فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

فَصْلٌ رُكْنُ النِّكَاحِ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ١٢٬٣٧٢ إلى ١٢٬٤٣٨

  1. ٢/٢٢٩٢/٢٢٩

    (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا رُكْنُ النِّكَاحِ فَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ.

  3. وَذَلِكَ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ، فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ أَحَدُهَا: فِي بَيَانِ اللَّفْظِ الَّذِي يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِهِ بِحُرُوفِهِ - وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ صِيغَةِ ذَلِكَ اللَّفْظِ.

  4. وَالثَّالِثُ: فِي بَيَانِ أَنَّ النِّكَاحَ هَلْ يَنْعَقِدُ بِعَاقِدٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِعَاقِدَيْنِ.

  5. وَالرَّابِعُ: فِي بَيَانِ صِفَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ أَمَّا بَيَانُ اللَّفْظِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ بِحُرُوفِهِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: لَا خِلَافَ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ.

  6. وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالتَّمْلِيكِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله : يَنْعَقِدُ.

  7. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، اتَّخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» وَكَلِمَتُهُ الَّتِي أَحَلَّ بِهَا الْفُرُوجَ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ لَفْظُ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ فَقَطْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ وَقَالَ سبحانه وتعالى

  8. ٢/٢٣٠٢/٢٣٠

    ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلنِّكَاحِ هُوَ الِازْدِوَاجُ وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ وَسِيلَةً إلَيْهِ؛ فَوَجَبَ اخْتِصَاصُهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الِازْدِوَاجِ، وَهُوَ لَفْظُ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ لَا غَيْرُ.

  9. وَلَنَا أَنَّهُ انْعَقَدَ نِكَاحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، فَيَنْعَقِدُ بِهِ نِكَاحُ أُمَّتِهِ.

  10. وَدَلَالَةُ الْوَصْفِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُؤْمِنَةَ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ اسْتِنْكَاحِهِ إيَّاهَا حَلَالٌ لَهُ.

  11. وَمَا كَانَ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ هُوَ الْأَصْلُ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ،

  12. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَامَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ هَهُنَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ بِغَيْرِ أَجْرٍ فَالْخُلُوصُ يَرْجِعُ إلَى الْأَجْرِ لَا إلَى لَفْظِ الْهِبَةِ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا: ذَكَرَهُ عَقِيبَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ عز وجل ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ فَدَلَّ أَنَّ خُلُوصَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ لَهُ كَانَ بِالنِّكَاحِ بِلَا فَرْضٍ مِنْهُ.

  13. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا حَرَجَ كَانَ يَلْحَقُهُ فِي نَفْسِ الْعِبَارَةِ، وَإِنَّمَا الْحَرَجُ فِي إعْطَاءِ الْبَدَلِ.

  14. وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الِامْتِنَانِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ فِي لَفْظِ الْهِبَةِ، لَيْسَتْ تِلْكَ فِي لَفْظَةِ التَّزْوِيجِ، فَدَلَّ أَنَّ الْمِنَّةَ فِيمَا صَارَتْ لَهُ بِلَا مَهْرٍ، فَانْصَرَفَ الْخُلُوصُ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الِانْعِقَادَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ لِكَوْنِهِ لَفْظًا مَوْضُوعًا لِحُكْمِ أَصْلِ النِّكَاحِ شَرْعًا وَهُوَ الِازْدِوَاجُ وَأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ بِدُونِ الْمِلْكِ،

  15. فَإِذَا أُتِيَ بِهِ يَثْبُتُ الِازْدِوَاجُ بِاللَّفْظِ، وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ الَّذِي يُلَازِمُهُ شَرْعًا.

  16. وَلَفْظُ التَّمْلِيكِ مَوْضُوعٌ لِحُكْمٍ آخَرَ أَصْلِيٍّ لِلنِّكَاحِ وَهُوَ الْمِلْكُ، وَإِنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي النِّكَاحِ بِدُونِ الِازْدِوَاجِ فَإِذَا أُتِيَ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ الْمِلْكُ، وَيَثْبُتَ الِازْدِوَاجُ الَّذِي يُلَازِمُهُ شَرْعًا، اسْتِدْلَالًا لِأَحَدِ اللَّفْظَيْنِ بِالْآخَرِ، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُتَلَازِمَانِ شَرْعًا، وَلَمْ يُشْرَعْ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ،

  17. فَإِذَا ثَبَتَ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ ضَرُورَةً، وَيَكُونُ الرِّضَا بِأَحَدِهِمَا رِضًا بِالْآخِرِ.

