مبحث حق السلطان على القاتل
الفقه على المذاهب الأربعةComparativemasa’il 30727 to 31723
-
5/2535/253
بخلاف التفاوت في البطش، لأنه لا ضابط له فاعتبر أصله. وقد سلكنا بالأطراف مسلك الأموال، لانها خلقت وقاية للأنفس كالمال، فاواجب أن يعتر التفاوت المالي مانعاً مطلقاً. والآية الكريمة،
-
وإن كانت عامة في جميع الأطراف من غير تفاوت، لكن قد خص منها الحربي والمستأمن والنص العام إذا خص منه شيء يجوز تخصيصه بخبر الواحد، فخصصوه بما روي عن عمران بن حصين أنه قال: قطع عبد، لقوم فقراء، أذن عبيد لقوم أغنياء، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقض بالقصاص) .
-
وقيل: إن الآية المذكورة آية القصاص، {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى
-
5/2545/254
الحر بالحر، والعبد بالعبد} والقصاص ينبىء عن المماثلة، فالمراد بما في الآية المذكورة، ما يمكن فيه المماثلة، لا غير اهـ. مبحث قتل المكره الشافعية قالوا: لو أكره إنسان شخصاً آخر على قتل شخص بغير حق فقتله، فيجب القصاص على المكره بالكسر لأنه أهلكه بما يقصد به الإهلاك غالباً، فأشبه بما لو رماه بسهم فقتله،
-
وكذا يجب القصاص على المكره بفتح الراء في الأظهر لأنه قتله عمداً، عدواناً وظلماً، لا ستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله المضطر ليأكله، بل أولى، لأن المضطر علىم يقين من التلف، إن لم يأكل،
-
بخلاف المكره بالفتح. وقيل: القصاص على المكره بالكسر، أما المكره بالفتح فلا قصاص عليه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) ولأنه كالآلة في يد المكره، فصار كما لو ضربه به، أو مثل الذي يسقط من علو، أو الذي تحمله الريح من موضع إلى موضع فقتل غيره.
-
وقيل: لا قصاص على المكره بالكسر، بل القصاص واجب على المكره بالفتح لأنه مباشر للقتل، والمباشرة مققدمة، على غيرها، ولأنه يشبه من جهة المختار في فعله،
-
ومن جهة المضطر المغلوب، وغلإكراه لا يتم إلا بالتخويف بالقتل، أو بإتلاف ما يخاف عليه التلف من الأعضاء، كالقطع والضرب الشديد،
-
وقيل: يحصل الإكراه بما يحصل به الإكراه على الطلاق من أنواع التهديدات.
-
ولو قال له: اقتل هذا وإلا قتلت ولدك. وكان في مقدوره أن يقتل ولده، فليس بإكراه، وقال الروياني: الصحيح عندي أنه إكراه، لأن ولده كنفسه في الغالب، فما أصابه من الضرر، كأنما أصاب نفسه، بل بعض النفوس عندها، الولد أغلى من النفس، وهذا هو الظاهر.
-
وقال الشافعية: لا يجوز للمكره بالفتح الإقدام على القتل المحرم لذاته،
-
وإن لم يوجب عليه القصاص، بل عليه الإثم يوم القيامة، إذا قتل نفساً محرمة، كما لا يباح له الزنا بالإكراه، ولكن يباح له شرب الخمر، والقذف، والإفطار في رمضان، على القول بإبطال الصوم،
-
ويباح له الخروج من صلاة الفرض، وإتلاف مال الغير، وضمن المال هو والمكره.
-
وإذا أكره إنسان على الإتيان بما هو كفر قولاً، أو فعلاً كالسجود لصنم، مع طمأنينة القلب بالإيمان وكراهية الكفر، فقيل: الفضل له الثبات على الإيمان،
-
ولا يلفظ الكفر، والعياذ بالله.
-
وقيل: يجوز أن يلفظ به صيانة لنفسه أن تزهق،
-
وقيل: إن كان من العلماء المقتدى بهم فالأفضل الثبات على الإيمان، مهما كان التخويف والوعيد،
-
فإن قتل مات شهيداً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون دينه قهو شهيد) وحتى يكون قدوة لغيره من الناس، كما ثبت أصحاب الأخدود،
-
فإن كان المكره بالفتح لم يظن أن الإكراه يبيح له الإقدام على القتل، وجب عليه القصاص، أما إذا كان
-
5/2555/255
يعقد ذلك فلا قود عليه.
-
وكذلك لا قصاص عليه، إذا كان ممن يخفى عليه تحريم الإقدام نعلى القتل بالإكراه، لأن القصاص يسقط بالشبهة،
-
فإن وجبت الدية في حالة العفو عن القصاص وزعت عليهما بالسوية كالشريكين ويجوز للولي أن يقتص من أحدهما ويأخذ نصف الدية من الآخر، هذا إذا كافأه،
-
فإن ساوى المقتول أحدهما فقط، كأن كان المقتول ذمياً، أو عبداً، واحدهما كذلك، والآخر مسلم، أو حر، فالقصاص على المكافىء دون الآخر، بل يجبعليه نصف الدية، أو نصف القيمة لأولياء الدم، لأنهما مشتركان في الفعل، وشريك غير المطافىء يقتص منه، كشريك الأب،
-
ولو أكره بالغ، عاقل، مراهقاً، أو عكسه، على قتل شخص فقتله، فعلى البالغ القصاص، لوجود مقتضيه، وهو القتل المحض والعدوان على الغير، هذا إن قلنا: عمد الصبي عمد، وهو الأظهر في المذهب،
-
فإن قلنا خطأ فلا قصاص، لأنه شريك المخطىء ولا قصاص على الصبي بحال، لعدم تكليفه، حتى ولو كبر.
-
ولو أكره بالفتح مكلفاً، على رمي شبح علم المكره بالكسر، أنه رجل، وظنه المكره بالفتح صيداً أو حجراً فرماه فقتله، فالأصح وجوب القصاص على المكره بالكسر ت لأنه قتله قاصداً للقتل بما يقتل غالباً.
-
ولو أكرهه على رمي صيد فأصاب رجلاً، أو غيره فمات،
-
فلا قصاص على اج منهما،
-
ويجب على عاقلة كل منهما نصف الدية،
-
ولو أكرهه على صعود شجرة، أو على نزول بئر، فزلق فمات، فشبه عمدن لأنه لا يقصد به القتل غالباً، وتجب الدية كاملة على عاقلة، المكره بالكسر وقال الغزالي هو عمد،
-
وقيل: وهو خطأ محض،
-
ولو أكره على قتل نفسه، بأن قال له: اقتل نفسك، أو اشرب هذا السم، وإلا قتلتك، فقتلها،
-
فلا قصاص عليه، في الأظهر، لأن هذا ليس بإكراه حقيقة، لاتحاد المأمور به، والمخوف به، فصار كأنه مختار له.
-
وقيل: يجب القصاص، كما إذا أكرهه على قتل غيره. ويستثنى ما إذا كان المكره بالفتح غير مميز لصغر، أو جنون، فإنه في هذه الحال يجب القصاص على المكره جزماً ولو قال رجل لآخر: اقتلني وإلا قتلتك، فقتله ذلك الشخص، فالمذهب لا قصاص عليه لأن الإذن شبهة دارئة للحد.
-
وقيل: يجب عليه القصاص، لأن القتل لا يباح بالإذن، فأشبه ما لو أذن له في الزنا، بأمته،
-
والأظهر عدم القصاص، ولو أمر السلطان شخصاً بقتل آخر، ظلماً بغير حق، والمأمور لا يعلم ظن السلطان،
-
ولا خطأه، وجب القود أو الدية، والكفارة على السلطان فقط،
-
ولا شيء على المأمور لأنه آلته، ولابد منه في السياسة، ولأن الظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بحق، ولأن طاعته واجبة، فيما لا يعلم أنه معصية،
-
وإن علم بظنه، أو خطئه وجب القود على المأمور إن لم يخف قهره بالبطش بما يحصل به الإكراه، لأنه لا يجوز طاعته حينئذككما جاء في الحديث الشريف، (طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فصار كما لو قتله بغير إذنه،
-
فلا شيء على السلطان إلا الإثم فيما إذا كان ظالماً، نعم: إن اعتقد وجوب طاعته في المصيبة، فالضمان على الإمام لا عليه.
