فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

بَابُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ

المبسوطالحنفيةالمسائل ٤٧٦ إلى ١٬٠٢٠

  1. ١/٧٠١/٧٠

    وَإِنْ شَاءَتْ أَخَّرَتْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضِ) ؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ لِلتَّطْهِيرِ حَتَّى تَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْحَائِضِ قَبْلَ انْقِطَاعِ الدَّمِ،

  2. وَإِنْ شَاءَتْ اغْتَسَلَتْ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ يُعِينُ عَلَى دُرُورِ الدَّمِ (وَكَانَ مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْجُنُبَ مَمْنُوعٌ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْحَائِضَ لَا تُمْنَعُ.

  3. قَالَ (وَإِذَا عَرَقَ الْجُنُبُ، أَوْ الْحَائِضِ فِي ثَوْبٍ لَمْ يَضُرَّهُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ الْحَائِضَ مِنْ نِسَائِهِ بِالِاتِّزَارِ، ثُمَّ كَانَ يُعَانِقُهَا طُولَ اللَّيْلِ، وَالْحَرُّ حَرُّ الْحِجَازِ فَكَانَا يَعْرَقَانِ لَا مَحَالَةَ، وَلَمْ يَتَحَرَّزْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَقِهَا» ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ فَهُوَ وَأَعْضَاءُ الْمُحْدِثِ سَوَاءٌ.

  4. قَالَ (وَإِذَا وَقَعَتْ الْجِيفَةُ، أَوْ النَّجَاسَةُ فِي الْحَوْضِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ قِيَاسُ الْأَوَانِي وَالْجِبَابِ يَتَنَجَّسُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ «يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا» ،

  5. وَإِنْ كَانَ الْحَوْضُ كَبِيرًا فَهُوَ قِيَاسُ الْبَحْرِ لَا يَتَنَجَّسُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .

  6. وَالْفَصْلُ بَيْنَ الصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ يُعْرَفُ بِالْخُلُوصِ فَإِذَا كَانَ بِحَالٍ لَوْ أَلْقَى فِيهِ الصَّبْغَ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ فَهُوَ صَغِيرٌ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ النَّجَاسَةَ تَخْلُصُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ كَمَا خَلَصَ اللَّوْنُ هَكَذَا حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -،

  7. وَالْمَذْهَبُ الظَّاهِرُ فِي تَفْسِيرِ الْخُلُوصِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِحَالٍ لَوْ حُرِّكَ جَانِبٌ مِنْهُ يَتَحَرَّكَ الْجَانِبُ الْآخَرُ فَهُوَ صَغِيرٌ،

  8. وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكَ الْجَانِبُ الْآخَرُ فَهُوَ كَبِيرٌ.

  9. وَصِفَةُ التَّحْرِيكِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ اعْتَبَرَ تَحْرِيكَ الْمُتَوَضِّئِ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتَبَرَ تَحْرِيكَ

  10. ١/٧١١/٧١

    الْمُنْغَمِسِ فَرِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْسَعُ،

  11. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي الْحَوْضِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَاءِ الْجَارِي،

  12. وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النَّجَاسَةُ يَتَنَجَّسُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْكِتَابِ، وَقَالَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُتْرَكُ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ قَدْرَ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ،

  13. ثُمَّ يَتَوَضَّأُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَخْلُصُ إلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ هُوَ مُفَسَّرٌ فِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَى هَذَا قَالُوا: مَنْ اسْتَنْجَى فِي مَوْضِعٍ مِنْ حَوْضٍ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَبْلَ تَحْرِيكِ الْمَاءِ.

  14. وَأَمَّا التَّقْدِيرُ بِالْمِسَاحَةِ فَقَدْ قَالَ أَبُو عِصْمَةَ كَانَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقَدِّرُ فِي ذَلِكَ عَشْرَةً فِي عَشْرَةٍ،

  15. ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ: لَا أُقَدِّرُ فِيهِ شَيْئًا، وَالْمَشْهُورُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذَا فَقَالَ: إنْ كَانَ مِثْلَ مَسْجِدِي هَذَا فَهُوَ كَبِيرٌ فَلَمَّا قَامَ مَسَحُوا مَسْجِدَهُ فَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ اثْنَا عَشَرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَكَانَ مَنْ رَوَى ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ مَسَحَ الْمَسْجِدَ مِنْ دَاخِلٍ،

  16. وَمَنْ رَوَى اثْنَيْ عَشَرَ مَسَحَهُ مِنْ خَارِجٍ،

  17. وَلَا عِبْرَةَ بِعُمْقِ الْمَاءِ حَتَّى قَالُوا إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ فَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي.

  18. هَذَا كُلُّهُ فِي بَيَانِ مَذْهَبِنَا (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) إذَا كَانَ الْمَاءُ بِقَدْرِ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَالْقُلَّةُ اسْمٌ لِجَرَّةٍ تُحْمَلُ مِنْ الْيَمَنِ تَسَعُ فِيهَا قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا فَالْقُلَّتَانِ خَمْسُ قِرَبٍ كُلُّ قِرْبَةٍ خَمْسُونَ مَنًّا فَيَكُونُ جُمْلَتُهُ مِائَتَيْنِ، وَخَمْسِينَ مَنًّا.

  19. وَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يَحْمِلُ خَبَثًا» (قُلْنَا) هَذَا ضَعِيفٌ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ بَلَغَنِي بِإِسْنَادٍ لَمْ يَحْضُرْنِي مَنْ ذَكَرَهُ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ» الْحَدِيثَ، وَمِثْلُ هَذَا دُونَ الْمُرْسَلِ،

  20. ثُمَّ قِيلَ مَعْنَاهُ لَيْسَ لِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَحْتَمِلُ النَّجَاسَةَ فَيَتَنَجَّسُ بِهِ كَمَا يُقَالُ: مَالُ فُلَانٍ لَا يَحْتَمِلُ السَّرَفَ لِقِلَّتِهِ.

  21. وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الْقُلَّةِ فَقِيلَ إنَّهَا الْقَامَةُ،

  22. وَقِيلَ إنَّهُ رَأْسُ الْجَبَلِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إذَا بَلَغَ مَاءُ الْوَادِي قَامَتَيْنِ، أَوْ رَأْسَ الْجَبَلَيْنِ، وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ مَعْنَاهُ بَحْرًا، وَبِهِ نَقُولُ (وَكَانَ) مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ الْقَلِيلُ، وَالْكَثِيرُ سَوَاءٌ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِتَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَذْهَبَهُ.

  23. قَالَ (وَيَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنْ الْحَوْضِ الَّذِي يَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قَذَرٌ،

  24. وَلَا يَسْتَيْقِنُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ فَعَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ غَيْرُهُ، وَخَوْفُهُ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ لِلْحَاجَةِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ، وَأَصْلُ الطَّهَارَةِ دَلِيلٌ مُطْلَقٌ لَهُ الِاسْتِعْمَالُ فَلَا حَاجَةَ إلَى السُّؤَالِ.

  25. (أَلَا تَرَى) أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -

  26. ١/٧٢١/٧٢

    أَنْكَرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سُؤَالَهُ بِقَوْلِهِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ بِقَوْلِهِ لَا تُخْبِرْنَا،

  27. وَكَذَلِكَ إنْ أَنْتَنَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جِيفَةٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى عَلَى بِئْرِ رُومَةَ فَوَجَدَ مَاءَهَا مُنْتِنًا فَأَخَذَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ مَجَّهُ فِي الْبِئْرِ فَعَادَ الْمَاءُ طَيِّبًا» ، وَلِأَنَّ تَغَيُّرِ اللَّوْنِ قَدْ يَكُونُ بِوُقُوعِ الطَّاهِرِ كَالْأَوْرَاقِ، وَغَيْرِهَا، وَتَغَيُّرَ الرَّائِحَةُ يَكُونُ بِطُولِ الْمُكْثِ كَمَا قِيلَ الْمَاءُ إذَا سَكَنَ مُنْتِنُهُ تَحَرَّكَ نَتِنُهُ،

  28. وَإِذَا طَالَ مُكْثُهُ ظَهَرَ خُبْثُهُ فَلَا يَزُولُ أَصْلُ الطَّهَارَةِ بِهَذَا الْمُحْتَمَلِ فَلِهَذَا لَا نَدَعُ التَّوَضُّؤَ بِهِ.

  29. قَالَ (وَإِذَا نَسِيَ الْمُتَوَضِّئُ مَسْحَ رَأْسِهِ فَأَصَابَهُ مَاءُ الْمَطَرِ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، أَوْ لَمْ يَمْسَحْهُ أَجْزَأَهُ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ) ،

  30. وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ إذَا وَقَفَ فِي الْمَطَرِ الشَّدِيدِ حَتَّى غَسَلَهُ، وَقَدْ أَنْقَى فَرْجَهُ، وَتَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ،

  31. وَكَذَلِكَ الْمُحْدِثُ إذَا جَرَى الْمَاءُ عَلَى أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {، وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} ، وَالطَّهُورُ الطَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُ التَّطَهُّرِ بِهِ عَلَى فِعْلٍ يَكُونُ مِنْهُ كَالنَّارِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُ الِاحْتِرَاقِ بِهَا عَلَى فِعْلٍ يَكُونُ مِنْ الْعَبْدِ،

  32. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْمَغْسُولِ ثَبَتَ فِي الْمَمْسُوحِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْمَغْسُولِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ إصَابَةُ الْبَلَّةِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قُلْنَا بِجَوَازِ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ بِدُونِ النِّيَّةِ.

