فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ رُكْنِ الطَّلَاقِ وبعضها يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الرُّكْنِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ١٧٬٧٧٦ إلى ١٨٬٢٣٥
-
٣/١٥٣٣/١٥٣
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الرُّكْنِ فَمِنْهَا أَنْ لَا يَلْحَقَهُ اسْتِثْنَاءٌ أَصْلًا، وَرَأْسًا سَوَاءٌ كَانَ وَضْعِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ الِاسْتِثْنَاءُ الْعُرْفِيُّ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، وَسَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الشَّرْطِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَفِي بَيَانِ مَاهِيَّةِ كُلِّ نَوْعٍ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ صِحَّتِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي
-
٣/١٥٤٣/١٥٤
الْأَصْلِ نَوْعَانِ: اسْتِثْنَاءٌ وَضْعِيٌّ، وَاسْتِثْنَاءٌ عُرْفِيٌّ أَمَّا الْوَضْعِيُّ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظٍ مَوْضُوعٍ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ كَلِمَةُ إلَّا، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا نَحْوُ سِوَى، وَغَيْرَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
-
وَأَمَّا الْعُرْفِيُّ فَهُوَ تَعْلِيقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ فِي الْوَضْعِ لِانْعِدَامِ كَلِمَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بَلْ الْمَوْجُودُ كَلِمَةُ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُمْ تَعَارَفُوا إطْلَاقَ اسْمِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ أَيْ: لَا يَقُولُونَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ مُنَاسَبَةٌ فِي مَعْنَى ظَاهِرِ لَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ الْمَنْعُ، وَالصَّرْفُ دُونَ الْحَقِيقَةِ فَأُطْلِقَ اسْمُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالَ الِاسْتِثْنَاءُ نَوْعَانِ اسْتِثْنَاءُ تَحْصِيلٍ، وَاسْتِثْنَاءُ تَعْطِيلٍ فَسُمِّيَ الْأَوَّلُ اسْتِثْنَاءَ تَحْصِيلٍ؛
-
لِأَنَّهُ تَكَلُّمٌ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثُّنْيَا، وَالثَّانِي تَعْطِيلًا لِمَا أَنَّهُ يَتَعَطَّلُ الْكَلَامُ بِهِ.
-
وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي بَيَانِ مَاهِيَّةِ كُلِّ نَوْعٍ أَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَهُوَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ هِيَ الْمُخْتَارَةُ دُونَ قَوْلِهِمْ اسْتِخْرَاجُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ الْمَلْفُوظَةِ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُسْتَثْنَى إمَّا أَنْ يَدْخُلَ بَعْدَ نَصِّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ،
-
وَإِمَّا أَنْ لَا يَدْخُلَ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِخْرَاجُ،
-
وَإِنْ دَخَلَ يَتَنَاقَضُ الْكَلَامُ؛ لِأَنَّ نَصَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يُثْبِتُ، وَنَصُّ الِاسْتِثْنَاءِ يَنْفِي، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ فِي زَمَانٍ مُثْبَتًا، وَمَنْفِيًّا، وَلِهَذَا فُهِمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ مَا ذَكَرْنَا حَتَّى يَصِيرَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: فَلَبِثَ فِيهِمْ تِسْعَمِائَةٍ، وَخَمْسِينَ عَامًا لَا مَعْنَى الْإِخْرَاجِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْخُلْفِ فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى.
-
(وَأَمَّا) النَّوْعُ الثَّانِي فَهُوَ تَعْلِيقٌ بِالشَّرْطِ إلَّا أَنَّ الشَّرْطَ إذَا كَانَ مِمَّا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَيُعْلَمُ وُجُودُهُ يَنْزِلُ الْمُعَلَّقُ عِنْدَ وُجُودِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْلَمُ لَا يَنْزِلُ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّعْلِيقِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِمَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
(وَأَمَّا) شَرْطُ صِحَّتِهِ فَلِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ شَرَائِطُ: بَعْضُهَا يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ، وَبَعْضُهَا يَخُصُّ أَحَدَهُمَا أَمَّا الَّذِي يَعُمُّهُمَا جَمِيعًا فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مَوْصُولًا بِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْكَلَامِ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ حَتَّى لَوْ حَصَلَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِسُكُوتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَا يَصِحُّ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم ، وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ،
-
وَيَصِحُّ مُتَّصِلًا، وَمُنْفَصِلًا وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَنَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» ،
-
وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ لَمَا قَالَ.
-
وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء فِي مَعْنَى التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيَانٌ ثُمَّ التَّخْصِيصُ يَصِحُّ مُقَارِنًا، وَمُتَرَاخِيًا فَكَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وَمُنْفَصِلًا، وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ كَلَامٍ تَامٍّ بِنَفْسِهِ،
-
فَإِنْ كَانَ مُبْتَدَأً، وَخَبَرًا أَنْ لَا يَقِفَ حُكْمُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْوَقْفُ عِنْدَ الْوَصْلِ لِضَرُورَةٍ، وَهِيَ ضَرُورَةُ اسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ، وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِالْمَوْصُولِ،
-
فَلَا يَقِفُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْلِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقِفْ عَلَى الشَّرْطِ الْمُنْقَطِعِ فَكَذَا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ؛ وَلِأَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوُصُولِ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ لُغَةً؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ،
-
وَمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ لَا يَعُدُّونَهُ اسْتِثْنَاءً بَلْ يَسْخَرُونَ مِنْهُ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما لَا تَكَادُ تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إمَامًا فِي اللُّغَةِ كَمَا كَانَ إمَامًا فِي الشَّرِيعَةِ.
-
وَأَمَّا التَّخْصِيصُ الْمُتَرَاخِي فَعِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لَيْسَ بِبَيَانٍ بَلْ هُوَ فَسْخٌ،
-
فَلَا يَلْزَمُ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ بَيَانٌ لَكِنَّ إلْحَاقَ الْبَيَانِ بِالْمُجْمَلِ، وَالْعَامِّ الَّذِي يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ مُتَرَاخِيًا مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّهُ كَثِيرُ النَّظِيرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل .
-
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ بِسَنَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ تَصْحِيحَ الِاسْتِثْنَاءِ فَيُحْمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْتِدْرَاكَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ قَالَ عز وجل ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ: إلَّا أَنْ تَقُولَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَنَسِيَ ذَلِكَ فَتَذَكَّرَهُ بَعْدَ سَنَةٍ فَأُمِرَ بِاسْتِدْرَاكِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ أَمْرًا، وَأَرَادَ فِي قَلْبِهِ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ فَأَظْهَرَ الِاسْتِثْنَاءَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمِثْلُ هَذَا مُعْتَادٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ،
-
فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مَعَ الِاحْتِمَالِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا كَانَ الْفَصْلُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ،.
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ لِضَرُورَةِ التَّنَفُّسِ،
-
فَلَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ فَصْلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ سَكْتَةً هَكَذَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْفَصْلِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ،
-
فَلَا يُعْتَبَرُ فَصْلًا، وَيُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْوَصْلِ لِلضَّرُورَةِ.
-
وَأَمَّا كَوْنُ الِاسْتِثْنَاءِ مَسْمُوعًا فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ؟ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ حَرَّكَ لِسَانَهُ، وَأَتَى بِحُرُوفِ الِاسْتِثْنَاءِ يَصِحُّ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا.
-
وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ شَرْطٌ،
-
وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ بِدُونِهِ وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ أَنَّ الْكَلَامَ هُوَ الْحُرُوفُ الْمَنْظُومَةُ
-
٣/١٥٥٣/١٥٥
وَقَدْ وُجِدَتْ.
-
فَأَمَّا السَّمَاعُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِكَوْنِهِ كَلَامًا فَإِنَّ الْأَصَمَّ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ،
-
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ؛ لِأَنَّ الْحُرُوفَ الْمَنْظُومَةَ،
-
وَإِنْ كَانَتْ كَلَامًا - عِنْدَ الْكَرْخِيِّ، وَعِنْدَنَا - هِيَ دَلَالَةٌ عَلَى الْكَلَامِ، وَعِبَارَةٌ عَنْهُ لَا نَفْسِ الْكَلَامِ فِي الْغَائِبِ، وَالشَّاهِدِ جَمِيعًا فَلَمْ تُوجَدْ الْحُرُوفُ الْمَنْظُومَةُ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْحُرُوفَ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الصَّوْتِ فَالْحُرُوفُ الْمَنْظُومَةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْأَصْوَاتِ الْمُتَقَطِّعَةِ بِتَقْطِيعٍ خَاصٍّ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الصَّوْتُ لَمْ تُوجَدْ الْحُرُوفُ فَلَمْ يُوجَدْ الْكَلَامُ عِنْدَهُ،
-
وَلَا دَلَالَةُ الْكَلَامِ عِنْدَنَا فَلَمْ يَكُنْ اسْتِثْنَاءً، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
-
وَأَمَّا الَّذِي يَخُصُّ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْوَضْعِيُّ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى بَعْضَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَا كُلَّهُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا،
-
وَلَا يَكُونُ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى بَعْضَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَا كُلَّهُ،؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَجْرِي مَجْرَى التَّخْصِيصِ، وَالتَّخْصِيصُ يَرِدُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ لَا عَلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ نَسْخًا لَا تَخْصِيصًا.
