فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

فَصْلٌ فِي قَوْلِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ١٦٬٨٧٢ إلى ١٦٬٩٩٨

  1. ٣/١١٣٣/١١٣

    (فَصْلٌ) :

  2. أَمَّا قَوْلُهُ: أَمْرُك بِيَدِك فَالْكَلَامُ فِيهِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ هَذَا التَّفْوِيضِ، وَهُوَ جَعْلُ الْأَمْرِ بِالْيَدِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ، وَفِي بَيَانِ شَرْطِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَفِي بَيَانِ شَرْطِ بَقَائِهِ وَمَا يَبْطُلُ بِهِ وَمَا لَا يَبْطُلُ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ وَفِي بَيَانِ مَا يَصْلُحُ جَوَابَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَبَيَانُ حُكْمِهَا إذَا وُجِدَتْ أَمَّا بَيَانُ صِفَتِهِ فَهُوَ أَنَّهُ لَازِمٌ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الرُّجُوعَ عَنْهُ وَلَا نَهْيَ الْمَرْأَةِ عَمَّا جُعِلَ إلَيْهَا وَلَا فَسْخَ ذَلِكَ؛

  3. لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ وَمَنْ مَلَّكَ غَيْرَهُ شَيْئًا فَقَدْ زَالَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ الْمِلْكِ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِالرُّجُوعِ وَالنَّهْيِ وَالْفَسْخِ

  4. بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْإِيجَابَ مِنْ الْبَائِعِ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، بَلْ هُوَ أَحَدُ رُكْنَيْ الْبَيْعِ فَاحْتُمِلَ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ وُجُودِهِ لَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وَالْفَسْخَ فَكَذَا بَعْدَ إيجَابِهِ

  5. بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ تَمَامِهِ فَيَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَالرُّجُوعَ بَعْدَ إيجَابِهِ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّمْلِيكِ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَلَا يُحْتَمَلُ الرُّجُوعُ عَنْهُ.

  6. وَالْفَسْخُ كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ الْمُطْلَقَةِ

  7. بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ رَأْسًا

  8. وَكَذَلِكَ لَوْ قَامَ هُوَ عَنْ الْمَجْلِسِ لَا يَبْطُلُ الْجَعْلُ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ دَلِيلُ الْإِبْطَالِ لِكَوْنِهِ دَلِيلَ الْإِعْرَاضِ فَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ بِصَرِيحِ إبْطَالِهِ كَيْفَ يَبْطُلُ بِدَلِيلِ الْإِبْطَالِ

  9. بِخِلَافِ الْبَيْعِ إذَا أَوْجَبَ الْبَائِعُ ثُمَّ قَامَ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَبْطُلُ الْإِيجَابُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ بِصَرِيحِ الْإِبْطَالِ فَجَازَ أَنْ يَبْطُلَ بِدَلِيلِ الْإِبْطَالِ.

  10. وَأَمَّا مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْأَمْرَ بِيَدِهَا فَقَدْ خَيَّرَهَا بَيْنَ اخْتِيَارهَا نَفْسَهَا فِي التَّطْلِيقِ وَبَيْنَ اخْتِيَارهَا زَوْجَهَا، وَالتَّخْيِيرُ بِنَا فِي اللُّزُومَ.

  11. (وَأَمَّا) حُكْمُهُ فَهُوَ صَيْرُورَةُ الْأَمْرِ بِيَدِهَا فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ بِيَدِهَا فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَعْلِ، وَالْمَحِلُّ قَابِلٌ لِلْجَعْلِ فَيَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا.

  12. (وَأَمَّا) شَرْطُ صَيْرُورَةِ الْأَمْرِ بِيَدِهَا فَشَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا نِيَّةُ الزَّوْجِ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ.

  13. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إيقَاعَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ، فَكَيْفَ يَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ؟ حَتَّى لَوْ قَالَ الزَّوْجُ مَا أَرَدْتُ بِهِ الطَّلَاقَ يُصَدَّقُ وَلَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ إلَّا إذَا كَانَ الْحَالُ حَالَ الْغَضَبِ وَالْخُصُومَةِ أَوْ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ.

  14. لِأَنَّ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ ظَاهِرًا فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْعُدُولِ عَنْ الظَّاهِرِ،

  15. فَإِنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ ادَّعَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ أَوْ فِي حَالِ ذِكْرِ الطَّلَاقِ وَهُوَ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي عَلَيْهِ الطَّلَاقَ وَهُوَ يُنْكِرُ فَإِنْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ أَوْ ذِكْرِ الطَّلَاقِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهَا؛

  16. لِأَنَّ حَالَ الْغَضَبِ وَذِكْرَ الطَّلَاقِ يَقِفُ الشُّهُودَ عَلَيْهَا وَيَتَعَلَّقُ عِلْمُهُمْ بِهَا فَكَانَتْ شَهَادَتُهُمْ عَنْ عِلْمٍ بِالْمَشْهُودِ بِهِ فَتُقْبَلُ،

  17. وَلَوْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ نَوَى الطَّلَاقَ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا وُقُوفَ لِلشُّهُودِ عَلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ فِي الْقَلْبِ فَكَانَتْ هَذِهِ شَهَادَةً لَا عَنْ عِلْمٍ بِالْمَشْهُودِ بِهِ فَلَمْ تُقْبَلْ.

