فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ التَّضْحِيَةِ وَبَعْدَهَا وَمَا يُكْرَهُ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ٢٦٬١٣٥ إلى ٢٦٬١٨٨
-
٥/٧٨٥/٧٨
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ التَّضْحِيَةِ وَعِنْدَهَا وَبَعْدَهَا وَمَا يُكْرَهُ أَمَّا الَّذِي هُوَ قَبْلَ التَّضْحِيَةِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْبِطَ الْأُضْحِيَّةَ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ بِأَيَّامٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ لِلْقُرْبَةِ وَإِظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِيهَا فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَثَوَابٌ وَأَنْ يُقَلِّدَهَا وَيُجَلِّلَهَا اعْتِبَارًا بِالْهَدَايَا، وَالْجَامِعُ أَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِهَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وَأَنْ يَسُوقَهَا إلَى الْمَنْسَكِ سَوْقًا جَمِيلًا لَا عَنِيفًا وَأَنْ لَا يَجُرَّ بِرِجْلِهَا إلَى الْمَذْبَحِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ فَيُكْرَهُ أَنْ يَحْلُبَهَا أَوْ يَجُزَّ صُوفَهَا فَيَنْتَفِعَ بِهِ لِأَنَّهُ عَيَّنَهَا لِلْقُرْبَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا قَبْلَ إقَامَةِ الْقُرْبَةِ فِيهَا، كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِلَحْمِهَا إذَا ذَبَحَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَلِأَنَّ الْحَلْبَ وَالْجَزَّ يُوجِبُ نَقْصًا فِيهَا وَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ إدْخَالِ النَّقْصِ فِي الْأُضْحِيَّةَ،
-
وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ هَذَا فِي الشَّاةِ الْمَنْذُورِ بِهَا بِعَيْنِهَا مِنْ الْمُعْسِرِ أَوْ الْمُوسِرِ أَوْ الشَّاةِ الْمُشْتَرَاةِ لِلْأُضْحِيَّةِ مِنْ الْمُعْسِرِ فَأَمَّا الْمُشْتَرَاةُ مِنْ الْمُوسِرِ لِلْأُضْحِيَّةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْلُبَهَا وَيَجُزَّ صُوفَهَا؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَعَيَّنَتْ الشَّاةُ لِوُجُوبِ التَّضْحِيَةِ بِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَقُومُ التَّضْحِيَةُ بِغَيْرِهَا مَقَامَهَا وَإِذَا تَعَيَّنَتْ لِوُجُوبِ التَّضْحِيَةِ بِهَا بِتَعْيِينِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي جُزْءٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّانِي لَمْ تَتَعَيَّنْ لِلْوُجُوبِ بَلْ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِهَا مَا فِي ذِمَّتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ غَيْرَهَا يَقُومُ مَقَامَهَا فَكَانَتْ جَائِزَةَ الذَّبْحِ لَا وَاجِبَةَ الذَّبْحِ، وَالْجَوَابُ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُشْتَرَاةَ لِلْأُضْحِيَّةِ مُتَعَيَّنَةٌ لِلْقُرْبَةِ إلَى أَنْ يُقَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا فَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَا دَامَتْ مُتَعَيَّنَةٌ وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ لَحْمُهَا إذَا ذَبَحَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا،
-
فَإِنْ كَانَ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ - وَهُوَ يَخَافُ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَحْلُبْهَا - نَضَحَ ضَرْعَهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ حَتَّى يَتَقَلَّصَ اللَّبَنُ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى الْحَلْبِ وَلَا وَجْهَ لِإِبْقَائِهَا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهَا الْهَلَاكَ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ فَتَعَيَّنَ نَضْحُ الضَّرْعِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ لِيَنْقَطِعَ اللَّبَنُ فَيَنْدَفِعَ الضَّرَرُ فَإِنْ حَلَبَ تَصَدَّقَ بِاللَّبَنِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ شَاةٍ مُتَعَيِّنَةٍ لِلْقُرْبَةِ مَا أُقِيمَتْ فِيهَا الْقُرْبَةُ فَكَانَ الْوَاجِبُ هُوَ التَّصَدُّقُ بِهِ، كَمَا لَوْ ذُبِحَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ،
-
وَإِنْ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ جَازَ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ،
-
وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَالْوَبَرِ.
