فَإِذَا ذَهَبَ بِهِ، وَلَمْ يَرُدَّ الْكِتَابَ، وَلَمْ يَأْتِهِ بِالْجَوَابِ فَهُوَ فِي الذَّهَابِ عَامِلٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ سَاعٍ فِي تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ وَلَيْسَ بِعَامِلٍ فِي الرُّجُوعِ فَيَسْتَحِقُّ حِصَّةَ الذَّهَابِ مِنْ الْأَجْرِ،

  78. وَإِنْ رَدَّ الْكِتَابَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْمَقْصُودِ حِينَ رَدَّ كِتَابَهُ إلَيْهِ فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا لَهُ فِي الذَّهَابِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَهُ أَجْرُ الذَّهَابِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْكِتَابِ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ، وَإِنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِاعْتِبَارِ ذَهَابِهِ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ فَقَدْ تَقَرَّرَ حَقُّهُ فِي أَجْرِ الذَّهَابِ فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِعَوْدِهِ رَدَّ الْكِتَابَ أَوْ لَمْ يَرُدَّهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: هُوَ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِمُجَرَّدِ الذَّهَابِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْكِتَابِ.

  79. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْكِتَابَ فِي أَهْلِهِ، وَذَهَبَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ فَكَذَلِكَ إذَا رَدَّ الْكِتَابَ مَعَهُ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُضْطَرِبٌ.

  80. وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ طَعَامًا إلَى مَكَانِ كَذَا فَيَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ فَوَجَدَ فُلَانًا قَدْ مَاتَ فَرَجَعَ بِالطَّعَامِ إلَى الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ الْأَجْرُ، وَهُوَ غَاصِبٌ فِي رَدِّ الطَّعَامِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ ضَامِنٌ إنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ؛

  81. لِأَنَّهُ لَمَّا حَمَلَ الطَّعَامَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَقَدْ أَوْفَى الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ، وَمَا كَانَ الْبَدَلُ بِمُقَابَلَتِهِ فَتَقَرَّرَ حَقُّهُ فِي الْأَجْرِ وَانْتَهَى الْعَقْدُ نِهَايَتَهُ ثُمَّ هُوَ فِي الرُّجُوعِ بِالطَّعَامِ غَاصِبٌ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ إنْ هَلَكَ وَبِغَصْبِهِ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْأَجْرِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْبَدَلُ بِمُقَابَلَةِ حَمْلِ الطَّعَامِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَقَدْ فَسَخَ ذَلِكَ حِينَ رَجَعَ بِالطَّعَامِ، وَفَوَّتَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي.

  82. وَإِنْ اسْتَوْدَعَ الطَّعَامَ رَجُلًا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فَهَلَكَ الطَّعَامُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ فِي الدَّفْعِ إلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمِينِ فِي ذَلِكَ الطَّعَامِ مَا لَمْ يَدْفَعْهُ إلَى فُلَانٍ وَالْمُودِعُ إذَا أَوْدَعَ الْوَدِيعَةَ رَجُلًا آخَرَ كَانَ ضَامِنًا إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُودَعِ الثَّانِي،

  83. وَإِذَا صَارَ ضَامِنًا كَانَ هَذَا، وَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَ الطَّعَامَ سَوَاءٌ وَلِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي حَمَلَهُ مِنْهُ وَلَا أَجْرَ لَهُ أَوْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ وَلَهُ الْأَجْرُ، وَهَذَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الدَّنِّ إذَا تَعَمَّدَ كَسْرَهُ، وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ هُنَا فِي أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْقِيمَةَ وَالطَّعَامَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ يُضَمِّنُهُ مِثْلَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي حَمَلَهُ مِنْهُ وَلَا أَجْرَ لَهُ أَوْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ، وَلَهُ الْأَجْرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدِيًّا مُتَقَارِبًا مِنْ الطَّعَامِ كَالْبِطِّيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ

  84. 30/20330/203

    غَيْرَ أَنَّهُ إنْ انْتَهَى إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فَوَجَدَ صَاحِبَهُ قَدْ مَاتَ فَرَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَأَمَرَ بِبَيْعِهِ أَوْ يَدْفَعُهُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَهُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ النَّظَرِ فِي مَالِ الْغَائِبِ، وَفِعْلُهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَفِعْلُهُ بِأَمْرِ صَاحِبِ الطَّعَامِ سَوَاءٌ،

  85. وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ صَاحِبِ الطَّعَامِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا وَلَهُ الْأَجْرُ فَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَ بِأَمْرِ الْقَاضِي قَالَ:

  86. وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ صِدْقَهُ فِيمَا يَقُولُ: وَلِأَنَّهُ قَدْ الْتَزَمَ حِفْظَهُ فَيُوَلِّيهِ الْقَاضِي مَا تَوَلَّى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُصِبَ الْقَاضِي لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ لَا لِإِنْشَائِهَا، وَلَيْسَ هُنَا خَصْمٌ لِمَنْ فِي يَدِهِ الطَّعَامُ؛ فَلِهَذَا لَا يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ لَهُ.

  87. وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: مَنْ جَاءَنِي بِمَتَاعِي مِنْ مَكَانِ كَذَا فَلَهُ دِرْهَمٌ فَذَهَبَ رَجُلٌ فَلَمْ يَجِدْ الْمَتَاعَ ثُمَّ جَاءَ فَلَا أَجْرَ لَهُ أَمَّا إذَا ذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَتَاعِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَهُ الْمُسَمَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} وَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّنَا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ النَّسْخِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذَا اسْتِئْجَارُ الْمَجْهُولِ، وَاسْتِئْجَارُ الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ إلَّا أَنَّهُ إذَا حَمَلَهُ إنْسَانٌ بَعْدَ مَا سَمِعَ كَلَامَهُ، فَإِنَّمَا جَاءَ بِهِ عَلَى جِهَةِ تِلْكَ الْإِجَارَةِ، وَقَدْ رَضِيَ الْقَائِلُ بِذَلِكَ فَيَسْتَوْجِبُ أَجْرَ الْمِثْلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ جِهَةَ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ حَقِيقَتِهِ فَأَمَّا إذَا ذَهَبَ فَلَمْ يَجِدْ الْمَتَاعَ فَرَجَعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَجْرُ

  88. بِخِلَافِ مَا إذَا خَاطَبَ بِهِ إنْسَانًا بِعَيْنِهِ فَهُنَاكَ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الذَّهَابِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا حِينَ خَاطَبَهُ بِعَيْنِهِ فَكَانَ هُوَ فِي الذَّهَابِ عَامِلًا لِلْمُسْتَأْجِرِ سَاعِيًا فِي تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ فَيَسْتَحِقُّ أَجْرَ الذَّهَابِ، وَهُنَا الْعَقْدُ مَا انْعَقَدَ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَبَيْنَ الذَّاهِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْهُ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ انْعِقَادُ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ مَجِيئِهِ بِالْمَتَاعِ،

  89. وَإِذَا لَمْ يَجِئْ بِالْمَتَاعِ لَمْ يَكُنْ عَامِلًا لَهُ فِي الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَلِهَذَا لَا يَسْتَوْجِبُ شَيْئًا مِنْ الْأَجْرِ.

  90. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ ثَوْبًا رَبْطِيًّا فَحَمَلَ عَلَيْهَا هَرَوِيًّا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ لَمْ يَضْمَنْ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ فِي الضَّرَرِ عَلَى الدَّابَّةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّبْطِيِّ وَالْهَرَوِيِّ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْقِيمَةِ مَا يَكُونُ مُقَيَّدًا دُونَ مَا لَا يُقَيَّدُ كَمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ التَّعْيِينِ مَا يَكُونُ مُقَيَّدًا دُونَ مَا لَا يُقَيَّدُ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا هَذِهِ الْأَثْوَابَ الرَّبْطِيَّةَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا مِثْلَهَا مِنْ الثِّيَابِ الرَّبْطِيَّةِ فَعَطِبَتْ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا فَكَذَلِكَ هُنَا.

