كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ
المبسوطالحنفيةالمسائل ٥٦٬٢١١ إلى ٥٦٬٧٩٤
-
٢٤/٢١٢٤/٢١
يَعْتَادُ شُرْبَ الْخَمْرِ يَعَافُ الدُّرْدِيَّ، فَيَكُونُ شُرْبُهُ كَشُرْبِ الدَّمِ، وَالْبَوْلِ،
-
ثُمَّ الْغَالِبُ عَلَى الدُّرْدِيِّ أَجْزَاءُ تُفْلِ الْعِنَبِ مِنْ الْقِشْرِ، وَغَيْرِهِ.
-
وَلَوْ كَانَ الْغَالِبُ هُوَ الْمَاءُ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِشُرْبِهِ كَمَا بَيَّنَّا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْغَالِبُ تُفْلُ الْعِنَبِ،
-
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ فِي خَلٍّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ خَلًّا،
-
فَإِنَّ مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ يَصِيرُ خَلًّا إذَا تُرِكَ كَذَلِكَ،
-
فَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَلُّ، أَوْلَى أَنْ يَصِيرَ خَلًّا وَخَلُّ الْخَمْرِ حَلَالٌ
-
وَإِذَا طُبِخَ فِي الْخَمْرِ رَيْحَانٌ يُقَالُ: لَهُ سَوْسَنٌ حَتَّى يَأْخُذَ رِيحَهَا ثُمَّ يُبَاعُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْهُنَ، أَوْ يَتَطَيَّبَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ الْخَمْرِ،
-
وَإِنْ تَكَلَّفُوا لِإِذْهَابِ رَائِحَتِهِ بِرَائِحَةِ شَيْءٍ آخَرَ غَلَبَ عَلَيْهَا، وَالِانْتِفَاعُ بِالْخَمْرِ حَرَامٌ قَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَمْرِ عَشْرًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَعَنَ اللَّهُ فِي الْخَمْرِ عَشْرًا» ، وَقَالَ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهَا،
-
وَلَا تَمْتَشِطُ الْمَرْأَةُ بِالْخَمْرِ فِي الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّهَا فِي خِطَابِ تَحْرِيمِ الشُّرْبِ كَالرَّجُلِ،
-
وَكَذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهَا عِنْدَ الشُّرْبِ، فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا مِنْ حَيْثُ الِامْتِشَاطِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ يَصْنَعُهُ بَعْضُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ فِي تَرْنِيقِ الشَّعْرِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَنْهَى النِّسَاءَ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ،
-
وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ أَنْ يُسْقَى الصِّبْيَانُ الْخَمْرَ لِلدَّوَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْإِثْمُ عَلَى مَنْ يَسْقِيهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ يَنْبَنِي عَلَى الْخِطَابِ، وَالصَّبِيُّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ، وَلَكِنْ مَنْ يَسْقِيهِ مُخَاطَبٌ، فَهُوَ الْآثِمُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: إنَّ أَوْلَادَكُمْ وُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ،
-
فَلَا تُدَاوُوهُمْ بِالْخَمْرِ، وَلَا تُغَذُّوهُمْ بِهَا،
-
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ فِي رِجْسٍ شِفَاءً، وَإِنَّمَا الْإِثْمُ عَلَى مَنْ سَقَاهُمْ،
-
وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُدَاوِيَ بِهَا جُرْحًا فِي بَدَنِهِ، أَوْ يُدَاوِيَ بِهَا دَابَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ انْتِفَاعٍ بِالْخَمْرِ وَالِانْتِفَاعُ بِالْخَمْرِ مُحَرَّمٌ شَرْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
-
ثُمَّ الضَّرُورَةُ لَا تَتَحَقَّقُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْحَلَالِ مَا يَعْمَلُ عَمَلَهُ فِي الْمُدَاوَاةِ. .
-
وَإِنْ غُسِلَ الظَّرْفُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْخَمْرُ،
-
فَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ،
-
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ النَّبِيذُ، وَالْمُرَبَّى؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ كَانَ تَنَجَّسَ بِمَا جُعِلَ فِيهِ مِنْ الْخَمْرِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ بِجَعْلِ الْبَوْلِ، وَالدَّمِ فِيهِ، فَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ،
-
وَإِذَا صَارَ طَاهِرًا بِالْغَسْلِ حَلَّ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «، وَإِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ، وَذَكَرَ فِيهَا الْخَمْرَ» ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَطْهُرُ الثَّوْبُ بَعْدَ مَا يُصِيبُهُ الْخَمْرُ بِالْغَسْلِ فَكَذَلِكَ الظُّرُوفُ وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ بِكَسْرِ الدِّنَانِ، وَشَقِّ الرَّوَايَا» قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ،
-
ثُمَّ قِيلَ: فِي تَأْوِيلِهِ الْمُرَادُ مَا يُشْرَبُ فِيهِ الْخَمْرُ حَتَّى لَا يُمْكِنَ اسْتِخْرَاجُهُ بِالْغَسْلِ، وَتُوجَدُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ مِنْ كُلِّ مَا يُجْعَلُ فِيهِ،
-
فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَهُوَ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، فَلَا
-
٢٤/٢٢٢٤/٢٢
يَحِلُّ كَثِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ بِطَرِيقٍ حَلَالٍ شَرْعًا.
-
قُلْت: فَالْخَمْرُ يُطْرَحُ فِيهَا السَّمَكُ، وَالْمِلْحُ، فَيُصْنَعُ مُرَبَّى قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا تَحَوَّلَتْ عَنْ حَالِ الْخَمْرِ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ تَخْلِيلَ الْخَمْرِ بِالْعِلَاجِ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَيَحِلُّ تَنَاوُلُ الْخَلِّ بَعْدَ التَّخْلِيلِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ التَّخْلِيلُ حَرَامٌ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِي الْخَمْرِ مِنْ مِلْحٍ، أَوْ خَلٍّ،
-
وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ الْخَلُّ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالتَّخْلِيلُ مِنْ غَيْرِ إلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ بِالنَّقْلِ مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ، أَوْ إيقَادِ النَّارِ بِالْقُرْبِ مِنْهُ لَا يَحِلُّ عِنْدَهُ أَيْضًا، وَلَكِنْ إذَا تَخَلَّلَ، فَلَهُ قَوْلَانِ فِي إبَاحَةِ تَنَاوُلِ ذَلِكَ الْخَلِّ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «نَهَى أَنْ تُتَّخَذَ الْخَمْرُ خَلًّا» ، وَفِي «حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ خُمُورٌ لِيَتَامَى، فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ مَاذَا أَصْنَعُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَرْقِهَا قَالَ: أَفَلَا أُخَلِّلُهَا قَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا» ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِالْإِرَاقَةِ.
-
وَلَوْ كَانَ التَّخَلُّلُ جَائِزًا لَأَرْشَدَهُ إلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِصْلَاحِ فِي حَقِّ الْيَتَامَى، فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنْ التَّخَلُّلِ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ،
-
فَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُرَخِّصَ فِيهِ فِي خُمُورِ الْيَتَامَى،
-
وَإِذَا ثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنَّ التَّخْلِيلَ حَرَامٌ، فَالْفِعْلُ الْمُحَرَّمُ شَرْعًا لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْحِلِّ كَذَبْحِ الشَّاةِ فِي غَيْرِ مَذْبَحِهَا؛ وَلِأَنَّ الْخَمْرَ عَيْنٌ مُحَرَّمُ الِانْتِفَاعِ بِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالتَّخْلِيلُ تَصَرُّفٌ فِيهَا عَلَى قَصْدِ التَّمَوُّلِ، فَيَكُونُ حَرَامًا كَالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَكَمَا لَوْ أَلْقَى فِي الْخَمْرِ شَيْئًا حُلْوًا كَالسُّكَّرِ، وَالْفَانِيذِ حَتَّى صَارَ حُلْوًا، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْعَيْنِ تُوجِبُ الِاجْتِنَابَ، وَفِي التَّخْلِيلِ اقْتِرَابٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْمَأْمُورِ بِهِ نَصًّا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {، فَاجْتَنِبُوهُ}
-
بِخِلَافِ الْخَمْرِ لِلْإِرَاقَةِ، فَإِنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي الِاجْتِنَابِ عَنْهُ،
-
ثُمَّ مَا يُلْقَى فِي الْخَمْرِ نَجِسٌ بِمُلَاقَاةِ الْخَمْرِ إيَّاهُ، وَمَا يَكُونُ نَجِسًا فِي نَفْسِهِ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ فِي غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا الْحَرْفِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ مَا إذَا أُلْقِيَ فِيهِ شَيْءٌ، وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُجْعَلْ فِيهِ شَيْءٌ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا تَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ تَنْجِيسُ شَيْءٍ بِإِلْقَائِهِ فِيهِ،
-
وَلَا مُبَاشَرَةُ فِعْلٍ حَرَامٍ فِي الْخَمْرِ، فَهُوَ نَظِيرُ الصَّيْدِ إذَا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ بِنَفْسِهِ حَلَّ اصْطِيَادُهُ.