-
وَيُكْرَهُ لَهُ بَيْعُهَا لِمَا قُلْنَا،
-
وَلَوْ بَاعَ جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الرَّحْمَةُ - لِأَنَّهُ بَيْعُ مَالٍ مَمْلُوكٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الشَّرَائِطِ فَيَجُوزُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله لَا يَجُوزُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ ثُمَّ إذَا جَازَ بَيْعُهَا عَلَى أَصْلِهِمَا فَعَلَيْهِ مَكَانَهَا مِثْلُهَا أَوْ أَرْفَعُ مِنْهَا فَيُضَحِّي بِهَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ،
-
وَإِنْ اشْتَرَى دُونَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ وَلَا يَنْظُرُ إلَى الثَّمَنِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى الْقِيمَةِ حَتَّى لَوْ بَاعَ الْأُولَى بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا وَاشْتَرَى الثَّانِيَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا وَثَمَنُ الثَّانِيَةِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِ الْأُولَى يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِفَضْلِ قِيمَةِ الْأُولَى،
-
فَإِنْ وَلَدَتْ الْأُضْحِيَّةُ وَلَدًا يُذْبَحُ وَلَدُهَا مَعَ الْأُمِّ كَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ.
-
وَقَالَ أَيْضًا: وَإِنْ بَاعَهُ يَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ تَعَيَّنَتْ لِلْأُضْحِيَّةِ، وَالْوَلَدُ يَحْدُثُ عَلَى وَصْفِ الْأُمِّ فِي الصِّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَسْرِي إلَى
-
٥/٧٩٥/٧٩
الْوَلَدِ كَالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ هَذَا فِي الْأُضْحِيَّةَ الْمُوجَبَةِ بِالنَّذْرِ كَالْفَقِيرِ إذَا اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ،
-
فَأَمَّا الْمُوسِرُ إذَا اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ فَوَلَدَتْ لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ الْوُجُوبُ فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ وَفِي الثَّانِي لَمْ يَتَعَيَّنْ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِغَيْرِهَا فَكَذَا وَلَدُهَا.
-
وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله وَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُنَا يَقُولُونَ يَجِبُ ذَبْحُ الْوَلَدُ،
-
وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَسْرِ إلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَكَانَ كَجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا فَإِنْ ذَبَحَهُ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ وَإِنْ بَاعَهُ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ،
-
وَلَا يَبِيعُهُ وَلَا يَأْكُلُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْبَحَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ذَبَحَهُ أَيَّامَ النَّحْرِ وَأَكَلَ مِنْهُ كَالْأُمِّ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ،
-
فَإِنْ أَمْسَكَ الْوَلَدَ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ تَصَدَّقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ ذَبْحُهُ فَصَارَ كَالشَّاةِ الْمَنْذُورَةِ.
-
وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى: إذَا وَضَعَتْ الْأُضْحِيَّةُ فَذَبَحَ الْوَلَدَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْأُمِّ أَجْزَأَهُ،
-
فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ يَوْمَ الْأَضْحَى قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ، قَالَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله : وَهَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أَنَّ الصِّغَارَ تَدْخُلُ فِي الْهَدَايَا وَيَجِبُ ذَبْحُهَا،
-
وَلَوْ وَلَدَتْ الْأُضْحِيَّةُ تَعَلَّقَ بِوَلَدِهَا مِنْ الْحُكْمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فَصَارَ كَمَا لَوْ فَاتَ بِمُضِيِّ الْأَيَّامِ.
