فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

فَصْلٌ بَيَانُ مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَمَا لَا يَصِحُّ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ١٣٬٢٦٨ إلى ١٣٬٣٦٩

  1. ٢/٢٧٧٢/٢٧٧

    وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَمَا لَا يَصِحُّ وَبَيَانُ حُكْمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَفَسَادِهَا فَنَقُولُ: لِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ شَرَائِطُ مِنْهَا.

  2. أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى مَالًا مُتَقَوِّمًا وَهَذَا عِنْدَنَا.

  3. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ وَيَصِحُّ التَّسْمِيَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسَمَّى مَالًا أَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وَهَبْت نَفْسِي لَك فَقَالَ عليه الصلاة والسلام مَا بِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَامَ رَجُلٌ وَقَالَ زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ مَا عِنْدَك؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيهَا فَقَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ مَا عِنْدِي، فَقَالَ: هَلْ مَعَك شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا فَقَالَ زَوَّجْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسَمَّى - وَهُوَ السُّورَةُ مِنْ الْقُرْآنِ لَا يُوصَفُ بِالْمَالِيَّةِ، فَدَلَّ أَنَّ كَوْنَ التَّسْمِيَةِ مَالًا لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مَالًا، فَمَا لَا يَكُونُ مَالًا لَا يَكُونُ مَهْرًا فَلَا تَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا، وقَوْله تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أَمَرَ بِتَنْصِيفِ الْمَفْرُوضِ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَقْتَضِي كَوْنَ الْمَفْرُوضِ مُحْتَمِلًا لِلتَّنْصِيفِ - وَهُوَ الْمَالُ - وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَهُوَ فِي حَدِّ الْآحَادِ وَلَا يُتْرَكُ نَصُّ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ مَا أَنَّ ظَاهِرَهُ مَتْرُوكٌ؛

  4. لِأَنَّ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ لَا تَكُونُ مَهْرًا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ،

  5. ثُمَّ تَأْوِيلُهَا زَوَّجْتُكهَا بِسَبَبِ مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ وَبِحُرْمَتِهِ وَبَرَكَتِهِ لَا أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ النِّكَاحُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ مَالٍ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ: إذَا تَزَوَّجَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى تَعْلِيمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِنْ الْأَحْكَامِ أَوْ عَلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الطَّاعَاتِ لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَنَا؛

  6. لِأَنَّ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَصِيرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَهْرًا ثُمَّ الْأَصْلُ فِي التَّسْمِيَةِ أَنَّهَا إذَا صَحَّتْ وَتَقَرَّرَتْ يَجِبُ الْمُسَمَّى ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْمُسَمَّى عَشَرَةً فَصَاعِدًا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ،

  7. وَإِنْ كَانَ دُونَ الْعَشَرَةِ تُكَمَّلُ الْعَشَرَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ.

  8. وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ مَرَّتْ وَإِذَا فَسَدَتْ التَّسْمِيَةُ أَوْ تَزَلْزَلَتْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ الْأَصْلِيَّ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ قِيمَةُ الْبُضْعِ، وَإِنَّمَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى الْمُسَمَّى إذَا صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَكَانَتْ التَّسْمِيَةُ، تَقْدِيرًا لِتِلْكَ الْقِيمَةِ،

  9. فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ أَوْ تَزَلْزَلَتْ لَمْ يَصِحَّ التَّقْدِيرُ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ التَّقْدِيرُ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ، وَلِهَذَا كَانَ الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ فِي ذَوَاتِ الْقِيَمِ لَا بِالثَّمَنِ كَذَا هَذَا، وَالنِّكَاحُ جَائِزٌ لِأَنَّ جَوَازَهُ لَا يَقِفُ عَلَى التَّسْمِيَةِ أَصْلًا، فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ رَأْسًا، فَعَدَمُ التَّسْمِيَةِ إذًا لَمْ يَمْنَعْ جَوَازَ النِّكَاحِ فَفَسَادُهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ إذَا فَسَدَتْ الْتَحَقَتْ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا، وَهُنَاكَ النِّكَاحُ صَحِيحٌ كَذَا هَذَا، وَلِأَنَّ تَسْمِيَةَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ شَرْطٌ فَاسِدٌ، وَالنِّكَاحُ لَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ

  10. بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفَسَادَ فِي بَابِ الْبَيْعِ لِمَكَانِ الرِّبَا، وَالرِّبَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي النِّكَاحِ فَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيَبْقَى النِّكَاحُ صَحِيحًا.