-
وَلَوْ أَخْرَجَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَحِلَّ، وَوَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحَرَمِ وَمَنْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ يُحْرَمُ مِنْ الْمِيرَاثِ بِمُبَاشَرَتِهِ فِعْلًا حَرَامًا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ بِنَفْسِهِ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ،
-
فَإِذَا تَخَلَّلَتْ، فَقَدْ تَحَوَّلَتْ بِطَبْعِهَا، وَصَارَتْ فِي حُكْمِ شَيْءٍ آخَرَ،
-
فَأَمَّا التَّخْلِيلُ، فَلَيْسَ بِتَقْلِيبٍ لِلْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعِبَادِ تَقْلِيبُ الطِّبَاعِ، وَإِنَّمَا الَّذِي إلَيْهِمْ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، فَيَكُونُ هَذَا تَنْجِيسًا لِمَا يُلْقَى فِي الْخَمْرِ لَا تَقْلِيبًا لِطَبْعِ الْخَمْرِ، وَهُوَ نَظِيرُ الشَّابِّ يَصِيرُ شَيْخًا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَبِتَكْلِيفِهِ لَا يَصِيرُ شَيْخًا،
-
فَإِذَا لَمْ يَتَبَدَّلْ طَبْعُهُ
-
٢٤/٢٣٢٤/٢٣
بِهَذَا التَّخْلِيلِ بَقِيَ صِفَةُ الْخَمْرِيَّةِ فِيهِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطْهُرْ كَمَا إذَا أُلْقِيَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْحَلَاوَةِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ،
-
فَإِنَّ نَجَاسَةَ الْجِلْدِ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الدُّسُومَاتِ النَّجِسَةِ، وَالدَّبْغُ إزَالَةٌ لِتِلْكَ الدُّسُومَةِ، وَإِلَى الْعِبَادِ الْفَصْلُ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، فَكَانَ فِعْلُهُ إصْلَاحًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُمَيَّزُ بِهِ الطَّاهِرُ مِنْ النَّجِسِ،
-
فَأَمَّا نَجَاسَةُ الْخَمْرِ، فَلِعَيْنِهَا لَا لِغَيْرٍ اتَّصَلَ بِهَا، وَإِنَّمَا تَنْعَدِمُ هَذِهِ الصِّفَةُ بِتَحَوُّلِهَا بِطَبْعِهَا،
-
وَلَا أَثَرَ لِلتَّخْلِيلِ فِي ذَلِكَ.
-
وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ، فَقَدْ طَهُرَ كَالْخَمْرِ يُخَلَّلُ، فَيَحِلُّ» ،
-
وَلَا يُقَالُ: قَدْ رُوِيَ كَالْخَمْرِ تُخَلَّلُ، فَحَلَّ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ كَالْخَبَرَيْنِ، فَيُعْمَلُ بِهِمَا،
-
ثُمَّ مَا رَوَيْنَاهُ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ دَبْغَ الْجِلْدِ بِهِ، وَالدَّبْغُ يَكُونُ بِصُنْعِ الْعِبَادِ لَا بِطَبْعِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْلِيلُ الَّذِي يَكُونُ بِصُنْعِ الْعِبَادِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ هَذَا صَلَاحٌ لِجَوْهَرٍ فَاسِدٍ، فَيَكُونُ مِنْ الْحِكْمَةِ، وَالشَّرْعِ أَنْ لَا يَنْهَى عَمَّا هُوَ حِكْمَةٌ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْخَمْرَ جَوْهَرٌ، فَاسِدٌ، فَإِصْلَاحُهُ بِإِزَالَةِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ عَنْهُ، وَالتَّخْلِيلُ إزَالَةٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إصْلَاحٌ لَهُ، وَهُوَ كَدَبْغِ الْجِلْدِ،
-
فَإِنَّ عَيْنَ الْجِلْدِ نَجِسٌ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
-
وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الدُّسُومَاتِ لَجُوِّزَ بَيْعَهُ كَالدُّسُومَاتِ النَّجِسَةِ، وَلَكِنَّ الدَّبْغَ إصْلَاحٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعْصِمُهُ عَنْ النَّتْنِ، وَالْفَسَادِ، فَكَانَ جَائِزًا شَرْعًا،
-
وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ إنَّ هَذَا إفْسَادٌ فِي الْحَالِ لِمَا يُلْقَى فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي دَبْغِ الْجِلْدِ، فَإِنَّهُ إفْسَادٌ لِمَا يُجْعَلُ فِيهِ مِنْ الشَّبِّ، وَالْقَرَظِ، وَهَذَا إصْلَاحٌ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَآلِ لَا لِلْحَالِ،
-
فَإِنَّ إلْقَاءَ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ إتْلَافًا لِلْبَذْرِ فِي الْحَالِ، وَلَكِنَّهُ إصْلَاحٌ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّخْلِيلَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الْخَمْرِ عَلَى قَصْدِ تَمَوُّلِ الْخَمْرِ بَلْ هُوَ إتْلَافٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ، وَبَيْنَ تَمَوُّلِ الْخَمْرِ، وَإِتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ مُنَافَاةٌ، فَمَا كَانَ الِاقْتِرَابُ مِنْ الْعَيْنِ لِإِتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ إلَّا نَظِيرَ الِاقْتِرَابِ مِنْهَا لِإِرَاقَةِ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ شَرْعًا، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ تَقْلِيبَ الطِّبَاعِ لَيْسَ إلَى الْعِبَادِ، وَإِنَّمَا إلَيْهِمْ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ، وَلَكِنَّ إحْدَاثَ الْمُجَاوَرَةِ بَيْنَ الْخَلِّ وَالْخَمْرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَقْوَى عَلَى إتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ بِتَحَوُّلِهَا إلَى طَبْعِ الْحِلِّ فِي أَسْرَعِ الْأَوْقَاتِ، فَكَانَ هَذَا أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ مِنْ الْإِمْسَاكِ،
-
وَإِذَا جَازَ الْإِمْسَاكُ إلَى أَنْ يَتَخَلَّلَ، فَالتَّخْلِيلُ، أَوْلَى بِالْجَوَازِ،
-
وَأَمَّا إذَا أَلْقَى فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْحَلَاوَةِ، فَذَلِكَ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَصِيرَ حُلْوًا، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَعْنَى الشِّدَّةِ، وَالْمَرَارَةِ قَائِمٌ فِيهِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ لِغَلَبَةِ الْحَلَاوَةِ عَلَيْهِ،
-
فَأَمَّا مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا، فَيَكُونُ التَّخْلِيلُ إتْلَافًا لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا، يُوَضِّحُهُ أَنَّ مِنْ وَجْهٍ، فَعَلَيْهِ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ،
-
وَمِنْ وَجْهٍ إتْلَافٌ لِصِفَةِ
-
٢٤/٢٤٢٤/٢٤
الْخَمْرِيَّةِ كَمَا قُلْنَا، فَيُوَفِّرُ حَظَّهُ عَلَيْهِمَا، فَيَقُولُ لِاعْتِبَارِ جَانِبِ إحْدَاثِ الْمُجَاوَرَةِ لَا يَحِلُّ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْحَلَاوَاتِ فِيهِ، وَلِاعْتِبَارِ جَانِبِ إتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ يَحِلُّ التَّخْلِيلُ.
-
فَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّخْلِيلِ، فَالْمُرَادُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْخَمْرُ اسْتِعْمَالَ الْخَلِّ بِأَنْ يُؤْتَدَمَ بِهِ، وَيُصْطَبَغَ بِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ تَحْلِيلِ الْحَرَامِ، وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ، وَأَنْ تُتَّخَذَ الدَّوَابُّ كَرَاسِيَّ» ، وَالْمُرَادُ الِاسْتِعْمَالُ «، وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا عَبَدْنَاهُمْ قَطُّ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَيْسَ كَانُوا يَأْمُرُونَ، وَيَنْهَوْنَ، فَيُطِيعُونَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: هُوَ ذَاكَ» قَدْ فَسَّرَ الِاتِّخَاذَ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ ذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ، «أَفَلَا أُخَلِّلُهَا؟ قَالَ نَعَمْ» ،
-
وَإِنْ صَحَّ مَا رُوِيَ، فَإِنَّمَا نَهَى عَنْ التَّخْلِيلِ فِي الِابْتِدَاءِ لِلزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ، فَقَدْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الِانْزِجَارُ عَنْ الْعَادَةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِرَاقَةِ الْخُمُورِ، وَنَهَى عَنْ التَّخْلِيلِ لِذَلِكَ كَمَا أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ فِي اقْتِنَاءِ الْكِلَابِ،
-
ثُمَّ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعِفُّوا فِي خُمُورِ الْيَتَامَى إذْ لَمْ يَبْقَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ فِي خُمُورِ الْيَتَامَى أَيْضًا بِالْإِرَاقَةِ لِلزَّجْرِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ الْمَنْعُ مِنْ إفْسَادِ مَالِ الْيَتِيمِ لَا إصْلَاحُ مَا فَسَدَ مِنْهُ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنْ شَاةَ الْيَتِيمِ إذَا مَاتَتْ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ دَبْغُ جِلْدِهَا،
-
وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَهُ جَازَ، فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّخْلِيلُ،
-
وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَهُ كَانَ جَائِزًا إذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّخْلِيلِ، فَكَذَلِكَ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْمُرَبَّى مِنْ الْخَمْرِ بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ، وَالسَّمَكِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ كَمَا فِي التَّخْلِيلِ، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ يُعَارِضُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ،
-
ثُمَّ تَأْوِيلُ حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلُ مَا بَيَّنَّا مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ السِّيَاسَةِ لِلزَّجْرِ،
-
وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ بَيْعُ الْخَمْرِ،
-
وَلَا أَكْلُ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا رِجْسًا، فَيَقْضِي ذَلِكَ بِنَجَاسَةِ الْعَيْنِ، وَفَسَادِ الْمَالِيَّةِ، وَالتَّقْوِيمِ كَمَا فِي الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَقَدْ أَمَرَ بِالِاجْتِنَابِ عَنْهَا، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْمُسْلِمِ الِاقْتِرَابُ مِنْهَا عَلَى جِهَةِ التَّمَوُّلِ بِحَالٍ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ أَبَا عَامِرٍ كَانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاوِيَةً مِنْ خَمْرٍ كُلَّ عَامٍ، فَأَهْدَى لَهُ فِي الْعَامِ الَّتِي حُرِّمَتْ فِيهِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَلَا حَاجَةَ لِي فِي خَمْرِك قَالَ: خُذْهَا، وَبِعْهَا، وَانْتَفِعْ بِثَمَنِهَا فِي حَاجَتِك، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَا أَبَا عَامِرٍ إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا، وَأَكْلَ ثَمَنِهَا.»