-
وَيُكْرَهُ لَهُ رُكُوبُ الْأُضْحِيَّةَ وَاسْتِعْمَالُهَا وَالْحَمْلُ عَلَيْهَا،
-
فَإِنْ فَعَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقَصَهَا ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِنُقْصَانِهَا،
-
وَلَوْ آجَرَهَا صَاحِبُهَا لِيُحْمَلَ عَلَيْهَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَنْبَغِي أَنْ يَغْرَمَ مَا نَقَصَهَا الْحَمْلُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى فِي رَجُلٍ أَهْدَى نَاقَةً ثُمَّ آجَرَهَا ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهَا فَإِنَّ صَاحِبَهَا يَغْرَمُ مَا نَقَصَهَا ذَلِكَ وَيَتَصَدَّقُ بِالْكِرَاءِ كَذَا هَهُنَا.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي هُوَ فِي حَالِ التَّضْحِيَةِ فَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ التَّضْحِيَةِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ التَّضْحِيَةُ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْأُضْحِيَّةَ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى وَقْتِ التَّضْحِيَةِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى آلَةِ التَّضْحِيَةِ: أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ التَّضْحِيَةِ فَمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ الذَّبْحُ فِي الشَّاةِ وَالْبَقَرِ وَالنَّحْرُ فِي الْإِبِلِ وَيُكْرَهُ الْقَلْبُ مِنْ ذَلِكَ وَقَطْعُ الْعُرُوقِ الْأَرْبَعَةِ كُلِّهَا وَالتَّذْفِيفُ فِي ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ مِنْ الْحُلْقُومِ لَا مِنْ الْقَفَا.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ التَّضْحِيَةُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فَمُبَاشَرَتُهَا بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنْ تَوْلِيَتِهَا غَيْرَهُ كَسَائِرِ الْقُرُبَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فَنَحَرَ مِنْهَا نَيِّفًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ عليه الصلاة والسلام ثُمَّ أَعْطَى الْمُدْيَةَ سَيِّدَنَا عَلِيًّا رضي الله عنه فَنَحَرَ الْبَاقِينَ» وَهَذَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ يُحْسِنُ الذَّبْحَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ،
-
فَأَمَّا إذَا لَمْ يُحْسِنْ فَتَوْلِيَتُهُ غَيْرَهُ فِيهِ أَوْلَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: نَحَرْتُ بَدَنَةً قَائِمَةً مَعْقُولَةً فَلَمْ أَشُقَّ عَلَيْهَا فَكِدْتُ أُهْلِكُ نَاسًا لِأَنَّهَا نَفَرَتْ فَاعْتَقَدْتُ أَنْ لَا أَنْحَرَهَا إلَّا بَارِكَةً مَعْقُولَةً وَأُوَلِّيَ مَنْ هُوَ أَقْدَرُ عَلَى ذَلِكَ مِنِّي.
-
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْت النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا أَيْ عَلَى جَوَانِبِ عُنُقِهِمَا وَهُوَ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ عليه الصلاة والسلام مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَذَبَحَ الْأَوَّلَ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ آلِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ذَبَحَ الْآخَرَ وَقَالَ عليه الصلاة والسلام اللَّهُمَّ هَذَا عَمَّنْ شَهِدَ لَك بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الذَّابِحُ حَالَ الذَّبْحِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ لِمَا رَوَيْنَا وَإِذَا لَمْ يَذْبَحْ بِنَفْسِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ مُسْلِمًا فَإِنْ أَمَرَ كِتَابِيًّا يُكْرَهُ لِمَا قُلْنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ الذَّبْحَ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ لِسَيِّدَتِنَا فَاطِمَةَ رضي الله عنها «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ قُومِي فَاشْهَدِي ضَحِيَّتَكِ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا مَغْفِرَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ أَمَا إنَّهُ يُجَاءُ بِدَمِهَا وَلَحْمِهَا فَيُوضَعُ فِي مِيزَانِك وَسَبْعُونَ ضِعْفًا فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا لِآلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً فَإِنَّهُمْ أَصْلٌ لِمَا خُصُّوا بِهِ مِنْ الْخَيْرِ أَمْ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً فَقَالَ: هَذَا لِآلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» .
-
وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا فَاطِمَةُ قُومِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكِ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ وَقُولِي إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ» وَأَنْ يَدْعُوَ فَيَقُولَ: اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِمَا رَوَيْنَا،
-
وَأَنْ يَقُولَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ فَقَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: وَجَّهَتْ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ
-
٥/٨٠٥/٨٠
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» .
-
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ الْمُعَتِّمِ الْكِنَانِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ سَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه يَوْمَ الْأَضْحَى إلَى عِيدٍ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ يَا قَنْبَرٌ أَدْنِ مِنِّي أَحَدَ الْكَبْشَيْنِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ قَالَ: وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ عَلِيٍّ فَذَبَحَهُ ثُمَّ دَعَا بِالثَّانِي فَفَعَلَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَرِّدَ التَّسْمِيَةَ عَنْ الدُّعَاءِ فَلَا يَخْلِطَ مَعَهَا دُعَاءً وَإِنَّمَا يَدْعُو قَبْلَ التَّسْمِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَيُكْرَهُ حَالَةَ التَّسْمِيَةِ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْأُضْحِيَّةَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ أَسْمَنَهَا وَأَحْسَنَهَا وَأَعْظَمَهَا لِأَنَّهَا مَطِيَّةُ الْآخِرَةِ قَالَ عليه الصلاة والسلام «عَظِّمُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا عَلَى الصِّرَاطِ مَطَايَاكُمْ» وَمَهْمَا كَانَتْ الْمَطِيَّةُ أَعْظَمَ وَأَسْمَنَ كَانَتْ عَلَى الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ أَقْدَرَ، وَأَفْضَلُ الشَّاءِ أَنْ يَكُونَ كَبْشًا أَمْلَحَ أَقْرَنَ مَوْجُوءًا؛
-
لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ» وَالْأَقْرَنُ: الْعَظِيمُ الْقَرْنِ، وَالْأَمْلَحُ: الْأَبْيَضُ.
