فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

كِتَابُ الْوَدِيعَةِ

المبسوطالحنفيةالمسائل ٢٦٬٠٠٤ إلى ٢٦٬٤١٩

  1. ١١/١٢٦١١/١٢٦

    ثُمَّ رَجَعُوا إلَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَمْ تَكُونُوا فُقَهَاءَ {وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ} .

  2. وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْمُسْتَوْدَعُ؛ فَنَتَجَتْ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا أَمَرَ بِذَلِكَ: فَأَوْلَادُهَا لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ خَيْرٌ مُتَوَلَّدٌ مِنْ الْأَصْلِ، يُمَلَّكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ،

  3. وَإِنْ هَلَكَتْ الْأُمَّهَاتُ بِذَلِكَ، فَالْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ حِينَ أَتَى بِغَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ فَيَضْمَنُ مَا هَلَكَ بِسَبَبِهِ.

  4. (وَلَوْ) أَكْرَى الْإِبِلَ إلَى مَكَّةَ، وَأَخَذَ الْكِرَاءَ كَانَ الْكِرَاءُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِعَقْدِهِ، وَلَيْسَتْ الْغَلَّةُ كَالْوَلَدِ وَلَا كَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ؛

  5. فَإِنَّ ذَاكَ يَتَوَلَّدُ مِنْ الْأَصْلِ فَيُمَلَّكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَوَلِّدٍ مِنْ الْأَصْلِ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ؛ فَيَكُونُ لِلْعَاقِدِ. وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ

  6. ١١/١٢٧١١/١٢٧

    فِي الْغَصْبِ.

  7. ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ أَنْفَقَ الْوَدِيعَةَ عَلَى عِيَالِ الْمُودِعِ بِأَمْرِهِ

  8. (وَإِنْ) ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ أَنْفَقَ الْوَدِيعَةَ عَلَى عِيَالِ الْمُودِعِ بِأَمْرِهِ، وَصَدَّقَهُ عِيَالُهُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ لَمْ آمُرْك بِذَلِكَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْوَدِيعَةِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ بَاشَرَ سَبَبَ الضَّمَانِ فِي الْوَدِيعَةِ - وَهُوَ الْإِنْفَاقُ - وَادَّعَى مَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ عَنْهُ - وَهُوَ إذْنُ الْمَالِكُ -؛

  9. فَلَا يَصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ،

  10. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْوَدِيعَةِ مَعَ يَمِينِهِ لِإِنْكَارِهِ.

  11. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، أَوْ يَهَبَهَا لِفُلَانٍ.

  12. فَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ جَارِيَةً فَزَوَّجَهَا الْمُسْتَوْدَعُ مِنْ رَجُلٍ، وَأَخَذَ عُقْرَهَا فَوَلَدَتْ، وَنَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ،

  13. ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهَا: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَوَلَدَهَا، وَلَهُ أَنْ يُفْسِدَ النِّكَاحَ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ بَاشَرَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ،

  14. وَإِذَا فَسَدَ النِّكَاحُ: أَخَذَ عُقْرَهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ، وَالْعُقْرُ كَالْأَرْشِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الْعَيْنِ

  15. بِخِلَافِ الْأَجْرِ، وَيَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ نُقْصَانَ الْوِلَادَةِ إنْ كَانَتْ الْوِلَادَةُ نَقَصَتْهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِهَا،

  16. وَإِنْ كَانَ فِي الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِهَا: انْجَبَرَ النُّقْصَانُ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ صَارَ كَالْغَاصِبِ فِيمَا صَنَعَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحَكَمَ فِي حَقِّ الْغَاصِبِ.

  17. وَإِنْ كَانَ نُقْصَانُهَا مِنْ غَيْرِ الْوِلَادَةِ - مِنْ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ الزَّوْجُ مِنْ جِمَاعِهَا - فَالْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَ الزَّوْجَ عَلَى ذَلِكَ، وَصَارَ غَاصِبًا بِمَا صَنَعَ، وَإِنَّمَا يَنْجَبِرُ بِالْوَلَدِ نُقْصَانُ الْوِلَادَةِ؛ لِاتِّحَادِ سَبَبِ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي نُقْصَانٍ حَدَثَ بِسَبَبٍ آخَرَ،

  18. وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ اسْتَهْلَكَ الْوَلَدَ: ضَمِنَ قِيمَةَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ كَانَ أَمَانَةً عِنْدَهُ - كَوَلَدِ الْغَصْبِ عِنْدَ الْغَاصِبِ - فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ.

