فَصْلٌ فِي بَيَان آدَابِ الْقَضَاءِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ٣٧٬٩٠٧ إلى ٣٨٬١١٢
-
٧/٩٧/٩
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا آدَابُ الْقَضَاءِ فَكَثِيرَةٌ، وَالْأَصْلُ فِيهَا كِتَابُ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رحمه الله سَمَّاهُ مُحَمَّدٌ رحمه الله كِتَابَ السِّيَاسَةِ، وَفِيهِ: أَمَّا بَعْدُ،
-
فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، فَافْهَمْ إذَا أُدْلِيَ إلَيْكَ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمُ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ، آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهَكَ وَمَجْلِسِكَ وَعَدْلِكَ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ،
-
وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ - وَفِي رِوَايَةٍ:
-
وَلَا يَخَافُ ضَعِيفٌ جَوْرَكَ - الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا،
-
وَلَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالْأَمْسِ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ،
-
فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ لَا يَبْطُلُ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ، الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِكَ، مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالسُّنَّةِ،
-
ثُمَّ اعْرِفْ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ، وَقِسْ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَاعْمَدْ إلَى أَحَبِّهَا، وَأَقْرَبِهَا إلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتّ عَالَى، وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ، اجْعَلْ لِلْمُدَّعِي أَمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ،
-
فَإِذَا أَحْضَرَ بَيِّنَةً أُخِذَ بِحَقِّهِ، وَإِلَّا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ - وَفِي رِوَايَةٍ:
-
وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا اسْتَحْلَلْتَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ - فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ وَأَجْلَى لِلْعَمَى، الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إلَّا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ، أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ، أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ،
-
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى مِنْكُمْ السِّرَّ - وَفِي رِوَايَةٍ السَّرَائِرَ - وَدَرَأَ عَنْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، إيَّاكَ وَالْغَضَبَ وَالْقَلَقَ، وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ؛ لِلْخُصُومِ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ، الَّذِي يُوجِبُ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِهِ الْأَجْرَ، وَيُحْسِنُ بِهِ الذُّخْرَ،
-
وَأَنَّ مَنْ يُخْلِصُ نِيَّتَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى - وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَقِّ - يَكْفِهِ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ،
-
وَمَنْ يَتَزَيَّنْ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ خِلَافَهُ؛ شَانَهُ اللَّهُ عز وجل ، فَإِنَّهُ سبحانه وتعالى لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعِبَادَةِ إلَّا مَا كَانَ خَالِصًا، فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابٍ عَنْ اللَّهِ سبحانه وتعالى ، مِنْ عَاجِلِ رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ، وَالسَّلَامُ.
-
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فَهِمًا عِنْدَ الْخُصُومَةِ، فَيَجْعَلُ فَهْمَهُ وَسَمْعَهُ وَقَلْبَهُ إلَى كَلَامِ الْخَصْمَيْنِ؛ لِقَوْلِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه فِي كِتَابِ السِّيَاسَةِ: فَافْهَمْ إذَا أُولِيَ إلَيْك؛ وَلِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مَعَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَفْهَمْ الْقَاضِي كَلَامَهُمَا؛ يَضِيعُ الْحَقُّ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ رضي الله عنه : فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمُ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ، وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ قَلِقًا وَقْتَ الْقَضَاءِ؛ لِقَوْلِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه : إيَّاكَ وَالْقَلَقَ.
-
وَهَذَا نَدْبٌ إلَى السُّكُونِ وَالتَّثْبِيتِ، وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ ضَجِرًا عِنْدَ الْقَضَاءِ؛ إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأُمُورُ فَضَاقَ صَدْرُهُ؛ لِقَوْلِهِ رضي الله عنه : إيَّاكَ وَالضَّجَرَ وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ غَضْبَانَ وَقْتَ الْقَضَاءِ؛ لِقَوْلِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه : إيَّاكَ وَالْغَضَبَ وَقَالَ ﷺ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» ؛
-
وَلِأَنَّهُ يُدْهِشُهُ عَنْ التَّأَمُّلِ، وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ جَائِعًا وَلَا عَطْشَانَ وَلَا مُمْتَلِئًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ مِنْ الْقَلَقِ، وَالضَّجَرِ وَالْغَضَبِ، وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالِامْتِلَاءِ، مِمَّا يَشْغَلُهُ عَنْ الْحَقِّ، وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَقْضِيَ وَهُوَ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ يَسِيرُ عَلَى الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ وَالسَّيْرَ يَشْغَلَانِهِ عَنْ النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ فِي كَلَامِ الْخَصْمَيْنِ،
-
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ؛ لِأَنَّ الِاتِّكَاءَ لَا يَقْدَحُ فِي التَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ.
-
وَمِنْهَا: أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْجُلُوسِ، فَيُجْلِسُهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ لَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ قَرَّبَ أَحَدَهُمَا فِي مَجْلِسِهِ،
-
وَكَذَا لَا يُجْلِسُ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ؛ لِأَنَّ لِلْيَمِينِ فَضْلًا عَلَى الْيَسَارِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ رضي الله عنهما اخْتَصَمَا فِي حَادِثَةٍ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَأَلْقَى لِسَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه وِسَادَةً، فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رضي الله عنه : هَذَا أَوَّلُ جَوْرِكَ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ
-
وَمِنْهَا: أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ، وَالنُّطْقِ وَالْخَلْوَةِ،
-
فَلَا يَنْطَلِقُ بِوَجْهِهِ إلَى أَحَدِهِمَا،
-
وَلَا يُسَارَّ أَحَدَهُمَا، وَلَا يُومِئُ إلَى أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ دُونَ خَصْمِهِ،
-
وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَا يُكَلِّمُ أَحَدَهُمَا بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُهُ الْآخَرُ،
-
وَلَا يَخْلُو بِأَحَدٍ فِي مَنْزِلِهِ،
-
وَلَا يُضَيِّفُ أَحَدَهُمَا، فَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ لِمَا فِي تَرْكِ الْعَدْلِ فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ الْآخَرِ، وَيُتَّهَمُ الْقَاضِي بِهِ أَيْضًا.