-
«، وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ ثَمَنِهَا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ
-
٢٤/٢٥٢٤/٢٥
حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، وَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا ثَمَنَهَا،
-
وَإِنَّ الَّذِي حَرَّمَ الشُّرْبَ حَرَّمَ بَيْعَهَا، وَأَكْلَ ثَمَنِهَا، وَمِمَّنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَمْرِ بَائِعُهَا، وَمُشْتَرِيهَا.».
-
فَإِنْ صُنِعَ الْخَمْرُ فِي مَرَقَةٍ،
-
ثُمَّ طُبِخَ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ،
-
وَلَا يَحِلُّ هَذَا الصُّنْعُ؛ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْخَمْرِ كَاسْتِعْمَالِ الْخَلِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ،
-
ثُمَّ الطَّبْخُ فِي الْخَمْرِ لَا يُحِلُّهَا،
-
وَلَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ الثَّابِتَ فِيهَا كَمَا لَوْ طَبَخَهَا لَا فِي مَرَقَةٍ، وَلَكِنْ لَا يُحَدُّ مَنْ شَرِبَ تِلْكَ الْمَرَقَةَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا غَيْرُ الْخَمْرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْغَالِبُ فِي حُكْمِ الْحَدِّ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالْمَرَقَةُ تُؤْكَلُ مَعَ الطَّعَامِ، وَالْأَكْلُ غَيْرُ الشُّرْبِ، وَلِهَذَا لَا نُوجِبُ الْحَدَّ فِي الدُّرْدِيِّ؛
-
لِأَنَّهُ إلَى الْأَكْلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الشُّرْبِ،
-
وَيُكْرَهُ الِاحْتِقَانُ بِالْخَمْرِ، وَالْإِقْطَارُ مِنْهَا فِي الْإِحْلِيلِ،
-
وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ أَمَّا الِاسْتِشْفَاءُ بِعَيْنِ الْخَمْرِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِنْدَنَا وَالشَّافِعِيُّ يُجَوِّزُ ذَلِكَ إذَا أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ أَنَّ شِفَاءَهُ فِي ذَلِكَ،
-
وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِشُبْهَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي إبَاحَةِ هَذَا الْفِعْلِ، وَلِحَاجَتِهِ إلَى التَّدَاوِي،
-
ثُمَّ مَا يُقَطَّرُ فِي إحْلِيلِهِ لَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ، وَلِهَذَا لَا يُفْطِرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالْحُقْنَةُ،
-
وَإِنْ كَانَتْ مُفْطِرَةً، فَالْحَدُّ لَا يَلْزَمُهُ فِيمَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ مِنْ أَسَافِلِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ، وَالطَّبْعُ لَا يَمِيلُ إلَى ذَلِكَ، وَالتَّمْرُ يُطْبَخُ، وَيُطْبَخُ مَعَهُ الْكَشُوثَاءُ فَنُبِذَ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُطْبَخُ مَعَهُ يَزِيدُ فِي شِدَّتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشِّدَّةَ لَا تُوجِبُ الْحُرْمَةَ فِي الْمَطْبُوخِ مِنْ التَّمْرِ
-
وَلَوْ عُجِنَ الدَّقِيقُ بِالْخَمْرِ،
-
ثُمَّ خُبِزَ كَرِهْتُ أَكْلَهُ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ تَنَجَّسَ بِالْخَمْرِ، وَالْعَجِينُ النَّجِسُ لَا يَطْهُرُ بِالْخَبْزِ، فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ.
-
وَلَوْ صَبَّ الْخَمْرَ فِي حِنْطَةٍ لَمْ يُؤْكَلْ حَتَّى تُغْسَلَ؛ لِأَنَّهَا تَنَجَّسَتْ بِالْخَمْرِ،
-
فَإِنْ غَسَلَ الْحِنْطَةَ، وَطَحَنَهَا، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا طَعْمُ الْخَمْرِ،
-
وَلَا رِيحُهَا، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَقَدْ زَالَتْ بِالْغَسْلِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ آثَارِهَا، فَهُوَ، وَمَا لَوْ تَنَجَّسَتْ بِبَوْلٍ، أَوْ دَمٍ سَوَاءٌ،
-
فَإِنْ تَشَرَّبَتْ الْخَمْرُ فِي الْحِنْطَةِ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ تُغْسَلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَتُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَتَطْهُرُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا تَطْهُرُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ إنَّمَا يُزِيلُ مَا عَلَى ظَاهِرِهَا،
-
فَأَمَّا مَا تَشَرَّبَ فِيهَا،
-
فَلَا يُسْتَخْرَجُ إلَّا بِالْعَصْرِ، وَالْعَصْرُ فِي الْحِنْطَةِ لَا يَتَأَتَّى، وَهُوَ إلَى الْقِيَاسِ أَقْرَبُ، وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ لِأَجْلِ الْبَلْوَى، وَالضَّرُورَةِ فِي جِنْسِ هَذَا،
-
فَإِنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي فُصُولٍ مِنْهَا التَّرَوِّي إذَا تَشَرَّبَ الْبَوْلُ فِيهِ، وَاللَّوْحُ، وَالْآجُرُّ، وَالْخَزَفُ الْجَدِيدُ، وَالنَّعْلُ فِي الْحَمَّامِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ،
-
فَإِنَّ لِلتَّجْفِيفِ أَثَرًا فِي اسْتِخْرَاجِ مَا تَشَرَّبَ مِنْهُ، فَيُقَامُ التَّجْفِيفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مُقَامُ الْعَصْرِ فِيمَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْعَصْرُ، فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ. .
-
وَيُكْرَهُ أَنْ يُسْقَى الدَّوَابُّ الْخَمْرَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ انْتِفَاعٍ بِالْخَمْرِ، وَاقْتِرَابٌ
-
٢٤/٢٦٢٤/٢٦
مِنْهَا عَلَى قَصْدِ التَّمَوُّلِ، وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْقِيَهَا، أَوْ الْمُسْكِرُ الذِّمِّيَّ كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْرَبَهَا، وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَمْرِ سَاقِيهَا كَمَا لَعَنَ شَارِبَهَا.
-
وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ، فَقَضَاهُ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ كَافِرًا،
-
فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ الْكَافِرِ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ ثَمَنَهُ،
-
ثُمَّ الْمُسْلِمُ يَأْخُذُ مِلْكَ مَدْيُونِهِ بِسَبَبٍ صَحِيحٍ، وَمَا يَأْخُذُهُ عِوَضٌ عَنْ دَيْنِهِ فِي حَقِّهِ لَا ثَمَنَ الْخَمْرِ،
-
فَأَمَّا بَيْعُ الْخَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِ، فَبَاطِلٌ، وَالثَّمَنُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ لَهُ بَلْ هُوَ، وَاجِبُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُ، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ لَيْسَ يَأْخُذُ مِلْكَ مَدْيُونِهِ بَلْ مِلْكَ الْغَيْرِ الْحَاصِلِ عِنْدَهُ بِسَبَبٍ، فَاسِدٍ شَرْعًا، فَيَكُونُ هُوَ بِهَذَا الْأَخْذِ مُقَرِّرًا الْحُرْمَةَ، وَالْفَسَادَ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ.
-
وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَجْعَلُهُ خَمْرًا؛ لِأَنَّ الْعَصِيرَ مَشْرُوبٌ طَاهِرٌ حَلَالٌ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَأَكْلُ ثَمَنِهِ،
-
وَلَا، فَسَادَ فِي قَصْدِ الْبَائِعِ إنَّمَا الْفَسَادُ فِي قَصْدِ الْمُشْتَرِي،
-
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ بَيْعَ الْكَرْمِ مِمَّنْ يَتَّخِذُ الْخَمْرَ مِنْ عَيْنِهِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ،
-
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْأَرْضِ مِمَّنْ يُغْرَسُ فِيهَا كَرْمًا لِيَتَّخِذَ مِنْ عِنَبِهِ الْخَمْرُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَكَرِهَ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْعَصِيرِ، وَالْعِنَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَتَمْكِينٌ مِنْهَا، وَذَلِكَ حَرَامٌ،
-
وَإِذَا امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ الْبَيْعِ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُشْتَرِي اتِّخَاذُ الْخَمْرِ، فَكَانَ فِي الْبَيْعِ مِنْهُ تَهْيِيجُ الْفِتْنَةِ، وَفِي الِامْتِنَاعِ تَسْكِينُهَا.