  11. وَعِنْدَهُ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ وَيَصِيرُ الْمَذْكُورُ مَهْرًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ بِالِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فَتَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا،

  12. وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ أُخْرَى أَوْ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِمَالٍ

  13. ٢/٢٧٨٢/٢٧٨

    وَكَذَا الْقِصَاصُ، وَعِنْدَهُ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ الطَّلَاقِ وَالْقِصَاصِ،

  14. وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا،

  15. فَإِنَّ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِمَالٍ.

  16. وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَةَ عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ، لِأَنَّ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ لَيْسَا بِمَالٍ فِي حَقِّ أَحَدٍ، وَالْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ لَيْسَا بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَلَا تَصِحُّ تَسْمِيَةُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَهْرًا، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ لِآخَرَ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ أُخْتَهُ، أَوْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ أَوْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ؛

  17. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَعَلَ بُضْعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرَ الْأُخْرَى، وَالْبُضْعُ لَيْسَ بِمَالٍ فَفَسَدَتْ التَّسْمِيَةُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِمَا قُلْنَا: وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَاسِدٌ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ» ، وَالنَّهْيُ يُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛

  18. وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَعَلَ بُضْعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ نِكَاحًا وَصَدَاقًا، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، وَلَنَا أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ مُؤَبَّدٌ أَدْخَلَ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا حَيْثُ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرَ الْأُخْرَى، وَالْبُضْعُ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا، وَالنِّكَاحُ لَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا وَعَلَى أَنْ يَنْقُلَهَا مِنْ مَنْزِلِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ النِّكَاحُ وَالصَّدَاقُ فِي بُضْعٍ وَاحِدٍ؛

  19. لِأَنَّ جَعْلَ الْبُضْعِ صَدَاقًا لَمْ يَصِحَّ.

  20. فَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ، فَنِكَاحُ الشِّغَارِ هُوَ النِّكَاحُ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: شَغَرَ الْبَلَدُ إذَا خَلَا عَنْ السُّلْطَانِ وَشَغَرَ الْكَلْبُ إذَا رَفَعَ إحْدَى رِجْلَيْهِ.

  21. وَعِنْدَنَا هُوَ نِكَاحٌ بِعِوَضٍ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ فَلَا يَكُونُ شِغَارًا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ عَنْ عَيْنِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَشْرُوعٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَلَا يُحْتَمَلُ النَّهْيُ عَنْ إخْلَاءِ النِّكَاحِ عَنْ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ بِالْمَرْأَةِ لَيْسَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ» ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَكَانِ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ لَا لِعَيْنِ النِّكَاحِ فَبَقِيَ النِّكَاحُ صَحِيحًا.

  22. وَلَوْ تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا سَنَةً، فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ

  23. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ وَلَهَا قِيمَةُ خِدْمَةِ سَنَةٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ وَلَهَا خِدْمَةُ سَنَةٍ.

  24. وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَرْعَى غَنَمَهَا سَنَةً أَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ، وَلَهَا رَعْيُ غَنَمِهَا سَنَةً، وَلَفْظُ رِوَايَةِ الْأَصْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ كَمَا لَا تَصِحُّ فِي الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ رَعْيَ غَنَمِهَا خِدْمَتُهَا، مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ جَعَلَ فِي رَعْيِ غَنَمِهَا رِوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي خِدْمَتِهِ لَهَا،

  25. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا تَزَوَّجَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى امْرَأَةً عَلَى أَنْ يَخْدِمَهَا سَنَةً أَنْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ وَلَهَا الْمُسَمَّى، أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَدْ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا، وَمَنَافِعُ الْحُرِّ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا؛

  26. لِأَنَّ إجَارَةَ الْحُرِّ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ فَتَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا كَمَا تَصِحُّ تَسْمِيَةُ مَنَافِعِ الْعَبْدِ.

  27. وَأَمَّا الْكَلَامُ مَعَ أَصْحَابِنَا، فَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مَنَافِعَ الْحُرِّ مَالٌ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ حَتَّى يَجُوزَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا فَكَذَا فِي النِّكَاحِ،

  28. وَإِذَا كَانَتْ مَالًا صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ لِمَا فِي التَّسْلِيمِ مِنْ اسْتِخْدَامِ الْحُرَّةِ زَوْجَهَا، وَأَنَّهُ حَرَامٌ لِمَا نَذْكُرُ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى قِيمَةِ الْخِدْمَةِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَاسْتَحَقَّ الْعَبْدَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْعَبْدِ قَدْ صَحَّتْ لِكَوْنِهِ مَالًا لَكِنْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِمَا قُلْنَا: كَذَا هَذَا.