-
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ أَحَدِهِمَا، إلَّا إذَا كَانَ لَا يَلْحَقُهُ بِهِ تُهْمَةٌ.
-
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ: أَنَّ الْمُهْدِي لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ،
-
وَإِمَّا أَنْ كَانَ لَا يُهْدِي إلَيْهِ،
-
فَإِنْ كَانَ لَا يُهْدِي إلَيْهِ،
-
فَإِمَّا إنْ كَانَ قَرِيبًا لَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا،
-
فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا لَهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ لَهُ خُصُومَةٌ فِي الْحَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا خُصُومَةَ لَهُ فِي الْحَالِ يَقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا
-
٧/١٠٧/١٠
لَا يَقْبَلُ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ خُصُومَةٌ فِي الْحَالِ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ خُصُومَةٌ فِي الْحَالِ، كَانَ بِمَعْنَى الرِّشْوَةِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَرُبَّمَا يَكُونُ لَهُ خُصُومَةٌ فِي الْحَالِ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ،
-
فَلَا يَقْبَلُ وَلَوْ قَبِلَ يَكُونُ لِبَيْتِ الْمَالِ، هَذَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ لَا يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ،
-
فَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الْحَالِ خُصُومَةٌ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِيهِ.
-
وَإِنْ كَانَ لَا خُصُومَةَ لَهُ فِي الْحَالِ، يُنْظَرُ إنْ كَانَ أَهْدَى مِثْلَ مَا كَانَ يُهْدِي أَوْ أَقَلَّ يَقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ،
-
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَرُدُّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ قَبِلَ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ لِلْحَالِ حَتَّى انْقَضَتْ الْخُصُومَةُ ثُمَّ قَبِلَهَا، لَا بَأْسَ بِهِ، وَمِنْهَا: أَنْ لَا يُجِيبَ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ، بِأَنْ كَانُوا خَمْسَةً أَوْ عَشَرَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ التُّهْمَةِ، إلَّا إذَا كَانَ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ مِمَّنْ كَانَ يَتَّخِذُ لَهُ الدَّعْوَةَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَاضِي قَرَابَةٌ،
-
فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْضُرَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ؛ لِانْعِدَامِ التُّهْمَةِ،
-
فَإِنْ عَرَفَ الْقَاضِي لَهُ خُصُومَةً لَمْ يَحْضُرْهَا.
-
وَأَمَّا الدَّعْوَةُ الْعَامَّةُ: فَإِنْ كَانَتْ بِدْعَةً، كَدَعْوَةِ الْمُبَارَاةِ وَنَحْوِهَا؛ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْضُرَهَا لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِ الْقَاضِي إجَابَتُهَا فَالْقَاضِي أَوْلَى،
-
وَإِنْ كَانَتْ سُنَّةً كَوَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ، فَإِنَّهُ يُجِيبُهَا؛ لِأَنَّهُ إجَابَةُ السُّنَّةِ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ.
-
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يُلَقِّنَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ حُجَّتَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَكْسَرَةَ قَلْبِ الْآخَرِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إعَانَةَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، فَيُوجِبُ التُّهْمَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ تَكَلَّمَ أَحَدُهُمَا، أَسْكَتَ الْآخَرَ؛ لِيَفْهَمَ كَلَامَهُ وَمِنْهَا: أَنْ لَا يُلَقِّنَ الشَّاهِدَ، بَلْ يَتْرُكُهُ يَشْهَدُ بِمَا عِنْدَهُ،
-
فَإِنْ أَوْجَبَ الشَّرْعُ قَبُولَهُ قَبِلَهُ، وَإِلَّا رَدَّهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ،
-
ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِتَلْقِينِ الشَّاهِدِ بِأَنْ يَقُولَ: أَتَشْهَدُ بِكَذَا
-
وَكَذَا وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ الشَّاهِدَ يَلْحَقُهُ الْحَصْرُ؛ لِمَهَابَةِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَيُعْجِزُهُ عَنْ إقَامَةِ الْحُجَّةِ، فَكَانَ التَّلْقِينُ تَقْوِيمًا لِحُجَّةٍ ثَابِتَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْقَاضِيَ يُتَّهَمُ بِتَلْقِينِ الشَّاهِدِ فَيَتَحَرَّجُ عَنْهُ وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَعْبَثَ بِالشُّهُودِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشَوِّشُ عَلَيْهِمْ عُقُولَهُمْ فَلَا يُمَكِّنُهُمْ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا،
-
وَإِذَا اتَّهَمَ الشُّهُودَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَرِّقَهُمْ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَيَسْأَلَهُمْ أَيْنَ كَانَ وَمَتَى كَانَ؟
-
فَإِنْ اخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ؛ رَدَّهَا وَإِلَّا فَلَا، وَيَشْهَدُ الْقَاضِي الْجِنَازَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّ الْمَيِّتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا فِي أَدَاءِ سُنَّةٍ فَيَحْضُرُهَا، إلَّا إذَا اجْتَمَعَتْ الْجَنَائِزُ عَلَى وَجْهٍ: لَوْ حَضَرَهَا كُلَّهَا لَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ أَنْ لَا يَشْهَدَ؛
-
لِأَنَّ الْقَضَاءَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَكَانَ إقَامَةُ فَرْضِ الْعَيْنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَوْلَى.
-
وَيَعُودُ الْمَرِيضَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ،
-
فَلَا يَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ بِإِقَامَتِهِ وَيُسَلِّمُ عَلَى الْخُصُومِ إذَا دَخَلُوا الْمَحْكَمَةَ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ سُنَّةِ الْإِسْلَامِ - وَكَانَ شُرَيْحٌ يُسَلِّمُ عَلَى الْخُصُومِ - لَكِنْ لَا يَخُصُّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا قَبْلَ جُلُوسِهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ،
-
فَأَمَّا إذَا جَلَسَ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ،
-
وَلَا هُمْ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، أَمَّا هُوَ فَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُسَلِّمَ الْقَائِمُ عَلَى الْقَاعِدِ، لَا الْقَاعِدُ عَلَى الْقَائِمِ، وَهُوَ قَاعِدٌ وَهُمْ قِيَامٌ.