-
فإن خاف قهره، وبطشه، فالضمان بالقصاص، وغيره عليهما، وصار كالمكره ولو أمر شخص
-
5/2565/256
عبده أو عبد غيره المميز بقتل أو إتلاف ظلماً فقتل أثم الآمر، واقتص من العبد البالغ، وتعلق الضمان برقبته،
-
ولو كان للصبي أو المجنون تمييز وهو لا يعقتد وجوب طاعنه في كل أمره، فالضمان عليهما دون الأمر، وما أتلفه غير المميز بلا أمر، خطأ يتعلق بذمته إن كان حراً، وبرقبته. المالكية، والحنابلة قالوا: إذا أكره رجل آخر فقتله فيجب القصاص على المكره بالكسر لتسببه ويجب القصاص على المكره بالفتح لمباشرته الفعل بنفسه، لأن المأمور لم يعذر بالإكراه،
-
ولا يعذر الآمر لعدو المباشرة، فيجب القصاص عليهما معاً، واحتجوا في قتل المكره على القتل بالقتل، بإجماع الأئمة على أنه من أشرف على الهلاك من مخمصة، لا يجوز له أن يقتل إنساناً ليأكله، وينقذ نفسه من الهلاك، بل يجب عليه الصبر حتى يموت،
-
ولو فعل كان آثماً. فإنه يجب قتل المسبب مع المباشر، فيقتل السيد الذي يأمر عبده بقتل حر ففعل، ويقتل معه العبد إن كان كبيراً،
-
وكذلك يقتل الأب إذا آمر ولده الصغير بقتل إنسان ففعل،
-
فإن كان الولد كبيراً قتل معه، ويقتل المعلم الذي يعلم الصنعة، أو العلم أو القرآن إذا أمر تلميذه صغيراً غير مميز فيجب على عائلته نصف الدية مع القصاص من الأب أو المعلم، هذا إن لم يكره. ويقتل شريك الصبي دون الصبي لأنه غير مكلف، إن تمالا معاً على قتل شخص، وعلى عائلة الصبي نصف الدية، لأن عمده كخطئه،
-
فإن لم يتفقا على قتله، وتعمداه، فعليه الدية في ماله، وعلى عائلة الصغير نصفها وإن قتلاه، أو الكبير خطأ، فعلى عاقلة كل نصف الدية، هذا ما لم يدع أولياء المقتول أنه مات من فعل المكلف فانهم يقسمون عليه ويقتلونه، ويسقط نصف الدية عن عائلة الصبي لأن القسامة، إنما بها، ويستحق بها واحد.
-
وإنما يكون المأمور مكرهاً بالفتح إذا كان لا يمكنه المخالفة، كخوف قتل من الآمر، أو قطع عضو أو قتل ولد،
-
فإن لم يخفف، اقتص منه وحده دون الآمر.
-
ومن قدم طعاماً مسموماً، وهو عالم بأنه مسموم لعصوم، فتناوله غير عالم به فمات، يجب عليه القصاص لأنه تسبب في قتله،
-
فإن تناوله المعصوم، وهو عالم بسمه فهو القاتل لنفسه،
-
ولا شيء على المقدم له،
-
وإن كان متسبباً، وإن لم يعلم المقدم بكسر الدال ولا الآكل، فهو من قتل الخطأ، فيجب في الدية، على العاقلة، بعد أن يقسم أولياء المقتول عليه. اهـ. الحنفية قالوا: من أكره إنساناً على قتل آخر وخوفه بالقتل، أو تلف بعض الأعضاء، فخاف منه وفعل القتل، فإنه يجب القصاص على الآمر دون المأمور، خصوصاً إذا كان للآمر سلطان على المأمور فإن المكره بالفتح يشبه من لا اختيار له، كالذي يسقط من ارتفاع، فقد اعتبروا تأثير
-
5/2575/257
الإكراه في إسقاط كثير من الواجبات في الشرع لكون المكره كالآلة، في د المكره بالكسر، ولحديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) . ولكن يعاقب المكره بالفتح بأن يضرب مائة جلدة، ويحبس سنة كاملة، أو حسب رأي الحاكم.
-
وإذا أمر العبد المحجور عليه صبياً حراً بقتل رجل فقتله، فعلى عاقلة الصبي الدية، لأنه هو القاتل حقيقة، وعمده وخطؤه سواء،
-
ولا شيء على الآمر. للضرب للتأديب المالكية قالوا: من ضرب آخر لقصد التأديب الجائز شرعاً، كالسلطان مثلاً، إذا ضرب إنساناً لارتكاب جريمة لا توجب الحد، أو أراد أن يعزره مثلاً، أو يجله في حد من الحدود، فمات بذلك السبب. أو قطع يد سارق، فسرع القطع إلى جسده فمات.
-
فإن دمه يكون هدراً،
-
ولا ضمان على الحاكم ولا في بيت آلما، لأنه فعل شيئاً آمره به الشرع، ونفذ حكماً طالبه به الإسلام، ولم يقصد بفعله القتل،
-
ولا الانتقام، وكذلك الأب، أو آلم إذا ضرب أحدهما ولده بقصد التأديب، فمات، لا شيء عليهما، والمعلم، صنعة، أو علماً، أو قرآناً، إذا ضرب الذي يتعلم منه بقصد الحمل على التعليم، والاستفادة منه، فمات، بسبب هذا الضرب الذي يتعلم منه بقصد الحمل على ضرب الزوجة بقصد التربية، والنهي عن المنكر، والحث على الاستقامة، فماتت بسبب ضربه، لا شيء عليه، لأن الشرع وضع الزوجة أمانة في عنقه، يربيها، ويهذبها، ويكسوها، ويطعماه، أباح له الضرب إذا خرجت عن طاعته، أو خاف نشوزها قال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن} الآية.
-
الشافعية، والحنابلة قالوا: إن الشرع قد أباح للأبوين أن يضربا أولادهما للتأديب، ولأمرهما بالمعروف، ونهيهما عن المنكر،
-
وكذلك أباح للزوج أن يضرب زوجته، لحفظ عرضها. وللمعلم أن يضرب من يتعلم منه. وللقاضي أن يضرب من ينحرف من المسلمين، أو يخرج عن طاعته،
-
فلو مات شخص بسبب ضرب واحد من المذكورين، وكان ضربه ضرباً لا يهلك عادة، فإنه لا ضمان عليه، لأنه لم يقصد القتل ولم يفعل إلا بقصد المصلحة للمضروب، وأدى ما أمره به الشارع الحكيم. قالوا:
-
ولو ضرب واحد من هؤلاء مريضاً ضرباً لا يقتل الصحيح، وهو جاهل بالمرض لا يجب عليه القصاص، لأن ما أتى به ليس بمهلك عنده.
-
وقيل: يجب عليه القصاص، لأن جهله لا يبيح له الضرب القاتل، أما إذا ضربه وكان عالماً بمرضه، فإنه يجب عليه القصاص جزماً من غير خلاف منهم، لأنه تبين أنه يقصد إهلاكه بالضرب. الحنفية قالوا: أن الواجبات لا تتقيد بوصف السلامة،
-
فإذا ضرب الأب ابنه، أو ضرب المعلم
-
5/2585/258
الصبي بإذن الأب، فمات الصبي فلا قصاص عليه، بل يجب على الأب، أو المعلم الدية في مالهن في حالة القتل،
-
ولا يرث الأب منها لأنه محروم من ميراثه. مبحث إذا اشترك في القتل من يقام عليه الحد مع غيره. المالكية قالوا: إذا شارك بالغ عاقل مسلم، صبياً في قتل رجل معصوم الدم على التأبيد فإنه يجب قتل الكبير دون الصبي، إن تمالأ معاً على قتله ويجب على عاقلة الصبي نصف الدية.
-
لأن عمده كخطىء فإن لم يتمالآ على قتله، وتعمداه، أو الكبير فقط، فعليه نصف الدية، وعلى عاقلة الصغير نصفها، هذا ما لم يدع أولياء المقتول أنه مات من فعل المكلف فقط، فانهم يقسمون عليه، ويقتلونه قصاصاً، ويسقط نصف الدية عن عاقلة الصبي، لأن القسامة إنما يقتل بها ويستحق بها واحد،
-
وإن قتلاه، أو الكبير خطأ، فعلى عاقلة كل نصف الدية. قالوا:
-
ولا يقتل شريك مخطىء ولا شريك مجنون، بل يجب عليه نصف الدية في ماله خاصة، وعلى عاقلة المخطئ أو المجنون نصفها، هذا أن تعمد وإلا فالنصف على عاقلته أيضاً، وإنما كان على عاقلة الصبي نصف الدية في عمده وخطئه، لأن عمده في نظر الشرع كخطئه.
-
ومن شارك سبعاً في قتل إنسان عمداً، كأن عقره سبع،
-
ثم شجه رجل ومات بسببهما،
-
ومن جرح نفسه جرحاً ينشأ عنه الموت غالباً،
-
ثم طعنة قاتلة، ومات بسببهما معاً ومن شارك حربياً، في قتل رجل، من غير أن يتفق معه على قتله. قالوا: يجب القصاص على هؤلاء المكلفين الذين شاركوا غير مكلفين،
-
فإن عقر السبع غير معتبر في الدنيا ولا في الآخرة،
-
وكذلك ضرب نفسه، وإن كان غير معتر في الدنيا فهو معتبر في الآخرة. وعليه الإثم،
-
وكذلك الحري غير معتبر في الدنيا والآخرة,
-
وقيل: لا يقتص مما ذكرن بل إنما عليه نصف الدية، ويضرب مائة جلدة، ويحبس عاماً كاملاً، والقول بالقصاص يكون بقسامة، والقول بنصف الدية يكون بلا قسامة.
-
وإن تصادم المكلفان أو تجاذبا حبلاً، أو غيره، فسقطا. راكبين، أو ماشيين، أو مختلفين، قصداً، فماتا،
-
فلا قصاص، لفوات محله،
-
وإن مات أحدهما، فحكم القود يجري بينهما، أو حملاً على القصد عند جهل الحال لا على الخطأ، عكس السفينتين إذا تصادمتا، وجهل الحال، فيحملان على عدم القصد، من رؤسائهما،
-
فلا قود ولا ضمان، لأن جريهما بالريح ليس من عمل أربابهما كالعجز الحقيقي، بحيث لا يستطيع كل منهما أن يصرف دابته، أو سفينته عن الآخر،
-
فلا ضمان بل هو هدر.
-
ولو قاد بصير أعمى فوقع البصير، ووقع الأعمى عليه فقتله، فتجب الدية على عاقلة الرجل الأعمى،
-
ولو طلب غريقاً، فما أخذه ليخرجه، خشي على نفسه الهلاك منه، فتركه في البحر ومات،
-
5/2595/259
فلا شيء عليه، ولو سقط رجل من فوق دابته في الطريق، على رجل جالس فمات الرجل، فديته على عاقلة الساقط. الشافعية، والحنابلة قالوا: إذا اشترك في قتل النفس عامد ومخطئ، أو مكلف، وغير مكلف، مثل عامد، وصبي، أو عاقل، ومجنون له نوع تمييز، في قتل من يكافئه، فإنه يجب قتل العاقل المكلف، وتجب نصف الدية على عاقلة الصبي والمجنون،
-
وكذلك الحر والعبد إذا قتلا عبداً عمداً، فيجب على العبد القصاص،
-
ويجب على الحر نصف القيمة من ماله،
-
وكذلك الحل في المسلم والذمي، فإنه يقتل الذمي، وعلى المسلم نصف الدية في ماله، فيتحمل كل واحد جنايته على انفراد، وكأنه لم يشاركه آخر، وحجتهم في ذلك النظر إلى المصلحة العامة التي تقتضي التغليظ على القاتل لحرمة الدماء، فطأن كل واحد منهما انفرد بالقتل فله حكم نفسه، فيجب القصاص على من شارك أباً في قتل ولده،
-
ويجب على الأب وإن سفل نصف الدية مغلظة في ماله،
-
ولا يرث منها، وكذلك يجب قتل شريك حربي في قتل مسلم، وشريك قاطع قصاصاً أو قاطع حداً، كأن جرحه بعد القطع المذكور شخص غير القاطع، وات بسبب القطع، والجرح معاً،
-
وكذا يقتل شريك من جرح نفسه، كأن جرح شخص نفسه جرحاً بالغا ثم جرحه آخر فمات بهما،
-
وكذا يقتل شريك دافع الصائل، كأن جرحه شخص بعد دفع الحيوان الصائل، فمات بهما،
-
وكذا يقتل شريك السبع والحية القاتلين غالباً في قتل من يكافئه،
-
وكذا يقتل عبد شارك سيداً في قتل عبده أو عبد ولده، في الأظهر لظهور الزهوق فيما ذكر بفعلين عمدين، وامتناع القصاص على الآخر لمعنى يخصه، فصار كشريك الأب،
-
ولو جرحه شخص خطأ ونهشته حية، وعقره سبع ومات من ذلك لزمه ثلاث الدية كما لو جرحه ثلاثة. الحنفية قالوا: لا يجب القصاص على من شارك الأب في قتل ولده،
-
ولا على شريك المولى،
-
ولا على شريك الخاطئ،
-
ولا على شريك الصبي،
-
ولا على شريك المجنون، ولك من لا يجب القصاص بقتله، لأن القتل حصل بسببين، أحدهما غير موجب للقود، وهو لا يتجزأ فلا يجب، لأن الأصل في الدماء الحرمة، والنصوص الموجبة للقصاص مختصة بحالة الانفراد، وموضع يمكن القصاص، وهو غير ممكن هنا لعدم التجزيء فلا يتناوله النص،
-
ثم من يجب عليه القصاص لو انفرد، يجب عليه نصف الدية في ماله، لأن فعله عمد، وإنما لم يجب القصاص لتعذر الاستيفاء، والعاقلة لا تعقل العمد، ونصف الدية الآخر على عاقلة الآخر إن كان صبياً أو مجنوناً أو خطأ، لأن الدية يجب فيه بنفس القتل،
-
فإن عمد الصبي والمجنون خطأ قال الإمام على رضي الله عنه،
-
وإن كان الأب فتجب نصف الدية في ماله خاصة ويحرم من ميراثها، ولأن مشاركة من لا يجب عليه القصاص شبهة،
-
فإن القتل لا يتبعض والحدود تدرأ بالشبهات، فيجب الدية. قالوا:
-
ومن شج نفسه وشجه رجل، وعقره أسد، ونهشته حية، فمات من ذلك كله، فيجب على الرجل الأجنبي ثلث الدية، لأن فعل الأسد والحية فعل واحد، لكونه هدر في الدنيا والآخرة،
-
5/2605/260
وفعله بنفسه هدر في الدنيا معتبر في الآخرة، حتى يأثم عليه، ويعاقب به يوم القيامة أمام الله تعالى، وعند الإمام أبي حنفية رحمه الله تعالى، والإمام محمد يغسل الميت، ويصلى عليه، وندع أمره إلى الله تعالى يحاسبه، وعند أبي يوسف رحمه الله، يغسل من شج نفسه،
-
ولا تجب الصلاة عليه، لأنه قاتل نفسه. فالشرع لم يجعل دمه هدراً مطلقاً كالمرتد مثلاً، وجعله جنساً آخر، وفعل الأجنبي معتبر في الدنيا والآخرة، فصارت ثلاثة أجناس، فكأن النفس تلفت بثلاثة أفعال، فيكون التالف بفعل كل واحد ثلثه، فيجب على الرجل الأجنبي ثلث الدية من ماله خاصة، ويسقط الباقي لأنه هدر.
-
مبحث قتل الجماعة بالواحد الشافعية رحمهم الله تعالى قالوا: تقتل الجماعة بالواحد. سواء كثرت الجماعة، أم قلت: وسواء باشروا جميعاً القتل أم باشره بعضهم، وساء قتلوه بمحدد أم بغيره، كما لو ألقوه من شاهق جبل، أو في بحر خضم، أو هدموا عليه حائطاً،
-
ولو تفاوتت جراحاتهم في العدد والفحش والأرش، لما روي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه قتل نفراً خمسة،
-
وقيل: سبعة، برجل قتلوه غيلة أي جعلوه في موضع لا يراه أحد وقال كلمته المشهورة (لو تمالأ علي أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة الحاضرين في عصره، فصار ذلك إجماعاً، ولأن القصاص عقوبة تجب على الواحد، فيجب للواحد على الجماعة، كحد القذف وغيره، ولأنه شرع لحقن الدماء.