  33. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) : لَا يَجُوزُ إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ هِيَ عِبَادَةٌ فَلَا تَتَأَدَّى بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِقَصْدٍ، وَعَزِيمَةٍ مِنْ الْعَبْدِ

  34. بِخِلَافِ غُسْلِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ.

  35. (وَلَنَا) آيَةُ الْوُضُوءِ فَفِيهَا تَنْصِيصٌ عَلَى الْغُسْلِ، وَالْمَسْحِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ النِّيَّةِ فَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ إذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْمَنْصُوصِ مَا يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، وَالزِّيَادَةُ لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ،

  36. وَلَا بِالْقِيَاسِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ لُغَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {، وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} فَفِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ فَكَانَتْ كَغُسْلِ النَّجَاسَةِ، وَتَأْثِيرُ مَا قُلْنَا أَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ فِي نَفْسِهِ، وَالْحَدَثُ الْحُكْمِيُّ دُونَ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ فَإِذَا عَمِلَ الْمَاءُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ بِدُونِ النِّيَّةِ فَفِي إزَالَةِ الْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ أَوْلَى، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُضُوءَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يَكُونُ عِبَادَةً، وَلَكِنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا تَبَعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ إنَّمَا الْمَقْصُودُ إزَالَةُ الْحَدَثِ، وَزَوَالُ الْحَدَثِ يَحْصُلُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَوُجِدَ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْقِيَامُ إلَيْهَا طَاهِرًا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا فِي الِابْتِدَاءِ، وَبِهِ نُجِيبُ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ بِحَسَبِ النِّيَّةِ، وَبِهِ نَقُولُ، وَعَنْ التَّيَمُّمِ فَإِنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُزِيلٍ

  37. ١/٧٣١/٧٣

    لِلْحَدَثِ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَوْ أَبْصَرَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ كَانَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا مَعْنَى التَّعَبُّدِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ النِّيَّةَ تَقْتَرِنُ بِالْفِعْلِ،

  38. وَلَا بُدَّ مِنْ الْفِعْلِ فِي التَّيَمُّمِ حَتَّى إذَا أَصَابَ الْغُبَارُ وَجْهَهُ، وَذِرَاعَيْهِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ التَّيَمُّمِ. وَفِي الْوُضُوءِ، وَالِاغْتِسَالِ لَا مُعْتَبَرَ بِالْفِعْلِ حَتَّى إذَا سَالَ مَاءُ الْمَطَرِ عَلَى أَعْضَائِهِ زَالَ بِهِ الْحَدَثُ فَكَذَلِكَ بِدُونِ النِّيَّةِ.

  39. قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالتَّمَسُّحِ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ) لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَوَضَعْنَا لَهُ مَاءً فَاغْتَسَلَ، وَالْتَحَفَ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ حَتَّى أَثَّرَ الْوَرْسُ فِي عُكَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَلِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَلْبَسَ ثِيَابَهُ فَإِنَّ مَنْ اغْتَسَلَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ لَا يَأْمُرُهُ أَحَدٌ بِالْمُكْثِ عُرْيَانًا حَتَّى يَجِفَّ فَلَعَلَّهُ يَمُوتُ قَبْلَهُ،

  40. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّمَسُّحِ بِثِيَابِهِ، أَوْ بِمِنْدِيلٍ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مَا زَايَلَ الْعُضْوَ فَأَمَّا الْبَلَّةُ الْبَاقِيَةُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ حَتَّى لَوْ جَفَّ كَانَ طَاهِرًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْسَحَ ذَلِكَ بِالْمِنْدِيلِ.

  41. قَالَ (وَلَا بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ، أَوْ يُعَاوِدَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ) لِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصِيبُ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَنَامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً فَإِذَا انْتَبَهَ رُبَّمَا عَاوَدَ، وَرُبَّمَا قَامَ فَاغْتَسَلَ» ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلِ وَاحِدٍ فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَنَا، وَنَقُولُ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا» .

  42. قَالَ (وَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ فَهُوَ أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَابَ مِنْ أَهْلِهِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ نَامَ» ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ، وَالْوُضُوءَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنَّوْمِ، وَالْمُعَاوَدَةِ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ ازْدَادَ نَظَافَةً فَكَانَ أَفْضَلَ.

  43. (فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ، وَيَتَمَضْمَضَ،

  44. ثُمَّ يَأْكُلُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْجُنُبِ أَيَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ قَالَ نَعَمْ إذَا تَوَضَّأَ» ، وَالْمُرَادُ غَسْلُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَا تَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ عَادَةً فَالْمُسْتَحَبُّ إزَالَتُهَا بِالْمَاءِ،

  45. وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَتَوَضَّأْ حَتَّى شَرِبَ كَانَ مِنْ وَجْهٍ شَارِبًا لِلْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ يَدِهِ أَصْلٌ، وَفِي النَّجَاسَةِ شَكٌّ.

  46. قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الْجَبَائِرُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَسَحَ عَلَيْهَا) ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَدَاوَاهُ بِعَظْمٍ بَالٍ، وَعَصَبَ عَلَيْهِ فَكَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْعِصَابَةِ» ، «وَلَمَّا كُسِرَتْ إحْدَى زَنْدَيْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَوْمَ حُنَيْنٍ حَتَّى سَقَطَ اللِّوَاءُ مِنْ يَدِهِ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْعَلُوهَا فِي يَسَارِهِ

  47. ١/٧٤١/٧٤

    فَإِنَّهُ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ فَقَالَ مَاذَا أَصْنَعُ بِجَبَائِرِي فَقَالَ امْسَحْ عَلَيْهَا».

  48. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْغُسْلُ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَاءِ حَارٌّ، أَوْ بَارِدٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ،

  49. وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ أَقْوَى مِنْ الْمَسْحِ، وَلَمَّا سَقَطَ الْغُسْلُ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ لِخَوْفِ الضَّرَرِ فَكَذَلِكَ الْمَسْحُ،

  50. وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ مَسَحَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ فَإِنْ تَرَكَ الْمَسْحَ، وَهُوَ لَا يَضُرُّهُ

  51. قَالَ فِي الْأَصْلِ - لَمْ يُجْزِهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يُجْزِئُهُ،

  52. وَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ،

  53. ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى قَوْلِهِمَا.

  54. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْغُسْلَ، وَهُوَ لَا يَضُرُّهُ لَمْ يُجْزِهِ فَكَذَلِكَ الْمَسْحُ اعْتِبَارًا لِلْبَدَلِ بِالْأَصْلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ لَوْ أَلْزَمْنَاهُ الْمَسْحَ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْغُسْلِ، وَنَصْبُ الْأَبْدَالِ بِالْآحَادِ مِنْ الْأَخْبَارِ لَا يَجُوزُ الْبَدَلُ،

  55. ثُمَّ وُجُوبُ الْبَدَلِ فِي مَوْضِعٍ كَانَ يَجِبْ الْأَصْلُ، وَهَا هُنَا لَوْ كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ بَادِيًا لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ بَدَلًا عَنْهُ، وَبِهِ فَارَقَ الْخُفَّ.

  56. قَالَ (وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ،

  57. ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ،

  58. ثُمَّ سَقَطَتْ الْجَبَائِرُ عَنْهُ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ) ، وَهَذَا إذَا كَانَ سُقُوطُهَا عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ فَإِنْ كَانَ عَنْ بُرْءٍ فَعَلَيْهِ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَاسْتِقْبَالُ الصَّلَاةِ لِزَوَالِ الْعُذْرِ فَأَمَّا إذَا سَقَطَ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ فَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ كَالْغُسْلِ لِمَا تَحْتَهُ مَا دَامَتْ الْعِلَّةُ بَاقِيَةً، وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ بِخِلَافِ الْمَسْحِ بِالْخُفِّ.

  59. قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ فِي جَانِبِ رَأْسِهِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِقْدَارَ الْمَسْحِ) ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ مِنْ الْمَسْحِ مِقْدَارُ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْمَحَلِّ صَحِيحًا فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَالْعِرَاقِيُّونَ يَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا: إنْ ذَهَبَ عِيرٌ فَعِيرٌ فِي الرِّبَاطِ.

  60. قَالَ (وَإِذَا قَلَسَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ فِيهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ) إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ ثَبَتَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْقَلْسَ حَدَثٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ.