  19. (ثُمَّ) رَدُّ قِيمَةِ الْوَلَدِ كَرَدِّ عَيْنِهِ فِي انْجِبَارِ نُقْصَانِ الْوِلَادَةِ بِهِ.

  20. (رَجُلٌ) اسْتَوْدَعَ رَجُلَيْنِ جَارِيَةً فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَهَا الَّذِي فِي يَدِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الْمُشْتَرِي فَوَلَدَتْ لَهُ،

  21. ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهَا: (قَالَ) : يَأْخُذُهَا وَعُقْرَهَا، وَقِيمَةَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْلِدَ مَغْرُورٌ،

  22. فَإِنَّ قِيَامَ الْمِلْكِ لَهُ فِي نِصْفِهَا كَقِيَامِ الْمِلْكِ لَهُ فِي جَمِيعِهَا، فِي صِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ،

  23. وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ لَهُ فِي جَمِيعِهَا ظَاهِرًا، كَانَ يَتَحَقَّقُ الْغَرَرُ، فَكَذَلِكَ فِي نِصْفِهَا. وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ.

  24. ثُمَّ رَدُّ قِيمَةِ الْوَلَدِ كَرَدِّ عَيْنِ الْوَلَدِ فِي جَبْرِ نُقْصَانِ الْوِلَادَةِ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِالنُّقْصَانِ: أُخِذَ تَمَامُ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ غَاصِبًا لَهَا فِي حَقِّ مَالِكِهَا، فَيَكُونُ ضَامِنًا لِمَا حَدَثَ مِنْ النُّقْصَانِ فِي يَدِهِ،

  25. ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا مَلَّكَهُ نِصْفَهَا،

  26. وَلَوْ مَلَّكَهُ كُلَّهَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ قِيمَةِ الْوَلَدِ، إذَا ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ، فَالْجُزْءُ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ.

  27. وَأَمَّا الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ فَلِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ،

  28. وَإِنْ شَاءَ رَبُّ الْجَارِيَةِ ضَمِنَ

  29. ١١/١٢٨١١/١٢٨

    الْبَائِع نِصْفَ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَمِينًا فِي نِصْفِهَا، وَقَدْ تَعَدَّى بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ.

  30. أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ هَلَكَتْ كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْبَائِعَ نِصْفَ قِيمَتِهَا، فَكَذَلِكَ إذَا فَاتَ جُزْءٌ مِنْهَا بِالْوِلَادَةِ.

  31. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْجَارِيَةَ لِهَذَا الَّذِي حَضَرَ إلَّا بِقَوْلِ الْمُسْتَوْدَعِينَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مِنْهُمَا مُنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ، وَالْآخَر قَدْ تَمَلَّكَ عَلَيْهِ الْمُسْتَوْلِدُ نَصِيبَهُ أَيْضًا بِالضَّمَانِ؛

  32. فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى إبْطَالِ مِلْكٍ ثَابِتٍ لِلْمُسْتَوْلِدِ عَلَيْهِمَا، وَلَكِنْ الْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ لِلْمُشْتَرِي، بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَنِصْفَ عُقْرِهَا فَيَدْفَعُهُ إلَى شَرِيكِهِ فِيهَا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ يَسْتَوْلِدُهَا أَحَدُهُمَا.

  33. (فَإِنْ قِيلَ) : كَيْفَ يَغْرَمُ لِلشَّرِيكِ هُنَا، وَهُوَ يَأْبَى ذَلِكَ، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ؟ (قُلْنَا) : نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ صَارَ مُكَذَّبًا فِي زَعْمِهِ شَرْعًا حِينَ كَانَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُشْتَرِي؛ فَلِهَذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ زَعْمِهِ.

  34. (وَإِذَا) جَحَدَ الْمُسْتَوْدَعُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْوَدِيعَةِ،

  35. ثُمَّ أَوْدَعَ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ الْمُودَعِ مِثْلَ ذَلِكَ: وَسِعَهُ إمْسَاكُهُ قِصَاصًا بِمَا ذَهَبَ بِهِ مِنْ وَدِيعَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ دَيْنًا لَهُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ بِجُحُودِهِ. وَصَاحِبُ الْحَقِّ مَتَى ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: «خُذِي مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» .

  36. (وَقِيلَ) فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصَاحِبِ الْحَقِّ: الْيَدُ وَاللِّسَانُ، أَنَّ الْمُرَادَ أَخْذُ جِنْسِ حَقِّهِ إذَا ظَفِرَ بِهِ.

  37. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَالَ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَأَنْكَرَهُ،

  38. ثُمَّ أَوْدَعَهُ مِثْلَهُ، فَأَمَّا إذَا أَوْدَعَهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ لَمْ يَسَعْهُ إمْسَاكُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ عِنْد اخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَلَا يَنْفَرِدُ هُوَ بِهِ، وَالْأَوَّلُ: اسْتِيفَاءٌ، وَصَاحِبُ الْحَقِّ يَنْفَرِدُ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَحُكِيَ عَنْ ابْن أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا؛

  39. لِلْمُجَانِسَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ؛ فَالْوَدِيعَةُ عَيْنٌ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ، إذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقُّ تَمَلُّكِ الْعَيْنِ،

  40. وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْمَرْهُونُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ: الْمُرْتَهَنُ يَحْبِسُ الْمَرْهُونَ بِإِيجَابِ الرَّاهِنِ مِلْكَ الْيَدِ لَهُ فِي الْعَيْنِ،

  41. وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْهَلَاكِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ،

  42. ثُمَّ عِنْدَ الْمُجَانَسَةِ إذَا طَلَبَ الثَّانِي يَمِينَ الْمُودَعِ الْأَوَّلِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ: لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إلَيْك،

  43. فَإِنْ قَالَ لِلْقَاضِي: حَلِّفْهُ بِاَللَّهِ مَا اسْتَوْدَعْته كَذَا: فَلَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: قَدْ يُودِعُ الرَّجُلُ غَيْرَهُ شَيْئًا،

  44. ثُمَّ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ شَيْءٍ إلَيْهِ.

  45. فَإِنْ أَدَّى بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَقَدْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ لَهُ، فَيُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ.

  46. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُحَلِّفُهُ - كَمَا طَلَبَ الْخَصْمُ - بِاَللَّهِ مَا أَوْدَعَهُ مَا يَدَّعِي،

  47. ثُمَّ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا فِي يَمِينِهِ،

  48. وَلَا رُخْصَةَ فِي الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، فَطَرِيقُ التَّخَلُّصِ لَهُ: أَنْ

  49. ١١/١٢٩١١/١٢٩

    يَعْرِضَ لِلْقَاضِي بِمَا ذَكَرْنَا، أَوْ يَحْلِفَ: مَا اسْتَوْدَعْتنِي شَيْئًا إلَّا كَذَا

  50. وَكَذَا، يَسْتَثْنِي ذَلِكَ بِكَلَامِهِ وَيُخْفِيهِ مِنْ خَصْمِهِ وَمِنْ الْقَاضِي، وَيَسَعُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ دَافَعَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ، غَيْرَ قَاصِدٍ إلَى الْإِضْرَارِ بِغَيْرِهِ، إلَّا أَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّتِهِ لَا تَكْفِي لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ كَلَامُهُ، لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ؛

  51. لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ أَنَّ كَلَامَهُ عِبَارَةٌ عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى،

  52. فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا، أَوْ مُعَارِضًا، وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ؛ فَلِهَذَا شَرَطَ التَّكَلُّمَ بِالِاسْتِثْنَاءِ. وَجْهُ ذَلِكَ مَا لَوْ قَرَّبَ إنْسَانٌ أُذُنَهُ مِنْ فَمِهِ سَمِعَ ذَلِكَ، وَفَهِمَهُ.

  53. وَأَمَّا إذَا غَابَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ،

  54. وَلَا يُدْرَى: أَحَيٌّ هُوَ أَوْ مَيِّتٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى يَعْلَمَ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حِفْظَهَا لَهُ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا الْتَزَمَ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي الْعُهُودِ: وَفَاءٌ لَا غَدْرَ فِيهِ.