-
وَكَذَا الِاسْتِثْنَاءُ نَسْخُ الْحُكْمِ، وَنَسْخُ الْحُكْمِ يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَالطَّلَاقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ،
-
وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ: إنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ إنَّمَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ، وَالطَّلَاقُ مِمَّا لَا يُحْتَمَلُ الرُّجُوعُ عَنْهُ.
-
وَكَذَا الْعَتَاقُ.
-
وَكَذَا الْإِعْتَاقُ.
-
وَكَذَا الْإِقْرَارُ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَصَحَّ فِيمَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ - وَهُوَ الْوَصِيَّةُ - وَمَعَ هَذَا لَا يَصِحُّ حَتَّى لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِي إلَّا ثُلُثَ مَالِي لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ فَدَلَّ أَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ لَيْسَ لِمَكَانِ الرُّجُوعِ بَلْ لِمَا قُلْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ.
-
، وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَعَامَّةِ أَهْلِ اللُّغَةِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ بَابِ اللُّغَةِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِاسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وُضِعَ فِي الْأَصْلِ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ، وَالْغَلَطُ يَجْرِي فِي الْأَقَلِّ لَا فِي الْأَكْثَرِ، وَلَنَا أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْأَقَلِّ، وَالْأَكْثَرِ إلَّا أَنَّهُ قَلَّ اسْتِعْمَالُهُمْ الِاسْتِثْنَاءَ فِي مِثْلِهِ لِقِلَّةِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ لِقِلَّةِ وُقُوعِ الْغَلَطِ فِيهِ.
-
وَهَذَا لَا يَكُونُ مِنْهُمْ إخْرَاجًا لِلَّفْظِ مِنْ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً كَمَنْ أَكَلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ لَا يَمْتَنِعُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَكَلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ،
-
وَإِنْ كَانَ يَقِلُّ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، لَكِنْ قِلَّةُ اسْتِعْمَالِهَا لِقِلَّةِ وُجُودِ الْأَكْلِ لَا لِانْعِدَامِ مَعْنَى اللَّفْظِ حَقِيقَةً كَذَا هَذَا، وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ مَسَائِلُ هَذَا النَّوْعِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً يَقَعُ ثِنْتَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ لِكَوْنِهِ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا، وَالْبَاقِي بَعْدَ اسْتِثْنَاءِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الثَّلَاثِ ثِنْتَانِ إلَّا أَنَّ لِلثِّنْتَيْنِ اسْمَيْنِ: أَحَدَهُمَا ثِنْتَانِ، وَالْآخَرُ ثَلَاثٌ إلَّا وَاحِدَةً،
-
وَلَوْ قَالَ: إلَّا اثْنَتَيْنِ يَقَعُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا،
-
وَلَوْ قَالَ: إلَّا ثَلَاثًا وَقَعَ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ.
-
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةِ، وَبَطَلَ اسْتِثْنَاءُ الثَّالِثَةِ، وَتَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةِ اسْتِثْنَاءُ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ فَصَحَّ إلَّا أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَلَيْهِ لَجَازَ،.
-
فَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الثَّالِثَةِ فَاسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ فَلَمْ يَصِحَّ فَالْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَيَقَعُ وَاحِدَةٌ،، وَلِأَبِي حَنِيفَةً، وَمُحَمَّدٍ أَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ يَقِفُ عَلَى آخِرِهِ فَكَانَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ،
-
فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ إلَّا وَاحِدَةً، وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْكُلِّ بِحَرْفِ الْجَمْعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا ثَلَاثًا.
-
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا ثَلَاثًا يَقَعُ الثَّلَاثُ،
-
وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا كَانَ مَوْصُولًا يَقِفُ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ فَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إلَى الْكُلِّ فَبَطَلَ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَ كُلِّ جُمْلَةٍ بِحَرْفِ الْجَمْعِ فَكَانَ اسْتِثْنَاءَ الْجُمْلَةِ مِنْ الْجُمْلَةِ،
-
فَلَا يَصِحُّ، وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ إلَّا اثْنَتَيْنِ يَقَعُ ثِنْتَانِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ.
-
وَقَالَ زُفَرُ يَقَعُ ثَلَاثٌ كَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ أَيْضًا،
-
وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ،
-
وَمَتَى انْصَرَفَ إلَى مَا يَلِيهِ؛ كَانَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ،
-
فَلَا يَصِحُّ، وَلَهُمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُصَحِّحُ مَا أَمْكَنَ،
-
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مِمَّا يَلِيهِ لَبَطَلَ،
-
وَلَوْ صُرِفَ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ يَصِحُّ
-
٣/١٥٦٣/١٥٦
؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ وَاحِدَةً فَبَقِيَ مِنْ كُلِّ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٌ.
-
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ إلَّا ثَلَاثًا إنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الِاسْتِثْنَاءِ هَهُنَا؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ وَقَفَ عَلَى آخِرِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا؛
-
لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْجُمْلَتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا مِنْ كُلِّ جُمْلَةٍ تَطْلِيقَةً، وَنِصْفًا، وَهَذَا اسْتِثْنَاءُ جَمِيعِ الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ وَاحِدَةٍ، وَنِصْفٍ اسْتِثْنَاءُ ثِنْتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْبَعْضِ فِيمَا لَا يَتَبَعَّضُ ذِكْرٌ لِكُلِّهِ فَكَانَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ،
-
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ، وَزِيَادَةً،
-
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُصْرَفَ اثْنَتَانِ مِنْ الثَّلَاثِ أَوْ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ إلَى جُمْلَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ هَذَا خِلَافُ تَصَرُّفِهِ، وَإِنْشَاءُ تَصَرُّفٍ آخَرَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فَتَعَذَّرَ تَصْحِيحُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَبَطَلَ، وَالْإِشْكَالُ عَلَى الْقَسَمِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذِكْرَ الْبَعْضِ فِيمَا لَا يَتَبَعَّضُ لَا يَكُونُ ذِكْرًا لِلْكُلِّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بَلْ هُوَ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً، وَنِصْفًا يَقَعُ عَلَيْهَا ثِنْتَانِ،
-
وَلَوْ كَانَ ذِكْرُ بَعْضِ الطَّلَاقِ ذِكْرًا لِكُلِّهِ فِي الِاسْتِثْنَاءَ لَوَقَعَ عَلَيْهَا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ، وَكَانَ الْفِقْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا فَيُنْظَرُ إلَى الْبَاقِي، وَالْبَاقِي هَهُنَا تَطْلِيقَةٌ، وَنِصْفٌ، وَنِصْفُ تَطْلِيقَةٍ تَطْلِيقَةٌ كَامِلَةٌ فَيَقَعُ ثِنْتَانِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ،
-
وَإِذَا لَمْ يَصِرْ ذِكْرُ الْبَعْضِ ذِكْرًا لِلْكُلِّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ يَصِرْ مُسْتَثْنِيًا مِنْ كُلِّ جُمْلَةٍ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، وَتَلْغُو وَاحِدَةٌ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ الْكُلِّ فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ ثِنْتَانِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عِنْدَهُمَا، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إشْكَالٌ عَلَى مَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ.
-
وَرَوَى هِشَامٌ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعًا إلَّا خَمْسًا أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالصَّرْفِ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ عَلَى الشُّيُوعِ،
-
وَلَا بِالصَّرْفِ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا،
-
وَلَا يُصْرَفُ الْبَعْضُ عَيْنًا إلَى جُمْلَةٍ، وَالْبَعْضُ إلَى جُمْلَةٍ أُخْرَى لِمَا قُلْنَا، وَالْإِشْكَالُ عَلَى الْقَسَمِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
-
وَقَالَ بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ إلَّا اثْنَتَيْنِ أَنَّهُ ثَلَاثٌ -، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ -، وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا، وَالْإِشْكَالُ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا، هَذَا إذَا كَانَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
-
كَانَ شَيْئًا خِلَافَ جِنْسِهِ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ،
-
وَلَا تَطْلُقُ، وَإِنْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ الْمُسَمَّى نَحْوُ أَنْ يَقُولَ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ لَهُ نِسَاءٌ غَيْرُهُنَّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ،
-
وَلَا تُطْلَقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ، وَالْإِشَارَةُ مَعَ التَّسْمِيَةِ مُخْتَلِفَانِ لَفْظًا فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي؛ وَلِأَنَّ عِنْدَ اخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ يَكُونُ مَعْنَاهُ نِسَائِي غَيْرَ هَؤُلَاءِ طَوَالِقُ، وَهَذَا إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ،.
-
وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ الْأَرْبَعُ مَا دُونَ هَؤُلَاءِ،
-
فَإِذَا كُنَّ أَرْبَعًا لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَطْلُقْنَ كُلُّهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ اسْتِثْنَاءُ غَيْرِهِنَّ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ،
-
وَلَا نِسَاءَ لَهُ، وَهُنَاكَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيُطَلَّقْنَ كُلُّهُنَّ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: نِسَائِي إلَّا نِسَائِي طَوَالِقُ،
-
وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ طُلِّقْنَ كَذَا هَذَا.
-
وَكَذَا هَذَا فِي الْعَتَاقِ إذَا قَالَ: عَبِيدِي كُلُّهُمْ أَحْرَارٌ إلَّا عَبِيدِي لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَعَتَقُوا جَمِيعًا،
-
وَلَوْ قَالَ: عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا هَؤُلَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ عَبِيدٌ غَيْرُ هَؤُلَاءِ لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ،
-
وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ إذَا قَالَ: أَوْصَيْتَ بِثُلُثِ مَالِي لِفُلَانٍ أَوْ أَوْصَيْتَ لِفُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِي إلَّا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَمَاتَ، وَثُلُثُ مَالِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ،
-
وَلَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي إلَّا ثُلُثَ مَالِي لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَكَانَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ مَالِهِ.
-
قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرًا إلَّا تِسْعًا يَقَعُ وَاحِدَةً، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إلَى جُمْلَةِ الْكَلَامِ لَا إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَصِحُّ وُقُوعُهُ، وَهُوَ الثَّلَاثُ خَاصَّةً فَيَتْبَعُ اللَّفْظَ لَا الْحُكْمَ،
-
فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى، وَيَثْبُتُ فِيمَا بَقِيَ قَدْرُ مَا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا،
-
فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرًا إلَّا تِسْعًا يَقَعُ وَاحِدَةً،
-
وَلَوْ قَالَ: إلَّا ثَمَانِيًا يَقَعُ اثْنَتَانِ،
-
وَإِذَا قَالَ: إلَّا سَبْعًا يَقَعُ ثَلَاثٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَتْبَعُ اللَّفْظَ لَا الْحُكْمَ فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَدَخَلَ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَلْفُوظَةِ، وَعَمِلَ فِيهَا فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَدْخُلْ فِي الْجُمْلَةِ،
-
فَلَا يَقَعُ قَدْرُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ الْبَاقِي - وَهُوَ الثَّلَاثُ -؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ وُقُوعُهُ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: إلَّا سِتًّا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ ثَلَاثًا أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً يَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ هِيَ الَّتِي يَصِحُّ وُقُوعُهَا مِمَّا بَقِيَ إذْ لَا يَزِيدُ الطَّلَاقُ عَلَى الثَّلَاثِ.
-
قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا
-
٣/١٥٧٣/١٥٧
إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً تَقَعُ وَاحِدَةً، وَالْأَصْلُ فِي مَسَائِلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الِاسْتِثْنَاء أَنَّ لِتَخْرِيجِهَا طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْأَخِيرِ فَيُجْعَلُ اسْتِثْنَاءً مِمَّا يَلِيهِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْهُ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً مِمَّا يَلِيهِ هَكَذَا إلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الْبَاقِي مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ فَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ الْجُمْلَةِ الْمَلْفُوظَةِ فَمَا بَقِيَ مِنْهَا الْوَاقِعُ،
-
فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً - يَسْتَثْنِي الْوَاحِدَةَ مِنْ الثَّلَاثَةِ - يَبْقَى اثْنَتَانِ يَسْتَثْنِيهِمَا مِنْ الثَّلَاثَةِ فَتَبْقَى وَاحِدَةٌ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ يَقَعُ اثْنَتَانِ؛
-
لِأَنَّك تَسْتَثْنِي الِاثْنَتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَتَبْقَى وَاحِدَةٌ تَسْتَثْنِيهَا مِنْ الثَّلَاثَةِ فَيَبْقَى اثْنَتَانِ.
-
فَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً يَقَعُ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّك تَسْتَثْنِي الْوَاحِدَةَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَيَبْقَى وَاحِدَةٌ تَسْتَثْنِيهَا مِنْ الثَّلَاثِ فَيَبْقَى اثْنَتَانِ تَسْتَثْنِيهِمَا مِنْ الثَّلَاثِ فَيَبْقَى وَاحِدَةٌ هِيَ الْوَاقِعُ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرًا إلَّا تِسْعًا إلَّا ثَمَانِيًا إنَّكَ تَسْتَثْنِي ثَمَانِيًا مِنْ تِسْعٍ فَبَقِيَ وَاحِدَةٌ نَسْتَثْنِيهَا مِنْ الْعَشْرِ فَيَبْقَى تِسْعٌ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ تِسْعًا فَيَقَعُ ثَلَاثٌ فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرًا إلَّا تِسْعًا إلَّا وَاحِدَةً يَقَعُ ثِنْتَانِ؛
-
لِأَنَّك إذَا اسْتَثْنَيْت الْوَاحِدَةَ مِنْ التِّسْعِ يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ تَسْتَثْنِيهَا مِنْ الْعَشْرِ فَيَبْقَى اثْنَتَانِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرًا إلَّا ثَمَانِيًا، وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ هَذَا الْوَجْهِ، وَقِيَاسُهُ، وَالثَّانِي يَرْجِعُ إلَى عَقْدِ الْيَدِ، وَهُوَ أَنْ تَعْقِدَ الْعَدَدَ الْأَوَّلَ بِيَمِينِكَ، وَالثَّانِي بِيَسَارِكَ، وَالثَّالِثَ تَضُمُّهُ إلَى مَا فِي يَمِينِك، وَالرَّابِعَ بِيَسَارِك تَضُمُّهُ إلَى مَا بِيَسَارِك ثُمَّ تَطْرَحُ مَا اجْتَمَعَ فِي يَسَارِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا اجْتَمَعَ فِي يَمِينِكَ فَمَا بَقِيَ فِي يَمِينِك فَهُوَ الْوَاقِعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا مَسَائِلُ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الِاسْتِثْنَاء، وَهُوَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عز وجل فَنَقُولُ: إذَا عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ،
-
وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، سَوَاءٌ قَدَّمَ الطَّلَاقَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي الذِّكْرِ بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ، وَعَلَى هَذَا تَعْلِيقُ الْعِتْقِ، وَالنَّذْرِ، وَالْيَمِينِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ تَعْلِيقًا بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَكُونُ مَعْدُومًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ، وَمَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيَّةٌ لَا تَحْتَمِلُ الْعَدَمَ فَكَانَ هَذَا تَعْلِيقًا بِأَمْرٍ كَائِنٍ فَيَكُونُ تَحْقِيقًا لَا تَعْلِيقًا كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَانَتْ السَّمَاءُ فَوْقَنَا، وَلَنَا قَوْلُهُ عز وجل خَبَرًا عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ، وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، وَالسَّلَامِ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ وَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ حَتَّى لَمْ يَصِرْ بِتَرْكِ الصَّبْرِ مُخْلِفًا فِي الْوَعْدِ.
-
وَلَوْلَا صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ لَصَارَ مُخْلِفًا فِي الْوَعْدِ بِالصَّبْرِ، وَالْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ لَا يَجُوزُ، وَالنَّبِيُّ مَعْصُومٌ.
-
وَقَالَ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ إلَّا أَنْ تَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ،
-
وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ صِيَانَةُ الْخَبَرِ عَنْ الْخُلْفِ فِي الْوَعْدِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِهِ مَعْنًى.
-
وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ، وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الْبَابِ.
-
وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ اسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ» ؛ وَلِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْلِيقٌ بِمَا لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي أَنَّهُ شَاءَ وُقُوعَ هَذَا الطَّلَاقِ أَوْ لَمْ يَشَأْ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ وُقُوعَ هَذَا الطَّلَاقِ هَلْ دَخَلَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَمْ يَدْخُلْ؟
-
فَإِنْ دَخَلَ وَقَعَ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ،
-
فَلَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ تَعْلِيقًا بِأَمْرٍ كَائِنٍ؛ وَلِأَنَّ دُخُولَ الْوُقُوعِ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَهَذَا هُوَ تَفْسِيرُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عز وجل ،
-
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ فَقَالَ: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَيَقَعُ الْعَتَاقُ، وَزَعَمَ بِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ الْمَشِيئَةُ فِي الطَّلَاقِ، وَوُجِدَتْ فِي الْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَكْرُوهُ الشَّرْعِ، وَالْعِتْقُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ إرَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى تَتَعَلَّقُ بِالْقُرْبِ، وَالطَّاعَاتِ لَا بِالْمَكَانِ، وَالْمَعَاصِي،
-
وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ كُلَّ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ مِنْ الْعَبْدِ ثُمَّ الْعَبْدُ قَدْ لَا يَفْعَلُهُ لِسُوءِ اخْتِيَارِهِ، وَبُطْلَانُ مَذْهَبِهِمْ يُعْرَفُ فِي مَسَائِلِ الْكَلَامِ ثُمَّ أَنَّهُمْ نَاقَضُوا حَيْثُ قَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ فَقَالَ: لَأَصُومَنَّ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ قَالَ: لَأُصَلِّيَنَّ رَكْعَتَيْنِ أَوْ لَأَقْضِيَنَّ دَيْنَ فُلَانٍ فَمَضَى الْغَدُ، وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ،
-
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ خَيْرٍ لَحَنِثَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ خَيْرَاتٌ وَقَدْ شَاءَهَا عِنْدَهُمْ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ قَالَ أَنْ لَوْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَمَا قُلْنَا.
-
وَكَذَا لَوْ قَالَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا يَقَعَ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
-
وَكَذَا لَوْ قَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الَّذِي شَاءَهُ اللَّهُ، تَعَالَى.
-
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ
-
٣/١٥٨٣/١٥٨
طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ تَعَالَى يَكُونُ الْمُسْتَثْنَى كَقَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَعْلِيقٌ بِعَدَمِ دُخُولِ الْوُقُوعِ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
-
وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ،
-
وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ قَالَ:
-
فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَكُنِ اسْتِثْنَاءً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَ الطَّلَاقِ، وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ - حَرْفٌ - هُوَ حَشْوٌ - فَيَصِيرُ فَاصِلًا بِمَنْزِلَةِ السَّكْتَةِ فَيُمْنَعُ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ فَيَقَعُ فِي الْحَالِ.
-
وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ الثَّلَاثُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: الِاسْتِثْنَاءُ جَائِزٌ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَوَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمَوْصُولِ يَقِفُ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ فَكَانَ قَوْلُهُ: ثَلَاثًا، وَثَلَاثًا كَلَامًا وَاحِدًا فَيَعْمَلُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ سِتًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛
-
وَلِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ بِحَرْفِ الْجَمْعِ، وَهُوَ حَرْفُ الْوَاوِ فَصَارَ كَمَا لَوْ ذَكَرَهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ سِتًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَدَدَ الثَّانِيَ وَقَعَ لَغْوًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ إذْ لَا مَزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ فَصَارَ فَاصِلًا فَمَنَعَ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا لَوْ سَكَتَ
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ سِتًّا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْكُلَّ جُمْلَةً وَاحِدَةً،
-
فَلَا يُمْكِنُ فَصْلُ الْبَعْضِ عَنْ الْبَعْضِ.
-
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الثَّانِي هَهُنَا لَيْسَ بِلَغْوٍ؛ لِأَنَّهُ جُمْلَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ فَلَمْ يَصِرْ فَاصِلًا
-
بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ بِحَرْفِ الْوَاوِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ قَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ طَالِقٌ وَعَبْدُهُ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى انْصَرَفَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ بِالِاتِّفَاقِ.
-
وَكَذَا إذَا ذَكَرَ الشَّرْطَ فِي آخِرِ الْجُمْلَتَيْنِ بِأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ أَوْ إنْ كَلَّمْتِ فُلَانًا.
-
وَلَوْ قَالَ لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلِعَمْرٍو عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا خَمْسَمِائَةٍ انْصَرَفَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
-
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْصَرِفُ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجُمَلِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ بَنَوْا مَسْأَلَةَ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ وَشَهِدَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ مُنْصَرِفٌ إلَى مَا يَلِيهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمْ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ.
-
وَجْهُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ إذَا دَخَلَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ يَجْعَلُهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا كَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ جَاءَنِي زَيْدٌ، وَعَمْرٌو مَعْنَاهُ جَاءَانِي، وَكَمَا إذَا قَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَعَبْدُهُ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا بِالشَّرْطِ،
-
وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُمْلَةً تَامَّةً لَكِنْ لَمَّا دَخَلَ بَيْنَهُمَا وَاوُ الْعَطْفِ جُعِلَ كَلَامًا وَاحِدًا، وَتَعَلَّقَا جَمِيعًا بِالشَّرْطِ كَذَا هَذَا، وَلِهَذَا إذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ نَاقِصًا شَارَكَ الْأَوَّلَ فِي حُكْمِهِ وَجَعَلَ الْكُلَّ كَلَامًا وَاحِدًا بِأَنْ قَالَ: لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَفُلَانَةُ حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا كَذَا هَذَا، وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى مَا يَلِيهِ؛
-
لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَمُتَّصِلٌ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ مُفِيدٍ بِنَفْسِهِ مُسْتَقِلٍّ بِذَاتِهِ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ رَبْطِهِ بِغَيْرِهِ لِيَصِيرَ مُفِيدًا، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِالصَّرْفِ إلَى مَا يَلِيهِ، فَانْصَرَفَ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِدُخُولِ حَرْفِ الْعَطْفِ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ فَيَجْعَلُهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا وَجُمْلَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ كَلَامًا وَاحِدًا وَالْجُمْلَتَانِ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِوَاوِ الْعَطْفِ إذَا كَانَتْ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ نَاقِصَةً بِحَيْثُ لَوْ فُصِلَتْ عَنْ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى لَا تَكُونُ مُفِيدَةً،.
-
فَأَمَّا إذَا كَانَتْ كَامِلَةً بِحَيْثُ لَوْ فُصِلَتْ عَنْ الْأُخْرَى كَانَتْ مُفِيدَةً،
-
فَلَا يُجْعَلَانِ كَلَامًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْجَعْلَ لِلْعَطْفِ الْمُوجِبِ لِلشَّرِكَةِ وَالشَّرِكَةُ ثَابِتَةٌ بِدُونِ حُرُوفِ الْوَاوِ فَكَانَ الْوَصْلُ وَالْإِشْرَاكُ بِحَرْفِ الْوَاوِ، وَعَدَمِهِ سَوَاءً؛ وَلِأَنَّ جَعْلَ الْكَلَامَيْنِ كَلَامًا وَاحِدًا خِلَافُ الْحَقِيقَةِ،
-
فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ - وَهِيَ أَنْ تَكُونَ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ نَاقِصَةً إمَّا صُورَةً أَوْ مَعْنًى - كَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ جَاءَنِي زَيْدٌ، وَعَمْرٌو فَإِنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ نَاقِصَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُبْتَدَأٌ لَا خَبَرَ لَهُ فَجُعِلَتْ كَامِلَةً بِالْإِشْرَاكِ بِحَرْفِ الْوَاوِ كَمَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتَيْهِ: زَيْنَبُ طَالِقٌ، وَعَمْرَةُ لِمَا قُلْنَا، أَوْ تَكُونُ نَاقِصَةً مَعْنًى فِي حَقِّ حُصُولِ غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَعَبْدُهُ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَإِنَّ هُنَاكَ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ نَاقِصَةٌ فِي حَقِّ حُصُولِ غَرَضِ الْحَالِفِ؛
-
لِأَنَّ غَرَضَهُ أَنْ يَجْعَلَهُمَا جَمِيعًا جَزَاءً وَاحِدًا لِلشَّرْطِ،
-
وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي نَفْسِهِ يَصْلُحُ جَزَاءً تَامًّا، وَهَذَا الْغَرَضُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِشْرَاكِ وَالْوَصْلِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا بَعْضَ الْجَزَاءِ فَكَانَتْ جُمْلَةً نَاقِصَةً فِي الْمَعْنَى -، وَهُوَ تَحْصِيلُ غَرَضِهِ - فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَاقِصٌ فِي أَصْلِ الْإِفَادَةِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الضَّرُورَةِ لَمْ تُوجَدْ هَهُنَا فَبَقِيَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مُنْفَرِدَةً بِحُكْمِهَا،
-
وَإِنْ كَانَتْ مَعْطُوفَةً بِحَرْفِ الْوَاوِ كَمَا لَوْ قَالَ جَاءَنِي زَيْدٌ، وَذَهَبَ عَمْرٌو فَإِنَّ هَذَا
-
٣/١٥٩٣/١٥٩
عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ بِحَرْفِ الْوَاوِ، وَلَمْ تَثْبُتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْخَبَرِ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا.
-
وَلَوْ أَدْخَلَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى جُمْلَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَمِينٌ بِأَنْ قَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَعَبْدِي حُرٌّ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى انْصَرَفَ الِاسْتِثْنَاء إلَى مَا يَلِيهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَتَطْلُقُ امْرَأَتُهُ، وَلَا يُعْتَقُ عَبْدُهُ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَنْصَرِفُ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ جَمِيعًا،
-
وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَا الْعَتَاقُ.
-
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْكَلَامَ مَعْطُوفٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ بِحَرْفِ الْعَطْفِ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى بِحَرْفِ الْوَاوِ فَيَجْعَلُهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا كَمَا فِي التَّنْجِيزِ بِأَنْ يَقُولَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَعَبْدُهُ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ التَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ؟
-
، وَحُجَّةُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَنْصَرِفَ لِمَا يَلِيهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَانْصِرَافُهُ إلَى غَيْرِهِ لِتَتِمَّ الْجُمْلَةُ النَّاقِصَةُ صُورَةً، وَمَعْنًى أَوْ مَعْنًى عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَهَهُنَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ تَامَّةٌ صُورَةً، وَمَعْنًى أَمَّا الصُّورَةُ فَظَاهِرٌ.
-
وَأَمَّا الْمَعْنَى؛ فَلِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ كُلَّ جَزَاءٍ بِشَرْطٍ عَلَى حِدَةٍ عُلِمَ أَنَّ غَرَضَهُ لَيْسَ جَعْلُهُمَا جَمِيعًا جَزَاءً وَاحِدًا؛ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُمْلَةً وَاحِدَةً فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ جَزَاءً تَامًّا صُورَةً، وَمَعْنًى.
-
قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ الطَّلَاقَ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِحَرْفِ الْوَصْلِ، وَهُوَ الْفَاءُ؛ فَيَصِحُّ التَّعْلِيقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
-
وَكَذَا لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنْتِ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ فَتَصِيرُ الْجُمْلَةُ كَلَامًا وَاحِدًا.