-
وَأَمَّا هُمْ فَلَا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ سَلَّمُوا عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ بِأَمْرٍ هُوَ أَهَمُّ وَأَعْظَمُ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ،
-
فَلَا يَلْزَمُهُ الِاشْتِغَالُ كَذَا ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرِ الْهِنْدُوَانِيُّ فِي رَجُلٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ آخَرُ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ،
-
وَكَذَا الْمُدَرِّسُ إذَا جَلَسَ لِلتَّدْرِيسِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ سَلَّمَ لَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ؛ لِمَا قُلْنَا،
-
بِخِلَافِ الْأَمِيرِ إذَا جَلَسَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ، إنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ السُّنَّةُ،
-
وَإِنْ كَانَ سَلَاطِينُ زَمَانِنَا يَكْرَهُونَ التَّسْلِيمَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ جَلَسُوا لِلزِّيَارَةِ،
-
وَمِنْ سُنَّةِ الزَّائِرِ التَّسْلِيمُ عَلَى مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ.
-
وَأَمَّا الْقَاضِي فَإِنَّمَا جَلَسَ لِلْعِبَادَةِ لَا لِلزِّيَارَةِ،
-
فَلَا يُسَنُّ التَّسْلِيمُ عَلَيْهِ،
-
وَلَا يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ إنْ سَلَّمُوا، لَكِنْ لَوْ أَجَابَ جَازَ.
-
وَمِنْهَا: أَنْ يَسْأَلَ الْقَاضِي عَنْ حَالِ الشُّهُودِ، فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ، وَهُوَ مِنْ آدَابِ الْقَاضِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ جَائِزًا عِنْدَهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعَدَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَفْضَلُ.
-
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَهُوَ مِنْ وَاجِبَاتِ الْقَضَاءِ،
-
وَكَذَا إذَا طَعَنَ الْخَصْمُ عِنْدَهُ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَفِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ طَعَنَ أَوْ لَمْ يَطْعَنْ،
-
ثُمَّ الْقُضَاةُ مِنْ السَّلَفِ كَانُوا يَسْأَلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ مِنْ أَهْلِ مَحَلَّتِهِمْ، وَأَهْلِ سُوقِهِمْ،
-
وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ سُوقِيًّا مِمَّنْ هُوَ أَتْقَى النَّاسِ، وَأَوْرَعُهُمْ، وَأَعْظَمُهُمْ أَمَانَةً، وَأَعْرَفُهُمْ بِأَحْوَالِ النَّاسِ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، وَالْقُضَاةُ فِي زَمَانِنَا نُصِبُوا لِلْعَدْلِ، تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ عَلَيْهِمْ؛ لِمَا يَتَعَذَّرُ عَلَى الْقَاضِي طَلَبُ الْمُعَدِّلِ فِي كُلِّ شَاهِدٍ، فَاسْتَحْسَنُوا نَصْبَ الْعَدْلِ.
-
ثُمَّ نَقُولُ: لِلتَّعْدِيلِ شَرَائِطُ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْعَدْلِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى فِعْلِ
-
٧/١١٧/١١
التَّعْدِيلِ.
-
أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا الْعَقْلُ، وَمِنْهَا الْبُلُوغُ؛ وَمِنْهَا الْإِسْلَامُ،
-
فَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ كَانَتْ تَجْرِي مَجْرَى الشَّهَادَةِ، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ،
-
فَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ التَّزْكِيَةِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ عَنْ الدِّيَانَاتِ فَخَبَرُهُمْ فِي الدِّيَانَاتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْعَدَالَةِ،
-
وَلَا عَدَالَةَ لِهَؤُلَاءِ، وَمِنْهَا الْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَكُونُ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ كَيْف يَعْدِلُ غَيْرَهُ؟
-
وَأَمَّا الْعَدَدُ فَلَيْسَ بِشَرْطِ الْجَوَازِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَكِنَّهُ شَرَطُ الْفَضِيلَةِ وَالْكَمَالِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ شَرْطُ الْجَوَازِ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ التَّزْكِيَةَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ غَابَ عَنْ عِلْمِ الْقَاضِي، وَهَذَا مَعْنَى الشَّهَادَةِ، فَيُشْتَرَطُ لَهَا نِصَابُ الشَّهَادَةِ، وَلَهُمَا أَنَّ التَّزْكِيَةَ لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ،
-
فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا الْعَدَدُ، عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَاتِ ثَبَتَ نَصًّا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ،
-
فَلَا يَلْزَمُ مُرَاعَاةُ الْعَدَدِ فِيمَا وَرَاءَهُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ: الْعَدَدُ فِي التُّرْجُمَانِ، وَحَامِلِ الْمَنْشُورِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ شَرْطٌ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ: حُرِّيَّةُ الْمُعَدِّلِ، وَبَصَرُهُ، وَسَلَامَتُهُ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُمَا، فَتَصِحُّ تَزْكِيَةُ الْأَعْمَى، وَالْعَبْدِ، وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ شَرْطٌ،
-
فَلَا تَصِحُّ تَزْكِيَتُهُمْ؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ شَهَادَةٌ عِنْدَهُ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الشَّهَادَاتِ، وَعِنْدَهُمَا لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ،
-
فَلَا يُرَاعَى فِيهَا شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ؛ لِمَا قُلْنَا.
-
وَأَمَّا الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ التَّزْكِيَةِ، فَتَجُوزُ تَزْكِيَةُ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ امْرَأَةً تَخْرُجُ لِحَوَائِجِهَا، وَتُخَالِطُ النَّاسَ فَتَعْرِفُ أَحْوَالَهُمْ، وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَلَى أَصْلِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ عَنْ الدِّيَانَاتِ، وَهِيَ مِنْ أَهْلِهِ.