-
وَمَنْ أَهْرَاقَ خَمْرَ مُسْلِمٍ،
-
فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَإِتْلَافُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَإِتْلَافِ الْمَيْتَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ جَبْرًا لِمَا دَخَلَ عَلَى الْمُتْلَفِ عَلَيْهِ مِنْ نُقْصَانِ الْمَالِيَّةِ،
-
وَإِنْ كَانَ سُكَّرًا، أَوْ طِلَاءً قَدْ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُهُ، أَوْ رُبُعُهُ، فَأَهْرَاقَهُ رَجُلٌ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،
-
وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ.
-
فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمَّا جَوَّزَ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ كَانَتْ الْمَالِيَّةُ، وَالتَّقَوُّمُ فِيهَا ثَابِتَةً، فَقَالَ إنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَلَكِنْ بِالْقِيمَةِ لَا بِالْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِ عَيْنِهَا،
-
وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ جَازَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخَمْرِ،
-
فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مُتْلِفِهَا أَيْضًا، وَفِي الْكِتَابِ قَالَ قُلْت مِنْ أَيْنَ اخْتَلَفَا؟ قَالَ: الْخَمْرُ حَرَامٌ، وَهَذَا لَيْسَ كَالْخَمْرِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ نَكْرَهُهُ نَحْنُ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، فَتَعْمَلُ فِي إسْقَاطِ الْمَالِيَّةِ، وَالتَّقَوُّمِ، وَحُرْمَةُ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ لَمْ تَكُنْ بِنَصٍّ مَقْطُوعٍ بِهِ،
-
فَلَا تَسْقُطُ الْمَالِيَّةُ، وَالتَّقَوُّمُ بِهِ،
-
فَإِنْ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا، فَصَارَتْ فِي يَدِهِ خَلًّا، ثُمَّ، وَجَدَهَا صَاحِبُهَا
-
٢٤/٢٧٢٤/٢٧
فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ، وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ بَعْدَ التَّخَلُّلِ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا، وَفِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ إذَا دَبَغَهُ الْغَاصِبُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ. .
-
وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْمَجُوسِ، وَأَهْلِ الشِّرْكِ مَا خَلَا الذَّبَائِحِ،
-
فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَأْكُلُ ذَبَائِحَ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ يَأْكُلُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ طَعَامِهِمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ بَعْضِهِمْ تَأْلِيفًا لَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ،
-
فَأَمَّا ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ،
-
فَلَا بَأْسَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {، وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} ،
-
وَلَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ فِي أَوَانِي الْمَجُوسِ، وَلَكِنْ غَسْلُهَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَأَنْظَفُ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ طَبْخِ الْمَرَقَةِ فِي أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اغْسِلُوهَا، ثُمَّ اُطْبُخُوا فِيهَا» ؛ وَلِأَنَّ الْآنِيَةَ تُتَّخَذُ مِمَّا هُوَ طَاهِرٌ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الطَّهَارَةُ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَهُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، فَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا لِذَلِكَ،
-
وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ، وَتَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ لَمْ يَضُرَّهُ، وَهُوَ نَظِيرُ الصَّلَاةِ فِي سَرَاوِيلِ الْمَجُوسِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ،
-
وَلَا بَأْسَ بِالْجُبْنِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صَنْعَةِ الْمَجُوسِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ غُلَامًا لِسَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَتَاهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ بِسَلَّةٍ فِيهَا جُبْنٌ، وَخُبْزٌ، وَسِكِّينٌ، فَجَعَلَ يُقَطِّعُ مِنْ ذَلِكَ الْجُبْنِ لِأَصْحَابِهِ، فَيَأْكُلُونَهُ، وَيُخْبِرُهُمْ كَيْفَ يَصْنَعُ الْجُبْنَ؛ وَلِأَنَّ الْجُبْنَ بِمَنْزِلَةِ اللَّبَنِ،
-
وَلَا بَأْسَ بِمَا يَجْلِبُهُ الْمَجُوسُ مِنْ اللَّبَنِ إنَّمَا لَا يَحِلُّ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الذَّكَاةُ إذَا كَانَ الْمُبَاشِرُ لَهُ مَجُوسِيًّا، أَوْ مُشْرِكًا، وَالذَّكَاةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِتَنَاوُلِ اللَّبَنِ، وَالْجُبْنِ، فَهُوَ نَظِيرُ سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ، وَالْأَشْرِبَةِ
-
بِخِلَافِ الذَّبَائِحِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الذَّكَاةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِيمَا فِيهِ الْحَيَاةُ،
-
وَلَا حَيَاةَ فِي اللَّبَنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ. .
-
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ الشَّاةُ إذَا مَاتَتْ، وَفِي ضِرْعِهَا لَبَنٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَتَنَجَّسُ اللَّبَنُ بِمَوْتِهَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ عِنْدَهُ حَيَاةٌ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ يَتَنَجَّسُ بِتَنَجُّسِ الْوِعَاءِ بِمَنْزِلَةِ لَبَنٍ صُبَّ فِي قَصْعَةٍ نَجِسَةٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: لَوْ كَانَ اللَّبَنُ يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ لَتَنَجَّسَ بِالْحَلْبِ أَيْضًا،
-
فَإِنَّ مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ مَيِّتٌ،
-
فَإِذَا جَازَ أَنْ يُحْلَبَ اللَّبَنُ، فَيُشْرِبَ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ،
-
فَلَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ، وَلَا بِنَجَاسَةِ وِعَائِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْدِنِهِ،
-
وَلَا يُعْطَى الشَّيْءُ فِي مَعْدِنِهِ حُكْمَ النَّجَاسَةِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْأَصْلَ، اللَّبَنُ إنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} ، وَعَلَى هَذَا إنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَاهِرَةٌ مَائِعَةً كَانَتْ، أَوْ جَامِدَةً بِمَنْزِلَةِ اللَّبَنِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ نَجِسَةُ الْعَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إنْ كَانَتْ مَائِعَةً، فَهِيَ نَجِسَةٌ بِنَجَاسَةِ الْوِعَاءِ كَاللَّبَنِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ جَامِدَةً، فَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الْغَسْلِ؛ لِأَنَّ بِنَجَاسَةِ الْوِعَاءِ لَا يَتَنَجَّسُ بَاطِنُهَا، وَمَا عَلَى ظَاهِرِهَا يَزُولُ بِالْغَسْلِ، وَأَشَارَ لِأَبِي حَنِيفَةَ
-
٢٤/٢٨٢٤/٢٨
- رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْكِتَابِ إلَى حَرْفٍ، فَقَالَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ إنْفَحَةً،
-
وَلَا لَبَنًا، وَهِيَ مَيِّتَةٌ،
-
وَلَا يَضُرُّهَا مَوْتُ الشَّاةِ يَعْنِي أَنَّ اللَّبَنَ، وَالْإِنْفَحَةَ تَنْفَصِلُ مِنْ الشَّاةِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ حَيَّةً كَانَتْ الشَّاةُ، أَوْ مَيِّتَةً ذُبِحَتْ، أَوْ لَمْ تُذْبَحْ،
-
فَلَا يَكُونُ لِمَوْتِ الشَّاةِ تَأْثِيرٌ فِي اللَّبَنِ، وَالْإِنْفَحَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَتْ دَجَاجَةٌ، فَوُجِدَ فِي بَطْنِهَا بَيْضَةٌ،
-
فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْبَيْضَةِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ إنْ كَانَتْ صُلْبَةً، فَكَذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَتْ لَيِّنَةً لَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهَا كَاللَّبَنِ، وَالْإِنْفَحَةِ عَلَى أَصْلِهِ. .
-
وَلَوْ سَقَى شَاةً خَمْرًا ثُمَّ ذُبِحَتْ سَاعَتَئِذٍ،
-
فَلَا بَأْسَ بِلَحْمِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَبَ مِنْهَا اللَّبَنَ،
-
فَلَا بَأْسَ بِشُرْبِهِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ صَارَتْ مُسْتَهْلَكَةً بِالْوُصُولِ إلَى جَوْفِهَا، وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي لَحْمِهَا،
-
وَلَا فِي لَبَنِهَا، وَهِيَ عَلَى صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ بِحَالِهَا، فَلِهَذَا لَا بَأْسَ بِأَكْلِ لَحْمِهَا، وَشُرْبِ لَبَنِهَا
-
وَلَوْ صَبَّ رَجُلٌ خَابِيَةً مِنْ خَمْرٍ فِي نَهْرِ مِثْلِ الْفُرَاتِ، أَوْ أَصْغَرَ مِنْهُ، وَرَجُلٌ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَمَرَّتْ بِهِ الْخَمْرُ فِي الْمَاءِ،
-
فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْرَبَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يُوجَدُ فِيهِ طَعْمُهَا، أَوْ رِيحُهَا،
-
فَلَا يَحِلُّ لَهُ حِينَئِذٍ
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ، وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ خَمْرٍ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ؛ لِأَنَّ مَاءَ الْإِنَاءِ قَدْ تَنَجَّسَ،
-
فَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فِيهِ طَعْمُ الْخَمْرِ،
-
وَأَمَّا الْفُرَاتُ، فَلَا يَتَنَجَّسُ إذْ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ،
-
وَلَا رَائِحَتُهُ بِمَا صُبَّ فِيهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ، أَوْ لَوْنَهُ، أَوْ رِيحَهُ» ، وَالْمُرَادُ الْمَاءُ الْجَارِي،
-
ثُمَّ مَا صُبَّ فِي الْفُرَاتِ يَصِيرُ مَغْلُوبًا مُسْتَهْلَكًا بِالْمَاءِ، فَمَا يَشْرَبُهُ الرَّجُلُ مَاءُ الْفُرَاتِ،
-
وَلَا بَأْسَ بِشُرْبِ مَاءِ الْفُرَاتِ إلَّا إذَا كَانَ يُوجَدُ فِيهِ رِيحُ الْخَمْرِ، أَوْ طَعْمُهَا، فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى وُجُودِ عَيْنِ الْخَمْرِ فِيمَا شَرِبَهُ،
-
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي الْجِيفَةِ الْوَاقِعَةِ فِي نَهْرٍ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ أَنَّهُ إنْ كَانَ جَمِيعُ الْمَاءِ، أَوْ أَكْثَرُهُ يَجْرِي عَلَى الْجِيفَةِ، فَذَلِكَ الْمَاءُ نَجِسٌ،
-
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ لَا يَجْرِي عَلَى الْجِيفَةِ، فَهُوَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ يُجْعَل تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
-
وَإِذَا خَافَ الْمُضْطَرُّ الْمَوْتَ مِنْ الْعَطَشِ،
-
فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْرَبَ مِنْ الْخَمْرِ مَا يَرُدُّ عَطَشَهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحِلُّ شُرْبُ الْخَمْرِ لِلْعَطَشِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا تَرُدُّ الْعَطَشَ بَلْ تَزِيدُ فِي عَطَشِهِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْحَرَارَةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} الْآيَةَ،
-
فَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَيْتَةِ، فَفِيهَا بَيَانٌ أَنَّ مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ الْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالشَّرْعِ وَحُرْمَةُ الْخَمْرِ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ كَحُرْمَةِ الْمَيْتَةِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ،
-
وَلَا بَأْسَ بِالْإِصَابَةِ مِنْهَا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الْهَلَاكَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ يَرُدُّ عَطَشَهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ فِي الْخَمْرِ رُطُوبَةً، وَحَرَارَةً، فَالرُّطُوبَةُ الَّتِي فِيهَا تَرُدُّ عَطَشَهُ فِي الْحَالِ،
-
ثُمَّ بِالْحَرَارَةِ الَّتِي فِيهَا يَزْدَادُ الْعَطَشُ فِي الثَّانِي، وَإِلَى أَنْ يَهِيجَ ذَلِكَ بِهِ رُبَّمَا يَصِلُ إلَى الْمَاءِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَدْفَعُ الْهَلَاكَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ،
-
وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ
-
٢٤/٢٩٢٤/٢٩
مِنْهَا إلَى السُّكْرِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ لِلضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ،
-
فَإِنْ سَكِرَ نَظَرْنَا، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا يُسَكِّنُ عَطَشَهُ،
-
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ شُرْبَ هَذَا الْمِقْدَارِ حَلَالٌ، وَهُوَ وَإِنْ سَكِرَ مِنْ شُرْبِ الْحَلَالِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ سَكِرَ مِنْ اللَّبَنِ، أَوْ الْبَنْجِ،
-
وَإِنْ اسْتَكْثَرَ مِنْهُ بَعْدَ مَا سَكَنَ عَطَشُهُ حَتَّى سَكِرَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ بَعْدَ مَا سَكَنَ عَطَشُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ، فَالْقَلِيلُ، وَالْكَثِيرُ مِنْهَا سَوَاءٌ فِي حُكْمِهِ، فَمِقْدَارُ مَا شَرِبَ بَعْدَ تَسْكِينِ الْعَطَشِ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَكْفِي فِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
-
وَكَذَلِكَ النَّبِيذُ إذَا شَرِبَ مِنْهُ، فَوْقَ مَا يُجْزِئُهُ حَتَّى سَكِرَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ السُّكْرَ مِنْ النَّبِيذِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ كَشُرْبِ الْخَمْرِ،
-
وَلَا ضَرُورَةَ لَهُ فِي شُرْبِ الْقَدَحِ الْمُسْكِرِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِذَلِكَ،
-
وَإِذَا كَانَ مَعَ رَقِيقٍ لَهُ مَاءٌ كَثِيرٌ، فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَيْهِ بِمَا دُونَ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُحَرَّزٌ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ إلَّا أَنَّ الْمَاءَ فِي الْأَصْلِ كَانَ مُبَاحًا مُشْتَرَكًا، وَذَلِكَ الْأَصْلُ بَقِيَ مُعْتَبَرًا بَعْدَ الْإِحْرَازِ حَتَّى لَا يَتَعَلَّقَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، فَلِاعْتِبَارِ إبَاحَةِ الْأَصْلِ قُلْنَا يُقَاتِلُهُ بِمَا دُونَ السِّلَاحِ، وَلِكَوْنِهِ مَالًا مَمْلُوكًا لَهُ فِي الْحَالِ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَيْهِ بِالسِّلَاحِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ» ، فَكَيْفَ يُقَاتِلُ بِالسِّلَاحِ مَنْ إذَا قَتَلَهُ كَانَ شَهِيدًا، وَفِي الْمَاءِ الْمُبَاحِ إذَا مَنَعَهُ مِنْهُ قَاتَلَهُ بِالسِّلَاحِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ،
-
فَأَمَّا فِي الطَّعَامِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ، وَلَكِنَّهُ يَغْصِبُهُ إيَّاهُ إنْ اسْتَطَاعَ، فَيَأْكُلُهُ،
-
ثُمَّ يُعْطِيهِ ثَمَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ لِلْمُضْطَرِّ حَقٌّ فِي هَذَا الطَّعَامِ قَطُّ، وَلَكِنَّ الطَّعَامَ مِلْكٌ لِصَاحِبِهِ، فَهُوَ يَمْنَعُ الْغَيْرَ مِنْ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ مُطْلَقٌ لَهُ شَرْعًا،
-
فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُضْطَرَّ يَخَافُ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَذَلِكَ مُبِيحٌ لَهُ التَّنَاوُلَ مِنْ طَعَامِ الْغَيْرِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، وَهُوَ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِفِعْلٍ مَقْصُورٍ عَلَى الطَّعَامِ غَيْرِ مُتَعَدٍّ إلَى صَاحِبِهِ، وَالْمَقْصُورُ عَلَى الطَّعَامِ الْأَخْذُ،
-
فَأَمَّا الْقِتَالُ، فَيَكُونُ مَعَ صَاحِبِ الطَّعَامِ لَا مَعَ الطَّعَامِ، فَلِهَذَا لَا يُقَاتِلُهُ بِالسِّلَاحِ،
-
وَلَا بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ الَّذِي مَعَهُ الْمَاءُ يَخَاف عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ إنْ لَمْ يُحْرِزْ مَاءَهُ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَهُ، وَيَتْرُكُ بَعْضَهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يَنْظُرُ لِلْكُلِّ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ شَرْعًا دَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِطَرِيقٍ لَا يَكُونُ فِيهِ هَلَاكُ غَيْرِهِ، وَفِي أَخْذِ جَمِيعِ الْمَاءِ مِنْهُ هَلَاكُ صَاحِبِ الْمَاءِ لِقِلَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يَدْفَعُ الْهَلَاكَ إلَّا عَنْ أَحَدِهِمَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ صَاحِبِ الْمَاءِ؛
-
لِأَنَّ حَقَّهُ فِي مِلْكِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ.
-
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا مَسَائِلَ قَدْ بَيَّنَّا أَكْثَرَهَا فِي الْحُدُودِ، فَقَالَ يُضْرَبُ الشَّارِبُ الْحَدَّ بِالسَّوْطِ فِي إزَارٍ، وَسَرَاوِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ مُغَلَّظَةٌ كَجِنَايَةِ الزَّانِي، فَيُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ عِنْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ لِيَخْلُصَ الْأَلَمُ إلَى بَدَنِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ كَالرَّجُلِ عَلَى قِيَاسِ حَدِّ الزِّنَا، وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى
-
٢٤/٣٠٢٤/٣٠
أَعْضَائِهَا كَمَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ إلَّا أَنَّهَا لَا تُجَرَّدُ عَنْ ثِيَابِهَا؛ لِأَنَّ بَدَنَهَا عَوْرَةٌ، وَكَشْفُ الْعَوْرَةِ حَرَامٌ، وَلَكِنْ يُنْزَعُ عَنْهَا الْحَشْوُ، وَالْفَرْوُ لِكَيْ يَخْلُصَ الْأَلَمُ إلَى بَدَنِهَا،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا غَيْرُ جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ لَمْ يُنْزَعْ ذَلِكَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ،
-
وَكَذَلِكَ لَا يُطْرَحُ عَنْهَا خِمَارُهَا، وَتُضْرَبُ قَاعِدَةً لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا هَكَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُضْرَبُ الرِّجَالُ قِيَامًا، وَالنِّسَاءُ قُعُودًا.
-
وَالْأَصْلُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِشَارِبِ خَمْرٍ، وَعِنْدَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَضَرَبُوهُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِنَعْلَيْهِ» ، فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَعَلَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَوْطًا، وَالْخَبَرُ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، فَهُوَ مَشْهُورٌ، وَقَدْ تَأَكَّدَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إنَّمَا الْعَمَلُ بِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَإِنَّهُ جَعَلَ حَدَّ الشُّرْبِ ثَمَانِينَ سَوْطًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَرَبَهُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِنَعْلَيْهِ كَانَ الْكُلُّ فِي مَعْنَى ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْعِلْمِ، فَيَجُوزُ إثْبَاتُ الْحَدِّ بِهِ، وَفِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالسُّكْرِ، فَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ لَا يَعْرِفَ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ،
-
وَلَا الْأُنْثَى مِنْ الذَّكَرِ،
-
وَلَا نَفْسَهُ مِنْ حِمَارٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنْ يَخْتَلِطَ كَلَامُهُ،
-
فَلَا يَسْتَقِرُّ فِي خِطَابٍ،
-
وَلَا جَوَابٍ، وَاعْتُبِرَ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ،
-
فَإِنَّ مَنْ اخْتَلَطَ كَلَامُهُ بِالشُّرْبِ يُسَمَّى سَكْرَانَ فِي النَّاسِ، وَتَأَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتَبَرَ النِّهَايَةَ، فَقَالَ فِي الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَدِّ تُعْتَبَرُ النِّهَايَةُ كَمَا فِي السَّرِقَةِ، وَالزِّنَا، وَنِهَايَةُ السُّكْرِ هَذَا أَنْ يَغْلِبَ السُّرُورُ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى لَا يُمَيِّزَ شَيْئًا عَنْ شَيْءٍ.
-
وَإِذَا كَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عَرَفْنَا أَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِعَقْلِهِ مَعَ مَا بِهِ مِنْ السُّرُورِ،
-
وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نِهَايَةُ السُّكْرِ، وَفِي النُّقْصَانِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ، وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلِهَذَا، وَافَقَهُمَا فِي السُّكْرِ الَّذِي يَحْرُمُ عِنْدَهُ الشُّرْبُ إذْ الْمُعْتَبَرُ اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ النِّهَايَةِ فِيهِ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالْحِلُّ، وَالْحُرْمَةُ يُؤْخَذُ فِيهِمَا بِالِاحْتِيَاطِ، وَأَيَّدَ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: مَنْ بَاتَ سَكْرَانًا بَاتَ عَرُوسَ الشَّيْطَانِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْتَسِلَ إذَا أَصْبَحَ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السَّكْرَانَ مَنْ لَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُصْنَعُ بِهِ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ - عَلَى قَوْلِهِمَا، وَحُكِيَ أَنَّ أَئِمَّةَ بَلْخِي - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَقْرَأُ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ،
-
فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا، فَلَيْسَ بِسَكْرَانَ حَتَّى حُكِيَ أَنَّ أَمِيرًا بِبَلْخٍ أَتَاهُ بَعْضُ الشُّرَطِ بِسَكْرَان، فَأَمَرَهُ الْأَمِيرُ أَنْ يَقْرَأَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، فَقَالَ السَّكْرَانُ لِلْأَمِيرِ: اقْرَأْ أَنْتَ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ أَوَّلًا، فَلَمَّا قَالَ الْأَمِيرُ {: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} : فَقَالَ قِفْ، فَقَدْ أَخْطَأْت مِنْ وَجْهَيْنِ تَرَكْت التَّعَوُّذَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ، وَتَرَكْت التَّسْمِيَةَ
-
٢٤/٣١٢٤/٣١
وَهِيَ آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ، وَالْقُرَّاءِ، فَخَجِلَ الْأَمِيرُ، وَجَعَلَ يَضْرِبُ الشُّرَطِيَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَيَقُولُ لَهُ أَمَرْتُك أَنْ تَأْتِيَنِي بِسَكْرَانَ، فَجِئْتنِي بِمُقْرِئِ بَلْخِي.،
-
وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِالشُّرْبِ، وَهُوَ سَكْرَانُ حَبَسَهُ حَتَّى يَصْحُوَ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَا يَتِمُّ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِي حَالِ سُكْرِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا، وَالْمَمْلُوكُ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحَدِّ بِالشُّرْبِ كَالْحُرِّ إلَّا أَنَّ عَلَى الْمَمْلُوكِ نِصْفُ مَا عَلَى الْحُرِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {، فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ} .
-
وَلَا حَدَّ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّرَابِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ الشُّرْبِ، وَاعْتِقَادُ الْحُرْمَةِ شَرْطٌ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ عَنْ ارْتِكَابِ سَبَبِهِ، وَبِدُونِ اعْتِقَادِ الْحُرْمَةِ لَا يَتَحَقَّقُ هَذَا،
-
ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ قَاصِرٌ عَنْهُمْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ، وَمَا يَعْتَقِدُونَ، وَلِهَذَا بَقِيَ الْخَمْرُ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي حَقِّهِمْ، وَلِهَذَا قُلْنَا: الْمَجُوسِيُّ إذَا تَزَوَّجَ أُمَّهُ، وَدَخَلَ بِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَدُّ،
-
وَإِنْ كَانَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالزِّنَا.
-
وَلَا يُحَدُّ الْمُسْلِمُ بِوُجُودِ رِيحِ الْخَمْرِ مِنْهُ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِشُرْبِهَا، أَوْ يُقِرَّ؛ لِأَنَّ رِيحَ الْخَمْرِ شَاهِدُ زُورٍ، فَقَدْ يُوجَدُ رِيحُ الْخَمْرِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ،
-
فَإِنَّ مَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْ أَكْلِ السَّفَرْجَلِ يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ
-
يَقُولُونَ لِي أَنْتَ شَرِبْت مُدَامَةً ... فَقُلْت لَهُمْ لَا بَلْ أَكَلْت السَّفَرْجَلَا
-
، وَقَدْ تُوجَدُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ مِمَّنْ شَرِبَهَا مُكْرَهًا، أَوْ مُضْطَرًّا لِدَفْعِ الْعَطَشِ،
-
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ رِيحُهَا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
-
وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ أَنَّهُ شَرِبَهَا، وَآخَرُ أَنَّهُ قَاءَهَا لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّ مَنْ شَرِبَهَا مُكْرَهًا، أَوْ مُضْطَرًّا قَدْ يَقِيءُ الْخَمْرَ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ عَلَى الشُّرْبِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَى الشُّرْبِ، وَالرِّيحُ مِنْهُ مَوْجُودٌ، فَاخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ فُعِلَ، فَعِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْوَقْتِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدًا بِفِعْلِ آخَرَ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَرِبَهَا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِشُرْبِهَا، فَإِنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالشُّرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ، فَأَحَدُهُمَا يَشْهَدُ بِالْفِعْلِ، وَالْآخَرُ بِالْقَوْلِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَكْرَانُ مِنْ الْخَمْرِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ سَكْرَانُ مِنْ السُّكَّرِ، فَإِنَّمَا شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِفِعْلٍ آخَرَ،
-
وَلَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِمَا يُرَى مِنْ سُكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَكْرَانَ مِنْ غَيْرِ الشُّرْبِ، أَوْ مِنْ الشُّرْبِ بِالْإِيجَارِ، أَوْ الْإِكْرَاهِ عَلَى الشُّرْبِ، أَوْ كَانَ شَرِبَ عَلَى قَصْدِ التَّدَاوِي، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ عَلَيْهِ.
-
وَلَا يُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ فِي حَالِ سُكْرِهِ مِنْ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَثْبُتُ عَلَى كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ، وَبِضِدِّهِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى
-
٢٤/٣٢٢٤/٣٢
الْإِقْرَارِ بِالسَّبَبِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِإِيجَابِ حَدِّ الْخَمْرِ.
-
وَلَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ شَرِبَ أَمْسِ خَمْرًا لَمْ يُحَدَّ أَيْضًا، وَإِنَّمَا يُحَدُّ إذَا أَتَاهُ سَاعَةَ شُرْبٍ، وَالرِّيحُ يُوجَدُ مِنْهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ مَتَى جَاءَ مِثْلَ حَدِّ الزِّنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ بِالْبَيِّنَةِ، وَالْإِقْرَارِ جَمِيعًا.
-
وَإِذَا أُكْرَهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ مُبَاحٌ لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ الْحُرْمَةِ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ، وَقَدْ كَانَ مُنْزَجِرًا حِينَ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى الشُّرْبِ مَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ بِالْإِكْرَاهِ.
-
وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ، وَجَاءَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ شَرِبَ الْخَمْرَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ لَمْ يَبْلُغْهُ،
-
فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْخِطَابِ فِي حَقِّهِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ الْمَوْلُودِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ،
-
ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ قَدْ اشْتَهَرَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَالظَّاهِرُ يُكَذِّبُ الْمَوْلُودَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَقُولُ، وَالظَّاهِرُ لَا يُكَذِّبُ الَّذِي جَاءَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فِيمَا يَقُولُ، فَيُعْذَرُ بِجَهْلِهِ،
-
وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا زَنَى، أَوْ شَرِبَ، أَوْ سَرَقَ، فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ،
-
وَلَا يُعْذَرُ بِقَوْلِهِ لَمْ أَعْلَمْ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، فَالظَّاهِرُ يُكَذِّبُهُ إذَا قَالَ لَمْ أَعْلَمْ بِحُرْمَتِهَا؛ وَلِأَنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ، وَالزِّنَا مِمَّا تَجُوزُ إقَامَتُهُ عَلَى الْكَافِرِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَهُوَ الذِّمِّيُّ، فَبَعْدَ الْإِسْلَامِ، أَوْلَى أَنْ يُقَامَ
-
بِخِلَافِ حَدِّ الْخَمْرِ؛ وَلِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ ثَبَتَ بِنَصٍّ يُتْلَى، وَحَدُّ الْخَمْرِ بِخَبَرٍ يُرْوَى، فَكَانَ أَقْرَبَ إلَى الدَّرْءِ مِنْ حَدِّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَيَسْتَوِي فِي حَدِّ الزِّنَا إنْ طَاوَعَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَكْرَهَهَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الزِّنَا فِي حَقِّهِمَا جَمِيعًا قَدْ اشْتَهَرَتْ،
-
وَإِذَا شَرِبَ قَوْمٌ نَبِيذًا، فَسَكِرَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ حُدَّ مَنْ سَكِرَ؛ لِأَنَّ مَشْرُوبَ بَعْضِهِمْ غَيْرَ مَشْرُوبِ الْبَعْضِ، فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَالُهُ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْقَوْمَ إذَا سُقُوا خَمْرًا عَلَى مَائِدَةٍ،
-
فَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ خَمْرٌ لَزِمَهُ الْحَدُّ،
-
وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَدُّ، وَالْمُحْرِمُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ كَالْحَلَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْمُحْرِمِ، وَالْإِحْرَامِ فِي إبَاحَةِ الشُّرْبِ،
-
وَلَا فِي الْمَنْعِ مِنْ إقَامَةِ هَذَا الْحَدِّ.
-
وَإِذَا قَذَفَ السَّكْرَانُ رَجُلًا حُبِسَ حَتَّى يَصْحُوَ،
-
ثُمَّ يُحَدَّ لِلْقَذْفِ، وَيُحْبَسَ حَتَّى يَخِفَّ عَنْهُ الضَّرْبُ،
-
ثُمَّ يُحَدَّ لِلسُّكْرِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ فِي مَعْنَى حَقِّ الْعِبَادِ، وَسُكْرُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِقَذْفِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ سُكْرِهِ مُخَاطَبٌ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَخَذَ حَدَّ الشُّرْبِ مِنْ الْقَذْفِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: إذَا شَرِبَ هَذَى،
-
وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَحَدُّ الْمُفْتَرِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ثَمَانُونَ جَلْدَةً.
-
وَإِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ حُدَّ حَدَّ الْخَمْرِ،
-
ثُمَّ يُحْبَسُ حَتَّى يَخِفَّ عَنْهُ الضَّرْبُ، ثُمَّ يُعَزَّرُ
-
٢٤/٣٣٢٤/٣٣
لِإِفْطَارِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ مُلْزِمٌ لِلْحَدِّ، وَمُهْتِكُ حُرْمَةَ الشَّهْرِ، وَالصَّوْمِ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ، وَلَكِنَّ الْحَدَّ أَقْوَى مِنْ التَّعْزِيرِ، فَيُبْتَدَأُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ،
-
ثُمَّ لَا يُوَالِي بَيْنَهُ، وَبَيْنَ التَّعْزِيرِ لِكَيْ يُؤَدِّيَ إلَى الْإِتْلَافِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ الْحَارِثِيِّ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَحَدَّهُ،
-
ثُمَّ حَبَسَهُ حَتَّى إذَا كَانَ الْغَدُ أَخْرَجَهُ، فَضَرَبَهُ عِشْرِينَ سَوْطًا، وَقَالَ: هَذَا لِجَرَاءَتِك عَلَى اللَّهِ، وَإِفْطَارِك فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
-
رَجُلٌ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ،
-
ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْإِمَامَ، وَقَدْ شَرِبَ خَمْرًا، أَوْ سَكِرَ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ، أَوْ سَرَقَ، أَوْ زَنَى ثُمَّ تَابَ، وَأَسْلَمَ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَا خَلَا الْخَمْرِ، وَالسُّكْرِ، فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ كَافِرٌ، وَحَدُّ الْخَمْرِ، وَالسُّكْرِ لَا يُقَامُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْكُفَّارِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ سَبَبِهِ،
-
فَإِذَا كَانَ ارْتِكَابُهُ سَبَبَهُ فِي حَالٍ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ لَا يُقَامُ ذَلِكَ عَلَيْهِ،
-
فَأَمَّا حَدُّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، فَيُقَامُ عَلَى الْكَافِرِ لِاعْتِقَادِهِ حُرْمَةَ سَبَبِهِ، فَيُقَامُ عَلَى الْمُرْتَدِّ بَعْدَ إسْلَامِهِ أَيْضًا كَالذِّمِّيِّ إذَا بَاشَرَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَسْلَمَ.
-
وَإِنْ لَمْ يَتُبْ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرِ حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عَلَى رِدَّتِهِ،
-
وَمَتَى اجْتَمَعَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى النَّفْسُ، وَمَا دُونَهَا يُقْتَلُ، وَيُلْغَى مَا سِوَى ذَلِكَ،
-
وَأَمَّا حَدُّ السَّرِقَةِ، فَفِيهِ مَعْنَى حَقِّ الْعَبْدِ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ، وَيَضْمَنُ السَّرِقَةَ لِحَقِّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ،
-
فَإِنْ شَرِبَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَمَّا، وَقَعَ فِي يَدِ الْإِمَامِ ارْتَدَّ،
-
ثُمَّ تَابَ لَمْ يَحُدَّ،
-
وَإِنْ كَانَ زَنَى، أَوْ سَرَقَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ مَا اعْتَرَضَ مِنْ الرِّدَّةِ يَمْنَعُ وُجُوبَ حَدِّ الْخَمْرِ، وَالسُّكْرِ عَلَيْهِ، فَيَمْنَعُ بَقَاءَهُ،
-
وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ حَدِّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْبَقَاءَ، وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ: إذَا ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ،
-
ثُمَّ سَرَقَ، أَوْ زَنَى، أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ، أَوْ سَكِرَ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ،
-
ثُمَّ تَابَ، وَأَسْلَمَ لَمْ يُحَدَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا فِي الْقَذْفِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَتُبْ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ أَيْضًا شَيْءٌ مِنْ الْحُدُودِ غَيْرَ حَدِّ الْقَذْفِ، وَيُقْتَلُ،
-
وَإِنْ أَخَذْتَهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ شَارِبًا خَمْرًا، أَوْ زَانِيًا، أَوْ سَارِقًا، فَلَمَّا، وَقَعَ فِي يَدِك ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَاسْتَتَبْتَهُ، فَتَابَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ إلَّا حَدَّ الْخَمْرِ.
-
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا زَنَى، أَوْ سَرَقَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بَعْدَ تَوْبَتِهِ كَمَا لَا يُقَامُ قَبْلَ تَوْبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْبِيِّ، فَإِنَّهُ اعْتَقَدَ مُحَارَبَتَهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْهَا، وَالْحَرْبِيُّ إذَا ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَدِّ،
-
ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ، وَفُرِّقَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ مَا إذَا زَنَى، أَوْ سَرَقَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ،
-
ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَقَالَ هُنَاكَ حِينَ ارْتَكَبَ السَّبَبَ مَا كَانَ حَرْبِيًّا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلْحَدِّ، وَلَمْ يَزُلْ تَمَكُّنُ الْإِمَامِ مِنْ إقَامَتِهِ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ لِاسْتِحْقَاقِ نَفْسِهِ بِالرِّدَّةِ
-
٢٤/٣٤٢٤/٣٤
وَقَدْ انْعَدَمَ بِالْإِسْلَامِ، فَلِهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ، وَتَزْوِيجُ السَّكْرَانِ، وَلَدَهُ الصَّغِيرَ، وَهِبَتُهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ قَوْلًا، أَوْ فِعْلًا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ كَالصَّاحِي، وَبِالسُّكْرِ لَا يَنْعَدِمُ عَقْلُهُ إنَّمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ السُّرُورُ، فَيَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ عَقْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَصَرُّفِهِ سَوَاءٌ كَانَ شَرِبَ مُكْرَهًا، أَوْ طَائِعًا،
-
فَأَمَّا إذَا شَرِبَ الْبَنْجَ، أَوْ شَيْئًا حُلْوًا، فَذَهَبَ عَقْلُهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْتُوهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ.
-
وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ سَكْرَانُ، أَوْ شَهِدَ السَّكْرَانُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ رَجُلٌ، فَاسِقٌ، وَأَنَّهُ سَكْرَانُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ، وَلِهَذَا لَوْ ارْتَدَّ فِي حَالِ سُكْرِهِ لَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ اسْتِحْسَانًا قَالَ: لَا أَظُنُّ سَكْرَانًا يَنْفَلِتُ مِنْ هَذَا، وَأَشْبَاهِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي السِّيَرِ،
-
وَإِذَا أُتِيَ الْإِمَامُ بِرَجُلٍ شَرِبَ خَمْرًا، وَشَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ، فَقَالَ: إنَّمَا أُكْرِهْت عَلَيْهَا، أَوْ قَالَ: شَرِبْتهَا، وَلَمْ أَعْرِفْهَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ قَدْ ظَهَرَ، وَهُوَ يَدَّعِي عُذْرًا مُسْقِطًا،
-
فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ إذْ لَوْ صُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ لَانْسَدَّ بَابُ إقَامَةِ حَدِّ الْخَمْرِ أَصْلًا، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الزَّانِي إذَا ادَّعَى النِّكَاحَ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ يُنْكِرُ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ، فَبِالنِّكَاحِ يَخْرُجُ الْفِعْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ زِنًا مَحْضًا، وَهُنَا بَعْدَ الْإِكْرَاهِ، وَالْجَهْلِ لَا يَنْعَدِمُ السَّبَبُ، وَهُوَ حَقِيقَةُ شُرْبِ الْخَمْرِ إنَّمَا هَذَا عُذْرٌ مُسْقِطٌ،
-
فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا عَلَى ذَلِكَ.
-
، وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ هَكَذَا نُقِلَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الْمُسْلِمُ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَكْثِيرُ جَمْعِ الْفَسَقَةِ، وَإِظْهَارُ الرِّضَا بِصَنِيعِهِمْ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ فِي عَشْرِ دَوَارِيقَ عَصِيرِ عِنَبٍ فِي قِدْرٍ،
-
ثُمَّ يُطْبَخُ، فَيُغْلَى، فَيَقْذِفُ بِالزَّبَدِ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ ذَلِكَ الزَّبَدَ حَتَّى جَمَعَ قَدْرَ دَوْرَقٍ، فَإِنَّهُ يُطْبَخُ حَتَّى يَبْقَى ثَلَاثَةَ دَوَارِيقَ ثُلُثُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الزَّبَدِ انْتَقَصَ مِنْ أَصْلِ الْعَصِيرِ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ فِي الْحِسَابِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الْعَصِيرِ تِسْعَةُ دَوَارِيقَ، فَإِنَّمَا يَصِيرُ مُثَلَّثًا إذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ ثَلَاثَةُ دَوَارِيقَ،
-
وَإِنْ نَقَصَ مِنْهُ دَوْرَقٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ الْغَلَيَانِ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ لِأَنَّ مَا نَقَصَ بِالْغَلَيَانِ فِي مَعْنَى الدَّاخِلِ فِيمَا بَقِيَ،
-
فَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الطَّبْخُ إلَى أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَا الْعَصِيرِ.
-
وَلَوْ صَبَّ رَجُلٌ فِي قِدْرٍ عَشَرَةَ دَوَارِيقَ عَصِيرًا، وَعِشْرِينَ دَوْرَقًا مَاءً،
-
فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ يَذْهَبُ بِالطَّبْخِ قَبْلَ الْعَصِيرِ، فَإِنَّهُ يَطْبُخُهُ حَتَّى يَذْهَبَ ثَمَانِيَةُ أَتْسَاعِهِ، وَيَبْقَى التُّسْعُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالْغَلَيَانِ، فَالذَّاهِبُ هُوَ الْمَاءُ فَقَطْ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَطْبُخَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَا الْعَصِيرِ، وَيَبْقَى ثُلُثَهُ، وَهُوَ سُبْعُ الْجُمْلَةِ،
-
وَإِنْ كَانَا يَذْهَبَانِ بِالْغَلَيَانِ مَعًا طَبَخَهُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْغَلَيَانِ ثُلُثَا
-
٢٤/٣٥٢٤/٣٥
الْعَصِيرِ، وَثُلُثَا الْمَاءِ، وَالْبَاقِي ثُلُثُ الْعَصِيرِ، وَثُلُثُ الْمَاءِ، فَهُوَ، وَمَا لَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي الْعَصِيرِ بَعْدَ مَا طَبَخَهُ عَلَى الثُّلُثِ، وَالثُّلُثَيْنِ سَوَاءٌ.
-
وَإِذَا طُبِخَ عَصِيرٌ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُهُ،
-
ثُمَّ صَنَعَ مِنْهُ مُلِيقًا،
-
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ،
-
فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ صَنَعَهُ بَعْدَ مَا غَلَى فَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِ الْعَصِيرِ،
-
فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا غَلَى، وَاشْتَدَّ صَارَ مُحَرَّمًا، وَالْمُلِيقُ الْمُتَّخَذُ مِنْ عَيْنِ الْمُحَرَّمِ لَا يَكُونُ حَلَالًا كَالْمُتَّخَذِ مِنْ الْخَمْرِ،
-
فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ، فَهُوَ حَلَالُ الشُّرْبِ،
-
فَأَمَّا صَنِيعُ الْمُلِيقِ مِنْ عَصِيرٍ، فَحَلَالٌ،
-
وَإِذَا طَبَخَ الرَّجُلُ عَصِيرًا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُهُ،
-
ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَدَ،
-
ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الطَّبْخَ حَتَّى ذَهَبَ نِصْفُ مَا بَقِيَ،
-
فَإِنْ كَانَ أَعَادَ عَلَيْهِ الطَّبْخَ قَبْلَ أَنْ يَغْلِيَ، أَوْ يَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِ الْعَصِيرِ،
-
فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الطَّبْخَ فِي دُفْعَتَيْنِ إلَى ذَهَابِ الثُّلُثَيْنِ مِنْهُ، وَفِي دُفْعَةٍ سَوَاءٌ،
-
وَإِنْ صَنَعَهُ بَعْدَ مَا غَلَى، وَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِ الْعَصِيرِ،
-
فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الطَّبْخَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لَاقَى شَيْئًا مُحَرَّمًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ خَمْرٍ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِهِ،
-
وَإِذَا طَبَخَ الرَّجُلُ عَصِيرًا حَتَّى ذَهَبَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ،
-
ثُمَّ قَطَعَ عَنْهُ النَّارَ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ،
-
فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُثَلَّثًا بِقُوَّةِ النَّارِ،
-
فَإِنَّ الَّذِي بَقِيَ مِنْهُ مِنْ الْحَرَارَةِ بَعْدَ مَا قُطِعَ عَنْ النَّارِ أَثَرُ تِلْكَ النَّارِ، فَهُوَ، وَمَا لَوْ صَارَ مُثَلَّثًا، وَالنَّارُ تَحْتَهُ سَوَاءٌ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ بَرَدَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُثَلَّثًا؛ لِأَنَّ الْغَلَيَانَ بَعْدَمَا انْقَطَعَ عَنْهُ أَثَرُ النَّارِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الشِّدَّةِ، وَحِينَ اشْتَدَّ، فَقَدْ صَارَ مُحَرَّمًا بِنَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الْغَلَيَانَ بِقُوَّةٍ لَا يُنْقِصُ مِنْهُ شَيْئًا بَلْ يَزِيدُ فِي رِقَّتِهِ
-
بِخِلَافِ الْغَلَيَانِ بِقُوَّةِ النَّارِ،
-
فَإِنْ شَرِبَ الطِّلَاءَ الَّذِي قَدْ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ عُشْرُهُ،
-
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَسْكَرَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ ذَهَبَ بِالطَّبْخِ شَيْءٌ، فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَمْرًا، وَفِي غَيْرِ الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ إلَّا بِالسُّكْرِ. .
-
وَإِذَا اسْتَعَطَ الرَّجُلُ بِالْخَمْرِ، أَوْ اكْتَحَلَ بِهَا، أَوْ اقْتَطَرَهَا فِي أُذُنِهِ، أَوْ دَاوَى بِهَا جَائِفَةً، أَوْ آمَّةً، فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ،
-
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ يَعْتَمِدُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَهُوَ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ لَا يَصِيرُ شَارِبًا، وَلَيْسَ فِي طَبْعِهِ مَا يَدْعُوهُ إلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ لِتَقَعَ الْحَاجَةُ إلَى شَرْعِ الزَّاجِرِ عَنْهُ.
-
وَلَوْ عَجَنَ دَوَاءً بِخَمْرٍ، وَلَتَّهُ، أَوْ جَعَلَهَا أَحَدَ أَخْلَاطِ الدَّوَاءِ،
-
ثُمَّ شَرِبَهَا، وَالدَّوَاءُ هُوَ الْغَالِبُ،
-
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْخَمْرُ هِيَ الْغَالِبَةُ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِالْغَالِبِ إذَا كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.