  91. وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ دَابَّةً، وَنَقَدَهُ الْكِرَاءَ ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِالْكِرَاءِ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُكَارِي، وَلَمْ يَرْكَبْ الرَّجُلُ فَعَلَى الْكَفِيلِ أَنْ يَرُدَّ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّهُ كَفِيلٌ لِلْمُسْتَكْرِي عَنْ الْمُكَارِي مَا وَجَبَ رَدُّهُ مِنْ الْكِرَاءِ الْمَقْبُوضِ وَحِينَ أَفْلَسَ الْمُكَارِي، وَلَمْ يَجِدْ الْمُسْتَكْرِي الدَّابَّةَ لِيَرْكَبَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْمُكَارِي رَدُّ جَمِيعِ الْكِرَاءِ، وَقَدْ كَفَلَ الْكَفِيلُ

  92. 30/20430/204

    بِذَلِكَ فَكَانَ مُطَالَبًا بِهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْكَفَالَةِ إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ صَحِيحٌ،

  93. فَإِنْ رَضِيَ مِنْ الْكَفِيلِ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَكَارَا إلَيْهِ فَحَمَلَهُ وَأَنْفَقَ أَكْثَرَ مِنْ الْكِرَاءِ لَمْ يَرْجِعْ الْكَفِيلُ عَلَى الْمُكَارِي إلَّا بِالْكِرَاءِ الَّذِي قَبَضَ مِنْ الْمُسْتَكْرِي؛ لِأَنَّهُ مَا ضَمِنَ عَنْهُ إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرَ فَهُوَ فِي الزِّيَادَةِ مُتَبَرِّعٌ،

  94. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْكِرَاءِ الْمَقْبُوضِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَا نَقَدَ عَنْهُ الْكِرَاءَ، وَإِنَّمَا أَوْفَى عَنْهُ مَا الْتَزَمَ مِنْ الْحَمْلِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَالْمُكَارِي مَا أَمَرَهُ أَنْ يَكْفُلَ عَنْهُ ذَلِكَ فَكَانَ هُوَ فِي إيفَاءِ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مُتَبَرِّعٍ أَوْ كَفِيلٍ بِغَيْرِ الْأَمْرِ قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ بِمَا أَوْفَى مِنْ الْحَمْلِ أَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ ضَمَانَ الْكِرَاءِ كَمَا أَنَّهُ بِأَدَاءِ الْمَقْبُوضِ يُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ ضَمَانَ الْكِرَاءِ،

  95. وَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بَلْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِيُسْقِطَ بِهِ الضَّمَانَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمَّا أَمَرَهُ بِالْكَفَالَةِ بِالْكِرَاءِ عَنْهُ فَقَدْ أَقَامَهُ مُقَامَ نَفْسِهِ فِي إيفَاءِ مَا الْتَزَمَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوَفِّيَ عَنْهُ الْكِرَاءَ، وَبَيْنَ أَنْ يُوَفِّيَ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْحَمْلِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ بِهِ مُطَالَبَةَ الْمُسْتَكْرِي إيَّاهُ فِي ذَلِكَ،

  96. وَإِنْ مَاتَ الْمُكَارِي، وَلَمْ يَحْمِلْهُ فَعَلَى الْكَفِيلِ أَنْ يَرُدَّ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّ بِمَوْتِ الْمُكَارِي قَدْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَلَزِمَهُ رَدُّ الْمَقْبُوضِ مِنْ الْكِرَاءِ فَإِنَّهُ كَفَلَ الْكَفِيلَ بِذَلِكَ.

  97. وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَشْهُرًا مَعْلُومَةً يُؤَدِّبُ ابْنَهُ، وَيَقُومُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ بِطَرِيقِ الْعُرْفِ، وَهُوَ عَمَلٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الْمُؤَدِّبِ إقَامَتُهُ عُرْفًا وَلَا دِينًا وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى مِثْلِهِ صَحِيحٌ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ

  98. بِخِلَافِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ دِينًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى خِلَافَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلُّ مُسْلِمٍ مَأْمُورٌ بِهِ دِينًا.