-
وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَتُقْبَلُ تَزْكِيَتُهَا فِيمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا، فَتَصِحُّ تَزْكِيَتُهَا فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَتَجُوزُ تَزْكِيَةُ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وَالْوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْعَدْلِ فِي التَّعْدِيلِ، إنَّمَا هُوَ حَقُّ الْمُدَّعِي فَلَا يُوجِبُ تُهْمَةً فِيهِ، وَهَذَا يُشْكِلُ عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ؛
-
لِأَنَّهُ يُجْرِي التَّعْدِيلَ مَجْرَى الشَّهَادَةِ، وَشَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَعَكْسُهُ لَا تُقْبَلُ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمُزَكَّى مَشْهُودًا عَلَيْهِ،
-
فَإِنْ كَانَ لَمْ تُعْتَبَرْ تَزْكِيَتُهُ،
-
وَيَجِبُ السُّؤَالُ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَا وَجَبَتْ حَقًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ حَقًّا لِلشَّرْعِ.
-
وَحَقُّ الشَّرْعِ لَا يَتَأَدَّى بِتَعْدِيلِهِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الْمُدَّعِي وَالشُّهُودِ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إنْكَارِهِ،
-
فَلَا يَصِحُّ تَعْدِيلُهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ السُّؤَالُ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ حَقُّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَحَقُّ الْإِنْسَانِ لَا يُطْلَبُ إلَّا بِطَلَبِهِ، فَمَا لَمْ يَطْعَنْ لَا يَتَحَقَّقُ الطَّلَبُ،
-
فَلَا تَجِبُ الْمَسْأَلَةُ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ التَّزْكِيَةِ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إذَا قَالَ لِلشَّاهِدِ: هُوَ عَدْلٌ لَا يُكْتَفَى بِهِ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ آخَرُ، عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، فَصَارَ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ: لَا تُعْتَبَرُ أَصْلًا وَفِي رِوَايَةٍ: يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ.
-
وَأَمَّا الثَّانِي الَّذِي يَرْجِعُ إلَى فِعْلِ التَّعْدِيلِ - فَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُعَدِّلُ فِي التَّعْدِيلِ: هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: هُوَ عَدْلٌ، وَلَمْ يَقُلْ: جَائِزُ الشَّهَادَةِ لَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ،
-
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، كَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ وَصَلُحَ، وَالْعَبْدُ الصَّالِحُ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ فِي الرَّدِّ: هُوَ لَيْسَ بِعَدْلٍ لَا يَرُدُّ مَا لَمْ يَقُلْ: هُوَ غَيْرُ جَائِزِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ - وَهُوَ الْفَاسِقُ - تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذَا تَحَرَّى الْقَاضِي الصِّدْقَ فِي شَهَادَتِهِ،
-
وَلَوْ قَضَى بِهِ الْقَاضِي يَنْفُذُ، وَمِنْهَا أَنْ يَسْأَلَ الْمُعَدِّلَ فِي السِّرِّ أَوَّلًا،
-
فَإِنْ وَجَدَهُ عَدْلًا يَعْدِلُهُ فِي الْعَلَانِيَةِ أَيْضًا، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمُزَكَّى وَالشُّهُودِ، وَبَيْنَ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فِي تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ عَدْلًا يَقُولُ لِلْمُدَّعِي: زِدْ فِي شُهُودِكَ وَلَا يَكْشِفُ عَنْ حَالِ الْمَجْرُوحِ سَتْرًا عَلَى الْمُسْلِمِ،
-
وَلَا يَكْتَفِي بِتَعْدِيلِ السِّرِّ خَوْفًا مِنْ الِاحْتِيَالِ وَالتَّزْوِيرِ، بِأَنْ يُسَمِّيَ غَيْرَ الْعَدْلِ بِاسْمِ الْعَدْلِ، فَكَانَ الْأَدَبُ هُوَ التَّزْكِيَةُ فِي الْعَلَانِيَةِ، بَعْدَ التَّزْكِيَةِ فِي السِّرِّ.
-
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُعَدِّلَانِ فَعَدَّلَهُ أَحَدُهُمَا، وَجَرَّحَهُ الْآخَرُ، سَأَلَ الْقَاضِي غَيْرَهُمَا فَإِنْ عَدَّلَهُ آخَرُ أَخَذَ بِالتَّزْكِيَةِ،
-
وَإِنْ جَرَّحَهُ آخَرُ أَخَذَ بِالْجَرْحِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ،
-
وَإِنْ انْضَمَّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلٌ آخَرُ فَعَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ عَمِلَ بِالْجَرْحِ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ يَعْتَمِدُ حَقِيقَةَ الْحَالِ، وَالْمُعَدِّلُ يَبْنِي الْأَمْرَ عَلَى الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْإِنْسَانِ أَنْ يُظْهِرَ الصَّلَاحَ، وَيَكْتُمَ الْفِسْقَ، فَكَانَ قَبُولُ قَوْلِ الْجَارِحِ أَوْلَى كَذَلِكَ لَوْ جَرَّحَهُ اثْنَانِ وَعَدَّلَهُ ثَلَاثَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةٌ، أَوْ أَكْثَرُ يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْجَارِحِ؛
-
لِأَنَّ التَّرْجِيحَ لَا يَقَعُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ.
-
وَمِنْهَا أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ، يُشَاوِرُهُمْ وَيَسْتَعِينُ بِرَأْيِهِمْ فِيمَا يَجْهَلُهُ
-
٧/١٢٧/١٢
مِنْ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - رَسُولَهُ عليه الصلاة والسلام إلَى الْمُشَاوِرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ مَعَ انْفِتَاحِ بَابِ الْوَحْيِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْهُ» .
-
وَرُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ يَقُولُ لِسَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ، وَسَيِّدِنَا عُمَرَ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قُولَا، فَإِنِّي فِيمَا لَمْ يُوحَ إلَيَّ مِثْلُكُمَا» ؛ وَلِأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ بَابِ الْمُجَاهَدَةِ فِي اللَّهِ عز وجل فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْوُصُولِ إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، قَالَ اللَّهُ عز وجل : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ .
-
وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْلِسَ مَعَهُ مَنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ؛ لِئَلَّا يَضِنَّ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، بَلْ يَهْدِيهِ إلَى ذَلِكَ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ،
-
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَاوِرَهُمْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ بِمَهَابَةِ الْمَجْلِسِ، وَالنَّاسُ يَتَّهِمُونَهُ بِالْجَهْلِ، وَلَكِنْ يُقِيمُ النَّاسَ عَنْ الْمَجْلِسِ،
-
ثُمَّ يُشَاوِرُهُمْ، أَوْ يَكْتُبُ فِي رُقْعَةٍ فَيَدْفَعُ إلَيْهِمْ، أَوْ يُكَلِّمُهُمْ بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا الْخَصْمَانِ، هَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي لَا يَدْخُلُهُ حَصْرٌ بِإِجْلَاسِهِمْ عِنْدَهُ،
-
وَلَا يَعْجِزُ عَنْ الْكَلَامِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ،
-
فَإِنْ كَانَ لَا يُجْلِسُهُمْ،
-
فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ؛ بَعَثَ إلَيْهِمْ وَسَأَلَهُمْ، وَمِنْهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ جِلْوَازٌ - وَهُوَ الْمُسَمَّى بِصَاحِبِ الْمَجْلِسِ فِي عُرْفِ دِيَارِنَا - يَقُومُ عَلَى رَأْسِ الْقَاضِي؛ لِتَهْذِيبِ الْمَجْلِسِ، وَبِيَدِهِ سَوْطٌ يُؤَدِّبُ بِهِ الْمُنَافِقَ، وَيُنْذِرُ بِهِ الْمُؤْمِنَ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْسِكُ بِيَدِهِ سَوْطًا، يُنْذِرُ بِهِ الْمُؤْمِنَ، وَيُؤَدِّبُ بِهِ الْمُنَافِقَ» .
-
وَكَانَ سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ يَمْسِكُ سَوْطًا، وَسَيِّدُنَا عُمَرُ رضي الله عنه اتَّخَذَ دِرَّةً وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَعْوَانٌ، يَسْتَحْضِرُونَ الْخُصُومَ، وَيَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ إجْلَالًا لَهُ؛ لِيَكُونَ مَجْلِسًا مَهِيبًا، وَيُذْعِنُ الْمُتَمَرِّدُ لِلْحَقِّ، وَهَذَا فِي زَمَانِنَا،
-
فَأَمَّا فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رضي الله عنهم فَمَا كَانَ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْظُرُونَ إلَى الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ بِعَيْنِ التَّبْجِيلِ وَالتَّعْظِيمِ، وَيَخَافُونَهُمْ وَيَنْقَادُونَ لِلْحَقِّ بِدُونِ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ يَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ،
-
فَإِذَا فَرَغَ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ وَتَوَسَّدَ بِالْحَصَى، وَمَا كَانَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ حُرْمَتِهِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَبِسَ قَمِيصًا، فَازْدَادَتْ أَكْمَامُهُ عَنْ أَصَابِعِهِ؛ فَدَعَا بِالشَّفْرَةِ فَقَطَعَهُمَا، وَكَانَ لَا يَكْفِهِمَا أَيَّامًا، وَكَانَتْ الْأَطْرَافُ مُتَعَلِّقَةً مِنْهَا، وَالنَّاسُ يَهَابُونَهُ غَايَةَ الْمَهَابَةِ.
-
فَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ فَسَدَ الزَّمَانُ، وَتَغَيَّرَ النَّاسُ؛ فَهَانَ الْعِلْمُ وَأَهْلُهُ، فَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى هَذِهِ التَّكْلِيفَاتِ؛ لِلتَّوَسُّلِ إلَى إحْيَاءِ الْحَقِّ، وَإِنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ تُرْجُمَانٌ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْقَاضِي لُغَتَهُ، مِنْ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالشُّهُودِ، وَالْكَلَامُ فِي عَدَدِ التُّرْجُمَانِ وَصِفَاتِهِ عَلَى الِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ، كَالْكَلَامِ فِي عَدَدِ الْمُزَكَّى وَصِفَاتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
وَمِنْهَا أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مُحَافَظَةِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ وَالْإِقْرَارَاتِ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَقَدْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجَ إلَى كَاتِبٍ يَسْتَعِينُ بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا صَالِحًا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ، أَمَّا الْعِفَّةُ وَالصَّلَاحُ؛ فَلِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْأَمَانَةِ، وَالْأَمَانَةُ لَا يُؤَدِّيهَا إلَّا الْعَفِيفُ الصَّالِحُ.
-
وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ؛ فَلِأَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى شَهَادَتِهِ.
-
وَأَمَّا مَعْرِفَتُهُ بِالْفِقْهِ؛ فَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الِاخْتِصَارِ وَالْحَذْفِ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمَيْنِ، وَالنَّقْلِ مِنْ لُغَةٍ،
-
وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا كَتَبَ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ كَمَا سَمِعَهُ،
-
وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ لِئَلَّا يُوجِبَ حَقًّا لَمْ يَجِبْ،
-
وَلَا يُسْقِطَ حَقًّا وَاجِبًا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ غَيْرِ الْفَقِيهِ بِتَفْسِيرِ الْكَلَامِ لَا يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ.