  29. وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ مُتَقَوِّمَةٍ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا، وَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً بِالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ التَّقَوُّمِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ شَرْعًا ضَرُورَةً؛ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ بِهَا وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِهَا هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ، وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ شَرْعًا؛

  30. لِأَنَّ اسْتِخْدَامَ الْحُرَّةِ زَوْجَهَا الْحُرَّ حَرَامٌ؛ لِكَوْنِهِ اسْتِهَانَةً وَإِذْلَالًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَبَاهُ لِلْخِدْمَةِ فَلَا تَسْلَمُ خِدْمَتُهُ لَهَا شَرْعًا،

  31. فَلَا يُمْكِنُ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِهَا فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا التَّقَوُّمُ فَبَقِيَتْ عَلَى الْأَصْلِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ سَمَّى مَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَهُنَاكَ لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَذَا هَهُنَا حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُسَمَّى فِعْلًا لَا اسْتِهَانَةَ فِيهِ

  32. ٢/٢٧٩٢/٢٧٩

    وَلَا مَذَلَّةَ عَلَى الرَّجُلِ، كَرَعْيِ دَوَابِّهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا، وَالْأَعْمَالُ الَّتِي خَارِجُ الْبَيْتِ تَصِحُّ بِالتَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِيَامِ بِأَمْرِهَا لَا مِنْ بَابِ الْخِدْمَةِ

  33. بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ اسْتِخْدَامَ زَوْجَتِهِ إيَّاهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ؛ لِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِلِاسْتِخْدَامِ وَالِابْتِذَالِ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا مُلْحَقًا بِالْبَهَائِمِ؛ وَلِأَنَّ مَبْنَى النِّكَاحِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمَعَاشِ فَكَانَ لَهَا فِي خِدْمَتِهِ حَقٌّ،

  34. فَإِذَا جَعَلَ خِدْمَتَهُ لَهَا مَهْرَهَا، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ مَا هُوَ لَهَا مَهْرَهَا فَلَمْ يَجُزْ كَالْأَبِ إذَا اسْتَأْجَرَ ابْنَهُ بِخِدْمَتِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ الْأَبِ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ كَذَا هَذَا

  35. بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ خِدْمَتَهُ خَالِصُ مِلْكِ الْمَوْلَى فَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ.

  36. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِ سَائِرِ الْأَعْيَانِ مِنْ سُكْنَى دَارِهِ وَخِدْمَةِ عَبِيدِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ أَوْ الْتَحَقَتْ بِالْأَمْوَالِ شَرْعًا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ فِي النِّكَاحِ مُتَحَقِّقَةٌ، وَإِمْكَانُ الدَّفْعِ بِالتَّسْلِيمِ ثَابِتٌ بِتَسْلِيمِ مَحَالِّهَا إذْ لَيْسَ فِيهِ اسْتِخْدَامُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فَجُعِلَتْ أَمْوَالًا وَالْتَحَقَتْ بِالْأَعْيَانِ فَصَحَّتْ تَسْمِيَتُهَا، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ: تَزَوَّجْتُك عَلَى هَذَا الْعَبْدِ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَخْلُو أَمَّا إنْ سَمَّى مَا يَصْلُحُ مَهْرًا وَأَشَارَ إلَى مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا.

  37. وَأَمَّا إنْ سَمَّى مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا فَأَشَارَ إلَى مَا يَصْلُحُ مَهْرًا،

  38. فَإِنْ سَمَّى مَا يَصْلُحُ مَهْرًا وَأَشَارَ إلَى مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا بِأَنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُك عَلَى هَذَا الْعَبْدِ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ أَوْ عَلَى هَذِهِ الشَّاةِ الذَّكِيَّةِ،