-
وَرُوِيَ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ «دَمُ الْعَفْرَاءِ يَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلَ دَمِ السَّوْدَاوَيْنِ وَإِنَّ أَحْسَنَ اللَّوْنِ عِنْدَ اللَّهِ الْبَيَاضُ، وَاَللَّهُ خَلَقَ الْجَنَّةَ بَيْضَاءَ» وَالْمَوْجُوءُ: قِيلَ هُوَ مَدْقُوقُ الْخُصْيَتَيْنِ،
-
وَقِيلَ: هُوَ الْخَصِيُّ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ التَّضْحِيَةِ بِالْخَصِيِّ فَقَالَ: مَا زَادَ فِي لَحْمِهِ أَنْفَعُ مِمَّا ذَهَبَ مِنْ خُصْيَتَيْهِ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى وَقْتِ التَّضْحِيَةِ فَالْمُسْتَحَبُّ هُوَ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لِمَا رَوَيْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَنَّهُمْ قَالُوا: أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ؛ أَوَّلُهَا أَفْضَلُهَا وَلِأَنَّهُ مُسَارَعَةٌ إلَى الْخَيْرِ وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ - جَلَّ شَأْنُهُ - الْمُسَارِعِينَ إلَى الْخَيْرَاتِ السَّابِقِينَ لَهَا بِقَوْلِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ وَقَالَ - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ إلَى سَبَبِ الْمَغْفِرَةِ وَلِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ شَأْنُهُ - أَضَافَ عِبَادَهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِلُحُومِ الْقَرَابِينِ فَكَانَتْ التَّضْحِيَةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مِنْ بَابِ سُرْعَةِ الْإِجَابَةِ إلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ - جَلَّ شَأْنُهُ -، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بِالنَّهَارِ وَيُكْرَهُ أَنْ تَكُونَ بِاللَّيْلِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ وَالصُّيُودِ، وَأَفْضَلُ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ لِأَهْلِ السَّوَادِ مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛
-
لِأَنَّ عِنْدَهُ يَتَكَامَلُ آثَارُ أَوَّلِ النَّهَارِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى آلَةِ التَّضْحِيَةِ فَمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ آلَةُ الذَّبْحِ حَادَّةً مِنْ الْحَدِيدِ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي هُوَ بَعْدَ الذَّبْحِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَبَّصَ بَعْدَ الذَّبْحِ قَدْرَ مَا يَبْرُدُ وَيَسْكُنُ مِنْ جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَتَزُولُ الْحَيَاةُ عَنْ جَمِيعِ جَسَدِهِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَنْخَعَ وَيَسْلُخَ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ وَلِصَاحِبِ الْأُضْحِيَّةَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وَلِأَنَّهُ ضَيْفُ اللَّهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ كَغَيْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الدِّمَاءَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: .
-
نَوْعٌ يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَنَوْعٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَنَوْعٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ، الْأَوَّلُ دَمُ الْأُضْحِيَّةَ نَفْلًا كَانَ أَوْ وَاجِبًا مَنْذُورًا كَانَ أَوْ وَاجِبًا مُبْتَدَأً، وَالثَّانِي دَمُ الْإِحْصَارِ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ وَدَمُ الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ كَحَلْقِ الرَّأْسِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ وَالْجِمَاعِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْجِنَايَاتِ، وَدَمُ النَّذْرِ بِالذَّبْحِ، وَالثَّالِثُ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، فَعِنْدَنَا يُؤْكَلُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَا يُؤْكَلُ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْمَنَاسِكِ ثُمَّ كُلُّ دَمٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ؛
-
إذْ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَكُلُّ دَمٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَأَدَّى إلَى التَّسْيِيبِ.
-
وَلَوْ هَلَكَ اللَّحْمُ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا أَمَّا فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّهُ هَلَكَ عَنْ غَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ إنْ كَانَ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي يَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مُتَعَيِّنًا لِلتَّصَدُّقِ بِهِ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا وَلَوْ بَاعَهُ نَفَذَ بَيْعُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ «إذَا ضَحَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَيُطْعِمْ مِنْهُ غَيْرَهُ» .