-
وَلَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْتِ طَالِقٌ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ فِي الْقَضَاءِ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءَ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْجَزَاءَ إذَا كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ الشَّرْطِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ حَرْفِ الِاتِّصَالِ - وَهُوَ حَرْفُ الْفَاءِ - لِيَتَّصِلَ الْجَزَاءُ بِالشَّرْطِ،
-
وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَتَّصِلْ فَكَانَ قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا فَلَمْ يَصِحَّ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ كَمَا إذَا قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ لِعَدَمِ حَرْفِ التَّعْلِيقِ - وَهُوَ حَرْفُ الْفَاءِ - فَيَبْقَى تَنْجِيزًا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ كَذَا هَذَا، وَلَهُمَا أَنَّ الْفَاءَ يُضْمَرُ فِي كَلَامِهِ تَصْحِيحًا لِلِاسْتِثْنَاءِ وَالْإِضْمَارُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ جَائِزٌ قَالَ الشَّاعِرُ
-
مَنْ يَفْعَلْ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا … وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلَانِ
-
أَيْ: فَاَللَّهُ يَشْكُرُهَا، أَوْ يُجْعَلُ الْكَلَامُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ تَصْحِيحًا لِلِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الْكَلَامِ جَائِزٌ أَيْضًا فِي اللُّغَةِ.
-
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ يَصِحَّانِ لِتَصْحِيحِ الِاسْتِثْنَاءِ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِلَافُ الظَّاهِرِ،
-
فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ لَا يَتَعَلَّقُ،
-
وَإِنْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ التَّعْلِيقِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ لَمْ يَتَعَلَّقْ،
-
وَلَا يَصْدُقُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّعْلِيقَ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا يَصْدُقُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرَ كَذَا هَذَا (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ذِكْرِ حَرْفِ الْفَاءِ فِي التَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ - إذَا كَانَ الْجَزَاءُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الشَّرْطِ فِي الْمِلْكِ - لِيَتَّصِلَ الْجَزَاءُ بِالشَّرْطِ فَيُوجَدُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛
-
لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَالْعِلْمُ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ وَصْلِ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ بِحَرْفِ الْوَصْلِ
-
بِخِلَافِ التَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَوُقُوعُ هَذَا الطَّلَاقِ مِمَّا لَا سَبِيلَ لَنَا إلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهِ رَأْسًا حَتَّى تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى وَصْلِ الْجَزَاءِ بِهِ لِيُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ فَكَانَ تَعْطِيلًا فِي عِلْمِنَا،
-
فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ حَرْفِ الْوَصْلِ قَبْلَ هَذَا الشَّرْطِ وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنْتِ طَالِقٌ، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ،
-
وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِلْحَالِ،
-
وَلَوْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ التَّعْلِيقَ لَا يَصْدُقُ قَضَاءً،
-
وَلَا دِيَانَةً لِمَا ذَكَرْنَا كَذَا هَذَا، هَذَا كُلُّهُ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
-
فَأَمَّا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَإِنْ عَلَّقَ بِمَشِيئَةِ مَنْ يُوقَفُ عَلَى مَشِيئَتِهِ مِنْ الْعِبَادِ بِأَنْ قَالَ: إنْ شَاءَ زَيْدٌ فَالطَّلَاقُ مَوْقُوفٌ عَلَى مَشِيئَتِهِ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي يُعْلَمُ فِيهِ بِالتَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّعْلِيقِ تَمْلِيكٌ لِمَا نَذْكُرُ فَيَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ كَسَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ،
-
وَإِنْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ مَنْ لَا يُوقَفُ عَلَى مَشِيئَتِهِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: إنْ شَاءَ جِبْرِيلُ أَوْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ الْجِنُّ أَوْ الشَّيَاطِينُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى مَشِيئَةِ هَؤُلَاءِ كَمَا
-
٣/١٦٠٣/١٦٠
لَا يُوقَفُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ عز وجل فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ مَشِيئَةِ الْعِبَادِ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَشَاءَ زَيْدٌ فَشَاءَ زَيْدٌ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِشَرْطَيْنِ لَا يُعْلَمُ وُجُودُ أَحَدِهِمَا وَالْمُعَلَّقُ بِشَرْطَيْنِ لَا يَنْزِلُ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ قَالَ إنْ شَاءَ زَيْدٌ، وَعُمَرُ فَشَاءَ أَحَدُهُمَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَ انْتِهَاءَ الْغَايَةِ فَإِنْ كَانَ لَا يَقَعُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيَقَعُ،
-
وَإِنْ جُعِلَ انْتِهَاءَ الْغَايَةِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ ابْتِدَاءَ الْغَايَةِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا الثَّلَاثَةُ لَا يُشْتَرَطُ وَقَالَ زُفَرُ يُشْتَرَطُ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ عِنْدَ زُفَرَ الْغَايَتَانِ لَا يَدْخُلَانِ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ بَقِيَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ وَقَعَ، وَإِلَّا، فَلَا.
-
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ الْغَايَتَانِ تَدْخُلَانِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْأُولَى تَدْخُلُ لَا الثَّانِيَةُ، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَى اثْنَتَيْنِ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَعِنْدَهُمَا هِيَ اثْنَتَانِ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ.
-
وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَهِيَ اثْنَتَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا هِيَ ثَلَاثٌ، وَعِنْدَ زُفَرَ هِيَ وَاحِدَةٌ (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ كَلِمَةَ مَنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَكَلِمَةَ إلَى لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ؛ يُقَالُ سِرْت مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ أَيْ: الْبَصْرَةُ كَانَتْ ابْتِدَاءَ غَايَةِ الْمَسِيرِ وَالْكُوفَةُ كَانَتْ غَايَةَ الْمَسِيرِ، وَالْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ مَا ضُرِبَتْ لَهُ الْغَايَةُ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ إذْ قَالَ: بِعْت مِنْك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ فَالْحَائِطَانِ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ فَكَانَ هَذَا مِنْهُ إيقَاعَ مَا ضُرِبَتْ لَهُ الْغَايَةُ لَا الْغَايَةُ، فَيَقَعُ مَا ضُرِبَتْ لَهُ الْغَايَةُ لَا الْغَايَةُ.
-
وَكَذَا إذَا قَالَ: بِعْتُك مَا بَيْنَ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ لَا يَدْخُلُ الْحَائِطَانِ فِي الْبَيْعِ كَذَا هَهُنَا، وَلِهَذَا لَمْ تَدْخُلْ إحْدَى الْغَايَتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا الْأُخْرَى، وَلَهُمَا أَنَّ مَا جُعِلَ غَايَةً لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ إذْ الْمَعْدُومُ لَا يَصْلُحُ غَايَةً،
-
وَمِنْ ضَرُورَةِ وُجُودِهِ وُقُوعُهُ، وَلِهَذَا دَخَلَتْ الْغَايَةُ الْأُولَى فَكَذَا الثَّانِيَةُ،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْغَايَةَ هُنَاكَ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَمْ يَكُنْ وُجُودُهَا بِالْبَيْعِ لِيَكُونَ مِنْ ضَرُورَةِ وُجُودِهَا بِالْبَيْعِ دُخُولُهَا فِيهِ فَلَمْ تَدْخُلْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ بَنَى الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ، وَيُرِيدُ بِهِ دُخُولَ الْغَايَةِ الْأُولَى لَا الثَّانِيَةِ.
-
وَكَذَا يُقَالُ سِنُّ فُلَانٍ مِنْ تِسْعِينَ إلَى مِائَةٍ، وَيُرَادُ بِهِ دُخُولُ الْغَايَةِ الْأُولَى لَا الثَّانِيَةِ.
-
وَكَذَا إذَا قِيلَ مَا بَيْنَ تِسْعِينَ إلَى مِائَةٍ،.
-
وَقِيلَ إنَّ الْأَصْمَعِيَّ أَلْزَمَ زُفَرَ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى بَابِ الرَّشِيدِ فَقَالَ لَهُ: كَمْ سِنُّكَ؟ فَقَالَ مِنْ سَبْعِينَ إلَى ثَمَانِينَ، وَكَانَ سِنُّهُ أَقَلَّ مِنْ ثَمَانِينَ فَتَحَيَّرَ زُفَرُ؛؛ وَلِأَنَّ انْتِهَاءَ الْغَايَةِ قَدْ تَدْخُلُ تَحْتَ مَا ضُرِبَتْ لَهُ الْغَايَةُ وَقَدْ لَا تَدْخُلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وَاللَّيْلُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ فِيهِ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي دُخُولِ الْغَايَةِ الثَّانِيَةِ فِي كَلَامِهِ،
-
فَلَا يَدْخُلُ مَعَ الشَّكِّ،
-
فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ كَمَا قَالَ زُفَرُ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ،
-
وَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَقِيَاسُ ظَاهِرِ أَصْلِهِمَا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى اثْنَتَيْنِ أَنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ الْغَايَتَيْنِ يَدْخُلَانِ عِنْدَهُمَا إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَعَلَ تِلْكَ الْوَاحِدَةَ دَاخِلَةً فِي الثِّنْتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَعَلَهَا غَيْرَ الثِّنْتَيْنِ،
-
فَلَا تَقَعُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثِّنْتَيْنِ بِالشَّكِّ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ إلَى اثْنَتَيْنِ أَنَّهُ يَقَعُ ثِنْتَانِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الِابْتِدَاءَ هُوَ الْغَايَةُ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ اثْنَتَيْنِ إلَيْهِمَا.