  39. فَإِذَا هِيَ مَيْتَةٌ أَوْ عَلَى هَذَا الزِّقِّ الْخَلِّ فَإِذَا هُوَ خَمْرٌ، فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ " تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ فِي الْكُلِّ، وَعَلَيْهِ فِي الْحُرِّ قِيمَةُ الْحُرِّ لَوْ كَانَ عَبْدًا، وَفِي الشَّاةِ قِيمَةُ الشَّاةِ لَوْ كَانَتْ ذَكِيَّةً، وَفِي الْخَمْرِ مِثْلُ ذَلِكَ الدَّنِّ مِنْ خَلٍّ وَسَطٍ وَمُحَمَّدٌ فَرَّقَ فَقَالَ: مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْحُرِّ وَالْمَيْتَةِ، وَمِثْلَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي الْخَمْرِ (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُسَمَّى مَالٌ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى هُوَ الْعَبْدُ وَالشَّاةُ الذَّكِيَّةُ وَالْخَلُّ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَالٌ فَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ إلَّا أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ خِلَافَ جِنْسِ الْمُسَمَّى فِي صَلَاحِيَّةِ الْمَهْرِ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ فِي الْحُرِّ وَالشَّاةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ، وَفِي الْخَمْرِ يَجِبُ مِثْلُهُ خَلًّا؛ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ كَمَا لَوْ هَلَكَ الْمُسَمَّى أَوْ اُسْتُحِقَّ.

  40. (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْإِشَارَةَ مَعَ التَّسْمِيَةِ إذَا اجْتَمَعَتَا فِي الْعُقُودِ،

  41. فَإِنْ كَانَ الْمُشَارُ إلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ،

  42. وَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُسَمَّى هَذَا أَصْلٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي الْبُيُوعِ، وَالْحُرُّ مِنْ جِنْسِ الْعَبْدِ لِاتِّحَادِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ.

  43. وَكَذَا الشَّاةُ الْمَيْتَةُ مِنْ جِنْسِ الشَّاةِ الذَّكِيَّةِ فَكَانَتْ الْعِبْرَةُ لِلْإِشَارَةِ وَالْتَحَقَتْ التَّسْمِيَةُ بِالْعَدَمِ، وَالْمُشَارُ إلَيْهِ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا فَصَارَ كَأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِشَارَةِ وَلَمْ يُسَمِّ بِأَنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُك عَلَى هَذَا وَسَكَتَ فَأَمَّا الْخَلُّ مَعَ الْخَمْرِ فَجِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ؛ لِاخْتِلَافِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ فَتَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِالْمُسَمَّى لَكِنْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ وَهُوَ مِثْلِيٌّ فَيَجِبُ مِثْلُهُ خَلًّا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَالتَّسْمِيَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضِعَتْ لِلتَّعْرِيفِ إلَّا أَنَّ الْإِشَارَةَ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ؛

  44. لِأَنَّهَا تُحْضِرُ الْعَيْنَ وَتَقْطَعُ الشَّرِكَةَ، وَالتَّسْمِيَةُ لَا تُوجِبُ إحْضَارَ الْعَيْنِ وَلَا تَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِشَارَةِ وَبَقِيَتْ الْإِشَارَةُ، وَالْمُشَارُ إلَيْهِ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ أَشَارَ إلَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَلَمْ يُسَمِّ، وَحَقِيقَةُ الْفِقْهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا حُرٌّ سَمَّى عَبْدًا، وَتَسْمِيَةُ الْحُرِّ عَبْدًا بَاطِلٌ؛

  45. لِأَنَّهُ كَذِبٌ فَالْتَحَقَتْ التَّسْمِيَةُ بِالْعَدَمِ وَبَقِيَتْ الْإِشَارَةُ، وَالْمُشَارُ إلَيْهِ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَالْتَحَقَتْ الْإِشَارَةُ بِالْعَدَمِ أَيْضًا فَصَارَ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا، وَهَذَا فِقْهٌ وَاضِحٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا إذَا سَمَّى مَا يَصْلُحُ مَهْرًا، وَأَشَارَ إلَى مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا فَأَمَّا إذَا سَمَّى مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا، وَأَشَارَ إلَى مَا يَصْلُحُ مَهْرًا بِأَنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُك عَلَى هَذَا الْحُرِّ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ أَوْ عَلَى هَذِهِ الْمَيْتَةِ،

  46. فَإِذَا هِيَ ذَكِيَّةٌ أَوْ عَلَى هَذَا الدَّنِّ الْخَمْرِ،

  47. فَإِذَا هُوَ خَلٌّ، فَقَدْ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ فَاسِدَةٌ وَلَهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ.