  61. (وَلَنَا) قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ فَقَالَ أَوْ دَسْعَةً تَمْلَأُ الْفَمَ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الْقَلْسَ لَا يَكُونُ حَدَثًا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ خَارِجٌ نَجِسٌ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ، وَالْقَلْسُ مُخْرَجٌ لَا خَارِجٌ فَإِنَّ مِنْ طَبْعِ الْأَشْيَاءِ السَّيَّالَةِ أَنَّهَا لَا تَسِيلُ مِنْ فَوْقٍ إلَى فَوْقٍ إلَّا بِدَافِعٍ دَفَعَهَا، أَوْ جَاذِبٍ جَذَبَهَا فَهُوَ كَالدَّمِ إذَا ظَهَرَ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ

  62. ١/٧٥١/٧٥

    فَمَسَحَهُ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ عِنْدَ مِلْءِ الْفَمِ - بِالْآثَارِ فَبَقِيَ مَا دُونَهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ بَلْوًى فَإِنَّ مَنْ يَمْلَأُ مِنْ الطَّعَامِ إذَا رَكَعَ فِي الصَّلَاةِ يَعْلُو شَيْءٌ إلَى حَلْقِهِ فَلِلْبَلْوَى جَعَلْنَا الْقَلِيلَ عَفْوًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إذَا تَجَشَّأَ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ شَيْءٍ، وَلِهَذَا خَبُثَ رِيحُهُ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّ الْفُسَاءَ جُعِلَ حَدَثًا، وَحَدُّ مِلْءِ الْفَمِ أَنْ يَعُمَّهُ، أَوْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْكَلَامِ،

  63. وَقِيلَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى نِصْفِ الْفَمِ، وَعَلَى هَذَا حِكَايَةُ عَابِدٍ بِبَلْخٍ يُقَالُ عَلِيُّ بْنُ يُونُسَ أَنَّ ابْنَتَهُ سَأَلَتْهُ فَقَالَتْ إنْ خَرَجَ مِنْ حَلْقِي شَيْءٌ فَقَالَ لَهَا إذَا وَجَدْتِ طَعْمَهُ فِي حَلْقِكِ فَأَعِيدِي الْوُضُوءَ،

  64. ثُمَّ رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَا يَا عَلِيُّ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ فَجَعَلْت عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُفْتِي بَعْدَ هَذَا أَبَدًا.

  65. (فَإِنْ قَاءَ مِلْءَ الْفَمِ مُرَّةً، أَوْ طَعَامًا، أَوْ مَاءً فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قَاءَ، أَوْ رَعَفَ، أَوْ أَمْذَى فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْقَيْءُ لَيْسَ بِحَدَثٍ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا شَرِبَ الْمَاءَ، وَقَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، وَجَعَلَهُ قِيَاسَ خُرُوجِ الدَّمْعِ، وَالْعَرَقِ، وَالْبُزَاقِ، وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّهُ بِالْوُصُولِ إلَى الْمَعِدَةِ يَتَنَجَّسُ فَإِنَّمَا يَخْرُجُ، وَهُوَ نَجِسٌ فَكَانَ كَالْمُرَّةِ، وَالطَّعَامِ سَوَاءٌ.

  66. (وَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا، أَوْ بُزَاقًا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ) أَمَّا الْبُزَاقُ طَاهِرٌ، وَبِخُرُوجِ الطَّاهِرِ مِنْ الْبَدَنِ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ، وَالْبَلْغَمُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ نَجِسٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إذَا مَلَأَ الْفَمَ قِيلَ إنَّمَا أَجَابَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا يَعْلُو مِنْ جَوْفِهِ، وَهُمَا فِيمَا يَنْحَدِرُ مِنْ رَأْسِهِ.

  67. وَهَذَا ضَعِيفٌ فَالْمُنْحَدِرُ مِنْ رَأْسِهِ طَاهِرٌ بِالِاتِّفَاقِ سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْ جَانِبِ الْفَمِ، أَوْ الْأَنْفِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلنَّجَاسَاتِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا يَعْلُو مِنْ الْجَوْفِ فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: الْبَلْغَمُ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ فَكَانَ نَجِسًا كَالْمُرَّةِ، وَالصَّفْرَاءِ، وَلِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَاتِ فَكَانَ نَجِسًا بِالْمُجَاوَرَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: الْبَلْغَمُ بُزَاقٌ، وَالْبُزَاقُ طَاهِرٌ.

  68. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الرُّطُوبَةَ فِي أَعْلَى الْحَلْقِ تَرِقُّ فَتَكُونُ بُزَاقًا، وَفِي أَسْفَلِهِ تَثْخُنُ فَيَكُونُ بَلْغَمًا، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ خُرُوجَهُ لَيْسَ مِنْ الْمَعِدَةِ بَلْ مِنْ أَسْفَلِ الْحَلْقِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلنَّجَاسَةِ فَالْبَلْغَمُ هُوَ النُّخَامَةُ «، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمَّارٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا نُخَامَتُك، وَدُمُوعُ عَيْنِكَ، وَالْمَاءُ الَّذِي فِي رَكْوَتِكَ إلَّا سَوَاءً» .

  69. (قَالَ) ، وَإِنْ قَاءَ دَمًا فَعَلَى

  70. ١/٧٦١/٧٦

    قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِقَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ الْأَنْوَاعِ، وَاحْتَجَّا بِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ الدَّمِ فَخُرُوجُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِهِ فِي الْجَوْفِ فَإِذَا سَالَ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ كَانَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ كَالسَّائِلِ مِنْ جُرْحٍ فِي الظَّاهِرِ (وَرَوَى) الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ هَذَا إذَا قَاءَ دَمًا رَقِيقًا فَإِنْ كَانَ شِبْهَ الْعَلَقِ لَمْ يُنْتَقَضْ الْوُضُوءُ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ؛

  71. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقٌ.

  72. قَالَ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ دَمٌ، أَوْ صَدِيدٌ، أَوْ قَيْحٌ فَسَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ نَقَضَ الْوُضُوءَ عِنْدَنَا) ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ حَدَثٍ، قِيلَ وَمَا الْحَدَثُ؟ قَالَ: صَوْتٌ، أَوْ رِيحٌ» ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَوْضِعِ الْحَدَثِ لَا عَيْنَيْهِ فَدَلَّ أَنَّ الْحَدَثَ مَا يَكُونُ مِنْ السَّبِيلِ الْمُعْتَادِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قَلِيلَ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ لَيْسَ بِحَدَثٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَا يَكُونُ حَدَثًا فَالْقَلِيلُ مِنْهُ، وَالْكَثِيرُ سَوَاءٌ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الرِّيحُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْجُرْحِ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا

  73. بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ الْمَخْرَجَ مَقَامَ الْخَارِجِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْحَدَثِ فَمَا لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا النَّجَاسَةُ جُعِلَ الْخَارِجُ مِنْهُ حَدَثًا، وَنَجِسًا، وَمَا يَخْتَلِفُ الْخَارِجُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا،

  74. وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ نَجِسٌ تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ.

  75. (وَلَنَا) حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» ، وَقَالَ سَلْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالدَّمُ يَسِيلُ مِنْ أَنْفِي فَقَالَ أَحْدِثْ لِمَا حَدَثَ بِكَ وُضُوءً» ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ خَارِجٌ نَجِسٌ، وَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَكَانَ حَدَثًا كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ، وَهَذَا؛

  76. لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْخَارِجِ دُونَ الْمَخْرَجِ حَتَّى الْوَاجِبِ بِاخْتِلَافِ الْخَارِجِ فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَخُرُوجُ الْمَذْيِ يُوجِبُ الْوُضُوءُ، وَالْمَخْرَجُ وَاحِدٌ، وَهُوَ

  77. بِخِلَافِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّهُ مَا صَارَ خَارِجًا إنَّمَا تَقَشَّرُ عَنْهُ الْجِلْدُ فَظَهَرَ مَا هُوَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ، وَفِي السَّبِيلِ،

  78. وَإِنْ قَلَّ مَا ظَهَرَ فَقَدْ فَارَقَ مَكَانَهُ،

  79. وَكَذَلِكَ الرِّيحُ إذَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلِ، وَمَعَهُ قَلِيلُ شَيْءٍ، وَذَلِكَ كَافٍ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ

  80. بِخِلَافِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ. يُقَرِّرُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِمَعْنًى مِنْ

  81. ١/٧٧١/٧٧

    بَدَنِهِ فَيَكُونُ حَدَثًا كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ

  82. بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسِلْ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ غُسْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى مِنْ بَدَنِهِ فَلَا تَتَغَيَّرُ صِفَةُ طَهَارَةِ بَدَنِهِ،

  83. ثُمَّ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الدَّمَ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ حَتَّى انْحَدَرَ انْتَقَضْ بِهِ الْوُضُوءُ،

  84. وَإِنْ لَمْ يَنْحَدِرْ، وَلَكِنَّهُ عَلَا فَصَارَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ لَمْ تُنْتَقَضَ بِهِ الطَّهَارَةُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ إنْ مَسَحَهُ قَبْلَ أَنْ يَسِيلَ فَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ تُرِكَ لَسَالَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ،

  85. وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَسِلْ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ فِي الدَّمِ إذْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ فَهُوَ حَدَثٌ، وَإِلَّا فَلَا.

  86. قَالَ (فَإِنْ بَزَقَ فَخَرَجَ مِنْ بُزَاقِهِ دَمٌ فَإِنْ كَانَ الْبُزَاقُ هُوَ الْغَالِبُ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مَا خَرَجَ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ الْبُزَاقُ، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ (وَإِنْ كَانَ الدَّمُ هُوَ الْغَالِبُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ) ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ.

  87. وَإِنْ كَانَا سَوَاءً فَفِي الْقِيَاسِ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بِصِفَةِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ فِي شَكٍّ مِنْ الْحَدَثِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ الْبُزَاقُ سَائِلٌ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ فَمَا سَاوَاهُ يَكُونُ سَائِلًا بِقُوَّةِ نَفَسِهِ أَيْضًا.

  88. ثُمَّ اعْتِبَارُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَاعْتِبَارُ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَالْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ أَوْلَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ، وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» .

  89. وَفِي الْكِتَابِ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوُضُوءُ لِمَا بَيَّنَّا.

  90. قَالَ (وَالْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَالتَّبَسُّمُ لَا يَنْقُضُهُ) أَمَّا التَّبَسُّمُ فَلِحَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ «مَا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا تَبَسَّمَ، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ» ، وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَسَّمَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا فَرَغَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» فَدَلَّ أَنَّ التَّبَسُّمَ لَا يَضُرُّ الْمُصَلِّي فَأَمَّا الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛

  91. لِأَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ يَكُونُ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ، وَلَمْ يُوجَدْ،

  92. وَلَوْ كَانَ هَذَا حَدَثًا لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ، وَقَاسَ بِالْقَهْقَهَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَاسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إذْ أَقْبَلَ أَعْمَى فَوَقَعَ فِي بِئْرٍ، أَوْ رَكِيَّةٍ هُنَاكَ فَضَحِكَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ، وَالصَّلَاةَ» .

  93. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ

  94. ١/٧٨١/٧٨

    - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ ضَحِكَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى قَرْقَرَ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ، وَالصَّلَاةَ» ، وَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالسُّنَّةِ.، وَالضَّحِكُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حَالَ الصَّلَاةِ حَالَ الْمُنَاجَاةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَتَعْظُمُ الْجِنَايَةُ مِنْهُ بِالضَّحِكِ فِي حَالِ الْمُنَاجَاةِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ،

  95. وَكَذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ، وَالْمَخْصُوصُ مِنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ لَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

  96. قَالَ (وَلَا يَنْقُضُ النَّوْمُ الْوُضُوءَ مَا دَامَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، أَوْ قَاعِدًا، وَيَنْقُضُهُ مُضْطَجِعًا، أَوْ مُتَّكِئًا، أَوْ عَلَى إحْدَى أَلْيَتَيْهِ) أَمَّا نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ بِالسُّنَّةِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ طَاهِرًا ثَابِتٌ بِيَقِينٍ،

  97. وَلَا يُزَالُ الْيَقِينُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ، وَخُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ، وَالثَّانِي، وَهُوَ: أَنَّ الْحَدَثَ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ عَادَةً فَيُجْعَلَ كَالْمَوْجُودِ حُكْمًا فَإِنَّ نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ يَسْتَحِكُمْ فَتَسْتَرْخِي مَفَاصِلُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ» .

  98. وَهُوَ ثَابِتٌ عَادَةً كَالْمُتَيَقِّنِ بِهِ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا حَتَّى يَعْلَمَ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَكَانَ إذَا نَامَ أَجْلَسَ عِنْدَهُ مَنْ يَحْفَظُهُ فَإِذَا انْتَبَهَ سَأَلَهُ فَإِنْ أُخْبِرَ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهُ أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَالْمُتَّكِئُ كَالْمُضْطَجِعِ؛

  99. لِأَنَّ مَقْعَدَهُ زَائِلٌ عَنْ الْأَرْضِ فَأَمَّا الْقَاعِدُ إذَا نَامَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ طَالَ النَّوْمُ قَاعِدًا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَحُجَّتُنَا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «نِمْتُ قَاعِدًا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى وَقَعَ ذَقَنِي عَلَى صَدْرِي فَوَجَدْت بَرْدَ كَفٍّ عَلَى ظَهْرِي فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت أَعَلَيَّ فِي هَذَا وُضُوءٌ؟ فَقَالَ: لَا حَتَّى تَضْطَجِعَ» ، وَلِأَنَّ مَقْعَدَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْمَنُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُطِلْ نَوْمَهُ.

  100. فَأَمَّا إذَا نَامَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَيَالِيهَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ بَوْلٍ، أَوْ غَائِطٍ، أَوْ نَوْمٍ» فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ إلَّا أَنَّا خَصَّصَنَا نَوْمَ الْقَاعِدِ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ مَا سِوَاهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ مَقْعَدَهُ زَائِلٌ عَنْ الْأَرْضِ فِي حَالِ نَوْمِهِ فَهُوَ كَالْمُضْطَجِعِ.

  101. (وَلَنَا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ

  102. ١/٧٩١/٧٩

    مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ»، وَهُوَ الْمَعْنَى فَإِنَّ الِاسْتِمْسَاكَ بَاقٍ مَعَ النَّوْمِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ، وَبَقَاءُ الِاسْتِمْسَاكِ يُؤَمِّنُهُ مَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ فَهُوَ كَالْقَاعِدِ

  103. بِخِلَافِ الْمُضْطَجِعِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ إذَا تَعَمَّدَ النَّوْمَ فِي السُّجُودِ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُ،

  104. وَإِنْ غَلَبْته عَيْنَاهُ لَمْ يُنْتَقَضْ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي نَوْمِ السَّاجِدِ أَنَّهُ حَدَثٌ كَنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ،

  105. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْتَادُ النَّوْمَ عَلَى وَجْهِهِ. تَرَكْنَا الْقِيَاسَ لِلْبَلْوَى فِيهِ لِلْمُجْتَهِدِينَ، وَهَذَا إذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ لَا إذَا تَعَمَّدَ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي سُجُودِهِ يُبَاهِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَلَائِكَتَهُ فَيَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي، وَجَسَدُهُ فِي طَاعَتِي» ، وَإِنَّمَا يَكُونُ جَسَدُهُ فِي الطَّاعَةِ إذَا بَقِيَ وُضُوءُهُ، وَلِأَنَّ الِاسْتِمْسَاكَ بَاقٍ فَإِنَّهُ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ نَوْمَ الْقَائِمِ، وَالرَّاكِعِ، وَالسَّاجِدِ إنَّمَا لَا يَكُونُ حَدَثًا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَأَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ يَكُونُ حَدَثًا، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِبَقَاءِ الِاسْتِمْسَاكِ فَإِنْ كَانَ الْقَاعِدُ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ فَنَامَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ أُزِيلَ سَنَدُهُ عَنْهُ يَسْقُطُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛

  106. لِأَنَّ مَقْعَدَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْمَنُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ.

  107. فَإِنْ نَامَ قَاعِدًا فَسَقَطَ، رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ جَنْبُهُ إلَى الْأَرْضِ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ النَّوْمِ، وَهُوَ الْحَدَثُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ بِالنَّوْمِ حِينَ سَقَطَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يُزَايِلَ مَقْعَدُهُ الْأَرْضَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ،

  108. وَإِنْ زَايَلَ مَقْعَدُهُ الْأَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ.

  109. قَالَ (وَلَا يَنْقُضُ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ الْوُضُوءَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ يَعْنِي الْخَارِجَ النَّجِسَ، وَلِأَنَّهُ لَا كَلَامَ أَفْحَشَ مِنْ الرِّدَّةِ، وَالْمُتَوَضِّئُ إذَا ارْتَدَّ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ -،

  110. ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ لِلْمُتَسَابَّيْنِ: إنَّ بَعْضَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ شَرٌّ مِنْ الْحَدَثِ فَجَدِّدُوا الْوُضُوءَ إنَّمَا أَمَرَتْ بِهِ اسْتِحْسَانًا لِيَكُونَ الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ مُكَفِّرًا لِذُنُوبِهِمَا.

  111. قَالَ (وَلَا وُضُوءَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَمَا لَمْ تَمَسَّهُ فِيهِ سَوَاءٌ) وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ يُوجِبُونَ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ خَاصَّةً لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «تَوَضَّئُوا

  112. ١/٨٠١/٨٠

    مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ،

  113. وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» .

  114. (وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ، وَقَالَ جَابِرٌ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ لِيَخْرُجَ فَرَأَى عِرْقًا أَيْ عَظْمًا فِي يَدِ بَعْضِ صِبْيَانِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ضَعِيفٌ قَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَ: أَلَسْنَا نَتَوَضَّأُ بِالْحَمِيمِ،

  115. وَلَوْ ثَبَتَ فَالْمُرَادُ مِنْهُ غَسْلُ الْيَدِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَأُتِينَا بِقَصْعَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ، وَالْوَدَكِ فَجَعَلْت آكُلُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَإِنَّ الطَّعَامَ وَاحِدٌ، ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ مِنْ رُطَبٍ فَجَعَلْت آكُلُ مِمَّا يَلِينِي فَقَالَ: أَجِلْ يَدَكَ فَإِنَّ الرُّطَبَ أَلْوَانٌ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتُهُ النَّارُ» ، وَلِهَذَا فَصَّلَ فِي رِوَايَتِهِ بَيْنَ لَحْمِ الْإِبِلِ، وَغَيْرِهِ؛

  116. لِأَنَّ لِلَحْمِ الْإِبِلِ مِنْ اللُّزُوجَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ الطَّعَامَ نِيئًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْوُضُوءُ فَالنَّارُ لَا تَزِيدُهُ إلَّا نَظَافَةً.

  117. قَالَ (، وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ، وَأَصَابِعَهُ فِي الْوُضُوءِ) فَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْ لِحْيَتَهُ أَجْزَأَهُ،

  118. وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ حَتَّى لَا يَتَخَلَّلَهَا نَارُ جَهَنَّمَ» ،

  119. وَأَمَّا اللِّحْيَةُ فَقَدْ رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَخِلَالُ الشَّعْرِ لَيْسَ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ لِحْيَتِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَشَرَةَ الَّتِي اسْتَتَرَتْ بِالشَّعْرِ كَانَ يَجِبُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَيْهَا قَبْلَ نَبَاتِ الشَّعْرِ فَإِذَا اسْتَتَرَتْ بِالشَّعْرِ يَتَحَوَّلُ الْحُكْمُ إلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الشَّعْرُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: إنْ مَسَحَ مِنْ لِحْيَتِهِ ثُلُثًا، أَوْ رُبُعًا أَجْزَأَهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِيعَابَ فِي الْمَمْسُوحِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إنْ تَرَكَ مَسْحَ اللِّحْيَةِ أَجْزَأَهُ؛

  120. لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ غَسْلٌ، وَمَسْحٌ، وَغَسْلُ الْوَجْهِ فَرْضٌ فَلَا يَجِبُ الْمَسْحُ فِيهِ، وَاللِّحْيَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَجْهِ فَأَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْآثَارِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَعَلَ،

  121. وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ فَلَمْ يَعُدَّهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّخْلِيلُ سُنَّةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ إذَا تَوَضَّأَ، وَقَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «رَأَيْت أَصَابِعَ رَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لِحْيَتِهِ كَأَنَّهَا أَسْنَانُ الْمِشْطِ، وَقَالَ نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه

  122. ١/٨١١/٨١

    فَأَمَرَنِي أَنْ أُخَلِّلَ لِحْيَتِي إذَا تَوَضَّأْت».

  123. قَالَ (وَإِذَا حَتَّ النَّجَاسَةَ عَنْ الثَّوْبِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ الْيَابِسِ خَاصَّةً) ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ رَقِيقٌ تَتَدَاخَلُ النَّجَاسَةُ فِي أَجْزَائِهِ فَلَا يُخْرِجُهُ إلَّا الْمَاءُ فَأَمَّا الْحَتُّ يُزِيلُ مَا عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ مَا يَتَدَاخَلُ فِي أَجْزَائِهِ فَأَمَّا الْمَنِيُّ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي فَصْلَيْنِ.

  124. أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَجِسٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَاهِرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ الْمَنِيُّ كَالْمُخَاطِ فَأَمِطْهُ عَنْكَ،

  125. وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ لِخِلْقَةِ الْآدَمِيِّ فَكَانَ طَاهِرًا كَالتُّرَابِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - خُلِقُوا مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِيلَ مِنْ غِذَاءِ الْحَيَوَانِ إنَّمَا يَكُونُ نَجِسًا إذَا كَانَ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتِنٍ، وَفَسَادٍ، وَالْمَنِيُّ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ إلَى فَسَادٍ، وَنَتِنٍ فَهُوَ كَاللَّبَنِ، وَالْبَيْضَةِ.

  126. (وَلَنَا) قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ «إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، وَالْخَمْرِ، وَالدَّمِ، وَالْمَنِيِّ» ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْبَدَنِ يَجِبُ الِاغْتِسَالُ بِخُرُوجِهِ فَكَانَ نَجِسًا كَدَمِ الْحَيْضِ، وَخُرُوجُهُ مِنْ مَكَانِ النَّجَاسَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَنَجَّسَ بِالْمُجَاوَرَةِ،

  127. وَإِنْ يَكُنْ نَجِسًا فِي نَفْسِهِ، وَكَوْنُهُ أَصْلَ خِلْقَةِ الْآدَمِيِّ لَا يَنْفِي صِفَةَ النَّجَاسَةِ عَنْهُ كَالْعَلَقَةِ، وَالْمُضْغَةُ،

  128. وَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - شَبَّهَهُ بِالْمُخَاطِ فِي الْمَنْظَرِ لَا فِي الْحُكْمِ، وَأَمَرَ بِالْإِمَاطَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ غَسْلِهِ فَإِنَّ قَبْلَ الْإِمَاطَةِ تَنْتَشِرُ النَّجَاسَةُ فِي الثَّوْبِ إذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ، وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّهُ مَا دَامَ رَطْبًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ فَإِنْ جَفَّ فَحَتُّهُ، وَفَرْكُ الثَّوْبِ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَطْهُرَ؛

  129. لِأَنَّهُ دَمٌ إلَّا أَنَّهُ نَضِيجٌ فَهُوَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الدَّمِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ. اسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالُوا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فِي الْمَنِيِّ إذَا رَأَيْته رَطْبًا فَاغْسِلِيهِ، وَإِذَا رَأَيْته يَابِسًا فَافْرُكِيهِ» .

  130. «، وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ يُصَلِّي» ، وَلِأَنَّ جُرْمَ الْمَنِيِّ لَا يَتَدَاخَلُ فِي أَجْزَاءِ الثَّوْبِ بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالْفَرْكِ فَهُوَ نَظِيرُ سَيْفِ الْمُجَاهِدِ، وَسِكِّينِ الْقَصَّابِ إذَا مَسَحَهُ بِالتُّرَابِ يَطْهُرُ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَنِيِّ إذَا أَصَابَ الْبَدَنَ لَا يَطْهُرُ بِهِ إلَّا بِالْغُسْلِ؛

  131. لِأَنَّ لِينَ الْبَدَنِ يَمْنَعُ زَوَالَ أَثَرِهِ بِالْحَتِّ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إذَا كَانَ الْمَنِيُّ غَلِيظًا فَجَفَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ،

  132. وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ، وَقَالَ إذَا أَصَابَ الْمَنِيُّ ثَوْبًا ذَا طَاقَيْنِ فَالطَّاقُ الْأَعْلَى يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، وَالْأَسْفَلُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الْبِلَّةُ دُونَ الْجُرْمِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّ الْفَحْلَ لَا يُمْنِي حَتَّى يُمْذِي، وَالْمَذْيُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ

  133. ١/٨٢١/٨٢

    الْمَذْيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَغْلُوبًا مُسْتَهْلِكًا بِالْمَنِيِّ فَكَانَ الْحُكْمُ لِلْمَنِيِّ دُونَ الْمَذْيِ.

  134. قَالَ (وَإِنْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ الْخُفَّ، أَوْ النَّعْلَ فَمَا دَامَ رَطْبًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ) ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ لَا يُزِيلُهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إذَا مَسَحَ بِالْأَرْضِ حَتَّى لَمْ تَبْقَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ،

  135. وَلَا رَائِحَتُهَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْخُفِّ، وَاعْتَبَرَ الْبَلْوَى فِيهِ لِلنَّاسِ،

  136. وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِلنَّجَاسَةِ جُرْمٌ كَالْبَوْلِ، وَالْخَمْرِ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْبِلَّةَ تَدَاخَلَتْ فِي أَجْزَاءِ الْخُفِّ، وَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ جُرْمٌ حَتَّى يَزُولَ بِالْمَسْحِ بِالْأَرْضِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ لَهَا جُرْمٌ كَالْعَذِرَةِ، وَالرَّوْثِ فَمَسَحَهُ بِالْأَرْضِ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -؛

  137. لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَدَاخَلَتْ فِي أَجْزَاءِ الْخُفِّ أَلَا تَرَى أَنَّهَا بَعْدَ الْجَفَافِ تَبْقَى مُتَّصِلَةً بِالْخُفِّ فَلَا يُطَهِّرُهَا إلَّا الْغُسْلُ كَمَا إذَا أَصَابَتْ الثَّوْبَ، أَوْ الْبِسَاطَ اسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَا يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ بِالْأَرْضِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُقَلِّبْ نَعْلَيْهِ فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالْأَرْضِ» «، وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رُبَّمَا أَمْشِي عَلَى مَكَان نَجِسٍ، ثُمَّ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ فَقَالَ الْأَرْضُ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا» ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ لِلْجِلْدِ صَلَابَةً تَمْنَعُ دُخُولَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِي بَاطِنِهِ، وَلِهَذِهِ النَّجَاسَةُ جُرْمٌ يُنْشِفُ الْبِلَّةَ الْمُتَدَاخِلَةَ إذَا جَفَّ فَإِذَا مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ فَقَدْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْجِلْدِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ

  138. بِخِلَافِ الثَّوْبِ، أَوْ الْبِسَاطِ فَإِنَّهُ رَقِيقٌ تَتَدَاخَلُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ فِي بَاطِنِهِ فَلَا يُخْرِجُهُ إلَّا الْمَاءُ فَإِنَّ الْمَاءَ لِلَطَافَتِهِ يَتَدَاخَلُ فِي أَجْزَاءِ الثَّوْبِ فَيُخْرِجُ النَّجَاسَةَ،

  139. ثُمَّ يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِهَا بِالْعَصْرِ.