-
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ، وَثَلَاثٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَا جَعَلَ الثَّلَاثَ غَايَةً، وَإِنَّمَا أَوْقَعَ مَا بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ - وَهُوَ وَاحِدَةٌ - فَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ،
-
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى أُخْرَى أَوْ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى وَاحِدَةٍ - فَهِيَ وَاحِدَةٌ - أَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ فَلِأَنَّ الْغَايَةَ الْأُولَى تَدْخُلُ،
-
وَلَا تَدْخُلُ الثَّانِيَةُ فَتَقَعُ وَاحِدَةً.
-
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِهِمَا فَالْغَايَتَانِ،
-
وَإِنْ كَانَتَا يَدْخُلَانِ جَمِيعًا لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى وَاحِدَةٍ أَيْ: مِنْهَا وَإِلَيْهَا،
-
فَلَا يَقَعُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ،
-
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ زُفَرَ فَالْغَايَتَانِ لَا يَدْخُلَانِ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَ مَضْرُوبًا فِيهِ فَإِنْ كَانَ لَا يَقَعُ، وَيَقَعُ الْمَضْرُوبُ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ.
-
وَقَالَ زُفَرُ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيَقَعُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَضْرُوبُ فِيهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ أَوْ قَالَ وَاحِدَةً فِي ثَلَاثٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ؛ وَجُمْلَةُ الْجَوَابِ فِيهِ أَنَّهُ إنْ نَوَى بِهِ الظَّرْفَ وَالْوِعَاءَ لَا يَقَعُ إلَّا الْمَضْرُوبُ؛
-
لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصْلُحُ
-
٣/١٦١٣/١٦١
ظَرْفًا، وَإِنْ نَوَى مَعَ يَقَعُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَضْرُوبُ فِيهِ بِقَدْرِ مَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ بِلَا خِلَافٍ،
-
وَإِنْ نَوَى بِهِ الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يَقَعُ الْمَضْرُوبُ لَا الْمَضْرُوبُ فِيهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ.
-
وَعِنْدَ زُفَرَ يَقَعُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَضْرُوبُ فِيهِ بِقَدْرِ مَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْوَاحِدَ فِي اثْنَتَيْنِ اثْنَانِ عَلَى طَرِيقِ الضَّرْبِ وَالْحِسَابِ وَالْوَاحِدُ فِي الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةٌ وَالِاثْنَانِ فِي الِاثْنَيْنِ أَرْبَعَةٌ، وَهَذَا يَقْتَضِي وُقُوعَ الْمَضْرُوبِ وَالْمَضْرُوبِ فِيهِ؛ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا إلَّا أَنَّ الْعَدَدَ الْمُجْتَمِعَ لَهُ عِبَارَتَانِ: إحْدَاهُمَا الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَالْأُخْرَى وَاحِدٌ فِي اثْنَيْنِ، وَوَاحِدٌ فِي ثَلَاثَةٍ وَاثْنَانِ فِي اثْنَيْنِ (وَلَنَا) وُجُوهٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا أَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا يَتَقَدَّرُ فِيمَا لَهُ مِسَاحَةٌ.
-
فَأَمَّا مَا لَا مِسَاحَةَ لَهُ،
-
فَلَا يَتَقَدَّرُ فِيهِ الضَّرْبُ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ ضَرْبِ الِاثْنَيْنِ فِي الِاثْنَيْنِ خَطَّانِ يُضَمُّ إلَيْهِمَا خَطَّانِ آخَرَانِ،
-
فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُقَالُ الِاثْنَانِ فِي الِاثْنَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَالطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ الْمِسَاحَةَ،
-
فَإِذَا نَوَى فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ الضَّرْبَ فَقَدْ أَرَادَ مُحَالًا فَبَطَلَتْ نِيَّتُهُ.
-
وَالثَّانِي أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَعَدَّدُ بِالضَّرْبِ، وَإِنَّمَا يَتَكَرَّرُ أَجْزَاؤُهُ فَوَاحِدٌ فِي اثْنَيْنِ وَاحِدٌ لَهُ جُزْءَانِ وَاثْنَانِ فِي اثْنَيْنِ اثْنَانِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ، وَطَلَاقٌ لَهُ جُزْءٌ، وَطَلَاقٌ لَهُ جُزْءَانِ، وَثَلَاثَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ، وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
-
وَالثَّالِثُ إنَّهُ جَعَلَ الْمَضْرُوبَ فِيهِ ظَرْفًا لِلْمَضْرُوبِ وَالطَّلَاقُ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا إذْ ظَرْفُ الشَّيْءِ هُوَ الْمُحْتَوِي عَلَيْهِ،
-
وَلَا يُتَصَوَّرُ احْتِوَاءُ الطَّلَاقِ عَلَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الِاحْتِوَاءَ مِنْ خَوَاصِّ الْأَجْسَامِ،
-
فَلَا يَصْلُحُ ظَرْفًا لِلْمَضْرُوبِ،
-
فَلَا يَقَعُ، وَهَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِك الدَّارَ، أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَيْضَتِك لَا يَقَعُ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدُّخُولَ وَالْحَيْضَ ظَرْفًا، وَإِنَّهُمَا لَا يَصْلُحَانِ ظَرْفًا لِاسْتِحَالَةِ تَحَقُّقِ مَعْنَى الظَّرْفِ فِيهِمَا إلَّا أَنَّ ثَمَّةَ يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ بِالدُّخُولِ وَالْحَيْضِ، وَيُجْعَلُ فِي بِمَعْنَى مَعَ لِمُنَاسِبَةٍ؛
-
لِأَنَّ مَعَ كَلِمَةُ مُقَارَنَةٍ وَالْمَظْرُوفُ يُقَارِنُ الظَّرْفَ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ دُخُولِ الدَّارِ أَوْ مَعَ حَيْضِك، وَهَهُنَا لَوْ أَرَادَ بِفِي مَعَ فِي قَوْلِهِ: فِي اثْنَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ يَقَعُ الثَّلَاثُ.
-
وَكَذَا لَوْ أَرَادَ بِكَلِمَةِ فِي حَرْفَ الْوَاوِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَالظَّرْفُ يُجَامِعُ الْمَظْرُوفَ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ كُلُّهُ وَالظَّرْفُ عَلَى إرَادَةِ الْمُقَارَنَةِ أَوْ الِاجْتِمَاعِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
-
فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ رُكْنِ الطَّلَاقِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْوَقْتِ وَهُوَ مُضِيُّ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْوَقْتِ فَهُوَ مُضِيُّ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، وَهُوَ شَرْطُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْإِيلَاءِ حَتَّى لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ فِي حَقِّ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ -، وَهُوَ الْبِرُّ - طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ تَرْكِ الْفَيْءِ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
-
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم إنَّ عَزْمَ الطَّلَاقِ تَرْكُ الْفَيْءِ إلَيْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَقَدْ جَعَلَ تَرَكَ الْفَيْءَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ شَرْطُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْإِيلَاءِ.
-
وَالْكَلَامُ فِي الْإِيلَاءِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي.
-
تَفْسِيرِ الْإِيلَاءِ لُغَةً، وَشَرْعًا، وَفِي بَيَانِ رُكْنِ الْإِيلَاءِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَبْطُلُ بِهِ الْإِيلَاءُ أَمَّا تَفْسِيرُهُ فَالْإِيلَاءُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْيَمِينِ يُقَالُ آلَى أَيْ: حَلَفَ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ الْيَمِينُ أَلِيَّةً وَجَمْعُهَا أَلَايَا؛ قَالَ الشَّاعِرُ
-
قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ … وَإِنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بُرَّتْ
-
، وَفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما لِلَّذِينَ يُقْسِمُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَالْقَسَمُ وَالْيَمِينُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ.
-
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ أَيْ: وَلَا يَحْلِفُ.
-
وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى تَرْكِ الْجِمَاعِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، نَذْكُرُهَا فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مَنْعِ النَّفْسِ عَنْ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ مُؤَكَّدًا بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَاتِهِ أَوْ بِالْيَمِينِ بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ مِنْ جِمَاعِهَا أَوْ هَجْرِهَا سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مَا لَمْ يَأْتِ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛
-
لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْيَمِينُ تَصَرُّفٌ قَوْلِيٌّ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ،
-
وَلَوْ أَتَى بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيلَاءً فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْبِرِّ إنَّمَا يَثْبُتُ لِصَيْرُورَتِهِ ظَالِمًا بِتَرْكِ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِيهِ.
-
وَلَوْ ذَكَرَ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهِ عَنْ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ بِطَرِيقٍ يُؤَكِّدُهُ بِالْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ إيلَاءً؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ بِالْمَنْعِ وَالْمَنْعُ لَا يَتَأَكَّدُ إلَّا بِالْيَمِينِ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: لَا يَكُونُ مُولِيًا إلَّا بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يَدْفَعُ هَذَا الْقَوْلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فَالْإِيلَاءُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْيَمِينِ وَاسْمُ الْيَمِينِ يَقَعُ
-
٣/١٦٢٣/١٦٢
عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَيَقَعُ عَلَى الْيَمِينِ بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الْيَمِينِ، وَهُوَ الْقُوَّةُ.
-
وَلَوْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ عز وجل وَبِغَيْرِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى لَا تَبِينُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ،
-
وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إنْ قَرِبَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ لِانْعِدَامِ مَعْنَى الْيَمِينِ - وَهُوَ الْقُوَّةُ -.
-
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» ، وَرُوِيَ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» .
-
أَمَّا الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى مَنْعِ النَّفْسِ عَنْ الْجِمَاعِ فَأَنْوَاعُ بَعْضِهَا صَرِيحٌ، وَبَعْضُهَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ، وَبَعْضُهَا كِنَايَةٌ أَمَّا الصَّرِيحُ فَلَفْظُ الْمُجَامَعَةِ بِأَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا.
-
وَأَمَّا الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ فَلَفْظُ الْقُرْبَانِ وَالْوَطْءِ وَالْمُبَاضَعَةِ وَالِافْتِضَاضِ فِي الْبِكْرِ؛ بِأَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا أَوْ لَا يَطَأَهَا أَوْ لَا يُبَاضِعَهَا أَوْ لَا يَفْتَضَّهَا، وَهِيَ بِكْرٌ.
-
؛ لِأَنَّ الْقُرْبَانَ الْمُضَافَ إلَى الْمَرْأَةِ يُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ فِي الْعُرْفِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ .
-
وَكَذَا الْوَطْءُ الْمُضَافُ إلَيْهَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِمَاعِ.
-
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ «أَلَا لَا تُوطَأُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ، وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ» ، وَالْمُبَاضَعَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْبُضْعِ، وَهُوَ الْجِمَاعُ أَوْ الْفَرْجُ، وَالِافْتِضَاضُ فِي الْعُرْفِ عِبَارَةٌ عَنْ جِمَاعِ الْبِكْرِ -، وَهُوَ كَسْرُ الْعُذْرَةِ - مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَضِّ، وَهُوَ الْكَسْرُ.
-
وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَغْتَسِلُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ مِنْهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِالْجِمَاعِ،
-
فَأَمَّا الْجِمَاعُ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ فَالِاغْتِسَالُ لَا يَكُونُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْإِنْزَالِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ مَا لَمْ يُنْزِلْ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ.
-
وَفِي الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ لَا يَقِفُ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ عَلَى وُجُودِ الْإِنْزَالِ،
-
وَلَوْ قَالَ لَمْ أَعْنِ بِهِ الْجِمَاعَ لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ لِكَوْنِهِ خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ فِي الْجُمْلَةِ.
-
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَنَحْوُ لَفْظَةِ الْإِتْيَانِ وَالْإِصَابَةِ بِأَنْ حَلَفَ لَا يَأْتِيهَا أَوْ لَا يُصِيبُ مِنْهَا يُرِيدُ الْجِمَاعَ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ كِنَايَاتِ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْجِمَاعِ، وَفِي غَيْرِهِ اسْتِعْمَالًا عَلَى السَّوَاءِ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ.
-
وَكَذَا لَفْظَةُ الْغَشَيَانِ بِأَنْ حَلَفَ لَا يَغْشَاهَا؛ لِأَنَّ الْغَشَيَانَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجِمَاعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أَيْ: جَامَعَهَا، وَيُسْتَعْمَل فِي الْمَجِيءِ، وَفِي السِّتْرِ وَالتَّغْطِيَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ قِيلَ: يَأْتِيهِمْ،.
-
وَقِيلَ يَسْتُرُهُمْ، وَيُغَطِّيهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ.
-
وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَمَسُّ جِلْدُهُ جِلْدَهَا.
-
وَقَالَ: لَمْ أَعْنِ بِهِ الْجِمَاعَ يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ، وَيَحْتَمِلُ الْمَسَّ الْمُطْلَقَ فَيَحْنَثُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، وَالْإِيلَاءُ مَا وَقَفَ الْحِنْثُ فِيهِ عَلَى الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا بِغَيْرِ مُمَاسَّةِ الْجِلْدِ بِأَنْ يَلُفَّ ذَكَرَهُ بِحَرِيرَةٍ فَيُجَامِعُهَا
-
وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَمَسَّهَا لِمَا قُلْنَا.
-
وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يُضَاجِعُهَا أَوْ لَا يَقْرَبُ فِرَاشَهَا.
-
وَقَالَ لَمْ أَعْنِ بِهِ الْجِمَاعَ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجِمَاعِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا؛ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا مِنْ غَيْرِ مُضَاجَعَةٍ،
-
وَلَا قُرْبِ فِرَاشٍ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَجْتَمِعُ رَأْسِي، وَرَأْسُك فَإِنْ عَنَى بِهِ الْجِمَاعَ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ الْجِمَاعُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَعْنِ بِهِ الْجِمَاعَ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا،
-
وَلَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى فِرَاشٍ،
-
وَلَا مِرْفَقَةٍ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَلَهُ جِمَاعُهَا مِنْ غَيْرِ اجْتِمَاعٍ عَلَى الْفِرَاشِ،
-
وَلَا شَيْءَ يَجْمَعُ رَأْسَهَا عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَجْمَعُ رَأْسِي، وَرَأْسَكِ وِسَادَةٌ أَوْ لَا يُؤْوِينِي، وَإِيَّاكِ بَيْتٌ أَوْ لَا أَبِيت مَعَك فِي فِرَاشٍ فَإِنْ عَنَى الْجِمَاعَ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ الْجِمَاعُ فَتَصِحُّ نِيَّتُهُ، وَكَيْفَمَا جَامَعَهَا فَهُوَ حَانِثٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَعْنِ بِهِ الْجِمَاعَ فَلَيْسَ بِمُولٍ،
-
وَلَا يَأْوِي مَعَهَا فِي بَيْتٍ،
-
وَلَا يَبِيتُ مَعَهَا فِي فِرَاشٍ،
-
وَلَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى وِسَادَةٍ لِئَلَّا تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَيَطَؤُهَا عَلَى الْأَرْضِ وَالْبَوَادِي،
-
وَلَوْ حَلَفَ لَأَسُوءَنَّكِ أَوْ لَأَغِيظَنَّكِ لَا يَكُونُ مُولِيًا إلَّا إذَا عَنَى بِهِ تَرْكَ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَسَاءَةَ قَدْ تَكُونُ بِتَرْكِ الْجِمَاعِ وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِهِ.
-
وَكَذَا الْغَيْظُ، فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ.
-
وَأَمَّا الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَبِصِفَاتِهِ فَهِيَ الْحَلِفُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ بِلَفْظٍ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الصِّفَةِ أَوْ يُسْتَعْمَلُ فِي الصِّفَةِ، وَفِي غَيْرِهَا لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الصِّفَةِ، وَمَوْضِعُ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كِتَابُ الْأَيْمَانِ.
-
ثُمَّ الْإِيلَاءُ إذَا كَانَ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَالْمُولِي لَا يَخْلُو أَمَّا إنْ أَطْلَقَ الْإِيلَاءَ.
-
وَأَمَّا إنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ،
-
وَأَمَّا إنْ أَضَافَهُ إلَى وَقْتٍ،
-
وَأَمَّا إنْ وَقَّتَهُ إلَى غَايَةٍ فَإِنْ أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك كَانَ مُولِيًا لِلْحَالِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَنْ مَنَعَ نَفْسَهُ عَنْ قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا، وَبِمَا يُحْلَفُ بِهِ عَادَةً يَصِيرُ مُولِيًا، أَوْ يُقَالُ: مَنْ لَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُ زَوْجَتِهِ فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْيَمِينِ فَهُوَ مُولٍ وَقَدْ وُجِدَ هَهُنَا؛
-
لِأَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى يَصْلُحُ مَانِعًا - تَحَرُّزًا عَنْ الْهَتْكِ -، وَهُوَ مَا يُحْلَفُ بِهِ عَادَةً، وَعُرْفًا.
-
وَكَذَا لَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُ زَوْجَتِهِ فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ - وَهُوَ الْكَفَّارَةُ - فَيَصِيرُ مُولِيًا.
-
٣/١٦٣٣/١٦٣
وَكَذَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا، وَهَهُنَا ثَلَاثَةُ فُصُولٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا أَوْ يَقُولَ لِنِسَائِهِ الْأَرْبَعِ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ، وَهُمَا فَصْلٌ وَاحِدٌ وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ إحْدَاكُمَا أَوْ إحْدَاكُنَّ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْكُمَا أَوْ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ أَمَّا الْأَوَّلُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا صَارَ مُولِيًا مِنْهُمَا لِلْحَالِ حَتَّى لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَقْرَبْهُمَا فِيهَا بَانَتَا جَمِيعًا، وَيَبْطُلُ.
-
وَكَذَا إذَا قَالَ لِنِسَائِهِ الْأَرْبَعِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ صَارَ مُولِيًا مِنْهُنَّ لِلْحَالِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهُنَّ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بِنَّ جَمِيعًا، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ - وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ - وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ مُولِيًا فِي الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا فَيَصِيرُ مُولِيًا مِنْ الْأُخْرَى.