  48. وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ أَنَّ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ، وَرِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَا حُكْمَ لَهَا مَعَ الْإِشَارَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ فَكَانَتْ الْعِبْرَةُ لِلْإِشَارَةِ، وَالْمُشَارُ إلَيْهِ يَصْلُحُ مَهْرًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ فَكَانَ لَهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ (وَجْهُ) مَا رَوَى مُحَمَّدٌ

  49. ٢/٢٨٠٢/٢٨٠

    عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا سَمَّى مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا، وَأَشَارَ إلَى مَا يَصْلُحُ مَهْرًا فَقَدْ هَزَلَ بِالتَّسْمِيَةِ، وَالْهَازِلُ لَا يَتَعَلَّقُ بِتَسْمِيَتِهِ حُكْمٌ فَبَطَلَ كَلَامُهُ رَأْسًا.

  50. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الدَّنِّ الْخَمْرِ، وَقِيمَةُ الظَّرْفِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهَا الدَّنَّ لَا غَيْرَ.

  51. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ (وَجْهُ) الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ سَمَّى مَا يَصْلُحُ مَهْرًا - وَهُوَ الظَّرْفُ - وَمَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا وَهُوَ الْخَمْرُ فَيَلْغُو مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْخَلِّ وَالْخَمْرِ، وَقِيمَةُ الْخَلِّ عَشَرَةٌ أَنَّهُ يَكُونُ لَهَا الْخَلُّ لَا غَيْرَ؛

  52. لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا (وَجْهُ) الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الظَّرْفَ لَا يُقْصَدُ بِالْعَقْدِ عَادَةً بَلْ هُوَ تَابِعٌ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ الْمَظْرُوفُ فَإِذَا بَطَلَتْ التَّسْمِيَةُ فِي الْمَقْصُودِ تَبْطُلُ فِيمَا هُوَ تَبَعٌ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْعَبْدُ الْبَاقِي إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهَا الْعَبْدُ وَقِيمَةُ الْحُرِّ لَوْ كَانَ عَبْدًا.

  53. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُنْظَرُ إلَى الْعَبْدِ إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مَهْرَ مِثْلِهَا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْعَبْدُ،

  54. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا تَبْلُغُ إلَى ثَمَنِ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ جَعْلَ الْحُرِّ مَهْرًا صَحِيحٌ إذَا سَمَّى عَبْدًا، وَيَتَعَلَّقُ بِقِيمَتِهِ أَنْ لَوْ كَانَ عَبْدًا فَيَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُسَمَّيَيْنِ جَمِيعًا بِقَدْرِ مَا يَحْتَمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّعْلِيقَ بِهِ، فَيَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ بِعَيْنِهِ؛

  55. لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ وَيَتَعَلَّقُ بِالْحُرِّ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِعَيْنِهِ،

  56. وَمِنْ أَصْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى، فَالْعَقْدُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ، وَالْحُرُّ مِنْ جِنْسِ الْعَبْدِ لِاتِّحَادِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ فَيَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِهِمَا إلَّا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُسَمَّى وَبَيْنَ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَا حُرَّيْنِ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَهُ،

  57. وَمَتَى وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ امْتَنَعَ وُجُوبُ الْمُسَمَّى وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحُرَّ إذَا جُعِلَ مَهْرًا وَسُمِّيَ عَبْدًا لَا يَتَعَلَّقُ بِتَسْمِيَتِهِ شَيْءٌ، وَجُعِلَ ذِكْرُهُ وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا لَا يَصْلُحُ يَلْغُو مَا لَا يَصْلُحُ وَيَسْتَقِرُّ مَا يَصْلُحُ، كَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَةٍ تَحِلُّ لَهُ وَامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ وَتَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ بِمُسَمًّى يَجِبُ كُلُّ الْمُسَمَّى بِمُقَابَلَةِ الْحَلَالِ، وَانْعِقَادُ نِكَاحِهَا صَحِيحًا لِلْعَقْدِ، وَالتَّسْمِيَةُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَتَقْرِيرًا لِلْعَقْدِ فِيمَا أَمْكَنَ تَقْرِيرُهُ وَإِلْغَاؤُهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِيهِ، وَالْعَبْدُ هُوَ الصَّالِحُ لِكَوْنِهِ مَهْرًا فَصَحَّتْ تَسْمِيَتُهُ، وَيَصِيرُ مَهْرًا لَهَا إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةً فَصَاعِدًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى بَيْتٍ وَخَادِمٍ - وَالْخَادِمُ حُرٌّ - وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَيْنِ الدَّنَّيْنِ مِنْ الْخَلِّ فَإِذَا أَحَدُهُمَا خَمْرٌ لَهَا الْبَاقِي لَا غَيْرَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ كَمَا فِي الْعَبْدَيْنِ، وَعِنْدَهُمَا لَهَا الْبَاقِي وَمِثْلُ هَذَا الدَّنِّ مِنْ الْخَلِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَصْلَ.

  58. وَلَوْ سَمَّى مَالًا وَضَمَّ إلَيْهِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَكِنْ لَهَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مِثْلُ طَلَاقِ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَإِمْسَاكِهَا فِي بَلَدِهَا أَوْ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ،

  59. فَإِنْ وَفَّى بِالْمَنْفَعَةِ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا مَا سَمَّى إذَا كَانَ يُسَاوِي عَشَرَةً فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ سَمَّى مَا يَصْلُحُ مَهْرًا بِنَفْسِهِ وَشَرَطَ لَهَا مَنْفَعَةً، وَقَدْ وَفَّى بِمَا شَرَطَ لَهَا فَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَصَارَتْ الْعَشَرَةُ مَهْرًا،

  60. وَإِنْ لَمْ يَفِ بِالْمَنْفَعَةِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا مِنْ الْمَالِ مِثْلَ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ أَكْثَرَ فَلَا شَيْءَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ،

  61. وَإِنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا تَمَّمَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ: إنْ كَانَ الْمَضْمُومُ مَالًا كَمَا إذَا شَرَطَ أَنْ يَهْدِيَ لَهَا هَدِيَّةً فَلَمْ يَفِ لَهَا تَمَّمَ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ،

  62. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالٍ كَطَلَاقِ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَأَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا مَا سَمَّى (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُتَقَوَّمُ فَلَا يَكُونُ فَوَاتُهُ مَضْمُونًا بِعِوَضٍ وَمَا هُوَ مَالٌ يُتَقَوَّمُ فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهَا جَازَ لَهَا الرُّجُوعُ إلَى تَمَامِ الْعِوَضِ، وَلَنَا أَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ،

  63. فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَّا عِنْدَ اسْتِحْكَامِ التَّسْمِيَةِ فَإِذَا وَفَّى بِالْمَنْفَعَةِ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ التَّسْمِيَةُ فَوَجَبَ الْمُسَمَّى.

  64. وَإِذَا لَمْ يَفِ بِهَا لَمْ تَتَقَرَّرْ؛ لِأَنَّهَا مَا رَضِيَتْ بِالْمُسَمَّى مِنْ الْمَالِ عِوَضًا بِنَفْسِهِ بَلْ بِمَنْفَعَةٍ أُخْرَى مَضْمُومَةٍ إلَيْهِ، وَهِيَ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى مَرْغُوبٌ فِيهَا خِلَالَ الِاسْتِيفَاءِ شَرْعًا فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهَا تَتَقَرَّرُ التَّسْمِيَةُ فَبَقِيَ حَقُّهَا فِي الْعِوَضِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ أَكْثَرَ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ؛

  65. لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهَا قَدْرُ حَقِّهَا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا يُكَمَّلُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا أَيْضًا لَا إلَى الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ فُرِّقَ

  66. ٢/٢٨١٢/٢٨١

    بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مَهْرٍ صَحِيحٍ وَأَرْطَالٍ مِنْ خَمْرٍ أَنَّ الْمَهْرَ مَا يُسَمَّى لَهَا إذَا كَانَ عَشَرَةً فَصَاعِدًا،

  67. وَيَبْطُلُ الْحَرَامُ، وَلَيْسَ لَهَا تَمَامُ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ أَكْثَرُ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهَا قَدْرُ حَقِّهَا،

  68. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا يُكَمَّلُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْخَمْرِ لَمْ تَصِحَّ فِي حَقِّ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ إذْ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمُسْلِمِ فِيهَا لِحُرْمَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ؛

  69. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ بِفَوَاتِهَا عِوَضٌ فَالْتَحَقَتْ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَدَمِ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ إلَّا الْمَهْرَ الصَّحِيحَ فَلَا يَجِبُ لَهَا إلَّا الْمَهْرُ الصَّحِيحُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.