  18. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَنَقُولُ بِمُوجِبِهِ لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ اسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ اسْتِحْلَالٌ بِغَيْرِ كَلِمَةِ اللَّه فَيَرْجِعُ الْكَلَامُ إلَى تَفْسِيرِ الْكَلِمَةِ الْمَذْكُورَةِ فَنَقُولُ: كَلِمَةُ اللَّهِ تَعَالَى تَحْتَمِلُ حُكْمَ اللَّهِ عز وجل كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ فَلِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّ جَوَازَ النِّكَاحِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَيْسَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ مَعَ مَا أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ جُعِلَ عَلَمًا عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِضَافَةُ الْكَلِمَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ أَنَّ الشَّارِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ الْجَاعِلُ اللَّفْظَ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ شَرْعًا، فَكَانَ كَلِمَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ بِكَلِمَةِ اللَّهِ لَا يُنْفَى الِاسْتِحْلَال لَا بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ.

  19. وَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا.

  20. وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظٍ مَوْضُوعٍ لَتَمْلِيكِ الْعَيْنِ، هَكَذَا رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ لَفْظٍ يَكُونُ فِي اللُّغَةِ تَمْلِيكًا لِلرَّقَبَةِ فَهُوَ فِي الْحُرَّةِ نِكَاحٌ.

  21. وَحُكِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ اللَّهُ تَعَالَى الْمَهْرَ أَجْرًا،

  22. وَلَا أَجْرَ إلَّا بِالْإِجَارَةِ،

  23. فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْإِجَارَةُ نِكَاحًا لَمْ يَكُنْ الْمَهْرُ أَجْرًا.

  24. (وَجْهُ) قَوْلِ الْعَامَّةِ: أَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ مُؤَقَّتٌ بِدَلِيلِ أَنَّ التَّأْبِيدَ يُبْطِلُهَا، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ مُؤَبَّدٍ بِدَلِيلِ أَنَّ التَّوْقِيتَ يُبْطِلُهُ.

  25. وَانْعِقَادُ الْعَقْدِ بِلَفْظٍ يَتَضَمَّنُ الْمَنْعَ مِنْ الِانْعِقَادِ مُمْتَنِعٌ، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ، وَمَنَافِعُ الْبُضْعِ فِي حُكْمِ الْأَجْزَاءِ.

  26. وَالْأَعْيَانِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ مِلْكُ الْعَيْنِ بِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ.

  27. وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِعَارَةِ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ إنْ كَانَتْ إبَاحَةَ الْمَنْفَعَةِ فَالنِّكَاحُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ، لِانْعِدَامِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ أَصْلًا.

  28. وَإِنْ كَانَتْ تَمْلِيكَ الْمُتْعَةِ فَالنِّكَاحُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظٍ مَوْضُوعٍ لَتَمْلِيكِ الرَّقَبَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ.

  29. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي لَفْظِ الْقَرْضِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِعَارَةِ.

  30. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ فِي الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَقْرَضَ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُسْتَقْرِضِ.

  31. وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي لَفْظِ السَّلَمِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ لَا يَصِحُّ.

  32. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَالسَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ يَنْعَقِدُ عِنْدَنَا، حَتَّى لَوْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ يُعَدُّ الْمِلْكُ مِلْكًا فَاسِدًا، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ يُفْسِدُ النِّكَاحَ.

  33. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي لَفْظِ الصَّرْفِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْعَقِدُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ فِي

  34. ٢/٢٣١٢/٢٣١

    الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هَهُنَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ.

  35. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الْعَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ.

  36. وَأَمَّا لَفْظُ الْوَصِيَّةِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالنِّكَاحُ الْمُضَافُ إلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَصِحُّ.

  37. وَحُكِيَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ فِي الْجُمْلَةِ.

  38. وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ عَنْ الْكَرْخِيِّ إنْ قَيَّدَ الْوَصِيَّةَ بِالْحَالِّ بِأَنْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَكَ بِابْنَتِي هَذِهِ الْآنَ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَيَّدَهُ بِالْحَالِّ صَارَ مَجَازًا عَنْ التَّمْلِيكِ،

  39. وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِحْلَالِ وَالْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ أَصْلًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُبَاحَ لَهُ الطَّعَامُ يَتَنَاوَلُهُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمُبِيحِ، حَتَّى كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَجْرِ وَالْمَنْعِ.

  40. وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلتَّمْلِيكِ؛ وَلِأَنَّ الْمُتْعَةَ عَقْدٌ مَفْسُوخٌ لِمَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهِ وَلَوْ أَضَافَ الْهِبَةَ إلَى الْأَمَةِ؛ بِأَنْ قَالَ رَجُلٌ: وَهَبْتُ أَمَتِي هَذِهِ مِنْكَ فَإِنْ كَانَ الْحَالُ يَدُلُّ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ إحْضَارِ الشُّهُودِ، وَتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ، مُؤَجَّلًا وَمُعَجَّلًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، يُنْصَرَفُ إلَى النِّكَاحِ.

