بَابُ الْقِصَاصِ
المبسوطالحنفيةالمسائل ٦٢٬٩٣٢ إلى ٦٣٬٣٠٤
-
٢٦/١٤٨٢٦/١٤٨
ثُمَّ عَجْزُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْقِطًا حُرْمَةَ صَاحِبِ النَّفْسِ فِي نَفْسِهِ وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَتَقَابَلَ حَقَّانِ حَقُّ هَذَا فِي طَرَفٍ يُسَلَّمُ لَهُ بِلَا خَطَرٍ وَحَقُّ الْآخَرِ فِي نَفْسٍ مُحْتَرَمَةٍ مُتَقَوِّمَةٍ فَتَتَرَجَّحُ حُرْمَةُ النَّفْسِ عَلَى حُرْمَةِ الطَّرَفِ أَوْ يُعْتَبَرُ الْحُرْمَتَانِ فَلِحَقِّهِ
-
٢٦/١٤٩٢٦/١٤٩
فِي الطَّرَفِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَلِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْآخَرِ فِي النَّفْسِ يَتَقَيَّدُ عَلَيْهِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَلَعَ سِنَّ إنْسَانٍ فَاسْتَوْفَى حَوْلًا فَلَمْ يَنْبُتْ فَإِنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ،
-
فَإِنْ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ، ثُمَّ نَبَتَ السِّنُّ الْمَقْلُوعُ أَوَّلًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَرْشُ سِنِّ الْقَالِعِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا
-
بِخِلَافِ قَطْعِ الْإِمَامِ يَدَ السَّارِقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ إقَامَتُهُ فَيَتَقَيَّدُ بِمَا فِي وُسْعِهِ.
-
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُنَاكَ قَطْعٌ مُطْلَقٌ وَفِعْلُهُ فِي الصُّورَةِ قَطْعٌ فَيَصِيرُ بِهِ مُمْتَثِلًا لِلْآمِرِ وَيَخْرُجُ مِنْ عُهْدَتِهِ فَيَصِيرُ كَالْمُسْلِمِ إلَى مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ الْحَقَّ،
-
فَإِذَا مَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ بَعْدَمَا خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ عُهْدَةِ فِعْلِهِ فَأَمَّا هُنَا فَمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَتِهِ قَبْلَ الْبُرْءِ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي قَطْعٍ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ قِصَاصًا، وَالْقِصَاصُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُسَاوَاةِ،
-
فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قِصَاصًا كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَ فَسَرَى لَا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَنَابَهُ مَنَابَ نَفْسِهِ فِي قَطْعٍ مُطْلَقٍ فَكَمَا أَنَّ بِهِ تَحَوَّلَ فِعْلُهُ إلَى الْآمِرِ وَخَرَجَ الْقَاطِعُ مِنْ عُهْدَتِهِ،
-
وَكَذَلِكَ النَّزَّاعُ، وَالْفَصَّادُ، وَالْحَجَّامُ إنَّمَا أُمِرُوا بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ وَكَمَا فَرَغُوا مِنْ ذَلِكَ خَرَجُوا مِنْ عُهْدَتِهِمْ وَصَارَ مُسَلَّمًا إلَى أَمْرِهِمْ بِذَلِكَ فَأَمَّا قَوْلُ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ اقْطَعْ يَدِي قِصَاصًا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ وَقَبْلَهُ كَيْفَ وَقَدْ قَيَّدَ الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ اقْطَعْ قِصَاصًا،
-
فَإِذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ فَهَذَا عَلَى الْخِلَافِ، وَالْحَرْفُ الْآخَرُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ سِرَايَةٌ تَوَلَّدَتْ مِنْ قَطْعٍ مَضْمُونٍ فَيَكُونُ مَضْمُونًا كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ ظُلْمًا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ مَحْضُ حَقِّ الْعِبَادِ فَيَكُونُ وَاجِبًا بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ وَمَا يُسْتَوْفَى جَبْرًا يَكُونُ عَلَى الْمُسْتَوْفِي بِمَا كَانَ اسْتَوْفَى مِنْهُ فَإِنَّ مَعْنَى الْجُبْرَانِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ كَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَلَى إنْسَانٍ مَالًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ مِثْلَهُ كَانَ الْمُسْتَوْفَى مَضْمُونًا عَلَى الْمُسْتَوْفِي وَهَذَا مِثْلُهُ،
-
فَإِذَا كَانَ أَصْلُ الْفِعْلِ مَضْمُونًا، وَالسِّرَايَةُ أَثَرُهُ فَتَكُونُ مَضْمُونَةً أَيْضًا وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ حَدًّا فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْإِمَامِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ ذَلِكَ قَضَاءٌ مِنْهُ وَفِيمَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لَا يَكُونُ نَافِذَ الْقَضَاءِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ اقْطَعْ يَدِي فَإِنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلْآمِرِ لِأَمْرِهِ فِي مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لَهُ،
-
وَكَذَلِكَ قَطْعُ يَدِ الْمُرْتَدِّ وَأَمَّا فِعْلُ الْفَصَّادِ، وَالنَّزَّاعِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ ضَمَانَ عَقْدٍ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَلَّدُ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ مِنْ ضَمَانِ الْعَقْدِ وَقَدْ قَرَّرَنَا هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ وَمَاتَ الْمُقْتَصُّ لَهُ قُتِلَ بِهِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ لَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ،
-
وَمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إذَا قَطَعَ يَدَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَا يَسْقُطُ بِهِ
-
٢٦/١٥٠٢٦/١٥٠
حَقُّهُ فِي النَّفْسِ؛ فَلِهَذَا قُتِلَ بِهِ قِصَاصًا.