  70. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ فَقَبِلَتْ عَتَقَتْ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِعِوَضٍ فَيَزُولُ مِلْكُهُ بِقَبُولِ الْعِوَضِ كَمَا لَوْ بَاعَهَا، وَكَمَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ حُرَّةٌ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ

  71. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِالْقَبُولِ مَا لَمْ يُؤَدِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ بَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُرِّيَّةِ بِشَرْطِ الْأَدَاءِ إلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ ثُمَّ إذَا أَعْتَقَتْ بِالْقَبُولِ فَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا إنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ وَإِمَّا إنْ أَبَتْ التَّزْوِيجَ فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ قَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا آخَرَ وَهُوَ مَالٌ سِوَى الْإِعْتَاقِ، فَلَهَا الْمُسَمَّى إذَا كَانَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا،

  72. وَإِنْ كَانَ دُونَ الْعَشَرَةِ تُكَمَّلُ عَشَرَةً،

  73. وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا سِوَى الْإِعْتَاقِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.

  74. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: صَدَاقُهَا إعْتَاقُهَا لَيْسَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ (وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ الْعِتْقَ بِمَعْنَى الْمَالِ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ بِأَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا، وَلَهُمَا أَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ بِمَالٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إبْطَالُ الْمَالِكِيَّةِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْعِتْقُ مَالًا؟

  75. إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ عِوَضٍ هُوَ مَالٌ عَنْهُ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَالًا بِنَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ.

  76. وَكَذَا الْقِصَاصُ وَأَخْذُ الْبَدَلِ عَنْهُ جَائِزٌ، وَنَفْسُ الْحُرِّ لَيْسَتْ بِمَالٍ،

  77. وَإِنْ أَبَتْ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ لَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مَلَكَتْ نَفْسَهَا فَلَا تُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ لَكِنَّهَا تَسْعَى فِي قِيمَتِهَا لِلْمَوْلَى عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ.

  78. وَقَالَ زُفَرُ: لَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا (وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ السِّعَايَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِتَخْلِيصِ الرَّقَبَةِ، وَهَذِهِ حُرَّةٌ خَالِصَةٌ فَلَا تَلْزَمُهَا السِّعَايَةُ.

  79. (وَلَنَا) أَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ رَقَبَتِهَا لَا بِنَفْعٍ يُقَابِلُهُ وَهُوَ تَزْوِيجُ نَفْسِهَا مِنْهُ، وَهَذِهِ مَنْفَعَةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا وَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ بِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا - وَهُوَ إبَاؤُهَا - فَيُقَامُ بَدَلُ قِيمَتِهَا مَقَامَهَا؛ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ.

  80. وَأَمَّا قَوْلُهُ (السِّعَايَةُ إنَّمَا تَجِبُ لِفِكَاكِ الرَّقَبَةِ وَتَخْلِيصِهَا - وَهِيَ حُرَّةٌ خَالِصَةٌ -) فَنَقُولُ: السِّعَايَةُ قَدْ تَكُونُ لِتَخْلِيصِ الرَّقَبَةِ وَهَذَا الْمُسْتَسْعَى يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ تَكُونُ لِحَقٍّ فِي الرَّقَبَةِ لَا لِفِكَاكِ الرَّقَبَةِ كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ إذَا أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ وَهُوَ مُعْسِرٌ كَمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى قِيمَةِ رَقَبَتِك فَقَبِلَ حَتَّى عَتَقَ كَذَا هَذَا وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عِتْقِ أَبِيهَا أَوْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا أَوْ عَلَى عِتْقِ عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهَا، فَهَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ ذَكَرَ فِيهِ كَلِمَةً عَنْهَا بِأَنْ قَالَ: أَتَزَوَّجُك عَلَى عِتْقِ أَبِيك عَنْك أَوْ عَلَى عِتْقِ هَذَا الْعَبْدِ عَنْك وَأَشَارَ إلَى عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهَا،

  81. وَإِمَّا أَنْ لَمْ يَذْكُرْ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ وَقَبِلَتْ عَتَقَ الْعَبْدُ، وَالْوَلَاءُ لِلزَّوْجِ لَا لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ هُوَ الزَّوْجُ «وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا آخَرَ هُوَ مَالٌ،

  82. وَإِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى فَلَهَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِقَبُولِهَا النِّكَاحَ فَإِذَا قَبِلَتْ عَتَقَ، وَالْعَبْدُ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ،

  83. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَالٌ مُسَمًّى وَجَبَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَحَّتْ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا فَوَجَبَ الْمُسَمَّى،

  84. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَتَسْمِيَتُهُ الْعِتْقَ مَهْرًا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ هَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ عَنْهَا.

  85. فَأَمَّا إذَا ذُكِرَتْ فَقَبِلَتْ عَتَقَ الْعَبْدُ عَنْهَا وَثَبَتَ الْوَلَاءُ لَهَا، وَصَارَ ذَلِكَ مَهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْعِتْقَ عَنْهَا وَلَا يَكُونُ الْعِتْقُ عَنْهَا إلَّا بَعْدَ سَبْقِ الْمِلْكِ لَهَا فَمَلَكَتْهُ أَوَّلًا ثُمَّ عَتَقَ عَنْهَا كَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ يَجُوزُ وَيَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْآخَرِ، وَحَالَ مَا مَلَكَتْهُ كَانَ مَالًا فَصَلُحَ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا، وَهَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْعِتْقِ.

  86. فَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْإِعْتَاقِ بِأَنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ فَهَذَا أَيْضًا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ ذَكَرَ فِيهِ عَنْهَا وَإِمَّا أَنْ لَمْ يَذْكُرْ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فَقَبِلَتْ صَحَّ النِّكَاحُ،

  87. وَلَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ هَهُنَا بِقَبُولِهَا؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ أَنْ يُعْتِقَ، وَالْعِتْقُ لَا يَثْبُتُ بِوَعْدِ

  88. ٢/٢٨٢٢/٢٨٢

    الْإِعْتَاقِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِعْتَاقِ فَمَا لَمْ يُعْتِقْ لَا يَعْتِقْ

  89. بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ هُنَاكَ كَانَ عَلَى الْعِتْقِ لَا عَلَى الْإِعْتَاقِ ثُمَّ إذَا أَعْتَقَهُ فَعَتَقَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهُ لَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهُ لَا مِنْهَا، وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَهْرٌ آخَرُ مُسَمًّى وَهُوَ مَالٌ،

  90. وَإِنْ كَانَ فَلَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَيْسَ بِمَالٍ، بَلْ هُوَ إبْطَالُ الْمَالِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ أَجْنَبِيًّا أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا،

  91. وَإِنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْهَا، وَيَصِيرُ الْعَبْدُ مِلْكًا لَهَا بِمُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ،

  92. ثُمَّ إنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا عَتَقَ عَلَيْهَا كَمَا مَلَكَتْهُ فَتَمْلِكُهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهَا،

  93. وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا يَصِيرُ الزَّوْجُ وَكِيلًا عَنْهَا فِي الْإِعْتَاقِ، وَمِنْهَا إذَا أَعْتَقَ كَمَا وَعَدَ فَإِنْ أَبَى لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَالِكٌ إلَّا أَنَّهُ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُسَمًّى هُوَ مَالٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَسْمِيَةَ الْإِعْتَاقِ مَهْرًا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُوجَدْ تَسْمِيَةُ شَيْءٍ آخَرَ هُوَ مَالٌ فَتَعَيَّنَ مَهْرُ الْمِثْلِ مُوجَبًا.

  94. وَإِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى لَهَا شَيْئًا آخَرَ هُوَ مَالٌ،

  95. فَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى مِثْلَ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ،

  96. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا،

  97. فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَجْنَبِيًّا فَلَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى لَا غَيْرَ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهَا شَرْطًا لَا مَنْفَعَةَ لَهَا فِيهِ فَلَا يَكُونُ غَارًّا لَهَا بِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِمَا شَرَطَ لَهَا،

  98. وَإِنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا يَبْلُغُ بِهِ تَمَامَ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا رَضِيَتْ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا بِمَا شَرَطَ وَلَمْ تَكُنْ رَاضِيَةً فَصَارَ غَارًّا لَهَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَقُلْ عَنْهَا فَأَمَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ بِأَنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ عَنْهَا فَقَبِلَتْ صَحَّ النِّكَاحُ، وَصَارَ الْعَبْدُ مِلْكًا ثُمَّ إنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا عَتَقَ عَلَيْهَا؛

  99. لِأَنَّهَا مَلَكَتْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا وَكَانَ ذَلِكَ مَهْرًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُهُ ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَيْهَا،

  100. وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا يَكُونُ الزَّوْجُ وَكِيلًا عَنْهَا بِالْإِعْتَاقِ،

  101. فَإِنْ أَعْتَقَ قَبْلَ الْعَزْلِ فَقَدْ وَقَعَ الْعِتْقُ عَنْهَا،

  102. وَإِنْ عَزَلَتْهُ فِي ذَلِكَ صَحَّ الْعَزْلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.