  140. قَالَ (، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِتَغْمِيضِ الْمَيِّتِ، وَغَسْلِهِ، وَحَمْلِهِ وُضُوءٌ،

  141. وَلَا غُسْلٌ إلَّا أَنْ يُصِيبَ يَدَهُ، أَوْ جَسَدَهُ شَيْءٌ فَيَغْسِلُهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ، وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ الْمُسْلِمَ طَاهِرٌ، وَمَسُّ الطَّاهِرِ لَيْسَ بِحَدَثٍ،

  142. وَلَوْ كَانَ نَجِسًا فَمَسُّ النَّجِسِ لَيْسَ بِحَدَثٍ أَيْضًا، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ غَمَّضَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ، وَمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» ضَعِيفٌ قَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَ أَيَلْزَمُنَا الْوُضُوءُ بِمَسِّ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ،

  143. وَلَوْ ثَبَتَ فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ «مَنْ غَمَّضَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ» غُسْلُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ قَذَارَةٍ عَادَةً، وَقَوْلُهُ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» إذَا

  144. ١/٨٣١/٨٣

    أَصَابَتْهُ الْغُسَالَاتُ النَّجِسَةُ، وَقَوْلُهُ «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» إذَا كَانَ مُحْدِثًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.

  145. قَالَ (، وَالْحِجَامَةُ تُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَغُسْلَ مَوْضِعِ الْمَحْجَمَةِ) ، وَهُوَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُوجِبُ مَوْضِعَ الْمَحْجَمَةِ،

  146. وَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - اغْسِلْ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ، وَحَسْبُكَ.

  147. وَعُلَمَاؤُنَا قَالُوا مَعْنَاهُ: وَحَسْبُكَ مِنْ الِاغْتِسَالِ.

  148. فَإِنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانُوا يُوجِبُونَ الِاغْتِسَالَ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ، وَالْحِجَامَةِ فَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ هَذَا رَدًّا عَلَيْهِمْ فَأَمَّا الْوُضُوءُ وَاجِبٌ بِخُرُوجِ النَّجِسِ كَمَا بَيَّنَّا فَإِنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَغْسِلْ مَوْضِعَ الْمَحْجَمَةِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ،

  149. وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ أَجْزَأْته، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تُجْزِئُهُ فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ كَالْكَثِيرِ عِنْدَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ.

  150. قَالَ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ دَابَّةٌ، أَوْ رِيحٌ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ) ، وَالْمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودُ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ بِلَّةٍ تَكُونُ مَعَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ الْقَلِيلُ كَالْكَثِيرِ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ

  151. بِخِلَافِ مَا إذَا سَقَطَ الدُّودُ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ بِلَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ الْخَارِجِ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَائِلٍ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ فَأَمَّا الرِّيحُ إذَا خَرَجَ مِنْ الدُّبُرِ كَانَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الشَّيْطَانُ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَيَقُولُ: أَحْدَثْت أَحْدَثْت فَلَا يَنْصَرِفَنَّ أَحَدُكُمْ مِنْ صَلَاتِهِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» .

  152. فَإِنْ خَرَجَ الرِّيحُ مِنْ الذَّكَرِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ حَدَثٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ هَذَا لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاجٌ فَلَا يُنْتَقَضُ بِهِ الْوُضُوءُ،

  153. وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ الرِّيحُ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ قَالَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا إلَّا أَنْ تَكُونَ مُفْضَاةً يَخْرُجُ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ،

  154. وَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ بِخُرُوجِ الرِّيحِ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ.

  155. قَالَ (وَإِنْ رَعَفَ قَلِيلًا لَمْ يَسِلْ لَمْ يُنْقَضْ وُضُوءُهُ) ، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ فِيمَا صَلُبَ مِنْ أَنْفِهِ لَمْ يَنْزِلْ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّوَادِرِ: إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ انْتَقَضَ بِهِ الْوُضُوءُ

  156. بِخِلَافِ الْبَوْلِ إذَا نَزَلَ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ النَّجَاسَةَ لَمْ تَصِلْ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْأَنْفِ قَدْ وَصَلَتْ النَّجَاسَةُ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَالِاسْتِنْشَاقُ فِي الْجَنَابَةِ فَرْضٌ، وَفِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ.

  157. قَالَ (، وَيَتَوَضَّأُ صَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَيُصَلِّي بِذَلِكَ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ

  158. ١/٨٤١/٨٤

    وَالنَّوَافِلِ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ)، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ فَإِنَّ دَمَ الْمُسْتَحَاضَةِ حَدَثٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ: مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ مِنْ الْخَارِجِ لَا يَكُونُ حَدَثًا.

  159. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ حَدَثٌ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» ،

  160. ثُمَّ عِنْدَنَا يَلْزَمُهَا الْوُضُوءُ فِي كُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَا شَاءَتْ مِنْ النَّوَافِلِ بِذَلِكَ،

  161. وَلَا تَجْمَعُ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ اُسْتُحِيضَتْ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» ، وَمُطْلَقُهُ يَتَنَاوَلُ الْمَكْتُوبَةَ، وَلِأَنَّ طَهَارَتَهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِاقْتِرَانِ الْحَدَثِ بِهَا، وَيَتَجَدَّدُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ ضَرُورَةً فَيَلْزَمُهَا وُضُوءٌ جَدِيدٌ فَأَمَّا النَّوَافِلُ تَبَعٌ لِلْفَرَائِضِ فَثُبُوتُ حُكْمِ الطَّهَارَةِ فِي الْأَصْلِ يُوجِبُ ثُبُوتَهُ فِي التَّبَعِ.

  162. (وَلَنَا) حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» .

  163. مَا رُوِيَ «لِكُلِّ صَلَاةٍ» فَالْمُرَادُ مِنْهُ الْوَقْتُ فَالصَّلَاةُ تُذْكَرُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا، وَآخِرًا» أَيْ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: آتِيكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَيْ وَقْتَهُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْأَوْقَاتَ مَشْرُوعَةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ فِيهَا فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْأَدَاءِ مُخْتَلِفُونَ فَمِنْ بَيْنِ مُطَوِّلٍ، وَمُوجِزٍ فَشُرِعَ لِلْأَدَاءِ وَقْتٌ يَفْصِلُ عَنْهُ تَيْسِيرًا،

  164. وَإِذَا قَامَ الْوَقْتُ مَقَامَ الصَّلَاةِ لِهَذَا فَتَجَدُّدُ الضَّرُورَةِ يَكُونُ بِتَجَدُّدِ الْوَقْتِ، وَمَا بَقِيَ الْوَقْتُ يَجْعَلُ الضَّرُورَةَ كَالْقَائِمَةِ حُكْمًا تَيْسِيرًا عَلَيْهَا فِي إقَامَةِ الْوَقْتِ مَقَامَ الْفِعْلِ، وَبَعْدَ مَا فَرَغَتْ مِنْ الْأَدَاءِ إنْ بَقِيَتْ طَهَارَتُهَا فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ فَرْضًا آخَرَ،

  165. وَإِنْ لَمْ تَبْقَ طَهَارَتُهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ النَّوَافِلَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ شَرْطِهَا.

  166. ثُمَّ انْتِقَاضُ طَهَارَتِهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَبِدُخُولِ الْوَقْتِ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَبِهِمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَتَبَيَّنُ هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ فِي وَقْتِ الْفَجْرِ فَطَلَعَتْ الشَّمْسُ تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهَا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -،

  167. وَلَوْ تَوَضَّأَتْ فِي، وَقْتِ الضَّحْوَةِ فَزَالَتْ الشَّمْسُ لَا تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهَا إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُمَا يَقُولَانِ طَهَارَتُهَا قَبْلَ وُقُوعِ الْحَاجَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَبِدُخُولِ الْوَقْتِ تَتَجَدَّدُ الْحَاجَةُ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهَا فَيَلْزَمُهَا بِهِ الطَّهَارَةُ.

  168. (وَلَنَا) أَنَّ انْتِقَاضَ طَهَارَتِهَا بِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا، وَذَلِكَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ،

  169. ثُمَّ صَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ عِنْدَنَا فِي مَعْنَى الْمُسْتَحَاضَةِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ حَدَثٌ عِنْدَنَا فَيَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ،

  170. وَلَوْ قُلْنَا بِمَا قَالَهُ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا عَنْ الْجَامِعِ فَلَوْ انْتَظَرَ لِلْوُضُوءِ

  171. ١/٨٥١/٨٥

    زَوَالَ الشَّمْسِ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ.

  172. قَالَ (وَإِنْ سَالَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ حَتَّى نَفَذَ الرِّبَاطُ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ مَا بَقِيَ الْوَقْتُ) «؛ لِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَمَّا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي أَثُجُّ الدَّمَ ثَجًّا قَالَ احْتَشِي، وَالْتَجِمِي، وَصَلِّي» ،

  173. وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ قَطْرًا فَإِنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُفِيدًا بِأَنْ كَانَ لَا يُصِيبُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى إذَا لَمْ يَغْسِلْهُ، وَصَلَّى، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْغُسْلُ مُفِيدًا بِأَنْ كَانَ يُصِيبُهُ ثَانِيًا، وَثَالِثًا، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: عَلَيْهِ غَسْلُ ثَوْبِهِ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ مَرَّةً بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوُضُوءِ، وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛

  174. لِأَنَّ حُكْمَ الْوُضُوءِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ، وَنَجَاسَةُ الثَّوْبِ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْحَدَثِ حَتَّى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ يَكُونُ عَفْوًا فَلَا يَلْحَقُ بِهِ فَإِنْ سَالَ الدَّمُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ أَعَادَ الْوُضُوءَ،

  175. وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا؛ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ جَدِيدٌ، وَتَقَدُّرُ طَهَارَتِهِ بِالْوَقْتِ كَانَ لِلْحَدَثِ الْمَوْجُودِ بِاعْتِبَارِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ فَمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ الْحَدَثِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ.

  176. قَالَ (وَمَنْ خَاضَ مَاءَ الْمَطَرِ إلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ دَاسَ الطِّينَ لَمْ يَنْقُضْ ذَلِكَ وُضُوءَهُ) ؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ الْبَدَنِ، وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَجَ يَوْمًا، وَالسَّمَاءُ تَسْكُبُ فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ، وَخَاضَ الْمَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَمَسَحَ قَدَمَيْهِ، وَدَخَلَ، وَصَلَّى، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ،

  177. وَلَا غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ بَلْ يَمْسَحُ قَدَمَيْهِ، وَيُصَلِّي هَذَا إذَا كَانَ التُّرَابُ طَاهِرًا فَإِنَّ الطِّينَ النَّازِلَ مِنْ السَّمَاءِ، وَالتُّرَابَ الطَّاهِرَ طَاهِرٌ فَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا إمَّا الْمَاءُ،

  178. وَإِمَّا التُّرَابُ نَجِسًا فَالطِّينُ نَجِسٌ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا مَسَحَ قَدَمَيْهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ كَيْ لَا يُؤَدِّي إلَى تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَأَى رَجُلًا يَمْسَحُ خُفَّيْهِ بِأُسْطُوَانَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ لَوْ مَسَحْته بِلِحْيَتِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا مُعَدًّا لِذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِهِ؛

  179. لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَا يُصَلَّى فِيهِ عَادَةً.

  180. قَالَ (وَمَنْ سَالَ عَلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ شَيْءٌ لَا يَدْرِي مَا هُوَ فَغُسْلُهُ أَحْسَنُ) ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ لَا يَرِيبُهُ، وَتَرْكُهُ يَرِيبُهُ.

  181. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» فَإِنْ تَرَكَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الطَّهَارَةِ فِي ثَوْبِهِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ حَقِيقَةِ النَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ نَجِسٌ غَسَلَهُ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْي فِيمَا لَا تُعْلَمُ حَقِيقَتَهُ كَالْيَقِينِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى» ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ فِي بَلْدَتِنَا لَا بُدَّ مِنْ غُسْلِهِ؛ لِأَنَّ

  182. ١/٨٦١/٨٦

    الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يُرَاقُ الْبَوْلُ، أَوْ الْمَاءُ النَّجِسُ مِنْ السُّطُوحِ.

  183. قَالَ (وَإِنْ انْتَضَحَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَوْلِ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُهُ)

  184. ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوًى فَإِنَّ مَنْ بَال فِي يَوْمِ رِيحٍ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ خُصُوصًا فِي الصَّحَارِيِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ يَكُونُ عَفْوًا.

  185. قَالَ (وَمَنْ شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا شَكَّ غَسَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي شَكَّ فِيهِ) لِأَنَّ غَسْلَهُ لَا يَرِيبُهُ، وَلِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْحَدَثِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ غَسْلِهِ.

  186. وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ قَطُّ مِثْلُ هَذَا إنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ الشَّكَّ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَصِرْ عَادَةً لَهُ حَتَّى قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَسَاوِسِ، وَالسَّبِيلُ فِي الْوَسَاوِسِ قَطْعُهَا، وَتَرْكُ الِالْتِفَاتِ إلَيْهَا؛

  187. لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِهَا لَمْ يَتَفَرَّغْ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ فَكُلَّمَا قَامَ إلَيْهَا يُبْتَلَى بِمِثْلِ هَذَا الشَّكِّ. .

  188. قَالَ (وَمَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ،

  189. وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ عَلَى حَدَثِهِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ، وَمَا تَيَقَّنَ بِهِ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ) ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْمُتَوَضِّئُ إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ دَخَلَ الْخَلَاءَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَشَكَّ أَنَّهُ خَرَجَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهَا، أَوْ بَعْدَ مَا قَضَاهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ؛

  190. لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ مَا خَرَجَ إلَّا بَعْدَ قَضَائِهَا.

  191. وَكَذَلِكَ الْمُحْدِثُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ جَلَسَ لِلْوُضُوءِ، وَمَعَهُ الْمَاءُ، وَشَكَّ فِي أَنَّهُ قَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، أَوْ بَعْدَ مَا تَوَضَّأَ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَقُومُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَاجِبٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ.

  192. قَالَ (وَمَنْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ رَأَى الْبَلَلَ سَائِلًا عَنْ ذَكَرِهِ أَعَادَ الْوُضُوءَ) ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ سَالَ مِنْهُ، وَهُوَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا قَالَ رَآهُ سَائِلًا؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْبِلَّةِ مُحْتَمَلَةٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَوْلٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ،

  193. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَائِلًا،

  194. وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُرِيهِ ذَلِكَ كَثِيرًا،

  195. وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَوْلٌ، أَوْ مَاءٌ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَسَاوِسِ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَيَقُولُ أَحْدَثْت أَحْدَثْت فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلَهَانُ لَا شُغْلَ لَهُ إلَّا الْوَسْوَسَةَ فِي الْوُضُوءِ» فَلَا يَلْتَفِتُ إلَى ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ، وَإِزَارَهُ بِالْمَاءِ إذَا تَوَضَّأَ قَطْعًا لِهَذِهِ الْوَسْوَسَةِ حَتَّى إذَا أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَحَالَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْضَحُ إزَارَهُ بِالْمَاءِ إذَا تَوَضَّأَ» ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ «نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَأَمَرَنِي بِذَلِكَ» . .

  196. قَالَ (وَلَيْسَ دَمُ الْبَقِّ، وَالْبَرَاغِيثِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ سَائِلٍ،

  197. وَلَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ) خُصُوصًا فِي زَمَنِ الصَّيْفِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ

  198. ١/٨٧١/٨٧

    إلَّا ثَوْبٌ، وَاحِدٌ يَنَامُ فِيهِ كَمَا كَانَ لِأَصْحَابِ الصُّفَّةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،

  199. وَكَذَلِكَ دَمُ السَّمَكِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَعْنِي لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْكِبَارِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ أَنَّهُ نَجِسٌ،

  200. وَلَا اعْتِمَادَ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ،

  201. وَأَمَّا دَمُ الْحَلَمِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَعَادَ مَا صَلَّى، وَهُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَمُ سَائِلٍ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ الْأَذَى كَانَ فِي نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ» كَانَ دَمُ حَلَمٍ.

  202. قَالَ (وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ فَأَخْبَرَهُ بَعْضٌ أَنَّهُ قَذِرٌ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ) ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي أَمْرِ الدِّينِ حُجَّةٌ إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً حَتَّى كَانَ رِوَايَتُهُ الْحَدِيثَ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ فَكَذَلِكَ إخْبَارُهُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِ.

  203. قَالَ (وَإِذَا أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِي كُوزِ مَاءٍ،

  204. وَلَا يُعْلَمُ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَاتِ عَادَةً فَالظَّاهِرُ أَنَّ يَدَهُ لَا تَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ فَالِاحْتِيَاطُ فِي التَّوَضُّؤِ بِغَيْرِهِ،

  205. وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَحَالُهُ كَحَالِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا سُؤْرَهَا.

  206. قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ مِنْ حُبٍّ يُوضَعُ كُوزُهُ فِي نَوَاحِي الدَّارِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَذِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ النَّاسِ، وَيَلْحَقُهُمْ الْحَرَجُ فِي النُّزُوعِ عَنْ هَذِهِ الْعَادَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الطَّهَارَةُ فَيُتَمَسَّكُ بِهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِالنَّجَاسَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ اسْتَسْقَى الْعَبَّاسَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ أَلَا نَأْتِيكَ بِالْمَاءِ مِنْ بَعْضِ الْبُيُوتِ فَإِنَّ النَّاسَ يُدْخِلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي مَاءِ السِّقَايَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْنُ مِنْهُمْ» .