-
فلو لم يجب عند الاشتراك لكان كل من أراد أن يقتل شخصاً استعان بآخرين على قتله، واتخذ ذلك ذريعة لسفك الدماء، لأنه صار آمناً من القصاص. قالوا: وللولي العفو عن بعضهم على حصة من الدية، وعن جميعهم على الدية،
-
ثم إن كان القتل بجراحات وزعت الدية باعتبار عدد الرؤوس، لأن تأثير الجراحات لا ينضبط، وقد تزيد نكاية الجرح الواحد على وزعت الدية باعتبار عدد الرؤوس، لأن تأثير الجراحات لا ينضبط، وقد تزيد نكاية الجرح الواحد على جراحات كثيرة،
-
ولو ضربوه بالسياط مثلاً فقتلوه، وضرب كل واحد منهم لو انفرد يكون غير قاتل ففي القصاص أوجه: أحدها: يجب على الجميع القصاص، كيلا يصير ذريعة إلى القتل، وسفك الدماء ظلماً. ثانيها: لا يجب القصاص على واحد منهم، لأن فعل كل واحد شبه عمد، فتجب الدية.
-
ثالثها: وهو أصحها: يجب عليهم القصاص إن اتفقوا على ضربه تلك الضربات، وكان ضرب كل واحد منهم يؤثر في إزهاق الروح
-
بخلاف ما إذا وقع اجتماعهم اتفاقا من غير تواطؤ، فإنه تجب عليهم الدية. وإنما يعتد في ذلك بجراحة كل واحد منهم إذا كانت مؤثرة في زهوق الروح،
-
فلا عبرة بخدشة خفيفة، والولي يستحق دم كل شخص بكماله، إذ الروح لا تتجزأن ولو استحق بعض دمه لم يقتل.
-
5/2615/261
وقيل: البعض بدليل أنه لو آل المر إلى الدية لم يلزمه شيء بالحصة، ولكن لا يمكن استيفاؤه إلا بالجميع، فاستوفي لتعذره، وأبطل الإمام القياس على الدية بقتل الرجل المرأة فإن دمه مستحق فيها، وديتها على النصف.
-
ومن اندملت جراحته قبل الموت لزمه مقتضاها دون قصاص النفس، لأن القتل هو الجراحة السارية. الحنابلة قالوا: لا تقتلوا الجماعة بالواحد، لأن الله تعالى شرط المساواة في القصاص.
-
ولا مساواة بين الجماعة والواحد، قال تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وقال تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد} الآية فيجب عليهم الدية حسب الؤوس، أو يقتل واحد منهم والدية على الباقين اهـ. الحنفية قالوا: تقتل أنفس الجماعة بالنفس الواحدة.
-
ولا يقطع بالطرف إلا طرف واحد، وذلك لأن مفهوم القتل إنما شرع لنفي القتل،
-
فلو لم يقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة. سواء باشروا جميعاً القتل، أو باشره واحد منهم. فقد روي (أن امرأة بصنعاء غاب زوجها، وترك في حجرها ابناً له من غيرها، غلاماً يقال له أصيل فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلاً، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر، والمراة، وخادمها فقتلوه،
-
ثم قطعوا أعضاءه وجعلوه فيعيبة، وطرحوه في ركية، في ناحية العزبة، ليس فيها ماء) . وذكر القصة وفيها، فأخذ خليلها فاعترف،
-
ثم اعترف الباقون، فكتب علي وهو يومئذ أمير على اليمن شأنهم إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فكتب عمر بقتلهم جميعاً، وقال: (والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله، لقتلتهم أجمعين) وفي هذا دليل على أن رأي سيدنا عمر رضي الله عنه قتل الجماعة بالواحد، ووافقه الصحابة رضوان الله عليهم من غير مخالف منهم، وفي ذلك إجماع من الأمة على هذا الحكم.
-
ولأن القتل بطريق التغالب فساد غالب، وكل فساد غالب يحتاج إلى مزجرة للسفهاء، فالقتل بطريق التغلب يحتاج إلى حكم زاجر، والحكم الزاجر في القتل العمد هو القصاص، فهو مزجرة للسفهاء، فيجب تحقيقاً لحكمة الأحياء. قال صحاب النهاية: وهذا جواب الاستحسان، وفي القياس لا يلزمهم القصاص، لأن المعتبر في القصاص إنما هو المساواة، لما في الزيادة من الظلم على المعتدي، وفي النقصان، من البخس بحق المعتدي عليه،
-
ولا مساواة بين العشرة والاحد، هذا شيء يعلم ببداهة العقل، فالواحد من العشرة يكون مثلاً للواحد فكيف تكون العشرة مثلاً للواحد؟ وايد هذا القياس قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وذلك ينفي مقابلة النفوس بنفس، ولكن تركنا هذا المقياس. لما روي أن
-
5/2625/262
سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً، فقضى عمر رضي الله عنه بالقصاص عليهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به اهـ. المالكية قالوا: يقتل الجمع كثلاثة فأكثر بواحد، إن تعمدوا الضرب له وضربوه، ولم تتميز ضربة كل واحد منهم، وسواء كان الموت ينشأ عن كل واحدة أو عن بعضهها، واذ انفذ احد الضاربين مقاتله، ولم يدر من أي الضربات فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية في أموالهم إذا لم يتمالؤوا على قتله،
-
وكذلك يقتل الجميع إذا تساوت الضربات،
-
وإن تميزت الضربات، كان بعضها أقوى شأنه إزهاق الروح، قدم الأقوى ضرباً في القتل دون غيره إن علم الضارب وإن لم علم الجميعن وإن قصد الجميع قتله وضربه وحضروا،
-
وإن لم يباشره إلا احدهم، بحيث إذا لم يباشره هذا لم يتركه الآخر، سواء حصل القتل بآلة يقتل بها عادة. والحاصل: أن الاتفاق يوجب قتل الجميع،
-
وإن رقع الضرب من البعض، أو كان الضرب بنحو سوط،
-
وأما تعمد الضربب بلا اتفاق فإنما يوجب قتل الجميع إذا لم تتميز الضربات، اوتميزت وتساوتن أو لم تتساو، ولم يعلم صاحب الأقوى، والأقدام، وعوقب غيره، وهذا الحكم إذا وقع المضروب ميتاً في جميع هذه الحالات، أو وقع منفوذ المقاتل، أو مغموراً فاقد الشعور حتى مات، وإلا فتجب فيه القصامة،
-
ولا يقتل بها إلا واحد فقط، والله أعلم. مبحث إذا قتل الواحد جماعة الحنفية، والمالكية قالوا: إذا قتل الرجل الواحد جماعة، من المسلمين الحرار، مرة واحدة أو متعقبين، فليس عليه إلا القود،
-
ولا يجب عليه شيء آخر بعد ذلك وإذا حضر أولياء المقتولين قتل لجماعتهم،
-
ولا شيء لهم غير ذلك،
-
فإن حضر واحد منهم إلى الحاكم قتل له، وسقط حق الباقين، لفوات محل الاستيفاء، ولأن كل واحد منهم قاتل بوصفالكمال في اعتبار الشرع تحقيقاً للمماثلة المعتبرة في القصاص، فجاء التماثل، اصله الفصل الأول، إذ لو لم يكن كذلك لما وجب القصاص، ولأنه وجد من كل واحد منهم جرح نافذ صالح للإزهاق، فيصاف إلى كل واحد منهم، إذ هو لا يتجزأ، والحكم حصل عقب علل لابد من الإضافة إليها،
-
فإما إن يضاف إليها توزيعاً أو كملاً، والأول باطل لعدم التجزي، فتعين الثاني، ولهذا إذا حلف جماعة كل منهم أن لا يقتل فلاناً، فاجتمعوا على قتله حنثوا. ولأن القصاص شرع مع المنافي، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (الآدمي بنيان الرب، ملعون من هدم بنيان الرب) وتحقيق الاحياء قد حصل بقتل القاتل، فاكتفى به،
-
ولا شيء لهم غير ذلك. الشافعية قالوا: إن قتل الرجل جماعة من المسلمين المعصومة دماؤهم، قتل بالأول منهم ويجب
-
5/2635/263
للباقين الديات من الموال،
-
وإن قتلهم في حالة واحدة، كان هدم عليهم حائطاً وهم نيام فتلهم في وقت واحد، يقرع بين أولياء المقتولين،
-
فمن خرجت قرعتع قتل له، وثبت للباقين الديات لا غير.
-
وقيل: قتل لهم، وقسمتم الديات بينهم، لتعذر القصاص عليهم، كما لو مات الجاني،
-
فإن اتسعت التركة لجميعهم فذاك، وإلا قسمت التركة بين الجميع بحسب استحقاقهم في الديات، وذلك لأن الموجود من الواحد قتلات عدة، والذي تحقق في حقه قتل واحد فلا تماثل فيه، وهو القياس في الفصل الأول، إلا أنه عرف بالشرع، ولأن الدين شرع المماثلة في القصاص، لئلا يلزم الظلم على المعتدي على تقدير الزيادة، ولئلا يلزم البخص لحق المعتدى عليه، على تقدير النقصان،
-
ولا شك أن الظلم والبخس إنما يندفعان بتحقق المماثلة،
-
فلو قتله غير الأول من المستحقين، أو غير من خرجت القرعة له منهم عصى، لأنه قتل نفساً منع من قتلها. ووجب على الحاكم أن يعذره لإبطال حق غيره، ووقع قتله قصاصاً لأن حقه يتعلق به، بدليل لو عفا الول،
-
فإن الحكم ينتقل إلى من بعده من الولياء،
-
ويجب للباقين الديات لتعذر القصاص عليهم بغير اختيارهم،
-
ولو ضربوه كلهم حتى مات أساؤوا، ووقع القتل موزعاً لعيهم، ورجع كل منهم بالباقي له في الدية فلو كانوا ثلاثة، أخذ كل واحد منهم ثلث حقه وله ثلثا الدية،
-
ولو قتله أجنبي وعفا الوارث على مال أختص بالدية وله القتيل الأول.
-
ولو طلبوا الاشتراك في القصاص والديات لم يجابوا لذلك،
-
ولو أن ولي القاتل الأول، أو بعض أولياء القتلى، صبياص، أو مجنوناً، أو غائباً، حبس القاتل إلى بلوغة، وغقامته، وقدومه من السفر.
-
ولو ضربه واحد ضرباً ثقيلاً، كأن ضربه خمسي سوطاً،
-
ثم ضربه الآخر سوطين أو ثلاثة، حال الألم من ضرب الأول، عالماً بضربه، اقتص منهما، لظهورقصد الإهلاك منهما، أو جاهلاً به فلا قصاص على واحد منهما، لأنه لم يظهر قصد الإهلاك من الثاني، والأول شريك، فعلى الأول حصة ضربه من دية العمد، وعلى الثاني حصة ضربه من دية شبه العمد،
-
وإن ضرباه بالعكس فلا قصاص على واحد منهما، لأن ضرب الأول شبه عمد، والثاني شريكه، فيجب على الول حصة ضربه، من دية شبه العمد، والثاني حصة ضربه من دية العمد،
-
ومن قتل جمعاً، أو قطع أطرافهم مثلاً مرتباًن قتل، أو قطع بأولهم، إن لم يعف لسبق حقهن وهذا الحكم سواء أكان القاتل حراً، أو عبداً.
-
وقيل: إن كان القاتل عبداً قتل بجمعهم،
-
فإن عفا الول، قتل بالثاني، وهكذا والاعتبار في التقديم والتأخير بوقت الموت، لا بوقت الجناية. الحنابلة قالوا: إذا قتل واحد جماعة، واحد بعد واحد، فحضر الأولياء قتل للأول ولا شيء للباقين،
-
وإن قتلهم جميعاً ولم يعلم الأول منهم، وحضر أولياء المقتولين، وطلبوا من الحاكم القصاص، قتل لجماعتهم، ولا دية عليه.
-
5/2645/264
وإن طلب بعضهم القصاص، وبعضهم الدية، قتل لمن طلب منهم القصاص،
-
ولو كانوا أكثر من اثنين، ووجبت الدية في ماله لمن طلبها من الباقين.
-
وإن طلبوا جيمعاً الدية، كان لكل واحد منهم الدية كاملة من ماله خاصة، إذا كان القتل عمداً، ولاشيء على العاقلة،
-
وإذا كانت التركة لا تسعهم جميعاً، قسمت بينهم بالسوية، كما يفعل مع الغرماء، فيأخذ كل منهم حصته من التركة حسب الرؤوس. مبحث إذا قطع رجلان يد رجل واحد الحنفية قالوا: إذا قطع رجلان يد رجل واحد عمداً،
-
فلا يجب القصاص على واحد منهما بل يجب عليهما نصف الديةن لأن تعدد الجاني في الطراف ليس كتعدده في النفس عنهدهم فإذا قطعا يداً لرجل، أو امرأة، حر، أو عبداً فلا قصاص اصلاً، لأن كلاً منهما قاطع بعض اليد، سواء كان المحل متحداً، أو متخلفاً، لأن من انقطع يفعل أحدهما، لم ينقطع بفعل الآخر، وقاطع بعض اليد لا يقطع كل يده قصاصاً لانتفاء المماثلة، وهذا لأن المحل متجزىء،
-
فإن قطع بعض، وترك بعض متصور ومعقول،
-
فلا يمكن أن يجعل كل واحد فاعلا فعلا كاملا،
-
بخلاف النفس، فإن الانزهاق لا يتجزأ، وقد مر ذلك في موضعه،
-
ويجب عليهما نصف الدية مناصفة، لأنه دية اليد الواحدة، ثما قطعاها عمداً. المالكية قالوا: إذا تعدد مباشر على ما دون النفس بلا تمالؤ منهم عليه وتميزت الجراحات، وعلم فعل كل واحد منهم، فيجب أن يقتص من كلو واحد منهم ما فعل حسب المساحة التي قطعها،
-
ولا ينظر لتفاوت العضو بالرقة والغلظ، والطول والقصر.
-
فإن تمالؤوا اقتص من كل واحد منهم بقدر الجميع، تميزت الجراحات، أم لا، قياساً على قتل النفس، من أن الجميع عند التمالؤ يقتلون بالواحد،
-
وأما إذا لم تتميز الجراحات عند عدم التمالؤ، فهل يلزمهم دية الجميع،
-
ولا قصاص، أو يقتصر من كل بقدر الجميع؟
-
فإذا كانوا ثلاثة، خلع احدهم عينه، وقطع الثاني يدهن وقطع الثالث رجله، ولم يعلم من الذي فقأ العين،
-
ومن قطع الرجل، ومن الذي قطع اليد، والحال أنه لا تمالؤ بينهم، اقتص من كل بفقء عينه، وقطع يده، ورجله، وفيه نظر إذا لم يقع من كل واحد وإلا ظهر من المذهب هو الأول. الشافعية، والحنابلةـ قالوا: يشترط لقصاص الطرف والجرح ما شرط للنفس، من كون الجاني مكلفا ملتزماً، وكونه غير أصل للمجني عليه، ومون المجني عليه معصوماً ومكافئاً للجانين ولا يشترط التساوي في البدل، كما لا يشترط في قصاص النفس، فيقطع العبد بالعبد، والمرأة بالرجلن وبالعكس والذمي بالمسلم، والعبد بالحر،
-
ولا عكس، ويشترط كون الجناية عمداً عدواناً، لأنه لا قصاص إلا في العمد، لا في الخطأ وشبه العمد،
-
ومن صور الخطأ في الأطرافن أن يقصد أن يصيب حائطاً بحجر، فيصيب رأس إنسان فيوضحه،
-
ومن صور شبه العمد، أن يضرب رأسه بطلمة، أو بحجر
-
5/2655/265
لا يشج غالباً لصغره، فيتورم الموضه، إلى أن يتضح العظم، وغير ذلك من أنواع الجنايات، وتقطع الأيدي الكثيرة باليد الواحدة، كما لو اشترك جمع في قطع، كأن وضعوا سيفاً على يده، وتحاملوا عليه دفعة واحدة، حتى قطعت اليد، وجب عليهم القصاص، فيقطعوا جميعاً إن تعمدوا القطع، كما في النفس.