  18. وَالثَّانِي عِلْمُ الْمَرْأَةِ بِجَعْلِ الْأَمْرِ بِيَدِهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ أَوْ حَاضِرَةٌ لَمْ تَسْمَعْ لَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا مَا لَمْ تَسْمَعْ أَوْ يَبْلُغْهَا الْخَبَرُ لِأَنَّ مَعْنَى صَيْرُورَةِ الْأَمْرِ بِيَدِهَا فِي الطَّلَاقِ هُوَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهَا وَهُوَ اخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا بِالطَّلَاقِ أَوْ زَوْجَهَا بِتَرْكِ الطَّلَاقِ اخْتِيَارَ الْإِيثَارِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالتَّخْيِيرِ فَإِذَا عَلِمَتْ بِالتَّخْيِيرِ صَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ عَلِمَتْ إنْ كَانَ التَّفْوِيضُ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ وَعَلِمَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوَقْتِ صَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا.

  19. فَأَمَّا إذَا عَلِمَتْ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ كُلِّهِ لَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا بِهَذَا التَّفْوِيضِ أَبَدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ؛ لِأَنَّ التَّفْوِيضَ الْمُؤَقَّتَ بِوَقْتٍ يَنْتَهِي عِنْدَ انْتِهَاءِ الْوَقْتِ فَلَوْ صَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَصَارَ مِنْ غَيْرِ تَفْوِيضِهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

  20. (وَأَمَّا) بَيَانُ شَرْطِ بَقَاءِ هَذَا الْحُكْمِ وَمَا يَبْطُلُ بِهِ وَمَا لَا يَبْطُلُ فَلَنْ يُمْكِنَ مَعْرِفَتُهُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ جَعْلُ الْأَمْرِ بِالْيَدِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا،

  21. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ،

  22. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ وَالْمُنَجَّزُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا،

  23. فَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا بِأَنْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِك فَشَرْطُ بَقَاءِ حُكْمِهِ بَقَاءُ الْمَجْلِسِ وَهُوَ مَجْلِسُ عِلْمِهَا بِالتَّفْوِيضِ فَمَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا فَالْأَمْرُ بِيَدِهَا؛ لِأَنَّ جَعْلَ الْأَمْرِ بِيَدِهَا تَمْلِيكُ الطَّلَاقِ مِنْهَا لِأَنَّهُ جَعَلَ أَمَرَهَا فِي الطَّلَاقِ بِيَدِهَا تَتَصَرَّفُ فِيهِ بِرَأْيِهَا وَتَدْبِيرِهَا كَيْفَ

  24. ٣/١١٤٣/١١٤

    شَاءَتْ بِمَشِيئَةِ الْإِيثَارِ وَهَذَا مَعْنَى الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ عَنْ مَشِيئَةِ الْإِيثَارِ.

  25. وَالزَّوْجُ يَمْلِكُ التَّطْلِيقَ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ تَمْلِيكَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَصَارَتْ مَالِكَةً لِلطَّلَاقِ بِتَمْلِيكِ الزَّوْجِ، وَجَوَابُ التَّمْلِيكِ مُقَيَّدٌ بِالْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الْخِطَابَ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ خَاطَبَ غَيْرَهُ يَطْلُبُ جَوَابَ خِطَابِهِ فِي الْمَجْلِسِ فَيَتَقَيَّدُ جَوَابُ التَّمْلِيكِ بِالْمَجْلِسِ كَمَا فِي قَبُولِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ قَصُرَ الْمَجْلِسُ أَوْ طَالَ؛

  26. لِأَنَّ سَاعَاتِ الْمَجْلِسِ جُعِلَتْ كَسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمَجْلِسِ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّأَمُّلِ وَالتَّفَكُّرِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَلَا ضَابِطَ لَهُ إلَّا الْمَجْلِسَ فَقُدِّرَ بِالْمَجْلِسِ وَلِهَذَا جَعَلَهُ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم لَلْمُخَيَّرَةِ فَيَبْقَى الْأَمْرُ فِي يَدِهَا مَا بَقِيَ الْمَجْلِسُ فَإِنْ قَامَتْ عَنْ مَجْلِسِهَا بَطَلَ؛

  27. لِأَنَّ الزَّوْجَ يَطْلُبُ جَوَابَ التَّمْلِيكِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْقِيَامُ عَنْ الْمَجْلِسِ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ عَنْ جَوَابِ التَّمْلِيكِ فَكَانَ رَدًّا لِلتَّمْلِيكِ دَلَالَةً؛ وَلِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا طَلَبَ الْجَوَابَ فِي الْمَجْلِسِ لَا يَمْلِكُ الْجَوَابَ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ مَا مَلَّكَهَا فِي غَيْرِهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ بِالْقِيَامِ فَلَمْ يَكُنْ فِي بَقَاءِ الْأَمْرِ فَائِدَةٌ فَيَبْطُلُ،

  28. وَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ مِنْهَا قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى إعْرَاضِهَا عَنْ الْجَوَابِ بِأَنْ دَعَتْ بِطَعَامٍ لِتَأْكُلَ أَوْ أَمَرَتْ وَكِيلَهَا بِشَيْءٍ أَوْ خَاطَبَتْ إنْسَانًا بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ كَانَتْ قَائِمَةً فَرَكِبَتْ أَوْ رَاكِبَةً فَانْتَقَلَتْ إلَى دَابَّةٍ أُخْرَى أَوْ وَاقِفَةً فَسَارَتْ أَوْ امْتَشَطَتْ أَوْ اغْتَسَلَتْ أَوْ مَكَّنَتْ زَوْجَهَا حَتَّى وَطِئَهَا أَوْ اشْتَغَلَتْ بِالنَّوْمِ؛

  29. لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْجَوَابِ وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً أَوْ كَانَا فِي مَحْمَلٍ وَاحِدٍ فَإِنْ أَجَابَتْ عَلَى الْفَوْرِ وَإِلَّا بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ بِتَسْيِيرِ الرَّاكِبِ،

  30. وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً فَوَقَفَتْ الدَّابَّةُ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي سَفِينَةٍ فَسَارَتْ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْبَيْتِ؛ وَكُلُّ مَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ إذَا كَانَتْ فِي الْبَيْتِ يَبْطُلُ بِهِ إذَا كَانَتْ فِي السَّفِينَةِ وَمَا لَا فَلَا فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَقَعَدَتْ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا

  31. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ قَاعِدَةً فَقَامَتْ؛ لِأَنَّ الْقُعُودَ يَجْمَعُ الرَّأْيَ وَالْقِيَامَ يُفَرِّقُهُ فَكَانَ الْقُعُودُ دَلِيلَ إرَادَةِ التَّأَمُّلِ، وَالْقِيَامُ دَلِيلَ إرَادَة الْإِعْرَاضِ

  32. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ مُتَّكِئَةً فَقَعَدَتْ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا لِمَا قُلْنَا فَإِنْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةً يَبْطُلُ خِيَارُهَا لِأَنَّ الْمُتَّكِئَ يَقْعُدُ لِيَجْتَمِعَ رَأْيُهُ فَأَمَّا الْقَاعِدُ فَلَا يَتَّكِئُ لِذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَمِّلَ يَنْتَقِلُ مِنْ الِاتِّكَاءِ إلَى الْقُعُودِ مِرَّةً وَمِنْ الْقُعُودِ إلَى الِاتِّكَاءِ أُخْرَى، وَقَدْ صَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا بِيَقِينٍ فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ؛

  33. فَلَوْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَاضْطَجَعَتْ يَبْطُلُ خِيَارُهَا فِي قَوْلِ زُفَرَ.

  34. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْطُلُ كَمَا قَالَ زُفَرُ وَإِنْ ابْتَدَأَتْ الصَّلَاةَ بَطَلَ خِيَارُهَا فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا أَوْ وَاجِبَةً؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَهَا بِالصَّلَاةِ إعْرَاضٌ عَنْ الْجَوَابِ فَإِنْ خَيَّرَهَا وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ فَأَتَمَّتْهَا فَإِنْ كَانَتْ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ أَوْ الْوَاجِبِ كَالْوِتْرِ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ الصَّلَاةِ؛

  35. لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ فِي الْإِتْمَامِ لِكَوْنِهَا مَمْنُوعَةً مِنْ الْإِفْسَادِ فَلَا يَكُونُ الْإِتْمَامُ دَلِيلَ الْإِعْرَاضِ وَإِنْ كَانَتْ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فَإِنْ سَلَّمَتْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا وَإِنْ زَادَتْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الشَّفْعِ بِمَنْزِلَةِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ ابْتِدَاءً،

  36. وَلَوْ أُخْبِرَتْ وَهِيَ فِي الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ فَأَتَمَّتْ وَلَمْ تُسَلِّمْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَبْطُلُ خِيَارُهَا كَمَا فِي التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ.

  37. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَبْطُلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْوَاجِبِ فَكَانَتْ مَنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا صَلَاةً وَاحِدَةً،

  38. وَلَوْ أَخَذَ الزَّوْجُ بِيَدِهَا فَأَقَامَهَا بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهَا إنْ قَدَرَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ فَلَمْ تَمْتَنِعْ فَقَدْ قَامَتْ بِاخْتِيَارِهَا وَهُوَ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ.

  39. وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَنْ تَمْتَنِعَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقُولَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ اخْتَرْتُ نَفْسِي فَلَمَّا لَمْ تَقُلْ فَقَدْ أَعْرَضَتْ عَنْ الْجَوَابِ فَإِنْ أَكَلَتْ طَعَامًا يَسِيرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَدْعُوَ بِطَعَامٍ أَوْ شَرِبَتْ شَرَابًا قَلِيلًا أَوْ نَامَتْ قَاعِدَةً أَوْ لَبِسَتْ ثَوْبًا وَهِيَ قَائِمَةٌ أَوْ لَبِسَتْ وَهِيَ قَاعِدَةٌ وَلَمْ تَقُمْ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا؛

  40. لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى إحْضَارِ الشُّهُودِ فَتَحْتَاجُ إلَى اللُّبْسِ لِتَسْتَتِرَ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْخِيَارِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ، وَالْأَكْلُ الْيَسِيرُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ

  41. وَكَذَا النَّوْمُ قَاعِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَشْتَغِلَ بِهِ.