  99. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيُجَصِّصَ لَهُ حَائِطًا أَوْ لِيُطَيِّنَ لَهُ سَطْحًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ طِينًا وَلَا جِصًّا مَعْلُومًا فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ ذَلِكَ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ،

  100. فَإِنَّ عَمَلَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ، وَكُلُّ نَوْعٍ مِنْهُ مُتَعَارَفٌ فَكَانَ الْعَمَلُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَجْهُولًا؛ فَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ إنْ عَمِلَ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى الْعَمَلَ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَلَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَقُولُ: أَنَا مَا رَضِيتُ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْعَمَلِ،

  101. فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ غِلْظَةً مِنْ الْجِصِّ أَوْ الطِّينِ كَذَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ صَارَ مَعْلُومًا بِبَيَانِ الْغِلْظَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إلَى تَمَكُّنِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا.

  102. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَنْقُدُ لَهُ الدَّرَاهِمَ كُلَّ أَلْفٍ بِكَذَا أَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى كُلِّ شَهْرٍ بِكَذَا يَنْقُدُ لَهُ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى ذَلِكَ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي عَقَدَ عَلَى مَنَافِعَ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ لِيُقِيمَ بِتِلْكَ الْمَنَافِعِ عَمَلًا مَقْصُودًا

  103. 30/20530/205

    فِي النَّاسِ.

  104. وَإِذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ كِبَارًا غُيَّبًا وَلَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَا وَصِيَّةَ فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَ الرَّقِيقَ وَالْمَتَاعَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْحِفْظِ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْغَائِبُ، وَبَيْعُ الْمَنْقُولِ مِنْ الْحِفْظِ فَإِنَّ حِفْظَ الثَّمَنِ رُبَّمَا يَكُونُ أَيْسَرَ مِنْ حِفْظِ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ نَظَرًا لِلْغَائِبِ،

  105. وَلَوْ أَنَّهُمْ نَهَوْهُ عَنْ الْبَيْعِ فَبَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ لِأَجْلِ النَّظَرِ لَهُمْ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ نَصًّا

  106. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَهُنَاكَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ نَظَرًا لِلَّذِي أَقَامَهُ مُقَامَ الْمَيِّتِ فَنَهْيُ الْوَرَثَةِ إيَّاهُ عَنْ الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ.

  107. وَإِذَا كَانَ الْوَارِثُ صَغِيرًا، وَلِلْمَيِّتِ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ بِصَكٍّ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ لِلْوَصِيِّ: حُطَّ عَنِّي النِّصْفَ لِأُعْطِيَك النِّصْفَ وَادْفَعْ إلَيَّ الصَّكَّ، وَكَانَ فِيهِ شُهُودٌ لَا يَشْهَدُونَ إلَّا أَنْ يَرَوْا الصَّكَّ وَيَعْلَمُوا أَنَّهُ حَطَّ لِلْيَتِيمِ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُ الْوَصِيَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛

  108. لِأَنَّ فِيهِ إتْوَاءَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ يَعْنِي فِي رَدِّ الصَّكِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَطَّ الدَّيْنِ عَنْهُ بَاطِلٌ،

  109. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ وَاجِبًا بِعَقْدِهِ فَلَا يَتْوَى بِهِ حَقُّ الْيَتِيمِ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الشُّهُودُ لَا يَشْهَدُونَ مَا لَمْ يَرَوْا الصَّكَّ فَفِي دَفْعِ الصَّكِّ إلَيْهِ إتْوَاءُ مَالِ الْيَتِيمِ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشُّهُودُ يَشْهَدُونَ بِغَيْرِ صَكٍّ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛

  110. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إتْوَاءُ مَالِهِ بَلْ فِيهِ نَظَرٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَسْتَوْفِي نِصْفَ حَقِّهِ فِي الْحَالِ ثُمَّ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا بَقِيَ فَيَسْتَوْفِيهِ، وَحَطُّهُ بَاطِلٌ إذَا أَثْبَتَ الْمَدْيُونُ ذَلِكَ بِالْحُجَّةِ.

  111. وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ فِي دَارِهِ دَعْوَى فَرَأَى الْوَصِيُّ أَنْ يُصَالِحَهُ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ إنْ لَمْ يُصَالِحْهُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يُصَالِحَهُ؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مَا اسْتَوْجَبَ الْمُدَّعِي شَيْئًا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ» ، وَمَا يَخَافُهُ الْوَصِيُّ مَوْهُومٌ فَلَيْسَ كُلُّ مُدَّعٍ يَكُونُ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَاهُ،

  112. وَلَا كُلُّ شَاهِدٍ يَرْغَبُ فِي حُضُورِ مَجْلِسِ الْقَاضِي لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَبَعْدَ الْأَدَاءِ رُبَّمَا تَظْهَرُ عَدَالَتُهُ، وَرُبَّمَا لَا تَظْهَرُ،

  113. وَلَوْ أَدَّى شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَوْهُومِ كَانَ مُخْرِجًا مَالَهُ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَحْصُلُ بِمُقَابَلَتِهِ،

  114. وَلَا مَنْفَعَةَ تَحْصُلُ لَهُ حَقِيقَةً وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ هَذِهِ الْوِلَايَةُ،

  115. وَإِنْ جَاءَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ عُدُولٍ يَعْرِفُهُمْ الْوَصِيُّ، وَكَانَ الصُّلْحُ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ فِي رَأْيِ الْوَصِيِّ وَسِعَهُ أَنْ يُصَالِحَهُ؛ لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ حَقَّ الْمُدَّعِي قَدْ ثَبَتَ ظُهُورُهُ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَفِي هَذَا تَحْصِيلُ الْمَالِ مِنْ الْوَصِيِّ لِلْيَتِيمِ أَوْ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا نُصِبَ الْوَصِيُّ لِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْأَجَلُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: هَذَا إذَا عَلِمَ الْوَصِيُّ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجِبْ إلَى الصُّلْحِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ رَغِبَ فِيهِ الْمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا يَرْغَبُ فِي الصُّلْحِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَالِحَهُ قَبْلَ إقَامَةِ

  116. 30/20630/206

    الْبَيِّنَةِ إذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ شُهُودًا يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِهَذَا التَّأْخِيرِ يَنْعَدِمُ تَمَكُّنُهُ مِنْ تَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْوَصِيِّ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى وَقْتٍ يَفُوتُهُ.

  117. وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ دَخَلَ فِيهِ رَقِيقُهُ وَدُورُهُ وَكُلُّ عَيْنٍ وَدَيْنٍ هُوَ مِنْ كَسْبِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالُهُ فَالْمَالُ يَصِيرُ مُضَافًا إلَى الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ كَسْبُهُ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَمَالَهُ» الْحَدِيثَ وَالْإِضَافَةُ إلَيْهِ تَبْقَى مَا بَقِيَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَأَمَّا بَعْدَ أَخْذِ الْمَوْلَى الْمَالَ مِنْهُ لَا يَبْقَى مُضَافًا إلَيْهِ شَرْعًا وَعُرْفًا فَلَا يَكُونُ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ فِيمَا سَمَّى مِنْ مَالِهِ،

  118. وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ قَدْ زَوَّجَهَا إيَّاهُ مَوْلَاهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِتَصَرُّفِهِ صَارَ قَابِضًا الْأَمَةَ مِنْهُ فَالْتَحَقَتْ بِغَيْرِهَا مِمَّا قَبَضَهُ مِنْهُ.

  119. (فَإِنْ قِيلَ) أَلَيْسَ إنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا زَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَصِيرُ قَابِضًا لَهَا بِتَصَرُّفِهِ فَكَيْفَ يَصِيرُ الْمَوْلَى هُنَا قَابِضًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ إنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ قَابِضًا هُنَاكَ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لِلْبَائِعِ فِيهَا يَدٌ مُسْتَحِقَّةٌ، وَالْمُشْتَرِي مَمْنُوعٌ مِنْ قَبْضِهَا مَا لَمْ يُؤَدِّ الثَّمَنَ،

  120. وَإِنْ تَعَيَّبَتْ بِالنِّكَاحِ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ هَذَا الْعَيْبُ فِي عَيْنِهَا لَمْ يُجْعَلْ قَابِضًا بِهِ، وَهُنَا مَا كَانَ لِلْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْأَمَةِ يَدٌ مُسْتَحِقَّةٌ وَلَا كَانَ الْمَوْلَى مَمْنُوعًا مِنْ قَبْضِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا فَجَعَلْنَاهُ قَابِضًا لَهَا بِالتَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ بِالتَّزْوِيجِ الْتَزَمَ تَسْلِيمَهَا إلَى الزَّوْجِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِيَدِهِ فِيهَا،

  121. وَإِذَا أَنْفَقَ الْمُفَاوِضُ عَلَى نَفْسِهِ أَفْضَلَ مِنْ نَفَقَةِ صَاحِبِهِ، وَكَانَتْ تَطِيبُ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، وَكَانَ لِصَاحِبِهِ دَيْنٌ عَلَى الَّذِي أَنْفَقَ لَمْ تَفْسُدْ الْمُفَاوَضَةُ اسْتِحْسَانًا حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَيْهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّهُ مَتَى فَضَلَ أَحَدُهُمَا بِمَالٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ الْمَالِ فِي الشَّرِكَةِ تَفْسُدُ بِهَا الْمُفَاوَضَةُ،

  122. وَإِنْ فَضَلَ بِمَالٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ الْمَالِ فِي الشَّرِكَةِ لَا تَصْلُحُ بِهَا الْمُفَاوَضَةُ اسْتِحْسَانًا، وَالدَّيْنُ الَّذِي وَجَبَ لِأَحَدِهِمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ الْمَالِ فِي الشَّرِكَةِ،

  123. فَإِذَا قَبَضَهُ فَقَدْ صَارَ نَقْدًا صَالِحًا أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ وَرِثَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ دَارًا أَوْ رَقِيقًا فِي الْقِيَاسِ تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَفْسُدُ حَتَّى يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيَصِيرَ مَالًا يَعْنِي حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ نَقْدًا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنَّ مَا وَرِثَ أَحَدُهُمَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا لَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا، وَلَكِنَّ الدَّارَ وَالرَّقِيقَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ فَلَا تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ حَتَّى يَصِيرَ ثَمَنُهُ نَقْدًا فِي يَدِهِ فَحِينَئِذٍ تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الصِّحَّةِ، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَالِ الَّذِي يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ.

  124. وَإِذَا خَلَعَ امْرَأَتَهُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ وَقَبْلَ خُلْعِهَا ضَمِنَ أَبُوهَا بِالْمَهْرِ وَضَمِنَ لِلزَّوْجِ مَا أَدْرَكَهُ فِيهِ جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ، وَتُؤَاخِذُ الِابْنَةُ الزَّوْجَ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ

  125. 30/20730/207

    فَيَرْجِعُ بِهِ الزَّوْجُ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالْخُلْعِ يُفِيدُ وُجُودَ الْقَبُولِ مِنْ الضَّامِنِ لِلدَّرَكِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيُقَرَّرُ نِصْفُ مَالِهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ وِلَايَةٌ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يُقَابِلُهُ فَتَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَيَرْجِعُ بِهِ الزَّوْجُ عَلَى الْأَبِ؛

  126. لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا أَدْرَكَهُ فِيهِ مِنْ الدَّرَكِ فِي حَقِّهَا، وَإِضَافَةُ الْكَفَالَةِ إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ بِهَذَا الطَّرِيقِ صَحِيحٌ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَقُولُ: الْخُلْعُ لَا يَقَعُ إلَّا بِالْمَهْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهَا، وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَخْلَعَهَا مِنْ زَوْجِهَا عَلَى مَالِهَا بَلْ هُوَ فِي ذَلِكَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَإِنَّمَا يَجْعَلُهَا عَلَى مَالٍ يَلْزَمُهُ فِي ذِمَّتِهِ فَكَأَنَّهُ خَلَعَهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْمَهْرِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ قِصَاصًا بِالْمَهْرِ فَفِيمَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الزَّوْجِ، وَهُوَ النِّصْفُ الَّذِي رَجَعَتْ الِابْنَةُ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ فَيُطَالِبَهُ بِذَلِكَ بِسَبَبِ الْخُلْعِ مَعَ الضَّمَانِ؛

  127. لِأَنَّ الْمُقَاصَّةَ لَمْ تَقَعْ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَلَمْ يَسْتَفِدْ الزَّوْجُ الْبَرَاءَةَ إلَّا بِأَدَاءِ الْمَالِ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأَبِ بِهَذَا الطَّرِيقِ.

  128. وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: قَدْ بَارَأْتُكِ بِمَا لَكِ عَلَيَّ مِنْ الْمَهْرِ فَقَبِلَتْ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ وَالْمُبَارَأَةَ يُسْتَعْمَلَانِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ وَلَوْ قَالَ خَالَعْتُكِ بِمَا لَكِ عَلَيَّ مِنْ الْمَهْرِ فَقَبِلَتْ جَازَ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: بَارَأْتُكِ،

  129. وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى حُكْمِهِ ثُمَّ حَكَمَ بِشَيْءٍ لَمْ تَرْضَ بِهِ الْمَرْأَةُ فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ حُكْمِهِ،

  130. وَمِنْ الْمَهْرِ الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَجْهُولٌ، وَهُوَ مَا يَحْكُمُ بِهِ فَإِنَّهُ مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، وَالْخُلْعُ عَلَى بَدَلٍ مَجْهُولٍ يُوجِبُ عَلَيْهَا رَدَّ الْمَقْبُوضِ مِنْ الْمَهْرِ كَمَا لَوْ خَلَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ، وَذَلِكَ نَافِذٌ مِنْهُ،

  131. فَإِنْ حَكَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا حَكَمَ عَلَيْهَا بِالزِّيَادَةِ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا هَذِهِ الْوِلَايَةُ؛ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ الْأَقَلُّ،

  132. وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا أَقَلَّ مَهْرٍ يَتَزَوَّجُ عَلَيْهِ فَالْخُلْعُ جَائِزٌ، وَلَهُ عَلَيْهَا الْمَهْرُ الَّذِي أَخَذَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَمَّى فِي الْخُلْعِ مَالًا مَجْهُولَ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ فَلَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ، وَلَكِنْ ثَبَتَ حُكْمُ الْغُرُورِ بِهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهَا رَدَّ الْمَقْبُوضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ مَا لَمْ تُزَوِّجْ نَفْسَهَا وَلَا يَلْزَمُهَا بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، وَرُبَّمَا لَا يَرْغَبُ أَوْ لَا يَبْقَى إلَى أَوَانِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.

  133. وَإِذَا أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ فِي حَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَسَأَلَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ وَعَدَالَتِهِمْ وَبِتَوْكِيلِهِ وَكِيلًا بِالْقِيَامِ مَقَامَهُ بِالْمُطَالَبَةِ وَالْقَبْضِ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فَلَهُ فِعْلُهُ بَعْدَ مَا يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ هَذَا شَيْئًا وَلَا يَعْلَمُ وَكِيلًا،

  134. وَلَا رَسُولًا لَهُ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكْتُبُ لَهُ بِذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُدَّعِي، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَفِي الِاسْتِحْلَافِ

  135. 30/20830/208

    بِهَذِهِ الصِّفَةِ نَظَرٌ مِنْهُ لِلْغَائِبِ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِهَذَا النَّظَرِ لِغَيْبَتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ لَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْمُدَّعِي أَيْضًا فَرُبَّمَا يَدَّعِي الْخَصْمُ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَوْفَاهُ الْمَالَ وَيَطْلُبُ يَمِينَهُ،

  136. وَمِنْ رَأْيِ ذَلِكَ الْقَاضِي أَنْ لَا يَقْضِيَ بِالْمَالِ مَا لَمْ يَحْلِفْ عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْغَيْبِ فَيَتَعَذَّرُ عَلَى وَكِيلِهِ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ؛ فَلِهَذَا يَسْتَحْلِفُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكْتُبُ ذَلِكَ الِاسْتِحْلَافَ فِي كِتَابِهِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ النَّظَرِ فِيهِ،

  137. وَلَا يَسْتَحْلِفُ الطَّالِبَ لَقَدْ شَهِدَتْ شُهُودُك بِحَقٍّ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَطَلَبَ اسْتِحْلَافَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ

  138. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْخَصْمَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَطَلَبَ يَمِينَهُ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ،

  139. فَإِنْ كَانَ قَاضِيًا لَا يُجِيزُ الْكِتَابَ إلَّا عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي إنْ كَانَ يَرَى رَأْيَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي اسْتِحْلَافِ الطَّالِبِ لَقَدْ شَهِدَتْ شُهُودُك بِحَقٍّ فَقَالَ الطَّالِبُ: اسْتَحْلِفْنِي وَاكْتُبْ لِي بِيَمِينِي اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ شَهِدَتْ شُهُودُك بِحَقٍّ فَإِنَّ الْمَالَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ يَرَى ذَلِكَ،

  140. فَإِنَّ فِي هَذَا الِاسْتِحْلَافِ نَظَرًا لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ وَكِيلًا وَلَا يَحْضُرَ مَجْلِسَ ذَلِكَ الْقَاضِي لِيَسْتَحْلِفَهُ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ إلَّا بِهَذَا، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ لَهُ،

  141. فَإِذَا طَلَبَ مِنْهُ مَا فِيهِ نَظَرٌ لَهُ أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ،

  142. وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ شَهَادَتَهُ وَحَالَهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلطَّالِبِ فَرُبَّمَا يَكُونُ شَاهِدُهُ الْآخَرُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فِي مَجْلِسِهِ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ فَيُجِيبُهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ حَتَّى إذَا ثَبَتَ الْكِتَابُ عِنْدَهُ وَجَاءَ بِشَاهِدِهِ الْآخَرِ فَشَهِدَ لَهُ قَضَى بِحَقِّهِ لِتَمَامِ الْحُجَّةِ.

  143. وَإِذَا أَسْلَمَتْ مُدَبَّرَةُ الذِّمِّيِّ فَاسْتَسْعَتْ فِي قِيمَتِهَا فَعَجَزَتْ عَنْ السِّعَايَةِ،

  144. فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي قَوَّمَهَا، وَاسْتَسْعَاهَا لَمْ يَرُدَّهَا وَأَجْبَرَهَا عَلَى السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْقَضَاءِ قَائِمٌ، وَهُوَ إسْلَامُهَا مَعَ كُفْرِ الْمَوْلَى فَلَا يُعْتَبَرُ عَجْزُهَا بِمَنْزِلَةِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا اسْتَسْعَاهُ الْقَاضِي فِيمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ الشَّرِيكِ السَّاكِتِ فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ،

  145. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الَّذِي صَالَحَهَا عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ فَضْلٌ عَلَى الْقِيمَةِ فَيُبْطِلَ الْقَاضِي الْفَضْلَ وَيُجْبِرَهَا عَلَى السِّعَايَةِ فِي الْقِيمَةِ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يُفِيدُ،

  146. وَلَا يَنْقُضُ شَيْئًا لِيُعِيدَ مِثْلَهُ فِي الْحَالِ،

  147. وَإِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى مِقْدَارِ الْقِيمَةِ فَلَيْسَ فِي نَفْسِ هَذَا الصُّلْحِ فَائِدَةٌ لَهَا فَلَا يَشْتَغِلُ الْقَاضِي بِهِ،

  148. وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَلَى الْقِيمَةِ فَفِي نَقْضِهِ فَائِدَةٌ لَهَا، وَهُوَ سُقُوطُ الزِّيَادَةِ عَنْهَا وَعَجْزُهَا يُسْقِطُ عَنْهَا مَا الْتَزَمَتْ لِمَوْلَاهَا بِاخْتِيَارِهَا لِعَجْزِ الْمُكَاتَبَةِ عَنْ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ فَلِهَذَا

  149. 30/20930/209

    يَبْطُلُ هَذَا الصُّلْحُ عِنْدَ عَجْزِهَا، وَيَجْبُرُهَا عَلَى السِّعَايَةِ فِي الْقِيمَةِ لِإِسْلَامِهَا مَعَ إصْرَارِ مَوْلَاهَا عَلَى الْكُفْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.