-
وَفِي الثَّانِي مَا لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً فَيَصِيرُ مُولِيًا مِنْ الْأُخْرَى، وَفِي الثَّالِثِ مَا لَمْ يَطَأْ الثَّالِثَةَ مِنْهُنَّ فَيَصِيرُ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ.
-
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْمُولِيَ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ يَلْزَمُهُ، وَهَهُنَا يُمْكِنُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى قُرْبَانُ إحْدَاهُمَا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِوَطْءِ إحْدَاهُمَا إذْ جُعِلَ شَرْطُ الْحِنْثِ قُرْبَانَهُمَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ يُمْكِنُهُ قُرْبَانُ الثَّلَاثِ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ يَلْزَمُهُ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِوَطْءِ الثَّلَاثِ مِنْهُنَّ فَلِمَ يُوجَدْ حَدُّ الْمُولِي،
-
فَلَا يَكُونُ مُولِيًا، وَإِذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا أَوْ وَطِئَ الثَّلَاثَ مِنْهُنَّ،
-
فَلَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ الْبَاقِيَةِ إلَّا بِحِنْثٍ يَلْزَمُهُ فَوُجِدَ حَدُّ الْإِيلَاءِ فَيَصِيرُ مُولِيًا.
-
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُولِي مَنْ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ امْرَأَتِهِ فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْيَمِينِ.
-
وَهَهُنَا لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا أَوْ الثَّلَاثَ مِنْهُنَّ لَزِمَهُ تَعْيِينُ الْأُخْرَى لِلْإِيلَاءِ، وَهَذَا شَيْءٌ يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْيَمِينِ وَقَدْ وُجِدَ حَدُّ الْإِيلَاءِ فَيَكُونُ مُولِيًا،
-
وَلَوْ قَرِبَ إحْدَاهُمَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ شَرْطِ الْحِنْثِ، وَهُوَ قُرْبَانُهُمَا، وَلَكِنْ يَبْطُلُ إيلَاؤُهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقِفُ عَلَى الْقُرْبَانِ وَقَدْ وُجِدَ، وَالْإِيلَاءُ فِي حَقِّ الْبَاقِيَةِ عَلَى حَالِهِ لِانْعِدَامِ الْمُبْطِلِ فِي حَقِّهِمَا، وَهُوَ الْقُرْبَانُ،
-
وَلَوْ قَرِبَهُمَا جَمِيعًا بَطَلَ إيلَاؤُهُمَا، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ لِوُجُودِ الْمُبْطِلِ لَهُمَا وَالْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ، وَهُوَ قُرْبَانُهُمَا.
-
وَلَوْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بَطَلَ إيلَاؤُهَا،
-
وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ وَطِئَ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ قُرْبَانُهُمَا، وَلَمْ يُوجَدْ،
-
وَلَوْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَا يَبْطُلُ الْإِيلَاءُ.
-
وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ مَا إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ إحْدَاكُمَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُولِيًا مِنْ إحْدَاهُمَا حَتَّى لَوْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَبَطَلَ الْإِيلَاءُ لِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ، وَهُوَ قُرْبَانُ إحْدَاهُمَا،
-
وَلَوْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا أَوْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا ثَلَاثًا أَوْ بَانَتْ بِلَا عِدَّةٍ تَعَيَّنَتْ الْبَاقِيَةُ لِلْإِيلَاءِ لِزَوَالِ الْمُزَاحَمَةِ،
-
وَلَوْ لَمْ يَقْرَبْ إحْدَاهُمَا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ بَانَتْ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا، وَلَهُ خِيَارٌ أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ فِي حَقِّ حُكْمِ الْبِرِّ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ شَرْعًا بِشَرْطِ تَرْكِ الْقُرْبَانِ فِي الْمُدَّةِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ لَمْ أَقْرَبْ إحْدَاكُمَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فِي إحْدَاكُمَا طَالِقٌ بَائِنٌ.
-
وَلَوْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فَمَضَتْ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَقْرَبْ إحْدَاهُمَا طَلُقَتْ إحْدَاهُمَا غَيْرَ عَيْنٍ، وَلَهُ الْخِيَارُ يُوقِعُ عَلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ كَذَا هَذَا،
-
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُعَيِّنَ الْإِيلَاءَ فِي إحْدَاهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ عَيَّنَ إحْدَاهُمَا ثُمَّ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ عَلَى الْمُعَيَّنَةِ بَلْ يَقَعُ عَلَى إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا، وَيُخَيَّرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ فَالتَّعْيِينُ يَكُونُ تَغْيِيرَ الْيَمِينِ،
-
فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الْيَمِينِ إبْطَالُهَا مِنْ وَجْهٍ وَالْيَمِينُ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ،
-
فَلَا يَحْتَمِلُ التَّغْيِيرَ؛ وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ فِي حَقِّ الْبِرِّ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْقُرْبَانِ فِي الْمُدَّةِ،
-
وَمَتَى عَلَّقَ الطَّلَاقَ الْمُبْهَمَ بِشَرْطٍ ثُمَّ أَرَادَ التَّعْلِيقَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَإِحْدَاكُمَا طَالِقٌ،
-
ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَيِّنَ إحْدَاهُمَا قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ كَذَا هَذَا فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَبَانَتْ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَلَهُ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إذَا وَقَعَ فِي الْمَجْهُولَةِ يَتَخَيَّرُ الزَّوْجُ فِي التَّعْيِينِ فَلَهُ أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى إحْدَاهُمَا فَلَوْ لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أُخْرَى وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى، وَبَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِتَطْلِيقَةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْأُخْرَى.
-
وَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ آلَى مِنْ إحْدَاهُمَا لَا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا،
-
فَلَا يَتَنَاوَلُ الْإِيلَاءُ إلَّا إحْدَاهُمَا.
-
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْيَمِينَ بَاقِيَةٌ لِعَدَمِ الْحِنْثِ فَكَانَ تَعْلِيقُ طَلَاقِ إحْدَاهُمَا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ بَاقِيًا،
-
فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى إحْدَاهُمَا فَقَدْ زَالَتْ
-
٣/١٦٤٣/١٦٤
مُزَاحَمَتُهُمَا وَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ فَتَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِبَقَاءِ الْيَمِينِ فِي حَقِّهَا، وَتَعْلِيقِ طَلَاقِهَا كَمَا لَوْ زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ قَبْلَ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ بِالْمَوْتِ بِأَنْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا أَلَيْسَ أَنَّهُ تَتَعَيَّنُ الْأُخْرَى كَذَا هَهُنَا.
-
وَهَلْ يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ عَلَى الْمُولَيْ مِنْهَا بِالْإِيلَاءِ السَّابِقِ بِتَكْرَارِ الْمُدَّةِ؟ لَا نَصَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، وَتَرْجِيحُ بَعْضِ الْأَقَاوِيلِ فِيهِ عَلَى الْبَعْضِ يُعْرَفُ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ عَيَّنَ الطَّلَاقَ فِي إحْدَاهُمَا بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أُخْرَى بَانَتْ الْأُخْرَى بِتَطْلِيقَةٍ عَلَى جَوَابِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَأَمَّا الثَّالِثُ، وَهُوَ مَا إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْكُمَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُولِيًا مِنْهُمَا جَمِيعًا حَتَّى لَوْ مَضَتْ مُدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَقْرَبْهُمَا فِيهَا بَانَتَا جَمِيعًا كَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْجَامِعِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ.
-
وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الْكَرْخِيِّ فَقَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُمَا اسْتِحْسَانًا.
-
وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَكُونُ مُولِيًا مِنْ إحْدَاهُمَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ.
-
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ قَوْلَهُ وَاحِدَةً مِنْكُمَا لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهُمَا بَلْ عَنْ إحْدَاهُمَا، فَصَارَ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ إحْدَاكُمَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا قَرِبَ إحْدَاهُمَا يَحْنَثُ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فَدَلَّ أَنَّ الْيَمِينَ تَنَاوَلَتْ إحْدَاهُمَا لَا غَيْرَ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ - وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ - أَنَّ قَوْلَهُ إحْدَاكُمَا مَعْرِفَةٌ؛
-
لِأَنَّهُ مُضَافٌ إلَى الْكِنَايَةِ وَالْكِنَايَاتُ مَعَارِفُ بَلْ أَعْرَفُ الْمَعَارِفِ وَالْمُضَافُ إلَى الْمَعْرِفَةِ مَعْرِفَةٌ، وَالْمَعْرِفَةُ تَخْتَصُّ فِي النَّفْيِ كَمَا تَخْتَصُّ فِي الْإِثْبَاتِ وَقَوْلُهُ: وَاحِدَةً مِنْكُمَا نَكِرَةٌ؛ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ بِنَفْسِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ صَيْرُورَتَهَا مَعْرِفَةً، وَهُوَ اللَّامُ أَوْ الْإِضَافَةُ فَبَقِيَتْ نَكِرَةً، وَأَنَّهَا فِي مَحَلِّ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَسْتَقِيمُ إدْخَالُ كَلِمَةِ الْإِحَاطَةِ وَالِاشْتِمَالِ - وَهِيَ كَلِمَةُ كُلٍّ - عَلَى وَاحِدَة مِنْكُمَا.