-
وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِغُلَامِهِ قَنْبَرٍ - حِينَ ضَحَّى بِالْكَبْشَيْنِ
-
٥/٨١٥/٨١
يَا قَنْبَرٌ خُذْ لِي مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِضْعَةً وَتَصَدَّقْ بِهِمَا بِجُلِّ وَدِهِمَا وَبِرُءُوسِهِمَا وَبِأَكَارِعِهِمَا، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ وَيَتَّخِذَ الثُّلُثَ ضِيَافَةً لِأَقَارِبِهِ وَأَصْدِقَائِهِ وَيَدَّخِرَ الثُّلُثَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وَقَوْلِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ وَقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَكُلُوا مِنْهَا وَادَّخِرُوا» فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ مَا قُلْنَا وَلِأَنَّهُ يَوْمُ ضِيَافَةِ اللَّهِ عز وجل بِلُحُومِ الْقَرَابِينِ فَيُنْدَبُ إشْرَاكُ الْكُلِّ فِيهَا وَيُطْعِمُ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ جَمِيعًا لِكَوْنِ الْكُلِّ أَضْيَافَ اللَّهِ تَعَالَى - عَزَّ شَأْنُهُ - فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَلَهُ أَنْ يَهَبَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا،
-
وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالْكُلِّ جَازَ وَلَوْ حَبَسَ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ فِي الْإِرَاقَةِ.
-
(وَأَمَّا) التَّصَدُّقُ بِاللَّحْمِ فَتَطَوُّعٌ وَلَهُ أَنْ يَدَّخِرَ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ «إنِّي كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ إمْسَاكِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَلَا فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ» وَرُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِأَجْلِ الرَّأْفَةِ دُونَ حَضْرَةِ الْأَضْحَى» أَلَّا إنَّ إطْعَامَهَا وَالتَّصَدُّقَ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ ذَا عِيَالٍ وَغَيْرَ مُوَسَّعِ الْحَالِ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَدَعَهُ لِعِيَالِهِ وَيُوسِعَ بِهِ عَلَيْهِمْ؛
-
لِأَنَّ حَاجَتَهُ وَحَاجَةَ عِيَالِهِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَاجَةِ غَيْرِهِ قَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام «ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِغَيْرِك» .
-
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ جِلْدِهَا وَشَحْمِهَا وَلَحْمِهَا وَأَطْرَافِهَا وَرَأْسِهَا وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا وَوَبَرِهَا وَلَبَنِهَا الَّذِي يَحْلُبُهُ مِنْهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا بِشَيْءٍ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِاسْتِهْلَاكِ عَيْنِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ،
-
وَلَا أَنْ يُعْطِيَ أَجْرَ الْجَزَّارِ وَالذَّابِحِ مِنْهَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلَا أُضْحِيَّةَ لَهُ» وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه : " تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا، وَلَا تُعْطِي أَجْرًا لِجَزَّارٍ مِنْهَا " وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّهُ قَالَ: إذَا ضَحَّيْتُمْ فَلَا تَبِيعُوا لُحُومَ ضَحَايَاكُمْ وَلَا جُلُودَهَا وَكُلُوا مِنْهَا وَتَمَتَّعُوا وَلِأَنَّهَا مِنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - الَّتِي أَضَافَ بِهَا عِبَادَهُ وَلَيْسَ لِلضَّيْفِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ طَعَامِ الضِّيَافَةِ شَيْئًا فَإِنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
-
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَنْفُذُ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا قَبْلَ الذَّبْحِ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ ذَهَبَتْ عَنْهُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ وَلِأَنَّهُ اسْتَفَادَهُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ وَهُوَ الْبَيْعُ فَلَا يَخْلُو عَنْ خُبْثٍ فَكَانَ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقَ وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِ أُضْحِيَّتِهِ فِي بَيْتِهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ سِقَاءً أَوْ فَرْوًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛
-
لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا اتَّخَذَتْ مِنْ جِلْدِ أُضْحِيَّتِهَا سِقَاءً وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِلَحْمِهَا فَكَذَا بِجِلْدِهَا، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِمَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ كَالْجِرَابِ وَالْمُنْخُلِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ الَّذِي يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ فَكَانَ الْمُبْدَلُ قَائِمًا مَعْنًى فَكَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَالِانْتِفَاعِ بِعَيْنِ الْجِلْدِ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ فَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْجِلْدِ فَلَا يَكُونُ الْجِلْدُ قَائِمًا مَعْنًى وَاَللَّهُ تَعَالَى - عَزَّ شَأْنُهُ - أَعْلَمُ.