  42. وَكَذَا إذَا سَبَّحَتْ أَوْ قَرَأَتْ شَيْئًا قَلِيلًا لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا لِأَنَّ التَّسْبِيحَ الْيَسِيرَ وَالْقِرَاءَةَ الْقَلِيلَةَ لَا يَدُلَّانِ عَلَى الْإِعْرَاضِ؛ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانِ لَا يَخْلُو عَنْ التَّسْبِيحِ الْقَلِيلِ وَالْقِرَاءَةِ الْقَلِيلَةِ،

  43. فَلَوْ جُعِلَ ذَلِكَ مُبْطِلًا لِلْخِيَارِ لَانْسَدَّ بَابُ التَّفْوِيضِ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ بَطَلَ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الطَّوِيلَ مِنْهُ يَكُونُ دَلِيلَ الْإِعْرَاض وَلَا يَكْثُرُ

  44. ٣/١١٥٣/١١٥

    وُجُودُهُ، فَإِنْ قَالَتْ: اُدْعُ لِي شُهُودًا أُشْهِدُهُمْ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ صِيَانَةً لِاخْتِيَارِهَا عَنْ الْجُحُودِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْخِيَارِ فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلَ الْإِعْرَاضِ،

  45. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَتْ: اُدْعُ لِي أَبِي أَسْتَشِيرُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَحْتَاجُ إلَى الْمَشُورَةِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَمَّا أَرَادَ تَخْيِيرَ نِسَائِهِ قَالَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها : إنِّي أَعْرِضُ عَلَيْك أَمْرًا فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْك» ،

  46. وَلَوْ كَانَتْ الْمَشُورَةُ مُبْطِلَةً لِلْخِيَارِ لَمَا نَدَبَهَا إلَى الْمَشُورَةِ،

  47. وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُك أَوْ قَالَتْ: لَا أَخْتَارُ الطَّلَاقَ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا؛ لِأَنَّهَا صَرَّحَتْ بِرَدِّ التَّمْلِيكِ وَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِدَلَالَةِ الرَّدِّ فَبِالصَّرِيحِ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّمْلِيكُ بِكَلِمَةِ كُلَّمَا أَوْ بِدُونِهَا بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك كُلَّمَا شِئْت لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اخْتِيَارَهَا زَوْجَهَا رَدُّ التَّمْلِيكِ فَيَرْتَدُّ مَا جُعِلَ إلَيْهَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ هَذَا إذَا كَانَ التَّفْوِيضُ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُوَقَّتًا فَإِنْ أَطْلَقَ الْوَقْتَ بِأَنْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ إذَا شِئْتِ أَوْ إذَا مَا شِئْتِ أَوْ مَتَى مَا شِئْتِ أَوْ حَيْثُمَا شِئْتِ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ وَغَيْرِ الْمَجْلِسِ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ حَتَّى لَوْ رَدَّتْ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ رَدًّا.

  48. وَلَوْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا أَوْ أَخَذَتْ فِي عَمَلٍ آخَرَ أَوْ كَلَامٍ آخَرَ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّهُ مَا مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ مُطْلَقًا لِيَكُونَ طَالِبًا جَوَابَهَا فِي الْمَجْلِسِ، بَلْ مَلَّكَهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَتْ، فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَتْ إلَّا أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً لِمَا نَذْكُرُ فَإِنْ وَقَّتَهُ بِوَقْتٍ خَاصٍّ بِأَنْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً أَوْ قَالَ: الْيَوْمَ أَوْ الشَّهْرَ أَوْ السَّنَةَ أَوْ قَالَ: هَذَا الْيَوْمَ أَوْ هَذَا الشَّهْرَ أَوْ هَذِهِ السَّنَةَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ وَلَهَا الْأَمْرُ فِي الْوَقْتِ كُلِّهِ تَخْتَارُ نَفْسَهَا فِيمَا شَاءَتْ مِنْهُ،

  49. وَلَوْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا أَوْ تَشَاغَلَتْ بِغَيْرِ الْجَوَابِ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا مَا بَقِيَ الْوَقْتُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهَا فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ الْوَقْتُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ بَطَلَ الْأَمْرُ بِإِعْرَاضِهَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّوْقِيتِ فَائِدَةٌ، وَكَانَ الْوَقْتُ وَغَيْرُ الْوَقْتِ سَوَاءً غَيْرَ أَنَّهُ إنْ ذَكَرَ الْيَوْمَ أَوْ الشَّهْرَ أَوْ السَّنَةَ مُنْكِرًا فَلَهَا الْأَمْرُ مِنْ السَّاعَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيهَا إلَى مِثْلِهَا مِنْ الْغَدِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ؛

  50. لِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى يَوْمٍ تَامٍّ وَشَهْرٍ تَامٍّ وَسَنَةٍ تَامَّةٍ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِمَا قُلْنَا.

  51. وَيَكُونُ الشَّهْرُ هَهُنَا بِالْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ التَّفْوِيضَ إذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْأَهِلَّةِ فَيُعْتَبَرُ بِالْأَيَّامِ وَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُعَرَّفًا فَلَهَا الْخِيَارُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ وَفِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ وَفِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ مِنْهُ يَقَعُ عَلَى الْبَاقِي وَيُعْتَبَرُ الشَّهْرُ هَهُنَا بِالْهِلَالِ؛

  52. لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّهْرِ هُوَ الْهِلَالُ، وَالْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ،

  53. وَلَا ضَرُورَةَ هَهُنَا، وَلَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي الْوَقْتِ مَرَّةً لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي الْوَقْتَ وَلَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ،

  54. وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت زَوْجِي أَوْ قَالَتْ: لَا أَخْتَارُ الطَّلَاقَ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ حَتَّى لَا تَمْلِكَ أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ بَقِيَ الْوَقْتُ.

  55. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفُ يَبْطُلُ خِيَارُهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَا يَبْطُلُ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، وَذُكِرَ فِي بَعْضِهَا الِاخْتِلَافُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ.

  56. وَجْهُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ بِيَدِهَا فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ، فَإِعْرَاضُهَا فِي بَعْضِ الْوَقْتِ لَا يُبْطِلُ خِيَارَهَا فِي الْجَمِيعِ كَمَا إذَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا أَوْ اشْتَغَلَتْ بِأَمْرٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ.

  57. وَجْهُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا أَنَّ قَوْلَهَا: اخْتَرْتُ زَوْجِي رَدٌّ لِلتَّمْلِيكِ.

  58. وَالتَّمْلِيكُ تَمْلِيكٌ وَاحِدٌ فَيَبْطُلُ بِرَدٍّ وَاحِدٍ كَتَمْلِيكِ الْبَيْعِ

  59. بِخِلَافِ الْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَدٍّ حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ امْتِنَاعٌ مِنْ الْجَوَابِ إلَّا أَنَّهُ جُعِلَ رَدًّا فِي التَّفْوِيضِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْوَقْتِ ضَرُورَةَ أَنَّ الزَّوْجَ طَلَبَ الْجَوَابَ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْمَجْلِسُ يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ فَلَوْ بَقِيَ الْأَمْرُ بَقِيَ خَالِيًا عَنْ الْفَائِدَةِ فَبَطَلَ ضَرُورَةُ عَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْبَقَاءِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ مُنْعَدِمَةٌ هَهُنَا؛

  60. لِأَنَّ الزَّوْجَ طَلَبَ مِنْهَا الْجَوَابَ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ لَا فِي الْمَجْلِسِ فَكَانَ فِي بَقَاءِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ فَائِدَةٌ فَيَبْقَى؛ وَلِأَنَّ الزَّوْجَ خَيَّرَهَا بَيْنَ أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا وَلَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ فَكَذَا إذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِك هَذَا الْيَوْمَ كَانَ عَلَى مَجْلِسِهَا؛

  61. لِأَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ جَعَلَ الْيَوْمَ كُلَّهُ ظَرْفًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ عُمْرِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَوْمُ جَمِيعِ عُمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ عُمْرَهُ ظَرْفًا لِلصَّوْمِ،

  62. فَإِذَا صَارَ الْيَوْمُ كُلُّهُ ظَرْفًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي جُعِلَ جُزْءًا مِنْ الْيَوْمِ ظَرْفًا كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ فِي عُمْرِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا صَوْمُ يَوْمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ جُزْءًا مِنْ عُمْرِهِ ظَرْفًا لِلصَّوْمِ،

  63. وَإِذَا صَارَ جُزْءًا مِنْ الْيَوْمِ ظَرْفًا لِلْأَمْرِ وَلَيْسَ جُزْءٌ أَوْلَى مِنْ جُزْءٍ فَيَخْتَصُّ

  64. ٣/١١٦٣/١١٦

    بِالْمَجْلِسِ، وَلَوْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِك إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ صَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ،

  65. وَلَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ وَالِاشْتِغَالِ بِتَرْكِ الْجَوَابِ وَهَلْ يَبْطُلُ بِاخْتِيَارِهَا زَوْجَهَا؟ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا.

  66. وَأَمَّا التَّفْوِيضُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ،

  67. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا،

  68. فَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا بِأَنْ قَالَ: إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَمْرُكِ بِيَدِك فَقَدِمَ فُلَانٌ فَالْأَمْرُ بِيَدِهَا إذَا عَلِمَتْ فِي مَجْلِسِهَا الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَ الشَّرْطِ فَيَصِيرُ قَائِلًا عِنْدَ الْقُدُومِ أَمْرُك بِيَدِك فَإِذَا عَلِمَتْ بِالْقُدُومِ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهَا.

  69. وَإِنْ مُوَقَّتًا بِأَنْ قَالَ: إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَمْرُك بِيَدِك يَوْمًا أَوْ قَالَ: الْيَوْمُ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ،

  70. فَإِذَا قَدِمَ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كُلِّهِ إذَا عَلِمَتْ بِالْقُدُومِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ الْيَوْمَ مُنَكَّرًا يَقَعُ عَلَى يَوْمٍ تَامٍّ.

  71. بِأَنْ قَالَ: إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَمْرُك بِيَدِك يَوْمًا.

  72. وَإِنْ عَرَّفَهُ يَقَعُ عَلَى بَقِيَّةِ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ وَلَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ.

  73. وَهَلْ يَبْطُلُ بِاخْتِيَارِهَا زَوْجَهَا؟ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فِي الْوَقْتِ كُلِّهِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً لِمَا بَيَّنَّا،

  74. وَلَوْ لَمْ تَعْلَمْ بِقُدُومِهِ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ ثُمَّ عَلِمَتْ فَلَا خِيَارَ لَهَا بِهَذَا التَّفْوِيضِ أَبَدًا لِمَا مَرَّ.

  75. وَأَمَّا الْمُضَافُ إلَى الْوَقْتِ؛ بِأَنْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا فَجَاءَ الْوَقْتُ؛ صَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ إلَى الْوَقْتِ فَكَذَا تَمْلِيكُهُ وَكَانَ عَلَى مَجْلِسِهَا مِنْ أَوَّلِ الْغَدِ وَرَأْسِ الشَّهْرِ وَأَوَّلِ الْغَدِ مِنْ حِينِ يَطْلُعُ الْفَجْرُ الثَّانِي وَرَأْسُ الشَّهْرِ لَيْلَةَ الْهِلَالِ وَيَوْمَهَا،

  76. وَإِنْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِك إذَا هَلَّ الشَّهْرُ يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا سَاعَةَ يَهُلُّ الْهِلَالُ وَيَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ.

  77. وَلَوْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا، أَوْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ فَلَهَا الْأَمْرُ فِي الْيَوْمَيْنِ تَخْتَارُ نَفْسَهَا فِي أَيِّهِمَا شَاءَتْ،

  78. وَلَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْوَقْتَيْنِ.

  79. وَهَلْ يَبْطُلُ بِاخْتِيَارِهَا زَوْجَهَا؟ فَهُوَ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ الِاخْتِلَافِ،

  80. وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا الْيَوْمَ فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا بَعْدَ غَدٍ،

  81. وَكَذَلِكَ إذَا رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا بَطَلَ أَمْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَانَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا بَعْدَ غَدٍ حَتَّى كَانَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا بَعْدَ غَدٍ، ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَنَسَبَ الْقَوْلَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَذَكَرَهَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاخْتِلَافَ.

  82. وَالْوَجْهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ بِيَدِهَا فِي وَقْتَيْنِ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا وَقْتًا لَا خِيَارَ لَهَا فِيهِ فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَقْتَيْنِ شَيْئًا مُنْفَصِلًا عَنْ صَاحِبِهِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ فِي الْأَمْرِ مُفْرَدًا بِهِ فَيَتَعَدَّدُ التَّفْوِيضُ مَعْنًى كَأَنَّهُ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَأَمْرُك بِيَدِك بَعْدَ غَدٍ فَرَدُّ الْأَمْرِ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ رَدًّا فِي الْآخَرِ

  83. بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِك الْيَوْمَ أَوْ الشَّهْرَ أَوْ السَّنَةَ أَوْ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا أَوْ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: يَبْطُلُ الْأَمْرُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الزَّمَانَ وَاحِدٌ لَا يَتَخَلَّلُهُ مَا لَا خِيَارَ لَهَا فِيهِ، فَكَانَ التَّفْوِيضُ وَاحِدًا فَرَدُّ الْأَمْرِ فِيهِ يُبْطِلُهُ،

  84. وَلَوْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَأَمْرُك بِيَدِك غَدًا فَهُمَا أَمْرَانِ حَتَّى لَوْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا الْيَوْمَ أَوْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهَا غَدًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَرَّرَ اللَّفْظَ فَقَدْ تَعَدَّدَ التَّفْوِيضُ، فَرَدُّ أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ رَدًّا لِلْآخَرِ،

  85. وَلَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي الْيَوْمِ فَطَلُقَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْتَارَ فَلَهَا ذَلِكَ، وَتَطْلُقُ أُخْرَى إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ التَّفْوِيضَيْنِ طَلَاقًا، فَالْإِيقَاعُ بِأَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِيقَاعِ بِالْآخَرِ،

  86. وَلَوْ قَالَ: لَهَا أَمْرُك بِيَدِك هَذِهِ السَّنَةَ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.

  87. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَلْزَمَهَا الطَّلَاقُ فِي الْخِيَارِ الثَّانِي وَلَسْت أَرْوِي هَذَا عَنْهُ، وَلَكِنْ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ،

  88. وَلَوْ كَانَ تَرَكَ الْقِيَاسَ وَاسْتَحْسَنَ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا،

  89. وَلَوْ لَمْ تَخْتَرْ نَفْسَهَا وَلَا زَوْجَهَا، وَلَكِنَّ الزَّوْجَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَلَا خِيَارَ لَهَا فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهَا الْخِيَارُ (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الزَّوْجَ تَصَرَّفَ فِيمَا فَوَّضَ إلَيْهَا فَيَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا كَالْمُوَكِّلِ إذَا بَاعَ مَا وُكِّلَ بِبَيْعِهِ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ جَعْلَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُهُ مَا دَامَ طَلَاقُ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ قَائِمًا كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ، وَقَوْلُهُ: الزَّوْجُ تَصَرَّفَ فِيمَا فَوَّضَ إلَيْهَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَلَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهَا إلَّا وَاحِدَةً فَيَقْتَضِي خُرُوجَ الْمُفَوَّضِ مِنْ يَدِهِ لَا غَيْرُ، كَمَا إذَا وَكَّلَ إنْسَانًا يَبِيعُ ثَوْبَيْنِ لَهُ فَبَاعَ الْمُوَكَّلُ أَحَدَهُمَا لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا.

  90. (وَأَمَّا) بَيَانُ صِفَةِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالتَّفْوِيضِ:

  91. فَمِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ حَتَّى تَمْلِكَ رَدَّهُ صَرِيحًا أَوْ

  92. ٣/١١٧٣/١١٧

    دَلَالَةً لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ جَعْلَ الْأَمْرِ بِيَدِهَا تَخْيِيرٌ لَهَا بَيْنَ أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا، وَالتَّخْيِيرُ يُنَافِي اللُّزُومَ وَمِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا لَا يَعُودُ الْأَمْرُ إلَى يَدِهَا بِذَلِكَ الْجَعْلِ أَبَدًا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛

  93. لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَمْرُك بِيَدِك لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إلَّا إذَا قُرِنَ بِهِ مَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِأَنْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك كُلَّمَا شِئْتِ فَيَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ وَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي كُلِّ مَجْلِسٍ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً حَتَّى تَبِينَ بِثَلَاثٍ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلَّمَا تَقْتَضِي تَكْرَارَ الْأَفْعَالِ.

  94. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾

  95. وَقَالَ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ فَيُقْتَضَى تَكْرَارُ التَّمْلِيكِ عِنْدَ تَكْرَارِ الْمَشِيئَةِ إلَّا أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي كُلِّ مَجْلِسٍ إلَّا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَائِلًا لَهَا فِي كُلِّ مَجْلِسٍ: أَمْرُك بِيَدِك فَإِذَا اخْتَارَتْ فَقَدْ انْتَهَى مُوجَبُ ذَلِكَ التَّمْلِيكِ،

  96. ثُمَّ يَتَجَدَّدُ لَهَا الْمِلْكُ بِتَمْلِيكٍ آخَرَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ عِنْدَ مَشِيئَةٍ أُخْرَى إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ فَإِنْ بَانَتْ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَعَادَتْ إلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَمْلِكُ تَطْلِيقَ نَفْسِهَا بِتَمْلِيكِ الزَّوْجِ، وَالزَّوْجُ إنَّمَا مَلَّكَهَا مَا كَانَ يَمْلِكُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ إنَّمَا كَانَ يَمْلِكُ بِنَفْسِهِ طَلَقَاتِ ذَلِكَ الْمِلْكِ الْقَائِمِ لَا طَلَقَاتِ مِلْكٍ لَمْ يُوجَدْ فَمَا لَا يَمْلِكُ بِنَفْسِهِ كَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ؟

  97. وَإِنْ بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ عَادَتْ فَلَهَا أَنْ تَشَاءَ الطَّلَاقَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى تَسْتَوْفِيَ الثَّلَاثَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ التَّطْلِيقَاتِ.

  98. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ

  99. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك إذَا شِئْتِ أَوْ إذَا مَا شِئْتِ أَوْ مَتَى شِئْتِ أَوْ مَتَى مَا شِئْت أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ غَيْرِهِ لَكِنَّهَا لَا تَمْلِكُ أَنْ تَخْتَارَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً،

  100. فَإِذَا اخْتَارَتْ مَرَّةً لَا يَتَكَرَّرُ لَهَا الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إذَا وَمَتَى لَا تُفِيدُ التَّكْرَارَ وَإِنَّمَا تُفِيدُ مُطْلَقَ الْوَقْتِ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت، فَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِذَا اخْتَارَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً انْتَهَى مُوجِبُ التَّفْوِيضِ

  101. بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كُلَّمَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْأَفْعَالِ فَيَتَكَرَّرُ التَّفْوِيضُ عِنْدَ تَكْرَارِ الْمَشِيئَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

  102. وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَصْلُحُ جَوَابَ جَعْلِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَمَا لَا يَصْلُحُ وَبَيَانُ حُكْمِهِ إذَا وُجِدَ: فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا يَصْلُحُ مِنْ الْأَلْفَاظِ طَلَاقًا مِنْ الزَّوْجِ يَصْلُحُ جَوَابًا مِنْ الْمَرْأَةِ وَمَا لَا فَلَا إلَّا فِي لَفْظِ الِاخْتِيَارِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ طَلَاقًا مِنْ الزَّوْجِ وَيَصْلُحُ جَوَابًا مِنْ الْمَرْأَةِ فِي الْجُمْلَةِ

  103. بِخِلَافِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ التَّفْوِيضَ مِنْ الزَّوْجِ تَمْلِيكُ الطَّلَاقِ مِنْهَا، فَمَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ يَمْلِكُ تَمْلِيكَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَا لَا فَلَا هَذَا هُوَ الْأَصْلُ.

  104. إذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ: إذَا قَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوْ أَبَنْتُ نَفْسِي أَوْ حَرَّمْتُ نَفْسِي يَكُونُ جَوَابًا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ أَتَى بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ كَانَ طَلَاقًا.

  105. وَكَذَا إذَا قَالَتْ: أَنَا مِنْك بَائِنٌ أَوْ أَنَا عَلَيْك حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ مِنِّي بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَانَ طَلَاقًا.

  106. وَكَذَا إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ مِنِّي بَائِنٌ أَوْ أَنْتَ عَلَيَّ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ لَهَا ذَلِكَ كَانَ طَلَاقًا،

  107. وَلَوْ قَالَتْ: أَنَا بَائِنٌ وَلَمْ تَقُلْ مِنْكَ أَوْ قَالَتْ أَنَا حَرَامٌ وَلَمْ تَقُلْ عَلَيْكَ فَهُوَ جَوَابٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ، وَلَمْ يَقُلْ مِنِّي وَعَلَيَّ كَانَ طَلَاقًا،

  108. وَلَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ بَائِنٌ وَلَمْ تَقُلْ مِنِّي أَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ حَرَامٌ وَلَمْ تَقُلْ عَلَيَّ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنَا بَائِنٌ أَوْ أَنَا حَرَامٌ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا،

  109. وَلَوْ قَالَتْ: أَنَا مِنْكَ طَالِقٌ فَهُوَ جَوَابٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ مِنِّي كَانَ طَلَاقًا.

  110. وَكَذَا لَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنَا طَالِقٌ وَلَمْ تَقُلْ مِنْكَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ مِنِّي كَانَ طَلَاقًا،

  111. وَلَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ مِنِّي طَالِقٌ لَمْ يَكُنْ جَوَابًا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنَا مِنْك طَالِقٌ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ،

  112. وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي كَانَ جَوَابًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ الزَّوْجِ طَلَاقًا، وَأَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ شَرْعًا

  113. بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  114. وَأَمَّا الْوَاقِعُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَصْلُحُ جَوَابًا فَطَلَاقٌ وَاحِدٌ بَائِنٌ عِنْدَنَا إنْ كَانَ التَّفْوِيضُ مُطْلَقًا عَنْ قَرِينَةِ الطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك وَلَمْ يَنْوِ الثَّلَاثَ، أَمَّا وُقُوعُ الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّفْوِيضِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْعَدَدِ.

  115. وَأَمَّا كَوْنُهَا بَائِنَةً فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ جَوَابُ الْكِنَايَةِ، وَالْكِنَايَاتُ عَلَى أَصْلِنَا مُنْبِيَاتٌ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: أَمْرُك بِيَدِك جَعَلَ أَمْرَ نَفْسِهَا بِيَدِهَا فَتَصِيرُ عِنْدَ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا مَالِكَةَ نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مَالِكَةَ نَفْسِهَا بِالْبَائِنِ لَا بِالرَّجْعِيِّ.

  116. وَإِنْ قَرَنَ بِهِ ذِكْرَ الطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ فِي تَطْلِيقَةٍ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِيهَا لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا الصَّرِيحَ حَيْثُ

  117. ٣/١١٨٣/١١٨

    نَصَّ عَلَيْهِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا مَلَّكَهَا نَفْسَهَا وَإِنَّمَا مَلَّكَهَا التَّطْلِيقَةَ وَخَيَّرَهَا بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ عَرَفْنَا ذَلِكَ بِنَصِّ كَلَامِهِ

  118. بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَطْلَقَ فَقَدْ مَلَّكَهَا نَفْسَهَا وَلَا تَمْلِكُ نَفْسَهَا إلَّا بِالْبَائِنِ،

  119. وَلَوْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك وَنَوَى الثَّلَاثَ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا كَانَ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا مُطْلَقًا فَيُحْتَمَلُ الْوَاحِدُ وَيُحْتَمَلُ الثَّلَاثُ،

  120. فَإِذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ.

  121. وَكَذَا إذَا قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْتُ نَفْسِي وَلَمْ تَذْكُرْ الثَّلَاثَ فَهِيَ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ جَوَابُ تَفْوِيضِ الثَّلَاثِ فَيَكُونُ ثَلَاثًا.

  122. وَكَذَا إذَا قَالَتْ: أَبَنْتُ نَفْسِي أَوْ حَرَّمْتُ نَفْسِي وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَصْلُحُ جَوَابًا،

  123. وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي وَاحِدَةً أَوْ اخْتَرْتُ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ بَائِنَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى ثَلَاثًا فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا الثَّلَاثَ وَهِيَ أَتَتْ بِالْوَاحِدَةِ فَيَقَعُ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَتَكُونُ بَائِنَةً لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا نَفْسَهَا وَلَا تَمْلِكُ نَفْسَهَا إلَّا بِالْبَائِنِ،

  124. وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ فَهُوَ ثَلَاثٌ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا طَلَّقْتُ نَفْسِي وَاحِدَةً.

  125. وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا بِوَاحِدَةٍ أَيْ: بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَوَحُّدِ فِعْلِ الِاخْتِيَارِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُحْتَاجُ بَعْدَهُ إلَى اخْتِيَارٍ آخَرَ، وَانْقِطَاعُ الْعُلْقَةِ بَيْنَهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى بَيْنَهُمَا أَمْرٌ بَعْدَ ذَلِكَ.

  126. وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالثَّلَاثِ

  127. بِخِلَافِ قَوْلِهَا طَلَّقْتُ نَفْسِي وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا جَعَلَتْ التَّوَحُّدَ هُنَاكَ صِفَةَ الْمُخْتَارِ وَهُوَ الطَّلَاقُ لَا صِفَةَ فِعْلِ الِاخْتِيَارِ فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.