-
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْعِدَ الْكَاتِبَ حَيْثُ يَرَى مَا يَكْتُبُ وَمَا يَصْنَعُ،
-
فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ،
-
ثُمَّ فِي عُرْفِ بِلَادِنَا يُقَدِّمُ كِتَابَةَ الدَّعْوَى عَلَى الدَّعْوَى، فَيَكْتُبُ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَيَتْرُكُ مَوْضِعَ التَّارِيخِ بَيَاضًا؛ لِجَوَازِ أَنْ تَتَخَلَّفَ الدَّعْوَى عَنْ وَقْتِ الْكِتَابَةِ، وَيَتْرُكُ مَوْضِعَ الْجَوَابِ أَيْضًا بَيَاضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ، وَيَكْتُبُ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ - إنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي شُهُودٌ - وَيَتْرُكُ بَيْنَ كُلِّ شَاهِدَيْنِ بَيَاضًا؛
-
لِيَكْتُبَ الْقَاضِي التَّارِيخَ، وَجَوَابَ الْخَصْمِ، وَشَهَادَةَ الشُّهُودِ بِنَفْسِهِ،
-
ثُمَّ يَطْوِي الْكَاتِبُ الْكِتَابَ وَيَخْتِمُهُ،
-
ثُمَّ يَكْتُبُ عَلَى ظَهْرِهِ: خُصُومَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مَعَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فِي شَهْرِ كَذَا، فِي سَنَةِ كَذَا، وَيَجْعَلُهُ فِي قِمْطَرَةٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ لِخُصُومَاتِ كُلِّ شَهْرٍ قِمْطَرًا عَلَى حِدَةٍ؛ لِيَكُونَ أَبْصَرَ بِذَلِكَ،
-
ثُمَّ يَكْتُبُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ بِنَفْسِهِ عَلَى بِطَاقَةٍ، أَوْ يَسْتَكْتِبُ الْكِتَابَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَبْعَثُهَا إلَى الْمُعَدِّلِ سِرًّا - وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْمَسْتُورَةِ فِي عُرْفِ دِيَارِنَا - وَالْأَفْضَلُ أَنْ
-
٧/١٣٧/١٣
يَبْعَثَ عَلَى يَدَيْ عَدْلَيْنِ،
-
وَإِنْ بَعَثَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ يُقَدِّمَ الْخُصُومَ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ فِي الْحُضُورِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْمُبَاحُ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ» وَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حَالُهُمْ؛ اسْتَعْمَلَ الْقُرْعَةَ، فَقَدَّمَ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، إلَّا الْغُرَبَاءَ إذَا خَاصَمُوا بَعْضَ أَهْلِ الْمِصْرِ إلَيْهِ، أَوْ خَاصَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ خَاصَمَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ الْمِصْرِ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهُمْ فِي الْخُصُومَةِ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ؛
-
لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قَدِّمْ الْغَرِيبَ، فَإِنَّك إذَا لَمْ تَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا ذَهَبَ وَضَاعَ حَقُّهُ، فَتَكُونُ أَنْتَ الَّذِي ضَيَّعْتَهُ نَدَبَ رضي الله عنه إلَى تَقْدِيمِ الْغَرِيبِ، وَنَبَّهَ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِظَارُ، فَكَانَ تَأْخِيرُهُ فِي الْخُصُومَةِ تَضْيِيعًا لِحَقِّهِ، إلَّا إذَا كَانُوا كَثِيرًا، بِحَيْثُ يَشْتَغِلُ الْقَاضِي عَنْ أَهْلِ الْمِصْرِ فَيَخْلِطُهُمْ بِأَهْلِ الْمِصْرِ؛
-
لِأَنَّ تَقْدِيمَهُمْ يَضُرُّ بِأَهْلِ الْمِصْرِ،
-
وَكَذَا تَقْدِيمُ صَاحِبِ الشُّهُودِ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ إكْرَامَ الشُّهُودِ وَاجِبٌ.
-
قَالَ عليه الصلاة والسلام : «أَكْرِمُوا الشُّهُودَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِ بِهِمْ الْحُقُوقَ» وَلَيْسَ مِنْ الْإِكْرَامِ حَبْسُهُمْ عَلَى بَابِ الْقَاضِي، وَهَذَا إذَا كَانَ وَاحِدًا،
-
فَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الرِّجَالَ عَلَى حِدَةٍ، وَالنِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ؛ لِمَا فِي الْخَلْطِ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ،
-
وَلَوْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُنَّ يَوْمًا عَلَى حِدَةٍ؛ لِكَثْرَةِ الْخُصُومِ فَعَلَ؛ لِأَنَّ إفْرَادَهُنَّ بِيَوْمٍ أَسْتَرُ لَهُنَّ وَمِنْهَا أَنْ لَا يُتْعِبَ نَفْسَهُ فِي طُولِ الْجُلُوسِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ فِي الْحُجَجِ، وَبِطُولِ الْجُلُوسِ يَخْتَلُّ النَّظَرُ فِيهَا،
-
فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَيَكْفِي الْجُلُوسُ طَرَفَيْ النَّهَارِ، وَقَدْرَ مَا لَا يَفْتُرُ عَنْ النَّظَرِ فِي الْحُجَجِ،
-
وَإِذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ هَلْ يَسْأَلُ الْمُدَّعِي عَنْ دَعْوَاهُ؟ ذَكَرَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَسْأَلُ، وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ
-
وَكَذَا إذَا ادَّعَى دَعْوَى صَحِيحَةً هَلْ يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ دَعْوَى خَصْمِهِ؟ ذَكَرَ فِي آدَابِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَسْأَلُ، وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ، حَتَّى يَقُولَ لَهُ الْمُدَّعِي: سَلْهُ عَنْ جَوَابِ دَعْوَايَ.
-
وَجْهُ مَا ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ الدَّعْوَى إنْشَاءُ الْخُصُومَةِ، وَالْقَاضِي لَا يُنْشِئُ الْخُصُومَةَ وَجْهُ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ يَلْحَقُهُ مَهَابَةُ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ؛ فَيَعْجِزُ عَنْ الْبَيَانِ دُونَ سُؤَالِ الْقَاضِي، فَيَسْأَلُ عَنْ دَعْوَاهُ وَمِنْهَا أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، فَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّفْعَ وَقَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ أَمْهَلَهُ زَمَانًا؛
-
لِقَوْلِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه فِي كِتَابِ السِّيَاسَةِ: اجْعَلْ لِلْمُدَّعِي أَمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ وَأَرَادَ بِهِ مُدَّعِي الدَّفْعَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ:
-
وَإِنْ عَجَزَ اسْتَحْلَلْتَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْهِلْهُ، وَقَضَى بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، رُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْضِ قَضَائِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَأْتِيَ بِالدَّفْعِ مُؤَخَّرًا، فَهُوَ مِنْ صِيَانَةِ الْقَضَاءِ عَنْ النَّقْضِ،
-
ثُمَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، إنْ شَاءَ أَخَّرَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ،
-
وَإِنْ شَاءَ إلَى الْغَدِ،
-
وَإِنْ شَاءَ إلَى بَعْدِ الْغَدِ،
-
وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ،
-
فَلَا يَسَعُهُ التَّأْخِيرُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ أَدَّى بِبَيِّنَةٍ غَائِبَةٍ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، بَلْ يَقْضِي لِلْمُدَّعِي.
-
وَمِنْهَا أَنْ يَجْلِسَ لِلْقَضَاءِ فِي أَشْهَرِ الْمَجَالِسِ؛ لِيَكُونَ أَرْفَقَ بِالنَّاسِ، وَهَلْ يَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله : يَقْضِي وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : لَا يَقْضِي، بَلْ يَقْضِي فِي بَيْتِهِ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَأْتِيهِ الْمُشْرِكُ، وَالْحَائِضُ، وَالنُّفَسَاءُ، وَالْجُنُبُ، وَيَجْرِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ كَلَامُ اللَّغْوِ وَالرَّفَثُ وَالْكَذِبُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ، وَتَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْ هَذَا كُلِّهِ وَاجِبٌ.
-
(وَلَنَا) الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رضي الله عنهم ،
-
فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ،
-
وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ رضي الله عنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ وَاجِبٌ،
-
وَلَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَرُدَّ الْخُصُومَ إلَى الصُّلْحِ إنْ طَمَعَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ فَكَانَ الرَّدُّ إلَى الصُّلْحِ رَدًّا إلَى الْخَيْرِ، وَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رضي الله عنه : رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ بَيْنَهُمْ الضَّغَائِنَ فَنَدَبَ رضي الله عنه الْقُضَاةَ إلَى رَدِّ الْخُصُومِ إلَى الصُّلْحِ، وَنَبَّهَ عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ حُصُولُ الْمَقْصُودِ مِنْ غَيْرِ ضَغِينَةٍ،
-
وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ اصْطَلَحَا، وَإِلَّا قَضَى بَيْنَهُمَا بِمَا يُوجِبُ الشَّرْعُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ مِنْهُمْ الصُّلْحَ لَا يَرُدُّهُمْ إلَيْهِ، بَلْ يَنْفُذُ الْقَضِيَّةَ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الرَّدِّ.
-
وَهَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ الرِّزْقَ؟
-
فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْكِفَايَةِ،
-
وَلَا كِفَايَةَ لَهُ، فَكَانَتْ كِفَايَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ وَعَلَى عِيَالِهِ كَيْ لَا يَطْمَعَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ.
-
وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ
-
٧/١٤٧/١٤
عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ رضي الله عنه إلَى مَكَّةَ، وَوَلَّاهُ أَمْرَهَا، رَزَقَهُ أَرْبَعَمِائَةَ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ عَامٍ» .
-
وَرُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ رضي الله عنهم أَجَرُوا لِسَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا وَثُلُثًا أَوْ ثُلُثَيْنِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ،
-
وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لِسَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه كُلَّ يَوْمٍ قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ، وَرَزَقَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رضي الله عنه شُرَيْحًا، وَرُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا فَرَضَ لَهُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ؛
-
لِأَنَّ الْأَخْذَ بِحُكْمِ الْحَاجَةِ،
-
وَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحِلُّ لَهُ الْأَخْذُ، وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ.
-
أَمَّا الْحِلُّ؛ فَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ كِفَايَتُهُ عَلَيْهِمْ لَا مِنْ طَرِيقِ الْأَجْرِ وَأَمَّا الْأَفْضَلِيَّةُ؛ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ فَرُبَّمَا يَجِيءُ بَعْدَهُ قَاضٍ مُحْتَاجٌ، وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ سُنَّةً وَرَسْمًا، فَتَمْتَنِعُ السَّلَاطِينُ عَنْ إبْطَالِ رِزْقِ الْقُضَاةِ إلَيْهِمْ - خُصُوصًا سَلَاطِينُ زَمَانِنَا - فَكَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْأَخْذِ شُحًّا بِحَقِّ الْغَيْرِ، فَكَانَ الْأَفْضَلُ هُوَ الْأَخْذُ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ إلَّا إذَا أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ؛
-
لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالتَّفْوِيضِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ كَالْوَكِيلِ،
-
وَلَوْ اسْتَخْلَفَ تَتَوَقَّفُ قَضَايَا خَلِيفَتِهِ عَلَى إجَازَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ الْخَاصِّ، إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ فَتَصَرَّفَ،
-
وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، كَالْوَكِيلِ الْعَامِّ وَفِي آدَابِ الْقَضَاءِ وَمَا نَدَبَ الْقَاضِي إلَى فِعْلِهِ كَثْرَةً لَهَا كِتَابٌ مُفْرَدٌ هُنَاكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَنْفُذُ مِنْ الْقَضَايَا وَمَا يُنْقَضُ مِنْهَا إذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَنْفُذُ مِنْ الْقَضَايَا، وَمَا يُنْقَضُ مِنْهَا إذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: قَضَاءُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ وَقَعَ فِي فَصْلٍ فِيهِ نَصٌّ مُفَسَّرٌ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِمَّا أَنْ وَقَعَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ مِنْ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ وَالْقِيَاسِ،
-
فَإِنْ وَقَعَ فِي فَصْلٍ فِيهِ نَصٌّ مُفَسَّرٌ مِنْ الْكِتَابِ، أَوْ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، أَوْ الْإِجْمَاعِ،
-
فَإِنْ وَافَقَ قَضَاؤُهُ ذَلِكَ نَفَذَ وَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّقْضُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا قَطْعًا،
-
وَإِنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا قَطْعًا.