  55. بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ فَإِنَّ مَالِكَهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ، فَبَعْدَ التَّعْرِيفِ: التَّصَدُّقُ بِهَا طَرِيقٌ لَا يَصِلُهَا إلَيْهِ، وَهُنَا مَالِكُهَا مَعْلُومٌ، فَطَرِيقُ إيصَالِهَا الْحِفْظُ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْمَالِكُ، أَوْ يَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ فَيَطْلُبَ، وَارِثَهُ، وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ.

  56. ، وَإِنْ مَاتَ الرَّجُلُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَعِنْدَهُ، وَدِيعَةٌ، وَمُضَارَبَةٌ، وَبِضَاعَةٌ،

  57. فَإِنْ عُرِفَتْ بِأَعْيَانِهَا: فَأَرْبَابُهَا أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَدْيُونِ يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ دُونَ مَالِ سَائِرِ النَّاسِ، وَكَمَا كَانُوا أَحَقَّ بِهَا فِي حَيَاةِ الْمَدْيُونِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ.

  58. وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ بِأَعْيَانِهَا: قُسِمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ، وَأَصْحَابُ الْوَدِيعَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْبِضَاعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْغُرَمَاءِ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: الْغُرَمَاءُ أَحَقُّ بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَمِينَ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا لِلْأَمَانَةِ؛ فَالْأَمَانَةُ تَصِيرُ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ بِالتَّجْهِيلِ صَارَ مُتَمَلِّكًا لَهَا،

  59. فَإِنَّ الْيَدَ الْمَجْهُولَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ تَنْقَلِبُ يَدَ مِلْكٍ؛ وَلِهَذَا: لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِهَا كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ، حَتَّى يَقْضِيَ الْقَاضِي لِلْوَارِثِ وَالْمُودَعِ بِالتَّمْلِيكِ؛ فَيَصِيرُ ضَامِنًا، وَلِأَنَّهُ بِالتَّجْهِيلِ يَصِيرُ مُسَلِّطًا غُرَمَاءَهُ وَوَرَثَتَهُ عَلَى أَخْذِهَا. وَالْمُودَعُ بِمِثْلِ هَذَا التَّسْلِيطِ يَصِيرُ ضَامِنًا كَمَا لَوْ دَلَّ سَارِقًا عَلَى سَرِقَتِهَا، وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ،

  60. وَمِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ: بَيَانُهَا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَرَدُّهَا عَلَى الْمَالِكِ إذَا طَلَبَ، فَكَمَا يَضْمَنُ بِتَرْكِ الرَّدِّ بَعْدَ الطَّلَبِ يَضْمَنُ أَيْضًا بِتَرْكِ الْبَيَانِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: هَذَا كُلُّهُ إذَا عَلِمَ قِيَامَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ،

  61. وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ عَلِمْنَا بَقَاءَهَا، وَالتَّمَسُّكُ بِمَا هُوَ الْمَعْلُومُ وَاجِبٌ، مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ، وَرُبَّمَا يَقُولُ: حَقُّ الْغُرَمَاءِ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ، وَيَتَحَوَّلُ بِالْمَوْتِ إلَى مَالِهِ، وَحَقُّ أَصْحَابِ الْأَمَانَةِ لَمْ يَكُنْ فِي ذِمَّتِهِ فِي حَيَاتِهِ، فَكَيْف يُزَاحِمُونَ الْغُرَمَاءَ فِي مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؟

  62. وَلَكِنَّا نَقُولُ: صَارَ حَقُّهُمْ أَيْضًا دَيْنًا قَبْلَ

  63. ١١/١٣٠١١/١٣٠

    مَوْتِهِ حِين وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ بَيَانِهِ،

  64. ثُمَّ حَقُّ أَصْحَابِ الْأَمَانَةِ مِنْ وَجْهٍ أَقْوَى، لِعِلْمِنَا أَنَّهُ كَانَ فِي عَيْنِ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ،

  65. وَمَنْ لَهُ حَقُّ الْعَيْنِ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ - كَالْمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ - فَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الْأَمَانَةِ التَّرْجِيحَ،

  66. فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُزَاحِمَ الْغُرَمَاءَ.

  67. (وَإِذَا) رَدَّ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ إلَى الْمُودِعِ،

  68. ثُمَّ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، وَحَضَرُوا عِنْدَ الْقَاضِي:

  69. فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي الْقَبْضِ قَدْ انْتَسَخَ بِالرَّدِّ إلَى مَنْ أَخَذَ مِنْهُ؛

  70. فَلَا يَبْقَى لَهُ حُكْمٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبَيَانُ الِانْتِسَاخِ مِنْ حَيْثُ الْحِسِّ ظَاهِرٌ.

  71. وَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ: فَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالرَّدِّ شَرْعًا عَلَى مَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ قَبْلَ حُضُورِ الْمَالِكِ.

  72. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ كَانَ غَاصِبًا مَعْرُوفًا فَطَالَبَ الْمُودَعَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ الْمَالِكُ: أَلْزَمَهُ الْقَاضِي ذَلِكَ،

  73. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ سَرِقَةً، أَوْ غَصْبًا: فَالْمُودَعُ بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ يَكُونُ نَاسِخًا حُكْمَ فِعْلِهِ فَيَبْقَى لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ حَقٌّ؛ وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ التَّفْوِيتِ؛

  74. فَإِنَّ بِأَخْذِهِ فَاتَ عَلَى الْمَالِكِ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْإِعَادَةِ إلَى يَدِهِ.

  75. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُودَعُ صَبِيًّا، أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ،

  76. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ صَبِيًّا، أَوْ عَبْدًا؛ لِأَنَّ الْمُسْقِطَ لِلضَّمَانِ فِي حَقِّ الْمُودَعِ: رَدُّهُ إلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ مِنْهُ.

  77. (وَإِنْ) كَانَ الْمُودَعُ دَفَعَهَا إلَى إنْسَانٍ بِأَمْرِ الْمُودِعِ، أَوْ بَاعَ، أَوْ وَهَبَ، وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ،

  78. ثُمَّ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ: كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَضْمَنَ الْمُسْتَوْدَعَ؛ لِأَنَّهُ مَا نُسِخَ فِعْلُهُ بِالرَّدِّ إلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ إنَّمَا سَلَّمَهُ إلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ بِدُونِ أَمْرِ الْمُودِعِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ أَمْرَهُ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا؛ فَكَانَ الْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنًا -

  79. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ - فَقَدْ رُدَّ هُنَاكَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ، وَذَلِكَ نَاسِخٌ لِفِعْلِهِ.

  80. عَبْدٌ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً ثُمَّ غَابَ

  81. (عَبْدٌ) اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً،

  82. ثُمَّ غَابَ: لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَ الْوَدِيعَةَ تَاجِرًا كَانَ الْعَبْدُ، أَوْ مَحْجُورًا؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ مَا قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ أَخْذِ هَذَا الْمَالِ بِشَرْطَيْنِ، (أَحَدُهُمَا) : قِيَامُ مِلْكِهِ فِي رَقَبَةِ الدَّافِعِ فِي الْحَالِ.

  83. (وَالثَّانِي) : فَرَاغُ ذِمَّةِ الدَّافِعِ عَنْ دَيْنِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْعَبْدِ فِي كَسْبِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمَوْلَى، وَالْمُودَعُ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِي إثْبَاتِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ كَسْبُ الْعَبْدِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ وَدِيعَةً فِي يَدِهِ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا لِإِيضَاحِ مَا سَبَقَ أَنَّ الْمُودَعَ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ طَلَبُ الْمَالِكِ لِيَرُدَّهَا عَلَيْهِ،

  84. فَإِنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَلْزَمُهُ رَدُّهَا إلَى الْعَبْدِ إذَا حَضَرَ،

  85. وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهَا عَلَى مَالِكِهَا.

  86. (وَإِذَا) مَاتَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ: فَالْوَارِثُ خَصْمٌ فِي طَلَبِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ

  87. ١١/١٣١١١/١٣١

    الْمُوَرِّثِ، قَائِمٌ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ،

  88. فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، وَلَهُ وَصِيٌّ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَدْفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْوَصِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَأَمَّا الْوَارِثُ فَإِنَّمَا يَخْلُفُ الْمُوَرِّثَ بِشَرْطِ فَرَاغِ التَّرِكَةِ عَنْ حَقِّ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ؛ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى الْوَصِيِّ لِيَبِيعَهَا فَيَقْضِيَ الدَّيْنَ،

  89. ثُمَّ يَدْفَع مَا بَقِيَ إلَى الْوَارِثِ.

  90. (وَإِنْ) كَانَتْ الْوَدِيعَةُ عَبْدًا، أَوْ دَابَّةً، أَوْ ثَوْبًا وَاحِدًا عِنْدَ رَجُلَيْنِ: فَإِنَّهُمَا يَتَهَايَآنِ عَلَى حِفْظِهِ؛ فَيُمْسِكُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَهْرًا؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْحِفْظِ - آنَاءً اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ - لَا يُتَصَوَّرُ، وَلِأَنَّهُمَا يَحْفَظَانِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ مِنْ مِلْكِهِمَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَكَذَلِكَ مِنْ الْوَدِيعَةِ؛

  91. لِأَنَّهُمَا يَحْفَظَانِ الْوَدِيعَةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظَانِ مَا لَهُمَا.

  92. (وَإِنْ) وَضَعَهُ أَحَدُهُمَا عِنْدَ صَاحِبِهِ، فَهَلَكَ، لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا؛ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فِي زَمَانِ الْمُهَايَأَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا.

  93. (وَإِذَا) قَالَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ: أَوْدَعْتُك عَبْدًا وَأَمَةً، وَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: مَا أَوْدَعْتَنِي إلَّا الْأَمَةَ، وَقَدْ هَلَكَتْ، فَأَقَامَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى: ضَمِنَ الْمُسْتَوْدَعُ قِيمَةَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ فِي الْعَبْدِ؛ فَصَارَ ضَامِنًا قِيمَتَهُ،

  94. وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ الْوَدِيعَةِ فِيهَا، وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهَا هَلَكَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.

  95. (رَجُلَانِ) ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَةً فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ أَوْدَعَهَا إيَّاهُ، وَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: مَا أَدْرِي لِأَيِّكُمَا هِيَ، غَيْرَ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهَا لِأَحَدِكُمَا. (قَالَ) : يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ الْأَمَةَ بِعَيْنِهَا، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، إنَّمَا أَقَرَّ بِإِيدَاعِ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ مِنْهُ، وَالْمُنْكِرُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ؛

  96. فَلِهَذَا يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَتَمَامُ بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْمَسْأَلَةَ هُنَا لِبَيَانِ خِلَافِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي فَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَهُمَا، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْأَمَةَ إلَيْهِمَا، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَرُدُّهَا عَلَيْهِمَا،

  97. وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ - بِنَاءً عَلَى مَا بَيَّنَّا - أَنَّ التَّجْهِيلَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ عَلَى الْمُودَعِ. " وَعِنْدَنَا " : التَّجْهِيلُ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَارَ مُجْهِلًا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَصِيرُ ضَامِنًا،

  98. ثُمَّ بِنُكُولِهِ صَارَ مُقِرًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَخَذَ جَمِيعَهَا مِنْهُ، وَإِنَّمَا رَدَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا، فَيَصِيرُ ضَامِنًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَغْرَمَ قِيمَتَهَا بَيْنَهُمَا.

  99. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذَا اسْتَوْدَعَنِيهَا،

  100. ثُمَّ قَالَ: أَخْطَأْت، بَلْ هُوَ هَذَا، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهُ بِهَا صَحِيحٌ، وَرُجُوعهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَيَضْمَنُ لِلْآخَرِ قِيمَتَهَا؛ لِإِقْرَارِهِ أَنَّهَا لِلثَّانِي، وَأَنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلِكًا عَلَى الثَّانِي بِإِقْرَارِهِ بِهَا لِلْأَوَّلِ؛ فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ قِيمَتَهَا. وَهَذَا إذَا دَفَعَهَا إلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءِ

  101. ١١/١٣٢١١/١٣٢

    الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ دَفَعَهَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَكُونُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ لَمْ يَفُتْ عَلَى الثَّانِي شَيْءٌ، وَإِنَّمَا الْفَوَاتُ بِالدَّفْعِ إلَى الْأَوَّلِ، وَقَدْ كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَلَكِنْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَ الْقَاضِي عَلَى الْقَضَاءِ بِهَا لِلْأَوَّلِ بِإِقْرَارِهِ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا مِنْ الثَّانِي، وَالْمُودَعُ إذَا سَلَّطَ الْغَيْرَ عَلَى أَخْذِ الْوَدِيعَةِ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْمُودِعِ.

  102. (رَجُلٌ) اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً فَأَوْدَعَهَا الْمُسْتَوْدَعُ غَيْرَهُ، مِنْ غَيْرِ عِيَالِهِ، فَهَلَكَتْ: فَالْأَوَّلُ ضَامِنٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالتَّسْلِيمِ إلَى غَيْرِ مَنْ أُمِرَ بِحِفْظِهَا مِنْهُ،

  103. وَلَا ضَمَانَ عَلَى مُودَعِ الْمُودَعِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: هُوَ ضَامِنٌ لَهَا أَيْضًا، وَلِصَاحِبِ الْمَالِ الْخِيَارُ، يُضَمِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ. " وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى " : لَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛

  104. بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ: أَنَّ لِلْمُودَعِ أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ - وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا -.

  105. فَأَمَّا هُمَا فَيَقُولَانِ: الْأَوَّلُ مُتَعَدٍّ فِي التَّسْلِيمِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَالثَّانِي مُتَعَدٍّ فِي الْقَبْضِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ فَكَانَ لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ، كَالْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ.

  106. فَإِنْ ضَمَّنَ الْأَوَّلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ مُلِّكَ؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَوْدَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَقَدْ هَلَكَتْ فِي يَدِ الْمُودَعِ،

  107. وَإِنْ ضَمِنَ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ فَإِنَّهُ أَوْدَعَهُ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الضَّمَانُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ.

  108. فَإِذَا لَحِقَهُ الضَّمَانُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ فِي الْقَبْضِ، وَالْحِفْظِ كَانَ عَامِلًا لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَضْمَنُ بِسَبَبِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْأَوَّلُ يَصِيرُ ضَامِنًا بِالتَّسْلِيمِ إلَى الثَّانِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَهَا إلَيْهِ لِيَحْفَظَهَا بِحَضْرَتِهِ، فَهَلَكَتْ: لَمْ يَضْمَنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْأَوَّلُ ضَامِنًا؛

  109. بِتَرْكِ الْحِفْظِ حِينَ غَابَ بَعْدَ مَا سَلَّمَهَا إلَى الثَّانِي.

  110. فَأَمَّا الثَّانِي لَمْ يَتْرُكْ الْحِفْظَ، بَلْ هُوَ مُقْبِلٌ عَلَى الْحِفْظِ حِين هَلَكَتْ،

  111. فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا. يُوَضِّحُهُ: أَنَّ أَصْلَ قَبْضِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْلَ غَيْبَةِ الْأَوَّلِ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ جِهَتِهِ صُنْعٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَيَصِيرُ بِهِ ضَامِنًا، وَالضَّمَانُ لَا يَجِبُ بِدُونِ الصُّنْعِ، إنَّمَا وُجِدَ الصُّنْعُ مِنْ الْأَوَّلِ - وَهُوَ الذَّهَابُ، وَتَرْكُ الْحِفْظُ - وَلَمَّا لَمْ يَصِرْ الثَّانِي ضَامِنًا بِالْقَبْضِ، كَانَ هَذَا فِي حَقِّهِ كَثَوْبٍ هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ، وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِهِ،

  112. فَإِذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ لَمْ يَضْمَنْ. يُقَرِّرُهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا لَمْ يَضْمَنْ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ بِتَرْكِهَا فِي يَدِ الثَّانِي بَعْدَ غَيْبَتِهِ، فَقَدْ صَارَتْ يَدُهُ يَدًا مُعْتَبَرَةً فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى الْأَوَّلِ،

  113. وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ تِلْكَ الْيَدِ بِعَيْنِهَا فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى الثَّانِي كَأَجِيرِ الْقَصَّارِ، إذَا دَقَّ الثَّوْبَ وَتَخَرَّقَ، لَمَا وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْأُسْتَاذِ بِسَبَبِ فِعْلِ الْأَجِيرِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَجِيرِ شَيْءٌ مِنْ

  114. ١١/١٣٣١١/١٣٣

    الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ إنَّمَا يَضْمَنُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ أَيْضًا، وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَى الشَّخْصَيْنِ، فَهَذَا مِثْلُهُ،

  115. بِخِلَافِ الْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ:

  116. فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا يَصِيرُ ضَامِنًا بِفِعْلِهِ - وَهُوَ غَصْبُهُ - وَغَصْبُ أَحَدِهِمَا غَيْرُ غَصْبِ الثَّانِي، وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ حَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَتُهُ حِينَ غَصَبَهُ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.