  41. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَالُ دَلِيلًا عَلَى النِّكَاحِ،

  42. فَإِنْ نَوَى النِّكَاحَ فَصَدَقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَكَذَلِكَ وَيُنْصَرَفُ إلَى النِّكَاحِ بِقَرِينَةِ النِّيَّةِ.

  43. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ يُنْصَرَفُ إلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ - وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ - ثُمَّ النِّكَاحُ كَمَا يَنْعَقِدُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ يَنْعَقِدُ بِهَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، بِالْوَكَالَةِ، وَالرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ كَتَصَرُّفِ الْمُوَكِّلِ، وَكَلَامَ الرَّسُولِ كَلَامُ الْمُرْسِلِ، وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْوَكَالَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّجَّاشِيَّ زَوَّجَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها فَلَا يَخْلُو ذَلِكَ إمَّا أَنْ فَعَلَهُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لَا بِأَمْرِهِ،

  44. فَإِنْ فَعَلَهُ بِأَمْرِهِ فَهُوَ وَكِيلُهُ،

  45. وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَقَدْ أَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ عَقْدَهُ وَالْإِجَازَةُ اللَّاحِقَةُ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ، وَكَمَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْعِبَارَةِ يَنْعَقِدُ بِالْإِشَارَةِ مِنْ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَتْ إشَارَتُهُ مَعْلُومَةً وَيَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مِنْ الْغَائِبِ خِطَابُهُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -.

  46. وَأَمَّا بَيَانُ صِيغَةِ اللَّفْظِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَاضِي كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُ وَتَزَوَّجْتُ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ.

  47. وَأَمَّا بِلَفْظَيْنِ يُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْمَاضِي وَبِالْآخَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا إذَا قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: زَوِّجْنِي بِنْتَك أَوْ قَالَ: جِئْتُكَ خَاطِبًا ابْنَتَك أَوْ قَالَ جِئْتُك لِتُزَوِّجَنِي بِنْتَك فَقَالَ الْأَبُ: قَدْ زَوَّجْتُك أَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: أَتَزَوَّجُك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَالَتْ: قَدْ تَزَوَّجْتُك عَلَى ذَلِكَ أَوْ قَالَ لَهَا: زَوِّجِينِي أَوْ انْكِحِينِي نَفْسَك فَقَالَتْ: زَوَّجْتُك أَوْ أَنْكَحْت يَنْعَقِدُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ؛

  48. لِأَنَّ لَفْظَ الِاسْتِقْبَالِ عُدَّةٌ، وَالْأَمْرُ مِنْ فُرُوعِ الِاسْتِقْبَالِ؛ فَلَمْ يُوجَدْ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَمْ يُوجَدُ الْإِيجَابُ إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ بِلَالًا رضي الله عنه خَطَبَ إلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَخْطُبَ إلَيْكُمْ لَمَا خَطَبْتُ فَقَالُوا لَهُ: مَلَكْت» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ بِلَالًا أَعَادَ الْقَوْلَ.

  49. وَلَوْ فَعَلَ لِنَقُلْ.

  50. وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِيجَابَ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَمَةَ لَا تَتَحَقَّقُ فِي النِّكَاحِ عَادَةً، فَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْإِيجَابِ

  51. بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّ السَّوْمَ مُعْتَادٌ فِيهِ فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَيْهِ،

  52. فَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ آخَرَ يَتَأَدَّى بِهِ الْإِيجَابُ - وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ -.

  53. وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ النِّكَاحَ هَلْ يَنْعَقِدُ بِعَاقِدٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِعَاقِدَيْنِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْفَصْلِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يَنْعَقِدُ بِعَاقِدٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَتْ لَهُ وِلَايَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، سَوَاءً كَانَتْ وِلَايَتُهُ أَصْلِيَّةً، كَالْوِلَايَةِ الثَّابِتَةِ بِالْمِلْكِ وَالْقَرَابَةِ، أَوْ دَخِيلَةً كَالْوِلَايَةِ الثَّابِتَةِ بِالْوَكَالَةِ؛

  54. بِأَنْ كَانَ الْعَاقِدُ مَالِكًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَالْمَوْلَى إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ، أَوْ كَانَ وَلِيًّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، كَالْجَدِّ إذَا زَوَّجَ ابْنَ ابْنِهِ الصَّغِيرَ مِنْ بِنْتِ ابْنِهِ الصَّغِيرَةِ، وَالْأَخَ إذَا زَوَّجَ بِنْتَ أَخِيهِ الصَّغِيرَةِ مِنْ ابْنِ أَخِيهِ الصَّغِيرِ أَوْ كَانَ أَصِيلًا وَوَلِيًّا كَابْنِ الْعَمِّ إذَا زَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ كَانَ وَكِيلًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ رَسُولًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ كَانَ وَلِيًّا مِنْ جَانِبٍ وَوَكِيلًا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، أَوْ وَكَّلَتْ امْرَأَةٌ رَجُلًا لِيَتَزَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ امْرَأَةً لِتُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ.

  55. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِعَاقِدٍ وَاحِدٍ أَصْلًا.

  56. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ إلَّا إذَا كَانَ وَلِيًّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ.

  57. وَلَقَبُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْوَاحِدَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ بِالنِّكَاحِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَمْ لَا؟ (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ رُكْنَ النِّكَاحِ اسْمٌ لِشَطْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَهُوَ: الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ،

  58. فَلَا يَقُومَانِ إلَّا بِعَاقِدَيْنِ كَشَطْرَيْ الْبَيْعِ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِي

  59. ٢/٢٣٢٢/٢٣٢

    الْوَلِيِّ ضَرُورَةٌ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ بِلَا وَلِيٍّ،

  60. فَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ مُتَعَيَّنًا فَلَوْ لَمْ يُجِزْ نِكَاحَ الْمُوَلِّيَةِ لَامْتَنَعَ نِكَاحُهَا أَصْلًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ مُنْعَدِمَةٌ فِي الْوَكِيلِ وَنَحْوِهِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي يَتِيمَةٍ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا، وَهِيَ ذَاتُ مَالٍ (وَوَجْهُ) الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعِتَابِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقُومُ بِنِكَاحِ وَلِيَّتِهِ وَحْدَهُ، إذْ لَوْ لَمْ يَقُمْ وَحْدَهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْعِتَابِ مَعْنًى، لِمَا فِيهِ مِنْ إلْحَاقِ الْعِتَابِ بِأَمْرٍ لَا يَتَحَقَّقُ.

  61. وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ أَمَرَ سبحانه وتعالى بِالْإِنْكَاحِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْإِنْكَاحِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ نَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي بَابِ النِّكَاحِ لَيْسَ بِعَاقِدٍ بَلْ هُوَ سَفِيرٌ عَنْ الْعَاقِدِ وَمُعَبِّرٌ عَنْهُ بِدَلِيلِ أَنَّ حُقُوقَ النِّكَاحِ وَالْعَقْدِ لَا تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ،

  62. وَإِذَا كَانَ مُعَبِّرًا عَنْهُ وَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الزَّوْجَيْنِ؛ فَكَانَتْ عِبَارَتُهُ كَعِبَارَةِ الْمُوَكِّلِ؛ فَصَارَ كَلَامُهُ كَكَلَامِ شَخْصَيْنِ فَيُعْتَبَرُ إيجَابُهُ كَلَامًا لِلْمَرْأَةِ، كَأَنَّهَا قَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ، وَقَبُولُهُ كَلَامًا لِلزَّوْجِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ قَبِلْت فَيَقُومُ الْعَقْدُ بِاثْنَيْنِ حُكْمًا وَالثَّابِتُ بِالْحُكْمِ مُلْحَقٌ بِالثَّابِتِ حَقِيقَةً.

  63. وَأَمَّا الْبَيْعُ فَالْوَاحِدُ فِيهِ إذَا كَانَ وَلِيًّا يَقُومُ بِطَرَفَيْ الْعَقْدِ، كَالْأَبِ يَشْتَرِي مَالَ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَبِيعُ مَالَ نَفْسِهِ مِنْ الصَّغِيرِ، أَوْ يَبِيعُ مَالَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، أَوْ يَشْتَرِي، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ وَكِيلًا لَا يَقُومُ بِهِمَا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الْعَاقِدِ،

  64. فَلَا يَصِيرُ كَلَامُ الْعَاقِدِ كَلَامَ الشَّخْصَيْنِ؛ وَلِأَنَّ حُقُوقَ الْبَيْعِ إذَا كَانَتْ مُقْتَصِرَةً عَلَى الْعَاقِدِ وَلِلْبَيْعِ أَحْكَامٌ مُتَضَادَّةٌ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ وَالْمُطَالَبَةِ،

  65. فَلَوْ تَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ لَصَارَ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ مُطَالِبًا وَمَطْلُوبًا وَمُسَلِّمًا وَمُتَسَلِّمًا وَهَذَا مُمْتَنِعٌ - وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ -.

  66. (وَأَمَّا) .

  67. صِفَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَهِيَ: أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا لَازِمًا قَبْلَ وُجُودِ الْآخَرِ، حَتَّى لَوْ وُجِدَ الْإِيجَابُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا رُكْنٌ وَاحِدٌ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا بَعْضَ الرُّكْنِ، وَالْمُرَكَّبُ مِنْ شَيْئَيْنِ لَا وُجُودَ لَهُ بِأَحَدِهِمَا.