  207. قَالَ (وَإِذَا وَقَعَ بَعْرُ الْغَنَمِ، أَوْ الْإِبِلِ فِي الْبِئْرِ لَمْ يَضُرَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا) ، وَفِي الْقِيَاسِ يَتَنَجَّسُ الْبِئْرُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِنَاءِ يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَيَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا، وَقُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يَنْجُسُ لِلْبَلْوَى فِيهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْآبَارِ فِي الْفَيَافِي، وَالْمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا،

  208. ثُمَّ الرِّيحُ تُسْفِي بِهِ فَتُلْقِيهِ فِي الْبِئْرِ فَلَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ كَانَ فِيهِ انْقِطَاعُ السُّبُلِ، وَالرُّسُلِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ،

  209. وَإِذَا كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا أَخَذْنَا فِيهِ بِالْقِيَاسِ فَقُلْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزَحُوا مَاءَ الْبِئْرِ كُلَّهُ، وَالْكَثِيرُ مَا اسْتَكْثَرَهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ،

  210. وَقِيلَ أَنْ يُغَطِّيَ رُبُعَ وَجْهِ الْمَاءِ،

  211. وَقِيلَ أَنْ لَا تَخْلُو دَلْوٌ عَنْ بَعْرَةٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمْلَاءِ قَالَ هَذَا إذَا كَانَ يَابِسًا فَإِنْ كَانَ رَطْبًا تَفْسُدُ الْبِئْرُ بِقَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ،

  212. ثُمَّ قَالَ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَ ثَقِيلٌ لَا يَسْفِي بِهِ الرِّيحُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّطْبِ مِنْ الصَّلَابَةِ، وَالِاسْتِمْسَاكِ مَا لِلْيَابِسِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْيَابِسَ

  213. ١/٨٨١/٨٨

    بِالْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ يَصِيرُ رَطْبًا، وَمَا عَلَى الرَّطْبِ مِنْ الرُّطُوبَةِ رُطُوبَةُ الْأَمْعَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُتَفَتِّتِ فَإِنْ كَانَ مُتَفَتِّتًا، فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَدْخُلُ فِي أَجْزَائِهِ فَيَتَنَجَّسُ،

  214. ثُمَّ يَخْرُجُ، وَهُوَ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ اسْتَحْسَنَ فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْمُتَفَتِّتِ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِيهِ قَائِمَةٌ.

  215. وَأَمَّا السِّرْقِينِ فَقَلِيلُهُ، وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ يُفْسِدُ الْمَاءَ رَطْبًا كَانَ، أَوْ يَابِسًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ الصَّلَابَةِ كَمَا لِلْبَعْرِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي تَبِنَةٍ، أَوْ تَبِنَتَيْنِ مِنْ الْأَرْوَاثِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ اسْتَحْسَنَ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُهُ،

  216. وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِقِيَامِ الْبَلْوَى فِيهِ حَتَّى قَالَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ لَوْ حَلَبَ عَنْزًا فَبَعَرَتْ فِي الْمَحْلَبِ يَرْمِي بِالْبَعْرَةِ، وَيَحِلُّ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوًى فَإِنَّ الْعَنْزَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُحْلَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْعَرَ فِي الْمَحْلَبِ.

  217. قَالَ (وَلَا يَتَوَضَّأُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ سِوَى الْمَاءَ) إلَّا بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ أَمَّا نَبِيذُ التَّمْرِ فَفِي الْأَصْلِ قَالَ يَتَوَضَّأُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ،

  218. وَلَوْ تَيَمَّمَ مَعَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ يَتَوَضَّأُ بِهِ،

  219. وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَتَيَمَّمُ،

  220. وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

  221. وَرَوَى نُوحُ فِي الْجَامِعِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ، وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ، وَخَبَرُ نَبِيذِ التَّمْرِ كَانَ بِمَكَّةَ، وَآيَةُ التَّيَمُّمِ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فَانْتَسَخَ بِهَا خَبَرُ نَبِيذِ التَّمْرِ؛ لِأَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ جَائِزٌ، وَالْقِيَاسُ هَكَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ فَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ كَسَائِرِ الْأَنْبِذَةِ تَرَكَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا الْقِيَاسَ بِحَدِيثِ «ابْنِ مَسْعُودٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ فَلَمَّا انْصَرَفَ إلَيْهِ عِنْدَ الصَّبَاحِ قَالَ أَمَعَكَ مَاءٌ يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لَا إلَّا نَبِيذَ تَمْرٍ فِي إدَاوَةٍ فَقَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ، وَأَخَذَهُ، وَتَوَضَّأَ بِهِ» ، وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ نَبِيذُ التَّمْرِ طَهُورُ مَنْ لَا يَجِدْ الْمَاءَ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالسُّنَّةِ، وَبِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ فَقِيهًا فَأَمَّا آيَةُ التَّيَمُّمِ تَتَنَاوَلُ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهَذَا مَاءٌ شَرْعًا كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، وَمَاءٌ طَهُورٌ» ، وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛

  222. لِأَنَّ الْآيَةَ تُوجِبُ التَّيَمُّمَ، وَالْخَبَرَ يُوجِبُ التَّوَضُّؤُ بِالنَّبِيذِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا،

  223. وَإِذَا قُلْنَا بِالِاحْتِيَاطِ فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ فَهَا هُنَا أَوْلَى.

  224. وَصِفَةُ نَبِيذِ التَّمْرِ الَّذِي يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ أَنْ يَكُونَ حُلْوًا رَقِيقًا يَسِيلُ عَلَى الْأَعْضَاءِ كَالْمَاءِ فَإِنْ كَانَ ثَخِينًا فَهُوَ كَالرُّبِّ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مُشْتَدًّا فَهُوَ حَرَامٌ شُرْبُهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ،

  225. وَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ حُلْوًا

  226. ١/٨٩١/٨٩

    كَانَ، أَوْ مُشْتَدًّا؛ لِأَنَّ النَّارَ غَيَّرَتْهُ فَهُوَ كَمَاءِ الْبَاقِلَا فَأَمَّا سَائِرُ الْأَنْبِذَةِ فَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ بِجَوَازِ التَّوَضُّؤِ بِهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى نَبِيذِ التَّمْرِ، وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ مَخْصُوصٌ مِنْ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الِاغْتِسَالِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ؛

  227. لِأَنَّ الْأَثَرَ فِي الْوُضُوءِ خَاصَّةً،

  228. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ مِنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ يَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

  229. قَالَ (، وَالْإِغْمَاءُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا) «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فِي مَرَضِهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ تَوَضَّأَ ثَانِيًا» ، وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ فِي غَفْلَةِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ، وَهَا هُنَا لَا يَنْتَبِهُ،

  230. وَكَذَلِكَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ لَوْ عَرَضَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ، وَيَمْنَعُ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ مُسْتَحْسَنٌ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَالْإِغْمَاءُ لَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ.

  231. وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْإِمَامُ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمُ الصَّلَاةَ بِإِمَامٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَالْبِنَاءُ عَلَى الْمُنْقَطِعِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِهَذَا اسْتَقْبَلُوا.

  232. قَالَ (وَلَيْسَ الْغُسْلُ بِوَاجِبٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ) إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَحُجَّتُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، أَوْ قَالَ حَقٌّ» .

  233. (وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا، وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» .

  234. وَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَخْطُبُ فَقَالَ أَيَّةُ سَاعَةِ الْمَجِيءِ هَذِهِ، قَالَ: مَا زِدْت بَعْدَ أَنْ سَمِعْت النِّدَاءَ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت فَقَالَ، وَالْوُضُوءُ أَيْضًا، وَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا بِالِاغْتِسَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» ،

  235. ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالِانْصِرَافِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.

  236. وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَا: كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَيَعْرَقُونَ فِيهِ، وَالْمَسْجِدُ قَرِيبُ السَّمْكِ فَكَانَ يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَائِحَةِ الْبَعْضِ فَأُمِرُوا بِالِاغْتِسَالِ لِهَذَا،

  237. ثُمَّ انْتَسَخَ هَذَا حِينَ لَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ، وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِأَيْدِيهِمْ، وَاخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الِاغْتِسَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْيَوْمِ أَمْ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْيَوْمِ، وَإِظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلصَّلَاةِ؛

  238. لِأَنَّهَا مُؤَدَّاةٌ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ فَلَهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، وَفَائِدَةُ هَذَا

  239. ١/٩٠١/٩٠

    الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،

  240. ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى الْجُمُعَةَ. عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ، وَعِنْدَ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَكُونُ

  241. وَالِاغْتِسَالُ فِي الْحَاصِلِ أَحَدَ عَشَرَ نَوْعًا. خَمْسَةٌ مِنْهَا فَرِيضَةٌ. الِاغْتِسَالُ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ،

  242. وَمِنْ إنْزَالِ الْمَاءِ، وَمِنْ الِاحْتِلَامِ،

  243. وَمِنْ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْهَا سُنَّةٌ. الِاغْتِسَالُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَعِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَفِي الْعِيدَيْنِ. وَوَاحِدٌ وَاجِبٌ، وَهُوَ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَآخَرُ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ جَاءَهُ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ» ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا فَإِنْ أَجْنَبَ، وَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى أَسْلَمَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ؛

  244. لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ،

  245. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ صِفَةِ الْجَنَابَةِ بَعْدَ إسْلَامِهِ كَبَقَاءِ صِفَةِ الْحَدَثِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.