-
فإن قيل: سرق رجلان نصابا واحداً لم يقطعا، فهلا كان هنا كذلك؟ أجيب بأن القطع في السرقة حق الله تعالى والحدود بالمساهلات أحق،
-
بخلاف القصاص الذي هو حق العبد، لقصد الزجر، وحرمة دم الآدمي.
-
وإذا تميز فعل بعضهم عن بعض، كأن قطع كل منهم من جانب، والتقت الحديدتان، فإنه لا يجب القصاص على واحد منهما، لأن كلاً منهما لم يقطع إلا بعض اليد،
-
فلا يقطع به كل يده، فتجب عليها نصف الدية.
-
وإذا قطع كل منهم بعض الطرف، أو تعاونوا على قطعه بمنشار مثلاً، جره بعضهم في الذهاب، وبعضهم في العود، قال الجمهور: لا يجب القصاص على أحد منهم، لتعذر المماثلة، لا شتمال المحل على اعصاب ملتفة، وعروق ضارية وساكنة، مع اختلاف وضعها في الأعضاء، فيجب على كل واحد منهم حكومة تليق بجنايته، بحيث يبلغ مجموع الحكومات دية اليد.
-
مبحث من اعتدى على رجلين الحنفية قالوا: إذا قطع واحد يميني رجلين فحضرا فلهما أن يقطعا يده، ويأخذا منه نصف الدية بقسمانه نصفينن سواء قطعهما معاً، أو على التعاقب، لانهما استويا في سبب الاستحقاق، فيستويان في حكمه، كالغريمين في التركة، والقصاص ملك الفعل يثبت مع المنافي،
-
فلا يظهر إلا في حق الاستيفاء، أما المحل فخلو عنه فلا يمنع ثبوت الثاني،
-
بخلاف الرهن، لأن الحق ثابت في المحل، فصار كما إذا قطع العبد يمينيهما على العاقب فتستحق رقبو لهما،
-
وإذا حضر واحد منهما فقطع يده، فلآخر عليه نصف الديةن لأن للحاضر أن يستوفي لثبوت حقه، وتردد حق الغائب،
-
وإذا استوفي لم يبق محل الاستيفاء، فيتعين حق الآخر في الديةن لأنه اوفى به حقاً مستحقاً، يقضى فإذا قضى طرفه حقاً مستحقاً عليه، فيقضى للآخر بالأرش. أما لو قطع يمين أحدهما، ويسار الآخر قطعت يداه،
-
ولا يقال: تنتفي المماثلة حينئذ لأنه ما فوت على كل واحد منهما جنس المنفعة، وهما فوتاه عليه، لأن المعتبرفي حق كل واحد ما استوفاه، وليس في ذلك تفويت جنس المنفعة،
-
ولا زيادة على حقه. قالوا:
-
وإن طلبا القصاص معاً قطع لهما ولا دية،
-
وإن طلب أحدهما القصاص والثاني الدية قطع لمن طلب القصاص وأخذت الدية للآخر. اهـ.
-
5/2665/266
المالكية قالوا: من اعتدى على شخصين فعطع يمينيهما معاً أو متعاقبان، فإنه يجب عليه أن تقطع يمينه لهما،
-
ولا دية عليه بعد ذلك، لا ستحالة الاستيفاء منه لانعدام المماثلة. الشافعية، والحنابلة قالوا: إذا قطع رجل واحد يميني رجلين على التعاقب فإنه يجب عليه أن تقطع يمينه قصاصاً للأول، والدية للثاني،
-
وإذا قطعهما معاُ مقترنين يقرع بينهما،
-
فمن خرجت له القرعة قطع به، لأن اليد استحقها الأول،
-
فلا يثبت الاستحقاق فيها للثاني كالرهن بعد الرهن، وفي القرآن، اليد الواحدة لا تفي بالحقين فترجح بالقرعة، ويغرم الدية، للثاني حتى لا يضيع عليه حقه، كما في النفس عمداً،
-
وكذا إذا اشتبه الأمر. إذا أمسك رجل رجلاً فقتله الآخر الحنفية قالوا: لو أمسك رجل برجل، فقتله آخر فإنه يجب القصاص على القاتل دون الممسك، لأنه هو الذي باشر القتل، والممسك لم يباشره فلا قصاص عليه، بل يجب عليه التعزير، فيحبسه الإمام في السجن حتى يموت، فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك) رواه الدارقطني.
-
الشافعية قالوا: لو أمسك إنسان رجلاً، وقتله رجل آخر غيره فإنه يجب القصاص على القاتل، لأنه مباشر للفعل، ويعزر الذي أمسك القتيل حسب ما يراه الحاكم في طول المدة وقصرها، لأن الغرض تأديبه، وليس بمقصود استمراره للموت، واشترطوا في المسألة، أن يكون القاتل مكلفاً،
-
فلو أمسكه رجل وعرضه لمجنون، أو سبع ضار فافترسه، فالقصاص على الممسك قطعاً في الصورتين،
-
ولو وضع صغيراً على هدف بعد الرمي لا قبله، فاصابه السهم من الرامي، لأنه المباشر للقتل،
-
ويجب القصاص على من أردى آخر في البئر فمات، دون الحافر لأن حفره لا أثر له مع المباشر. وقد روي عن الإمام علي كرم الله وجهه (أنه قضى في رجل قتل رجلاً متعمداً، وأمسكه آخر) ، قال: (يقتل القاتل، ويحبس الآخر في السجن حتى يموت) رواه الإمام الشافعي رحمه الله.
-
المالكية قالوا: إذا أمسك رجلا وكان يقصد قتله، فقتله آخر، ولولا الامساك ما قدر القاتل على قتله، فيجب القود عليهما معاً، الممسك لتسببه، والقاتل لمباشرته القتل بنفسه، وهي أن يمسكه لاجل القتل،
-
وأن يعلم أن الطالب قاصد قتله،
-
وأن يكون لولا إمساكه ما أدركه القاتل،
-
فإن أمسكه لاجل أن يضربه ضرباً معتاداً، أو كان لم يعلم أنه يقصد قتله، أو كان قتله لا يتوقف على امساك له، قتل المباشر وحده، وهو القاتل فعلاً وضرب الممسك مائة سوط، وحبس سنة كاملة، تأديباً له وتعزيراً. الحنابلة قالوا: في احدى روايتهم: يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت في جميع
-
5/2675/267
الأحوال وفي الرواية الأخرى قالوا: إنهما يقتلان جميعاً على الاطلاق القاتل لمباشرته القتل بنفسه، والممسك لأنه السبب في القتل، إذ لولا الامساك لما حصل القتل. مبحث عفو المقتول خطأ عن الدية المالكية، والحنفية، والشافعية وجمهور فقهاء الأمصار - قالوا: إن عفو المقتول عن ديته ينفذ في الثلث من الدية فقط، إلا أن يجيز الورثة هذا العفو، فتسقط الدية كلها عن القاتل خطأ لانهم تنازلوا عن حقوقهم في إرث المال وحجتهم في ذلك، أن المقتول واهب مالاً له بعد موته لأن الدية لا تجب إلا بعد ازهاق الروح، فتنقل الو الورثة،
-
فلا يجوز العفو إلا في الثلث وأصله حكم الوصية، وهي لاتنفذ إلا في ثلث المال، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (الثلث، والثلث كثير) . وقال الحسن وطاوس وجماعة من الفقهاء: يجوز أن يعفو القاتل عن الدية في قتل الخطأ، وتسقط عن القاتل وحجتهم في ذلك أن المقتول إذا كان له أن يعفو عن الدم فهو أحرى أن يعفو عن المال، والدية يستحقها المقتول أولاً،
-
ثم تنتقل من بعده إلى الورثة. المالكية قالوا: لو حصل عفو من كبير معه صغير فليس للصغير إلا نصيبه من الدية،
-
ولا يسري عقو الكبير عليه،
-
فلو كان للصغير ولي من أب ونحوه كوصي، واستحق الصغير قصاصاً بلا مشارك له فعلى وليه النظر بالمصلحة في القتل وأخذ الدية كاملة، ويخير إن استوت،
-
ولا يجوز له أخذ بعض الدية مع يسر الجاني،
-
فإن صالح على أقل من الدية، رجع الصغير بعد رشده على القاتل،
-
فإن كان الجاني معسراً فله الصلح بأقل، من الدية، رجع الصغير بعد رشده على القاتل،
-