-
وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا فَدَفَعَ إلَى وَلِيِّهِ فَقَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا أَوْ مَثَّلَ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَرْشٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ نَفْسٌ، وَالْيَدُ مِنْ النَّفْسِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ اسْتِيفَاءَ النَّفْسِ بَاقٍ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَكِنْ تَعَذَّرَ لَمَّا بَاشَرَهُ مِنْ الْمُثْلَةِ فَإِنَّ الْمُثْلَةَ حَرَامٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الْمُثْلَةِ وَمَا كَانَ يُمْنَعُ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ فَذَاكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ حَرَقَهُ بِالنَّارِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ هُوَ مَمْنُوعًا مِنْهُ، وَالْأَطْرَافُ تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ،
-
فَإِذَا كَانَ فِعْلُهُ فِي النَّفْسِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ فِي الطَّرَفِ وَلَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ بَعْدَمَا قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَفَا عَنْهُ كَانَ عَلَيْهِ دِيَةُ الْيَدِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛
-
لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى طَرَفًا مِنْ نَفْسٍ لَوْ اسْتَوْفَاهَا لَمْ يَضْمَنْ فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَوْفَى جُزْءًا مِنْهَا لَمْ يَضْمَنْ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ مُرْتَدٍّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ حَقِّهِ فِي النَّفْسِ ثُبُوتُ حَقِّهِ فِي الْأَطْرَافِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّبَعِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ؛
-
وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ اسْتِيفَاءُ الطَّرَفِ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَفْوِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْعَفْوِ وَلِأَنَّ الْعَفْوَ إسْقَاطٌ فَإِنَّ مَا يَنْصَرِفُ إلَى الْبَاقِي لَا إلَى الْمُسْتَوْفِي كَمَنْ قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ،
-
ثُمَّ قَطَعَ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِهِ،
-
ثُمَّ عَفَا عَنْ الْيَدِ لَمْ يَضْمَنْ أَرْشَ الْأُصْبُعِ، وَالْأَصَابِعِ لِلْكَفِّ بِمَنْزِلَةِ الْأَطْرَافِ لِلنَّفْسِ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ أَعْقَبَ الْقَطْعَ قَتْلًا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا وَكَانَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ حَقِّهِ فِي الطَّرَفِ فَكَذَلِكَ إذَا أَعْقَبَهُ عَفْوًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْعَفْوِ مُحْسِنٌ وَإِحْسَانُهُ لَا يَكُونُ مُوجِبًا عَلَيْهِ الضَّمَانَ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بَعْدَ الْعَفْوِ لَوْ سَرَى إلَى النَّفْسِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَالْقَطْعُ السَّارِي أَفْحَشُ مِنْ الْمُقْتَصِرُ،
-
وَإِذَا كَانَ لَا يَضْمَنُ بَعْدَ الْعَفْوِ إذَا سَرَى شَيْئًا،
-
فَإِذَا اقْتَصَرَ أَوْلَى أَنْ لَا يَضْمَنَ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ اسْتَوْفَى طَرَفًا لَا حَقَّ لَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ مِنْ نَفْسٍ مُتَقَوِّمَةٍ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَبَيَانُهُ أَنَّ نَفْسَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مُتَقَوِّمَةٌ فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّ تَقَوُّمَهَا سَقَطَ فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ بِمَا سَبَقَ وَلَا حَقَّ لِمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي اسْتِيفَاءِ الطَّرَفِ؛
-
لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الطَّرَفِ قَطْعٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّهُ فِي الْقَتْلِ، وَالْقَطْعِ غَيْرُ الْقَتْلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ مَعَ أَنَّ الْقَطْعَ طَرِيقٌ مَشْرُوعٌ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَإِنَّمَا يُمْنَعُ هُنَاكَ؛ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ فِي الطَّرِيقِ وَهَاهُنَا غَيْرُ مُخْطِئٍ فِي الطَّرِيقِ،
-
ثُمَّ يُمْنَعُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الطَّرَفِ وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُ فِي النَّفْسِ، وَالْأَطْرَافُ تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ فِي اسْتِيفَائِهَا تَبَعًا لَا مَقْصُودًا.
-
فَإِذَا اسْتَوْفَى الطَّرَفَ مَقْصُودًا كَانَ مُسْتَوْفِيًا
-
٢٦/١٥١٢٦/١٥١
مَا لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ إلَّا أَنَّهُ قَبْلَ الْعَفْوِ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنْ يَجْعَلَهُ تَبَعًا لِلنَّفْسِ بِأَنْ يَقْتُلَهُ فَيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ قَتْلًا وَيَصِيرَ الطَّرَفُ تَبَعًا لِلنَّفْسِ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا فَأَمَّا بَعْدَ الْعَفْوِ، فَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ فِي النَّفْسِ وَبَقِيَ الطَّرَفُ مَقْصُودًا بِالِاسْتِيفَاءِ وَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ مَقْصُودًا فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى امْرَأَةٍ فَرَمَى بِهَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ فَلَوْ ثَبَتَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي أَطْرَافِهَا مَقْصُودًا لَصَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ،
-
وَمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى عَبْدِ إنْسَانٍ إذَا تَصَرَّفَ فِي مَالِيَّتِهِ كَانَ هُوَ فِي ذَلِكَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ،
-
وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ ثَبَتَ فِي مَالِيَّتِهِ تَبَعًا عَلَى مَعْنَى أَنَّ بِاسْتِيفَاءِ النَّفْسِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِلْمَالِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ لَا حَقَّ لَهُ فِي الطَّرَفِ إنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ فِي أَطْرَافِهِ لِإِنْسَانٍ وَفِي نَفْسِهِ لِآخَرَ فَجَاءَ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فَقَطَعَ طَرَفَهُ لَمْ يَضْمَنْ مَنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِصَاحِبِ الطَّرَفِ وَلَوْ كَانَ حَقُّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ثَابِتًا فِي الطَّرَفِ لَصَارَ هُوَ قَاضِيًا بِطَرَفِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَيَغْرَمُ الْأَرْشَ لِصَاحِبِ الطَّرَفِ، وَهُوَ
-
بِخِلَافِ الْأُصْبُعِ مَعَ الْكَفِّ فَإِنَّ حَقَّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ ثَابِتٌ فِي الْأَصَابِعِ هُنَاكَ بِدَلِيلِ أَنَّ فَوَاتَ بَعْضِ الْأَصَابِعِ يُثْبِتُ لَهُ الْخِيَارَ،
-
وَأَنَّ الْكَفَّ تَابِعَةٌ لِلْأَصَابِعِ بِدَلِيلِ حُكْمِ الْأَرْشِ فَأَمَّا هُنَا فَفَوَاتُ الْأَطْرَافِ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِصَاحِبِ النَّفْسِ وَلَا يَنْقُصُ بَدَلُ النَّفْسِ بِفَوَاتِ الْأَطْرَافِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْأَطْرَافَ تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ مَذْكُورَةٌ فِي الزِّيَادَاتِ، وَالْجَوَابُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَى الْقَطْعُ إلَى النَّفْسِ بَعْدَ الْعَفْوِ؛ لِأَنَّ بِالسِّرَايَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَصْلَ فِعْلِهِ كَانَ قَتْلًا، وَأَنَّهُ كَانَ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، وَإِنَّمَا أَسْقَطَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْقَبَ الْقَطْعُ قَتْلًا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الثَّانِيَ يَكُونُ مُتَمِّمًا لِلْمَقْصُودِ بِالْفِعْلِ الْأَوَّلِ فَيَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَتْلٌ، وَالْقَتْلُ حَقُّهُ فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ،
-
ثُمَّ أَذَا قَتَلَهُ، فَقَدْ تَقَرَّرَ حَقُّهُ فِي النَّفْسِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ ضَمَانِ الطَّرَفِ عَلَيْهِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا عَفَا وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ إنَّ عَفْوَهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ بِقَطْعِ الْيَدِ مَا صَارَ مُسْتَوْفِيًا شَيْئًا مِنْ الْقَتْلِ حَتَّى يُقَالَ يَنْصَرِفُ عَفْوُهُ إلَى مَا بَقِيَ.
-
قَالَ: وَفِي الْعَيْنِ الْقِصَاصُ وَفِي السِّنِّ الْقِصَاصُ إذَا قُلِعَتْ، أَوْ كُسِرَ بَعْضُهَا وَلَمْ يَسْوَدَّ مَا بَقِيَ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْقِصَاصِ فِي السِّنِّ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِنْهُ حَرْفٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَسَرَ بَعْضَ السِّنِّ فَاسْوَدَّ مَا بَقِيَ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ فِعْلِ مِثْلِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْسِرَ بَعْضَ السِّنِّ عَلَى وَجْهٍ يَسْوَدُّ مَا بَقِيَ؛
-
فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْفِعْلَ كُلَّهُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَآخِرُهُ مُوجِبٌ لِلْأَرْشِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي جَمِيعِهِ وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا قَطَعَ أُصْبُعَ
-
٢٦/١٥٢٢٦/١٥٢
إنْسَانٍ فَشُلَّتْ بِجَنْبِهَا أُخْرَى وَهَذَا؛ لِأَنَّ كُلَّ أُصْبُعٍ مَحَلٌّ عَلَى حِدَةٍ وَوُجُوبُ الْأَرْشِ بِالْفِعْلِ فِي أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْفِعْلِ فِي الْمَحَلِّ الْآخَرِ وَهُنَا الْمَحَلُّ كُلُّهُ وَاحِدٌ،
-
فَإِذَا خَرَجَ آخِرُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ يَخْرُجُ أَوَّلُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا فَأَمَّا فِي الْعَيْنِ إذَا ذَهَبَ نُورُهَا بِالضَّرْبَةِ وَلَمْ تُخْسَفْ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَصُورَتُهُ أَنْ تُحْمَى لَهُ مِرْآةٌ،
-
ثُمَّ تُقَرَّبَ مِنْهَا حَتَّى يَذْهَبَ نُورُهَا وَيَرْبِطَ عَلَى عَيْنِهِ الْأُخْرَى وَعَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّ هَذِهِ الْحَادِثَةَ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ شَيْئًا حَتَّى قَضَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْقِصَاصِ وَبَيَّنَ طَرِيقَ الِاسْتِيفَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى قَوْلِهِ فَأَمَّا إذَا انْخَسَفَتْ، أَوْ قُلِعَتْ الْحَدَقَةُ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي السِّنِّ، وَالْمَحَلِّ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَسْرِ الْعَظْمِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ.
-
، وَإِذَا أَحْرَقَ رَجُلٌ رَجُلًا بِالنَّارِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ النَّارَ تَعْمَلُ عَمَلَ السِّلَاحِ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ، وَالتَّأْثِيرِ فِي الظَّاهِرِ، وَالْبَاطِنِ،
-
ثُمَّ يَقْتُلُهُ الْمَوْلَى بِالسَّيْفِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقْتُلُهُ بِمِثْلِ مَا قَتَلَهُ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْرِقُهُ بِالنَّارِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّهَا» وَقَالَ «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ أَحَدًا» .
-
وَإِذَا طَعَنَهُ بِرُمْحٍ لَا سِنَانَ لَهُ فَأَجَافَهُ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الْجُرْحِ فِي الظَّاهِرِ، وَالْبَاطِنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ غَيْرَ الْحَدِيدِ إذَا كَانَ يَعْمَلُ عَمَلَ الْحَدِيدِ فِي الْقَطْعِ، وَالْجَرْحِ، فَالْفِعْلُ بِهِ يَكُونُ عَمْدًا مَحْضًا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَقَّ بَطْنَهُ بِعُودٍ أَوَذَبَحَهُ بِقَصَبَةٍ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِهِ وَفِي مُثْقِلِ الْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ كَمَا بَيَّنَّا، وَالْكَلَامُ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَالْعَصَا قَدْ تَقَدَّمَ.
-
، وَإِذَا غَرَّقَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي مَاءٍ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ مِنْهُ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمُرَادُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَا فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مَنْ مِثْلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ الْكَبِيرِ عَلَى قَوْلِهِمْ وَيَعْتَمِدُونَ فِيهِ قَوْلَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ وَمَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ» ، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ: هَذَا لَا يَثْبُتُ مَرْفُوعًا، وَإِنَّمَا هَذَا كَلَامُ زِيَادٍ ذَكَرَهُ فِي خُطْبَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِيهِ،
-
وَمَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ وَبِالْإِجْمَاعِ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ لَا يُقْتَلُ،
-
ثُمَّ الْمَاءُ لَيْسَ فِي مَعْنَى السِّلَاحِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ فِي الظَّاهِرِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ وَالْعَصَا عَلَى قَوْلِهِمْ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْغَرِيقَ يَجْتَذِبُ الْمَاءَ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ كَالْمُعِينِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَوَدِ.
-
وَلَوْ خَنَقَ رَجُلًا فَمَاتَ، أَوْ طَرَحَهُ فِي بِئْرٍ، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَى ظَهْرِ جَبَلٍ، أَوْ سَطْحٍ فَمَاتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِصَاصٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إذَا كَانَ
-
٢٦/١٥٣٢٦/١٥٣
شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِ، فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ،
-
وَإِنْ كَانَ خِنَاقًا مَعْرُوفًا قَدْ خَنَقَ غَيْرَ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَالْإِمَامُ يَقْتُلُ السَّاعِيَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ حَدًّا لَا قِصَاصًا.
-
وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَوْ حَبَسَهُ فِي الْبَيْتِ فَطَبَّقَ عَلَيْهِ الْبَابَ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ عَلَى مَا صَنَعَ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ دِيَتَهُ؛ لِأَنَّهُ مُسَبِّبٌ لِإِتْلَافِهِ عَلَى وَجْهٍ مُتَعَدٍّ فِيهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ حَافِرِ الْبِئْرِ فِي الطَّرِيقِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ حَبْسُهُ وَتَطْبِيقُ الْبَابِ عَلَيْهِ لَا يُوجِبُ إتْلَافَهُ، وَإِنَّمَا يُتْلِفُهُ مَعْنَى آخَرُ، وَهُوَ الْجُوعُ الَّذِي هَاجَ مِنْ طَبْعِهِ وَبُعْدُ الطَّعَامِ عَنْهُ وَلَا صُنْعَ لِلْجَانِي فِي ذَلِكَ فَلَوْ ضَمِنَ إنَّمَا يَضْمَنُ بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ حَبْسِهِ، وَالْحُرُّ لَا يَضْمَنُ بِالْيَدِ.
-
وَلَوْ سَقَى رَجُلًا سُمًّا، أَوْ أَوْجَرَهُ إيجَارًا فَقَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ: سَقَاهُ سُمًّا أَوْ أَوْجَرَهُ إيجَارًا، فَقَدْ صَارَ مُتْلِفًا لَهُ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ حَتَّى شَرِبَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا؛
-
لِأَنَّ الشَّارِبَ مُخْتَارٌ بِهِ فِي شُرْبِهِ فَيَكُونُ قَاتِلًا نَفْسَهُ،
-
وَمَنْ أَعْطَاهُ غَرَّهُ حِينَ لَمْ يُخْبِرْهُ بِمَا فِيهِ مِنْ السُّمِّ، وَلَكِنْ بِالْغُرُورِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ النَّفْسِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ «الْيَهُودِيَّةَ حِينَ أَتَتْ بِالشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ هَدِيَّةً إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلَ مِنْ ذَلِكَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ فَمَاتَ، ثُمَّ لَمْ يُضَمِّنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَتَهُ» ؛
-
لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَأَمَّا إذَا أَوْجَرَهُ إيجَارًا، فَقَدْ صَارَ مُتْلِفًا لَهُ فَيَكُونُ ضَامِنًا دِيَتَهُ وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ سُمًّا قَدْ يَقْتُلُ وَقَدْ لَا يَقْتُلُ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْخَطَإِ فَأَمَّا إذَا كَانَ سُمًّا ذُعَافًا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ بِمَنْزِلَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي لَا يَلْبَثُ.
-
وَإِذَا جَرَحَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَمْدًا بِالسَّيْفِ فَأَشْهَدَ الْمَجْرُوحُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ فُلَانًا لَمْ يَجْرَحْهُ،
-
ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَى فُلَانٍ وَلَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْبَيِّنَةِ يُبْنَى عَلَى دَعْوًى صَحِيحَةٍ، وَالْوَارِثُ فِي الدَّعْوَى قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فَكَمَا لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى مِنْ الْمُوَرِّثِ بَعْدَ إقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يُجْرَحْ فَكَذَلِكَ لَا تَصِحُّ مِنْ الْوَارِثِ؛
-
لِأَنَّهُ نَفَى أَصْلَ الْجُرْحِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ نَفْيُ الْقَتْلِ وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمَجْرُوحُ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ عَفَى عَنْ الْجَارِحِ قَبْلَ مَوْتِهِ،
-
ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْقِيَاسِ عَفْوُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ إنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيَكُونُ لِلْوَارِثِ لَا لِلْمُوَرِّثِ، فَالْوَارِثُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ دُونَ الْمُوَرِّثِ فَيَكُونُ الْمُوَرِّثُ بِعَفْوِهِ مُسْقِطًا حَقَّ الْغَيْرِ وَمُسْقِطًا لِلْحَقِّ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ عَفْوَ الْوَارِثِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ عَنْ الْقِصَاصِ صَحِيحٌ وَلَوْ كَانَ الْقِصَاصُ يَجِبُ لِلْمُوَرِّثِ لَا يَصِحُّ عَفْوُ الْوَارِثِ كَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافُهُ.
-
وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْوَارِثِ
-
٢٦/١٥٤٢٦/١٥٤
عَلَى وَجْهِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْمُوَرِّثِ لَا ابْتِدَاءً؛ وَلِهَذَا لَوْ انْقَلَبَ مَالًا يَقْضِي مِنْهُ دَيْنَ الْمُوَرِّثِ وَتَنْفُذُ وَصَايَا فَاصِلِ الْحَقِّ كَأَنَّهُ ثَابِتٌ لِلْمُوَرِّثِ فَيَصِحُّ بَعْدَ مَا وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ الْحَقِّ،
-
وَإِنْ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ كَمَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ زُهُوقِ الرُّوحِ،
-
ثُمَّ عَفْوُهُ فِي الِانْتِهَاءِ كَإِذْنِهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَإِذْنُهُ فِي الِابْتِدَاءِ مُسْقِطٌ لِلْقَوَدِ عَنْ الْجَانِي حَتَّى إذَا قَالَ: اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهُ فَسَرَى لَا يَجِبُ شَيْءٌ كَذَلِكَ عَفْوُهُ فِي الِانْتِهَاءِ وَلَوْ عَفَا الْوَلِيُّ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَصِحُّ عَفْوُهُ أَيْضًا؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ يَأْنِ حَقُّهُ بَعْدُ فَإِنَّ ثُبُوتَ حَقِّهِ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ،
-
وَإِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ قَبْلَ أَوَانِهِ كَانَ بَاطِلًا كَمَا إذَا أَبْرَأَ عَنْ دَيْنٍ وَاجِبٍ لِمُوَرِّثِهِ فِي حَيَاتِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ السَّبَبَ يُجْعَلُ قَائِمًا مَقَامَ حَقِيقَةِ وُجُوبِ الْحَقِّ فِي صِحَّةِ الْعَفْوِ وَهَذَا السَّبَبُ انْعَقَدَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ لِلْوَارِثِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْمُوَرِّثِ فَيُقَامُ مَقَامَ حَقِيقَةِ وُجُوبِ الْحَقِّ فِي تَصْحِيحِ عَفْوِهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ السَّبَبِ الْحَقُّ لِلْمُوَرِّثِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ جِنَايَةٌ عَلَى حَقِّهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَجِبَ لَهُ الْحَقُّ بَعْدَ هَذَا السَّبَبِ وَبِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْوَاجِبِ الْحَقُّ لِلْوَارِثِ؛
-
لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ لَمْ يَجِبْ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ الْمُوَرِّثُ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يَجِبَ لَهُ الْحَقُّ فَيَجِبُ لِلْوَارِثِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مُرَاعًى فَلِمُرَاعَاةِ السَّبَبِ صَحَّحْنَا عَفْوَ الْمُوَرِّثِ اسْتِحْسَانًا وَلِمُرَاعَاةِ الْوَاجِبِ بِالسَّبَبِ صَحَّحْنَا عَفْوَ الْوَارِثِ اسْتِحْسَانًا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} وَقَالَ {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} فَيَجِبُ تَصْحِيحُهُ مَا أَمْكَنَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.