-
وَإِنْ وَقَعَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ،
-
وَإِمَّا أَنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ،
-
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مَحِلَّ الِاجْتِهَادِ،
-
فَإِمَّا أَنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيُّ بِهِ،
-
وَإِمَّا أَنْ كَانَ نَفْسَ الْقَضَاءِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهِدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيُّ بِهِ، فَرُفِعَ قَضَاؤُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ؛ لَمْ يَرُدَّهُ الثَّانِي، بَلْ يُنَفِّذُهُ؛ لِكَوْنِهِ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّته؛ لِمَا عُلِمَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِأَيِّ الْأَقْوَالِ الَّذِي مَالَ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ قَضَاؤُهُ مُجْمَعًا عَلَى صِحَّته،
-
فَلَوْ نَقَضَهُ إنَّمَا يَنْقُضُهُ بِقَوْلِهِ.
-
وَفِي صِحَّتِهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ مَا صَحَّ بِالِاتِّفَاقِ بِقَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَ الثَّانِي دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ بَلْ اجْتِهَادِيٌّ، وَصِحَّةُ قَضَاءِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَهُوَ إجْمَاعُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِأَيِّ وَجْهٍ اتَّضَحَ لَهُ،
-
فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ مَا مَضَى بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ؛ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُوجِبُ الْقَوْلَ بِلُزُومِ الْقَضَاءِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الِاجْتِهَادِ،
-
وَأَنْ لَا يَجُوزَ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ يَرْفَعُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَ رَأْيِ الْأَوَّلِ فَيَنْقُضُهُ،
-
ثُمَّ يَرْفَعُهُ الْمُدَّعِي إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَنْقُضُ نَقْضَهُ، وَيَقْضِي كَمَا قَضَى الْأَوَّلُ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا تَنْدَفِعَ الْخُصُومَةُ وَالْمُنَازَعَةُ أَبَدًا، وَالْمُنَازَعَةُ سَبَبُ الْفَسَادِ، وَمَا أَدَّى إلَى الْفَسَادِ فَسَادٌ.
-
فَإِنْ كَانَ رَدَّهُ الْقَاضِي الثَّانِي فَرَفَعَهُ إلَى قَاضٍ ثَالِثٍ نَفَذَ قَضَاءُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ، وَأُبْطِلَ قَضَاءُ الْقَاضِي الثَّانِي؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ، وَقَضَاءَ الثَّانِي بِالرَّدِّ بَاطِلٌ، هَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ،
-
فَإِنْ كَانَ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ فَرُفِعَتْ قَضَايَاهُ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ، بِأَنْ ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ عَلَى الْمِصْرِ - الَّذِي كَانَ فِي يَدِ الْخَوَارِجِ - فَرُفِعَتْ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ قَضَايَا قَاضِيهِمْ، لَمْ يَنْفُذْ شَيْئًا مِنْهَا، بَلْ يَنْقُضُهَا كُلَّهَا - وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ - كَبْتًا وَغَيْظًا لَهُمْ؛
-
لِيَنْزَجِرُوا عَنْ الْبَغْيِ، وَإِنْ كَانَ نَفْسُ الْقَضَاءِ مُجْتَهَدًا فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَمْ لَا كَمَا لَوْ قَضَى بِالْحَجْرِ عَلَى الْحُرِّ أَوْ قَضَى عَلَى الْغَائِبِ؟ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يُنْقَضَ قَضَاءَ الْأَوَّلِ إذَا مَالَ اجْتِهَادُهُ إلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ هُنَا لَمْ يَجُزْ بِقَوْلِ الْكُلِّ، بَلْ بِقَوْلِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَلَمْ يَكُنْ جَوَازُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلنَّقْضِ بِمِثْلِهِ.
-
بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْقَضَاءِ هُنَاكَ ثَبَتَ بِقَوْلِ الْكُلِّ، فَكَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَلَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بِقَوْلِ الْبَعْضِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا كَانَتْ مُخْتَلَفًا فِيهَا، فَالْقَاضِي بِالْقَضَاءِ يَقْطَعُ أَحَدَ الِاخْتِلَافَيْنِ، وَيَجْعَلُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ بِالْقَضَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَى جَوَازِهِ،
-
وَإِذَا كَانَ نَفْسُ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفًا فِيهِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ بِالْخِلَافِ، هَذَا إذَا كَانَ الْقَضَاءُ فِي مَحِلٍّ أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِهِ
-
٧/١٥٧/١٥
مَحِلَّ الِاجْتِهَادِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي مَحِلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا، كَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ هَلْ يَنْفُذُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَنْفُذُ؛ لِأَنَّهُ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ عِنْدَهُمَا؛ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَنْفُذُ؛
-
لِوُقُوعِ الِاتِّفَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَخَرَجَ عَنْ مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ.
-
وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ هَلْ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ؟ عِنْدَهُمَا لَا يُرْفَعُ، وَعِنْدَهُ يُرْفَعُ، فَكَانَ هَذَا الْفَصْلُ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيهِ، يُنَفِّذُ قَضَاءَهُ،
-
وَلَا يَرُدُّهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي سَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الِاجْتِهَادِ، وَصَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، لَا يُنَفِّذُ، بَلْ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ قَضَاءَ الْأَوَّلِ وَقَعَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ؛ فَكَانَ بَاطِلًا،
-
وَمِنْ مَشَايِخِنَا مِنْ فَصَّلَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ تَفْصِيلًا آخَرَ فَقَالَ: إنْ كَانَ الِاجْتِهَادُ شَنِيعًا مُسْتَنْكَرًا جَازَ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَ الْأَوَّلِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ كَوْنُهُ مَحِلَّ الِاجْتِهَادِ فَلَا مَعْنَى لِلْفَصْلِ بَيْنَ مُجْتَهِدٍ وَمُجْتَهِدٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِلثَّانِي نَقْضُ قَضَاءِ الْأَوَّلِ؛
-
لِأَنَّ قَضَاءَهُ صَادَفَ مَحِلَّ الِاجْتِهَادِ.