فإن كان الجاني معسراً فله الصلح بأقل، أما لو قتل الصغير،
-
فلا كلام لوليه، لانقطاع نظره بالموت، والكلام للعاصب،
-
فإن قتل شخص عبد الصبي، أو جرحه، فالأولى للولي اخذ القيمة، والأرش دون القصاصن إذا لانفع للصبي ما لم يخش على الصبي من القاتل، وإلا تعين القصاص
-
ومثله السفيه، والحكم كذلك في الأطراف اهـ. مبحث صفة القصاص في النفس المالكية رحمهم الله تعالى قالوا: يجب أن يقتل القاتل بما قتل به،
-
ولو كان المقتول به ناراً، لقوله تعالى:
-
{وإن عاقبتم فعاقبوا ما عوقبتم به} قال المفسرون: إن هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص فمن قتل بحديدة قتل بها،
-
ومن قتل بحجر قتل به،
-
ولا يتعدى قدر الواجب، ويكون القصاص بالنار مستثنى من النهي عن التعذيب بها على المشهور. قالوا: والمعنى أن الحق في القتل للولي بمثل ما قتل به الجاني، وذلك إذا ثبت القتل بالبينة، أو الاعتراف، أما لو ثبت بقسامة، فإنه يقتل بالسيف،
-
وكذلك لو ثبت أن القتل بخمر فيتعين قتل الجاني بالسيف،
-
وكذا لو أقر بأنه قتله لواطاً فلا يقتل بما قتل به، بأن يجعل له خشبة في دبره حتى
-
5/2685/268
يموت، بل يجب أن يقتل بالسيف، أما لو ثبت اللواط بأربعة شهود فيكون حده الرجم بالحجارة حتى يموت ولو كان غيرمحصن،
-
وكذلك من قتل بالسحر وثبت عليه ذلك بالبينة أو إقرار، فيتعين قتله بالسيف،
-
ولا يلزم بفعل السحر مع نفسه حتى يموت، لأن الأمر بالمعصية معصية. قال بعضهم: أنه إذا أقر يؤمر بفعله لنفسه فا مات، وإلا فالسيف،
-
وكذلك القتل بالسم، يقتل بالسيف في ظاهر المذهب،
-
وكذلك إذا قتله بمنعه عن الطعام، أو الماء، أو قتله بكثرة الأكل والشراب، أو نخسه بإبرة حتى مات على الراجح،
-
فلا يفعل بالجاني ذلك، بل يتعين قتله بالسيف. قالوا:
-
فإن صدر منه القتل بالغرف يفرق،
-
وإن صدر منه القتل بالخنق، يخنق،
-
وإن قتل بحجر، فإنه يقتل بضرب حجر، ويكون الضرب في موضع خطر حتى يموت بسرعة،
-
وإذا قتل آخر بالضرب بعصا، فإنه يضرب عصا حتى يموت. قالوا: ويمكن متسحق القصاص من السيف،
-
ولو كان الجاني قتل بشيءأخف من السيف، لأن الحق له في القتل بمثل ما قتل به المجني عليه،
-
فإذا طلب القصاص بالسيف فإنه يجاب إلى طلبه، لأن فيه تخفيفاً عن القاتل. الشافعية، والحنابلة في إحدى روايتهم قالوا: يجب أن يقتص من القاتلن على الصفة التي قتل غيره بها، وبآلة تشبه الآلة التي استعملها في مباشرة القتل، حت يتحقق القصاص ويشعر بالألم الذي شعر به القتيل، إن كان قتله بفعل مشروع فإن مات بهذه الوسيلة التي استعملها، وإلا تحز رقبته بالسيف قتلاً، لأن مبنى القصاص لغة وشرعاً على المساواة، وذلك فيما ذكرنا، لأن فيه مساواة في اصل الوصف، والفعل المقصود به،
-
فمن قتل غيره تغريقاُ، قتل تغريقاً بالماء،
-
ومن قتل بضرب حجر قتل بمثل ذلك، إلا أن يطول تعذيبه بذلك فيكون السيف له أروح،
-
فإن قطع يد رجل فمات بسبب السراية فعل به مثل ذلك، ويمهل تلك المدة التي مكثها المقتول،
-
فإن مات، وإلا تحز رقبته بالسيف،
-
وإن كان القتل بشي غير مسموح به شرعاً، كأن أكرهه على شرب الخمر حتى قتله بها، أو لاط بصغيرن فقتله، أو اعتدى على صغيرة وزنى بها فقتلها، فإنه يجب قتله في هذه الحالة بالسيف، لأن المماثلة ممتنعة لتحريم الفعل. وحجتهم في ذلك قول تعالى:
-
{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} آية ١٢٦ من النحل وقوله تعالى:
-
{فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} آية ١٩٤ من البغرة. قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في التماثل في القصاص،
-
فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به، وهو قول الجمهور، ما لم يقتله بفسق كاللواطة، وإسقاء الخمر. وما روي عن انس بن مالك رضي الله تعالى عنه (أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها: من صنع بك هذا؟
-
فلان؟ فلان. حتى ذكروا يهودياً، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فأقر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترض رأسه بين حجرين، متفق عليه، واللفظ لمسلم.
-
5/2695/269
فالحديث دليل على أنه يجب القصاص بالمثقل، كالمحدد، وأنه يقتل الرجل بالمرأة،
-
وأن القاتل يقتل بما قتل به، قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} . وبما أخرجه البيهقي من حديث البراء رضي اللهتعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غرض غرضنا به،
-
ومن حرق، حرقناه، ومن غرق غرقناه) ومعنى غرض أي اتخذه غرضاً للسهام، ولأن المقصود من القصاص التشفي، وإنما بكمل إذا قتل بمثل ما قتل، وحديث النهي عن المثلة محمول على من وجب قتله، لا على وجه المكافأة.
-
ويشترط أن تراعى المماثلة في طريق القتل، وتراعى في الكيفية والمقدار، ففي التجويع يحبس مثل تلك المدةن ويمنع عنه الطعام، وفي الإلقاء في الماء، أو النار يلغى في ماء، ونار مثلهما، ويترك تلك المدة، وتشد قوائمه عند الإلقاء في الماء، إن كان يحسن السباحة، وفي الخنق، يخنق بمثل ما خنق، بمثل تلك المدة، وفي الإلقاء من الشاهق يلقى من مثله، وتراعى صلابة الموضع، وفي الضرب بالمثقل يراعى الحجم، وعدد الضربات،
-
وإذا تعذر الوقوف على قدر الحجر، أو النار، أو على عدد الضربات، اخذ باليقين،
-
وقيل: يعدل إلى السيف، هذا إذا عزم على أنه إن لم يمت بذلك قتله،
-
فإن قال ولي الدم فإن لم يمت به عفوت عنه لم يمكنه لما فيه من التعذيب، وفي السحر، يقتل بالسف لأن عموم السحر حرام، لا شيء مباح فيشبهه،
-
ولا ينضبط وفي الخبر (حد الساحر ضربه بالسيف) ولو قتله بمسموم من طعام أو آلة اقتص منه بمثلها إذا لم يكن مهرياً يمنع الغسل،
-
ولو أنهشه حية، فإن كانت تلك الحية موجودة لم يعدل إلى غيرها،
-
ولو كانت غير موجودة جاز العدول إلى حية غيرها لتنهشه،
-
وكذلك لو ألقاه في زريبة أسد فافترسه، فإنه يلقى أمام الأسد ليفترسه كما فعل،
-
ولو رجع شهود الزنا بعد رجم المشهود عليه، اقتص منهم بالرجم،
-
وإن رجعوا بعد موته بالجلد، اقتص منهم وبالجلد،
-
ولو جوع، كتجويعه فملم يمت في المدة الي جوع فيها المقتول، فإنه يزاد في المدة حتى يموت، ليكون قتله بالطريق التي قتل به،
-
ولا يبالي بزيادة الإيلام، والتعذيب، كما لو ضرب رقبة إنسان بضربة واحدة ولم تنحز رقبته إلا بضربتين، لأن المماثلة قد حصلتن ولم يبق إلا تفويت الروح فيجب تفويتها بالأسهل.
-
ومن عدل من أولياء الدم عما تجوز فيه المماثلة، إلى الضرب بالسيف، فله ذلك، سواء ارضي الجاني، أم لا، فإنه أرحم واسهل، بل هو أولى للخروج من الخلافن أما إذا عدل إلى ذبحه كالبهيمة، لم يجز، لهتكه الحرمة،
-
فإن كان الجاني قتل بالسيف، ويريد ولي المقتول قتل الجاني بغير السيف، فإنه لا يمكن من ذلك.
-
ولو قطع يدهن فسى قطعه للنفس، فمات، فللولي حز رقبته ابتداء، لأنه أسهل على الجاني من القطع،
-
ثم الحز، وله القطه، للمماثلة،
-
ثم الحز للرقبة حالاً للسراية،
-
ولا يجاب الجاني إذا قال لولي المجني عليه: امهلني عليه بعد جنايتي، لثبوت حق القصاص ناجزاً، وإن شاء الولي
-
5/2705/270
أخر، وانتظر السراية، بعد القطع وليس للجاني أن يقول لولي المقتول ارحني بالقتل أو العفو، بل الخيرة في ذلك إلى المستحق، لأنه صاحب الشأن.
-
ولو مات بجائفة أو كسر عضو، أو نحو ذلك مما لا قصاص فيه. فللولي حز الرقبة بالسيف لا غير، لأن المماثلة لا تتحقق في هذه الحالة، بدليل عدم إيجاب القصاص في ذلك عند الاندمال فوجب السيف،
-
فإن قال ولي المقتول: أجيفه، وأقتله أن لم يمت فله ذلك،
-
وإن قال: أجيفه ثم أعفو لم يكن من ذلك.
-
ولو اقتص معطوع عضو فيه نسف الدية، من قاطعه،
-
ثم مات المقطوع الأول بالسراية، فلوليه حز الرقبة وله عفو بنصف الدية في تركة الجاني،
-
ولو قطعت يداه فاقتص المقطوع،
-
ثم مات سراية فلوليه الحز لرقبة الجاني في مقابلة نفس مورثه،
-
فإن عفا عن قتله،
-
فلا شيء له، لأنه استوفى ما يقابل الدية،
-
ولو مات الجاني سراية من قطع عضو منه قصاصاً، فنفسه هدر، لقوله تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} . وقد روى البعقي عن عمر، وعلي رضي الله عنهما: (من مات في حد، أو قصاص،
-
فلا دية له، والحق قتله) ولأنه مات من قطع يستحق،
-
فلا يتعلق بسرايته ضمان، كقطع يد السارق حداً, قالوا: يأذن الإمام، أو نائبه لواحد من مستحقي القصاص في استيفائه بنفسه، في النفس إذا طلب ذلك ليكمل له التشفي. الحنفية قالوا: لا يجوز أن يستوفى القصاص إلا بالسيف خاصة، في جميع الأحوال، سواء كان القتل به أم بغيره، واحتجوا على مذهبهم بما أخرجه البزار، وابن عدي، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا قود إلا بالسيف) وواحتجوا بأن الشارع نهى عن المثلة، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) .
-
فقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا قود إلا بالسيف) نص على نفي استيفاء القصاص بغيره. ويلحق به ما كان سلاحاً من غير السيف، كالمدفع، والبندقة، وغيرهما، ولأن فيما ذهب الأئمة إليه استيفاء لزيادة، فلم يحصل المقصود بمثل ما فعل الجاني، فيجب التحرز عنه، كما في كسر العظم والجائفة، ولأن الآلة في الاغراق، والخنق، وإلاحراق، غير معدة للقتل،
-
ولا مستعملة فيه لتعذر استعمالها، فتمكنت شبهد عد العمدية، ولأن القصاص مبني على المماثلة، ومنه يقال: اقتص أثره،
-
ولا تماثل بين الجرح والدق، لقصور الثاني عن تخريب الطاهر،
-
وكذا لا يتماثلان في حكمة الزجر، لأن القتل بالسيف غالب، وبالمثقل نادر.
-
وأما ما رواه الشافعية من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من غرق غرقناه ومن حرق حرقناه، من قتل عبداً قتلناه) فهو غير مرفع لأنه يلزم على قولهم أنه يجوز التحريق بالتحريق، وهو منهي عنه شرعاً، فقد
-
5/2715/271
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تعذبوا أحداً بعذاب الله) أو أن الحديث محمول على السياسة، حيث اضافه صلى الله عليه وسلم إلى نفسه فقال: (غرقنا) ولم يقل صلوات الله وسلامه عليه (حرقوه أو غرقوه) وقد استدل الأحناف بهذا الحديث في وجوب القصاص، ولم يعملوا به، في الاستيفاء لقول صلى الله عليه وسلم: (لا قود إلا بالسيف) فهو أقوى من الحديث الثاني عند أهل الحديث وقد ذكر بعده، فنسخ حكمه.
-
مبحث من قتل ثم لجأ إلى الحرم الشافعية قالوا: يقتص المستحق على الفور في النفس،
-
وكذلك في الأطراف على المذهب لأن القصاص موجب الاتلاف، فيتعجل كقيم المتلفات، والتأخير لاحتمال العفو. قالوا: ويقتص في الحرم، لأن الحرم لا يمنع من القصاص، كقتل الحية والعقرب داخل الاحرم، وسواء التجأ إليه أم لا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عامم الفتح وسمع به عبد الله بن خطل التميمي الذي ارتد بعد إسلامه، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم في شعره ويلقنه لجاريتيه المغنيتين، فتتغنيان به، فخاف من الرسول وتعلق بأستار الكعبة ليستجير بها، وعند طواف النبي صلى الله عليه وسلم بها أخبر بحالته، فقال: (اقتلوه) فإن الكعبية لا تعيذ عاصياً،
-
ولا تمنع من إقامة حد واجب فقتل
-
وكذلك الحويرث بن نقيد، فإنه كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بهجائه، فقتله الإمام على رضي الله تبارك وتعالى عنه بمكة المكرمة.
-
وكذلك المقيدس بن صبابة الكندي عبد أن ارتد ورجع إلى مكة، فامر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، واهدر دمه، فقتله ابن عمه نميلة بن عبد الله الليثي، وهو متعلق بأستار الكعبة،
-
وقيل: بمحل آخر، ولأن القصاص على القور،
-
فلا يؤخر. فلو التجأ الجاني إلى الكعبة، أو المسجد الحرام، أو غيره من المساجد، أو إلى ملك إنسان فيخرج منه ثم يقتل صيانة للمسجد، ولأنه يمتنع استعمال ملك الغير بغير غذنه،
-
فإن هذا التأخير يسير، وخوفاً من تلوث المسجد الحرام أو المساجد الأخرى، فيخرج منها،
-
وكذا يقتل لو التجأ الجاني إلى مقابر المسلمين، ولم يمكن قتله إلا بإراقة الدم عليها،
-
وإذا لم يخرج الجاني من الحرم، ومكث فيه جاز إقامة القصاص عليه وقتله فيه،
-
فإن حرمة دم الآدمي أقوى من حرمة البيت. المالكية قالوا: لو قتل شخص إنساناً في الحل ثم دخل الحرم بعد ارتكاب جنايته فلا يؤخر، بل يجب إخراجه من الحرم، ويقام عليه الحد خارج الحرم،
-
ولو كان الجاني محرماً،
-
ولا ينتظر لإتمامه ولا يجوز إقامة القصاص في الحرم عليه لئلا يؤدي إلى تنجسه بالدماء، وسواء فعل موجب القصاص في داخل الحرم، أم فعله خارجه ثم لجأ إليه، ليهرب من تنفيذ القصاص وأما قوله تعالى:
-
{ومن دخله كان آمناً} فهو إخبار عما كان عليه الناس في الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة، ودخل الحرم فيلقاه ابن القتول،
-
فلا يهيجه حتى يخرج.
-
5/2725/272
وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا أبو يحيى التميمي عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: