فَصْلٌ بَيَانُ حُكْمِ فَوَاتِ الْحَجِّ عَنْ الْعُمْرَةِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ١٢٬١٦٤ إلى ١٢٬٢١٩
-
٢/٢٢١٢/٢٢١
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ فَوَاتِ الْحَجِّ عَنْ الْعُمْرَةِ فَنَقُولُ: مَنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهِ فَلَا يَخْلُو إمَّا إنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ،
-
وَإِمَّا إنْ مَاتَ عَنْ وَصِيَّةٍ،
-
فَإِنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ يَأْثَمُ بِلَا خِلَافٍ.
-
أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُشْكِلُ،
-
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ عَلَى التَّرَاخِي، فَلِأَنَّ الْوُجُوبَ يَضِيقُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْعُمْرِ فِي وَقْتٍ يَحْتَمِلُ الْحَجَّ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ قَادِرًا،
-
وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْفِعْلِ بِنَفْسِهِ عَجْزًا مُقَرَّرًا، وَيُمْكِنُهُ الْأَدَاءُ بِمَالِهِ بِإِنَابَةِ غَيْرِهِ مَنَابَ نَفْسِهِ بِالْوَصِيَّةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِهِ،
-
فَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ بِتَفْوِيتِهِ الْفَرْضَ عَنْ وَقْتِهِ مَعَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ فِي الْجُمْلَةِ فَيَأْثَمُ لَكِنْ يَسْقُطُ عَنْهُ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا عِنْدَنَا حَتَّى لَا يُلْزِمَ الْوَارِثَ الْحَجَّ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَاتُ تَسْقُطُ بِمَوْتِ مَنْ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ بَدَنِيَّةً أَوْ مَالِيَّةً فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا عِنْدَنَا.
-
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَسْقُطُ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ قَدْرُ مَا يَحُجُّ بِهِ وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَهَذَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْعُشْرِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَإِنْ أَحَبَّ الْوَارِثُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حَجَّ، وَأَرْجُو أَنْ يُجْزِيَهُ ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - كَذَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ أَمَّا الْجَوَازُ فَلِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا فَقَالَ: نَعَمْ» فَقَدْ أَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ حَجَّ الرَّجُلِ عَنْ أُمِّهِ، وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّهَا مَاتَتْ عَنْ وَصِيَّةٍ أَوْ لَا عَنْ وَصِيَّةٍ.
-
وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لَاسْتَفْسَرَ.
-
وَأَمَّا قِرَانُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْإِجْزَاءِ فَلِأَنَّ الْحَجَّ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمَيِّتِ قَطْعًا، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ قَطْعًا لَا يَسْقُطُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلسُّقُوطِ قَطْعًا، وَالْمُوجِبُ لِسُقُوطِ الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ بِفِعْلِ الْوَارِثِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ عِلْمَ الْعَمَلِ لَا عِلْمَ الشَّهَادَةِ؛
-
لِاحْتِمَالِ عَدَمِ الثُّبُوتِ وَإِنْ كَانَ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا لَكِنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ يُعْتَبَرُ فِي عِلْمِ الشَّهَادَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَبَرُ فِي عِلْمِ الْعَمَلِ فَعَلَّقَ الْإِجْزَاءَ وَالسُّقُوطَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى احْتِرَازًا عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ قَطْعِيٍّ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ الْوَرَعِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ إذَا عَجَزَ عَنْ الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ - وَلَهُ مَالٌ - أَنَّهُ يَأْمُرُ وَارِثَهُ بِالْحَجِّ عَنْهُ تَفْرِيغًا لِذِمَّتِهِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ، فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ مَوْجُودَةً دَلَالَةً، وَالثَّابِتُ دَلَالَةً كَالثَّابِتِ نَصًّا لَكِنْ أَلْحَقَ الِاسْتِثْنَاءَ بِهِ؛
-
لِاحْتِمَالِ الْعَدَمِ، فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ هَلَّا أَلْحَقَ الِاسْتِثْنَاءَ بِكُلِّ مَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّكَ أَبْعَدْت فِي الْقِيَاسِ إذْ لَا كُلَّ خَبَرٍ يُرَدُّ بِمِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ وَهُوَ سُقُوطُ الْفَرْضِ، وَمَحَلُّ سُقُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ هَذَا،
-
فَإِنْ ثَبَتَ الْإِطْلَاقُ مِنْهُ فِي مِثْلِهِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَذَلِكَ لِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْهُ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ فَتَقَعُ
-
٢/٢٢٢٢/٢٢٢
الْغُنْيَةُ عَنْ الْإِفْصَاحِ بِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.
-
وَإِنْ مَاتَ عَنْ وَصِيَّةٍ لَا يَسْقُطُ الْحَجُّ عَنْهُ.
-
وَيَجِبُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْحَجِّ قَدْ صَحَّتْ.
-
وَإِذَا حُجَّ عَنْهُ يَجُوزُ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْجَوَازِ.
-
وَهِيَ نِيَّةُ الْحَجِّ عَنْهُ،
-
وَأَنْ يَكُونَ الْحَجُّ بِمَالِ الْمُوصِي أَوْ بِأَكْثَرِهِ إلَّا تَطَوُّعًا،
-
وَأَنْ يَكُونَ رَاكِبًا لَا مَاشِيًا لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَيُحَجُّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ سَوَاءٌ قَيَّدَ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ أَطْلَقَ بِأَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ أَمَّا إذَا قَيَّدَ فَظَاهِرٌ.
-
وَكَذَا إذَا أَطْلَقَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تُنَفَّذُ مِنْ الثُّلُثِ وَيُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ الَّذِي يَسْكُنُهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ مِنْ بَلَدِهِ فَمُطْلَقُ الْوَصِيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ: رحمه الله رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْهُ فِي خُرَاسَانِيٍّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ بِمَكَّةَ فَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ خُرَاسَانَ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي مَكِّيٍّ قَدِمَ الرَّيَّ فَحَضَرَهُ الْمَوْتُ فَأَوْصَى أَنْ يُحَجُّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ،
-
فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُقْرَنَ عَنْهُ قُرِنَ عَنْهُ مِنْ الرَّيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا قِرَانَ لِأَهْلِ مَكَّةَ فَتُحْمَلُ الْوَصِيَّةُ عَلَى مَا يَصِحُّ - وَهُوَ الْقِرَانُ - مِنْ حَيْثُ مَاتَ هَذَا إذَا كَانَ ثُلُثُ الْمَالِ يَبْلُغُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ حُجَّ عَنْهُ،
-
فَإِنْ كَانَ لَا يَبْلُغُ يُحَجُّ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ اسْتِحْسَانًا.
-
وَكَذَا إذَا أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِمَالٍ سَمَّى مَبْلَغَهُ إنْ كَانَ يَبْلُغُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ حُجَّ عَنْهُ، وَإِلَّا فَيُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَنْفِيذُهَا عَلَى مَا قَصَدَهُ الْمُوصِي، وَهَذَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْوَصِيَّةِ كَمَا إذَا أَوْصَى بِعِتْقِ نَسَمَةٍ فَلَمْ يَبْلُغْ ثُلُثُ الْمَالِ ثَمَنَ النَّسَمَةِ.
-
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ غَرَضَ الْمُوصِي مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ تَفْرِيغُ ذِمَّتِهِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ، وَذَلِكَ فِي التَّصْحِيحِ لَا فِي الْإِبْطَالِ.
-
وَلَوْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ لَبَطَلَتْ،
-
وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْوَصِيَّةِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ لَصَحَّتْ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لَهَا، وَفِي الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ النَّسَمَةِ تَعَذَّرَ التَّصْحِيحُ أَصْلًا وَرَأْسًا فَبَطَلَتْ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ إلَى بَلَدٍ أَقْرَبَ مِنْ مَكَّةَ،
-
فَإِنْ كَانَ خَرَجَ لِغَيْرِ الْحَجِّ حُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
-
وَإِنْ كَانَ خَرَجَ لِلْحَجِّ فَمَاتَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ وَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ قَدْرَ مَا قَطَعَ مِنْ الْمَسَافَةِ فِي سَفَرِهِ بِنِيَّةِ الْحَجِّ مُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْحَجِّ لَمْ يَبْطُلْ بِالْمَوْتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فَسَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَدْرَ الْمَوْجُودَ مِنْ السَّفَرِ يُعْتَبَرُ لَكِنْ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ - وَهُوَ الثَّوَابُ - لَا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِأَدَاءِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْأَدَاءُ فَبَطَلَ بِالْمَوْتِ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا،
-
وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِهِ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، وَكَلَامُنَا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا.
-
وَلَوْ خَرَجَ لِلْحَجِّ فَأَقَامَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ حَتَّى دَارَتْ السَّنَةُ ثُمَّ مَاتَ وَقَدْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ بِلَا خِلَافٍ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ.
-
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ ذَلِكَ السَّفَرَ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ عَمَلُ الْحَجَّةِ الَّتِي سَافَرَ لَهَا فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ عَنْ الْحَجِّ.
-
وَإِنْ كَانَ ثُلُثُ مَالِهِ لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحَجَّ بِهِ عَنْهُ إلَّا مَاشِيًا فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا أَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ مَاشِيًا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ بِهِ وَلَكِنْ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ رَاكِبًا وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ أَحَجُّوا عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ مَاشِيًا جَازَ،
-
وَإِنْ أَحَجُّوا مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ رَاكِبًا جَازَ، وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُوصِي بِالْحَجِّ إذَا اتَّسَعَتْ نَفَقَتُهُ لِلرُّكُوبِ فَأَحَجُّوا عَنْهُ مَاشِيًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْحَجُّ رَاكِبًا فَإِطْلَاقُ الْوَصِيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى ذَلِكَ كَأَنَّهُ أَوْصَاهُ بِذَلِكَ.
-
وَقَالَ أَحِجُّوا عَنِّي رَاكِبًا.
-
وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ مَاشِيًا كَذَا هَذَا (وَجْهُ) رِوَايَةِ الْحَسَنِ إنَّ فَرْضَ الْحَجِّ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالرُّكُوبِ وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِبَلَدِهِ،
-
وَلَا يُمْكِنُ مُرَاعَاتُهُمَا جَمِيعًا، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَالٌ مِنْ وَجْهٍ وَنُقْصَانٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَجُوزُ أَيُّهُمَا كَانَ،
-
وَإِنْ كَانَ ثُلُثُ مَالِهِ لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ فَحُجَّ عَنْهُ مِنْ مَوْضِعٍ يَبْلُغُ، وَفَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ وَتُبُيِّنَ أَنَّهُ كَانَ يَبْلُغُ مِنْ مَوْضِعٍ أَبْعَدَ مِنْهُ يَضْمَنُهُ الْوَصِيُّ وَيُحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ؛ لِأَنَّهُ تُبُيِّنَ أَنَّهُ خَالَفَ إلَّا إذَا كَانَ الْفَاضِلُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ زَادٍ أَوْ كِسْوَةٍ،
-
فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا وَلَا ضَامِنًا وَيَرُدُّ الْفَضْلَ إلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِلْكُهُمْ،
-
وَإِنْ كَانَ لِلْمُوصِي وَطَنَانِ فَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِ الْوَطَنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ دَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ بِيَقِينٍ وَفِي دُخُولِ الْأَبْعَدِ شَكٌّ فَيُؤْخَذُ بِالْيَقِينِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي وَجَبَ الْحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ إذَا أَحَجَّ الْوَصِيُّ مِنْ غَيْرِ بَلَدِهِ يَكُونُ ضَامِنًا وَيَكُونُ الْحَجُّ لَهُ وَيَحُجُّ
-
٢/٢٢٣٢/٢٢٣
عَنْ الْمَيِّتِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ إلَّا إذَا كَانَ الْمَكَانُ الَّذِي أَحَجَّ عَنْهُ قَرِيبًا إلَى وَطَنِهِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ إلَيْهِ وَيَرْجِعُ إلَى الْوَطَنِ قَبْلَ اللَّيْلِ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا وَلَا ضَامِنًا، وَيَكُونُ كَاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ.
-
وَلَوْ مَاتَ فِي مَحَلَّةٍ فَأَحَجُّوا عَنْهُ مِنْ مَحَلَّةٍ أُخْرَى جَازَ كَذَا هَذَا.
-
فَإِنْ قَالَ الْمُوصِي أَحِجُّوا عَنَى بِثُلُثِ مَالِي، وَثُلُثُ مَالِهِ يَبْلُغُ حِجَجًا حُجَّ عَنْهُ حِجَجًا كَذَا رَوَى الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَثُلُثُ مَالِهِ، يَبْلُغُ حِجَجًا يُحَجُّ عَنْهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ وَطَنِهِ - وَهِيَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ - إلَّا إذَا أَوْصَى أَنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ فَيُحَجُّ عَنْهُ حِجَجًا بِجَمِيعِ الثُّلُثِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَثْبَتُ؛
-
لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ وَبِجَمِيعِ الثُّلُثِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ اسْمٌ لِجَمِيعِ هَذَا السَّهْمِ،
-
ثُمَّ الْوَصِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَحَجَّ عَنْهُ الْحِجَجَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَحَجَّ عَنْهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَاحِدَةً، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْجِيلُ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ، وَالتَّعْجِيلُ فِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ التَّأْخِيرِ.
-
وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا مِنْ غَيْرِ بَلَدِهِ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي بُيِّنَ قَرُبَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ بَعُدَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِحْجَاجَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِأَمْرِهِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ أَمْرِهِ.
-
وَمَا فَضَلَ فِي يَدِ الْحَاجَّ عَنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ النَّفَقَةِ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى الْوَرَثَةِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِمَّا فَضَلَ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَصِيرُ مِلْكًا لِلْحَاجِّ بِالْإِحْجَاجِ، وَإِنَّمَا يُنْفِقُ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ؛
-
لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ إنَّمَا يَمْلِكُ، بِالِاسْتِئْجَارِ وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى الطَّاعَاتِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا فَكَانَ الْفَاضِلُ مِلْكَ الْوَرَثَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَيْهِمْ.
-
وَلَوْ قَاسَمَ الْوَرَثَةَ وَعَزَلَ قَدْرَ نَفَقَةِ الْحَجِّ وَدَفَعَ بَقِيَّةَ التَّرِكَةِ إلَى الْوَرَثَةِ فَهَلَكَ الْمَعْزُولُ فِي يَدِ الْوَصِيِّ أَوْ فِي يَدِ الْحَاجِّ قَبْلَ الْحَجِّ بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَلَكَ ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ الْجُمْلَةِ وَلَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ وَيُحَجُّ لَهُ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ الْبَاقِي حَتَّى يَحْصُلَ الْحَجُّ أَوْ يَنْوِيَ الْمَالَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحَجَّ بِمَنْزِلَةِ الْمُوصَى لَهُ الْغَائِبِ، وَقِسْمَةُ الْوَصِيِّ مَعَ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ حَتَّى لَوْ قَاسَمَ مَعَ الْوَرَثَةِ وَعَزَلَ نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُ ثُمَّ هَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمُوصَى لَهُ الْغَائِبِ يَهْلِكُ مِنْ الْجُمْلَةِ وَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْبَاقِي كَذَلِكَ الْحَجُّ.
-
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ شَيْءٌ يُحَجُّ عَنْهُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ ثُلُثِهِ شَيْءٌ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: قِسْمَةُ الْوَصِيَّةِ جَائِزَةٌ وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِهَلَاكِ الْمَعْزُولِ سَوَاءٌ بَقِيَ مِنْ الْمَعْزُولِ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فَإِنْ لَمْ يَهْلِكْ ذَلِكَ الْمَالُ، وَلَكِنْ مَاتَ الْمُجَهَّزُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةِ فَمَا أَنْفَقَ الْمُجَهَّزُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ نَفَقَةُ مِثْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ عَلَى الْخِلَافِ بَلْ عَلَى الْوِفَاقِ، وَمَا بَقِيَ فِي يَدِ الْمُجَهَّزِ الْقِيَاسُ أَنْ يُضَمَّ إلَى مَالِ الْمُوصِي، فَيَعْزِلُ ثُلُثَ مَالِهِ وَيَحُجُّ عَنْهُ مِنْ وَطَنِهِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَحُجُّ بِالْبَاقِي مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا.