فَصْلٌ سَبَبِ وُجُوبِ الْحَجّ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ١٢٬٢٢٠ إلى ١٢٬٣٢٩
-
٢/٢٢٣٢/٢٢٣
(فَصْلٌ) :
-
ثُمَّ الْحَجُّ كَمَا هُوَ وَاجِبٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً عَلَى مَنْ اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَ الْوُجُوبِ - وَهُوَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ - فَقَدْ يَجِبُ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ بِنَاؤُهُ عَلَى وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ مِنْ الْعَبْدِ وَهُوَ النَّذْرُ بِأَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ لِأَنَّ النَّذْرَ مِنْ أَسْبَابِ الْوُجُوبِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْقُرَبِ الْمَقْصُودَةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»
-
وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ حَجَّةٌ فَهَذَا.
-
وَقَوْلُهُ: لِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَسَوَاءٌ كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ بِأَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ،
-
وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِالْكَفَّارَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ النَّذْرِ.
-
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ إحْرَامٌ: أَوْ قَالَ عَلَيَّ إحْرَامٌ صَحَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ، وَالتَّعْيِينُ إلَيْهِ
-
وَكَذَا إذَا ذَكَرَ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى الْتِزَامِ الْإِحْرَامِ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ أَوْ إلَى مَكَّةَ جَازَ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ وَلَوْ قَالَ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ يَصِحَّ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ،
-
وَلَوْ قَالَ: إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَا يَصِحُّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
-
وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ الذَّهَابُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ الْخُرُوجُ أَوْ السَّفَرُ أَوْ الْإِتْيَانُ لَا يَصِحُّ فِي قَوْلِهِمْ، وَدَلَائِلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ تُذْكَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي كِتَابِ النَّذْرِ، فَإِنَّهُ كِتَابٌ مُفْرَدٌ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ هَهُنَا بَعْضَ مَا يَخْتَصُّ بِالْحَجِّ.
-
فَإِنْ
-
٢/٢٢٤٢/٢٢٤
قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ أَوْ عَلَيَّ هَدْيٌ فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً،
-
وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ جَزُورًا،
-
وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ بَقَرَةً؛ لِأَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: إنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الشَّاةُ،
-
وَإِذَا كَانَتْ الشَّاةُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الْهَدْيِ مَا لَا يَكُونُ مُسْتَيْسَرًا - وَهُوَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ - وَقَدْ رَوَيْنَا «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْهَدْيِ أَدْنَاهُ شَاةٌ» ،
-
وَإِذَا كَانَتْ الشَّاةُ أَدْنَى الْهَدْيِ كَانَ أَعْلَاهُ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ ضَرُورَةً، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ الْهَدْيُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَالْبَدَنَةُ مِنْ اثْنَيْنِ وَلِأَنَّ مَأْخَذَ الِاسْمِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى، أَيْ: يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي الْغَنَمِ كَمَا يُوجَدُ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَيَجُوزُ سُبْعُ الْبَدَنَةِ عَنْ الشَّاةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْبَدَنَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ» .
-
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَةٌ فَإِنْ شَاءَ نَحَرَ جَزُورًا،
-
وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ بَقَرَةً عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا الْجَزُورُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْبَدَنَةَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْجَمَلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ فَسَّرَهَا بِالْإِبِلِ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أَيْ: قَائِمَةً مُصْطَفَّةً، وَالْإِبِلُ هِيَ الَّتِي تُنْحَرُ كَذَلِكَ.
-
فَأَمَّا الْبَقَرُ فَإِنَّهَا تُذْبَحُ مُضْجَعَةً وَرَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْبَدَنَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ» .
-
حَتَّى قَالَ جَابِرٌ «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ مَيَّزَ بَيْنَ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ» فَدَلَّ أَنَّهُمَا غَيْرَانِ.
-
(وَلَنَا) مَا رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: (الْهَدْيُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَالْبَدَنَةُ مِنْ اثْنَيْنِ) وَهَذَا نَصٌّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ وَقَالَ: إنَّ رَجُلًا صَاحِبًا لَنَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ بَدَنَةً أَفَتَجْزِيهِ الْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: رضي الله عنه مِمَّ صَاحِبُكُمْ؟
-
قَالَ مِنْ بَنِي رَبَاحٍ فَقَالَ مَتَى اقْتَنَتْ بَنُو رَبَاحٍ الْبَقَرَ، إنَّمَا الْبَقَرُ لِلْأَزْدِ وَإِنَّمَا وَهِمَ صَاحِبُكُمْ الْإِبِلَ.
-
وَلَوْ لَمْ يَقَعْ اسْمُ الْبَدَنَةِ عَلَى الْبَقَرِ لَمْ يَكُنْ لِسُؤَالِهِ مَعْنًى وَلَمَا سَأَلَهُ، فَقَدْ أَوْقَعَ الِاسْمَ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ لَكِنْ أَوْجَبَ عَلَى النَّاذِرِ الْإِبِلَ؛ لِإِرَادَتِهِ ذَلِكَ ظَاهِرًا؛ وَلِأَنَّ الْبَدَنَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْبَدَانَةِ - وَهِيَ الضَّخَامَةُ - وَأَنَّهَا تُوجَدُ فِيهِمَا، وَلِهَذَا اسْتَوَيَا فِي الْجَوَازِ عَنْ سَبْعَةٍ،
-
وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا جَوَازَ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَدَنَةِ عَلَى الْإِبِلِ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ ذَلِكَ.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّهُ وَقَعَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ فِي الْحَدِيثِ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْبَقَرَةِ مَا خَرَجَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَلْ عَلَى التَّأْكِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ عز وجل ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ، وَكَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ جَاءَنِي أَهْلُ قَرْيَةِ كَذَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ الْعَطْفِ إنْ أُوِّلَ عَلَى التَّغْيِيرِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي جَوَازِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةٍ يَدُلُّ عَلَى الِاتِّحَادِ فِي الْمَعْنَى وَلَا حُجَّةَ مَعَ التَّعَارُضِ وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَ بَعِيرًا؛
-
لِأَنَّ اسْمَ الْجَزُورِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْإِبِلِ.
-
وَيَجُوزُ إيجَابُ الْهَدْيِ مُطْلَقًا وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ بِأَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ.
-
وَلَوْ قَالَ هَذِهِ الشَّاةُ هَدْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ أَوْ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي قَوْلِهِ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إلَى كَذَا
-
وَكَذَا عَلَى الِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ.
-
وَلَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُهْدِيَ مَالًا بِعَيْنِهِ مِنْ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا مِمَّا سِوَى النَّعَمِ جَازَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ.
-
وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالْكُوفَةِ جَازَ.
-
وَأَمَّا فِي النَّعَمِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَلَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ فَيَذْبَحُ فِي الْحَرَمِ وَيَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهِ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ وَهُوَ الْأَفْضَلُ.
-
وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِ فُقَرَاءِ مَكَّةَ جَازَ كَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي الثِّيَابِ فِي عَيْنِهَا وَهُوَ التَّصَدُّقُ بِهَا، وَالصَّدَقَةُ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ كَسَائِرِ الصَّدَقَاتِ.
-
فَأَمَّا مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي الْهَدْيِ مِنْ النَّعَمِ فِي الْإِرَاقَةِ شَرْعًا، وَالْإِرَاقَةُ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً فِي الشَّرْعِ إلَّا فِي مَكَان مَخْصُوصٍ أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، وَالشَّرْعُ أَوْجَبَ الْإِرَاقَةَ هَهُنَا فِي الْحَرَمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ حَتَّى إذَا ذَبَحَ الْهَدْيَ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ عَلَى فُقَرَاءَ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ لَحْمًا صَارَ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهِ فِي الصَّدَقَةِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
-
وَلَوْ جَعَلَ شَاةً هَدْيًا أَجْزَأَهُ أَنْ يُهْدِيَ قِيمَتَهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ لَا يَجُوزُ.
-
(وَجْهُ) رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ اعْتِبَارُ الْبَدَنَةِ
-
٢/٢٢٥٢/٢٢٥
بِالْأَمْرِ، ثُمَّ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْ الْغَنَمِ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِيهِ كَذَا فِي النُّذُورِ (وَجْهُ) رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ أَنَّ الْقُرْبَةَ تَعَلَّقَتْ بِشَيْئَيْنِ: إرَاقَةِ الدَّمِ وَالتَّصَدُّقِ بِاللَّحْمِ وَلَا يُوجَدْ فِي الْقِيمَةِ إلَّا أَحَدُهُمَا - وَهُوَ التَّصَدُّقُ - وَيَجُوزُ ذَبْحُ الْهَدَايَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا يَخْتَصُّ بِمِنًى،
-
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمِنًى،
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: (الْحَرَمُ كُلُّهُ مَنْحَرٌ) وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ عز وجل ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الْحَرَمُ.
-
وَأَمَّا الْبَدَنَةُ إذَا أَوْجَبَهَا بِالنَّذْرِ، فَإِنَّهُ يَنْحَرُهَا حَيْثُ شَاءَ إلَّا إذَا نَوَى أَنْ يَنْحَرَ بِمَكَّةَ،
-
فَلَا يَجُوزُ نَحْرُهَا إلَّا بِمَكَّةَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَرَى أَنْ يَنْحَرَ الْبُدْنَ بِمَكَّةَ؛ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أَيْ، الْحَرَمِ (وَلَهُمَا) أَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِ الْبَدَنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِيَازِ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْبَدَانَةِ - وَهِيَ الضَّخَامَةُ - يُقَالُ: بَدَنَ الرَّجُلُ، أَيْ ضَخُمَ وَقَدْ قِيلَ فِي بَعْضِ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أَنَّ: تَعْظِيمَهَا اسْتِسْمَانُهَا،
-
وَلَوْ أَوْجَبَ جُزْءًا فَهُوَ مِنْ الْإِبِلِ خَاصَّةً،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَنْحَرَ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهِ.
-
وَيَجُوزُ ذَبْحُ الْهَدَايَا قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ وَالْجُمْلَةُ فِيهِ أَنَّ دَمَ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ، وَهَدْيَ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ،
-
وَلَا يَجُوزُ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ،
-
وَيَجُوزُ دَمُ الْإِحْصَارِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ.
-
وَأَدْنَى السِّنِّ الَّذِي يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا، وَهُوَ الثَّنِيُّ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ وَالْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ إذَا كَانَ عَظِيمًا وَبَيَانُ مَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ بَيَانِ شَرَائِطِ الْجَوَازِ مَوْضِعُهُ كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ.
-
وَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِظَهْرِهَا وَصُوفِهَا وَلَبَنِهَا إلَّا فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قِيلَ فِي بَعْضِ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ مِنْ ظُهُورِهَا وَأَلْبَانِهَا وَأَصْوَافِهَا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَيْ: إلَى أَنْ تُقَلَّدَ وَتُهْدَى ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، أَيْ ثُمَّ مَحِلُّهَا إذَا قُلِّدَتْ وَأُهْدِيَتْ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ؛
-
لِأَنَّهَا مَا لَمْ تَبْلُغْ مَحِلَّهَا، فَالْقُرْبَةُ فِي التَّصَدُّقِ بِهَا فَإِذَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا فَحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ الْقُرْبَةُ فِيهَا بِالْإِرَادَةِ،
-
فَإِنْ قِيلَ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ارْكَبْهَا وَيْحَكَ فَقَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: ارْكَبْهَا وَيْحَكَ» وَقِيلَ: وَيْحَكَ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَوَيْلَكَ كَلِمَةُ تَهَدُّدٍ، فَقَدْ أَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُكُوبَ الْهَدْيِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ قَدْ أَجْهَدَهُ السَّيْرُ فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ .
-
وَعِنْدَنَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ بِبَدَلٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ بِبَدَلٍ،
-
وَكَذَا فِي الْهَدَايَا إذَا رَكِبَهَا وَحَمَلَ عَلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ يَضُمُّ مَا نَقَصَهَا الْحَمْلُ وَالرُّكُوبُ وَيَنْضَحُ ضَرْعَهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِلَبَنِهَا فَلَبَنُهَا يُؤْذِيهَا فَيُنْضَحُ بِالْمَاءِ حَتَّى يَتَقَلَّصَ وَيَرْقَى لَبَنُهَا، وَمَا حُلِبَ قَبْلَ ذَلِكَ يَتَصَدَّقُ بِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا،
-
وَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا فَيَجِبُ صَرْفُهُ إلَى الْقُرْبَةِ كَمَا لَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا إنَّهَا تُذْبَحُ وَيُذْبَحُ وَلَدُهَا كَذَا هَذَا.
-
، فَإِنْ عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا نَحَرَهُ، وَهُوَ لِصَاحِبِهِ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ مَكَانَهُ،
-
وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا نَحَرَهُ وَغَمَسَ نَعْلَهُ بِدَمِهِ ثُمَّ ضَرَبَ صَفْحَةَ سَنَامِهِ، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهُ،
-
وَلَا يَأْكُلُ هُوَ بِنَفْسِهِ،
-
وَلَا يُطْعِمُ أَحَدًا مِنْ الْأَغْنِيَاءِ.
-
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالتَّطَوُّعِ أَنَّهُ إذَا كَانَ وَاجِبًا، فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ إسْقَاطُ الْوَاجِبِ فَإِذَا انْصَرَفَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا شَاءَ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا لَمْ يَقَعْ عَنْ الْوَاجِبِ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ، فَبَقِيَ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّتِهِ
-
بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ؛ وَلِأَنَّ الْقُرْبَةَ قَدْ تَعَيَّنَتْ فِيهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّهُ يَنْحَرُهُ وَيَفْعَلُ بِهِ مَا ذَكَرْنَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِمَا رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ بَعَثَ هَدْيًا عَلَى يَدِ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَزْحَفَ مِنْهَا، أَيْ قَامَتْ مِنْ الْإِعْيَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ مَا أَفْعَلُ بِمَا يَقُومُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ انْحَرْهَا وَاصْبُغْ نَعْلَهَا بِدَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَةَ سَنَامِهَا، وَخَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِك» وَإِنَّمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، وَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ الْأَغْنِيَاءَ؛
-
لِأَنَّ الْقُرْبَةَ كَانَتْ فِي ذَبْحِهِ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ فَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ كَانَتْ الْقُرْبَةُ فِي التَّصَدُّقِ
-
٢/٢٢٦٢/٢٢٦
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَكَانَهُ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا وَلَا تُعْطِ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا» .
-
وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ دَمِ النَّذْرِ شَيْئًا.
-
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الدِّمَاءَ نَوْعَانِ نَوْعٌ يَجُوزُ لِصَاحِبِ الدَّمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَهُوَ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ.
-
وَنَوْعٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَهُوَ دَمُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَهَدْيُ الْإِحْصَارِ وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ إذَا لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ دَمُ شُكْرٍ فَكَانَ نُسُكًا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَدَمُ النَّذْرِ دَمُ صَدَقَةٍ
-
وَكَذَا دَمُ الْكَفَّارَةِ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ تَكْفِيرُ الذَّنْبِ.
-
وَكَذَا دَمُ الْإِحْصَارِ؛ لِوُجُودِ التَّحَلُّلِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ إذَا لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ بِمَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي التَّصَدُّقِ بِهِ فَكَانَ دَمُ صَدَقَةٍ، وَكُلُّ دَمٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِلَحْمِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ لَمَا جَازَ أَكْلُهُ؛
-
لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ، وَكُلُّ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُهُ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ يُؤَدِّي إلَى إضَاعَةِ الْمَالِ.
-
وَكَذَا لَوْ هَلَكَ الْمَذْبُوحُ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي الْهَلَاكِ،
-
وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ،
-
فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْفُقَرَاءِ فَبِالِاسْتِهْلَاكِ تَعَدَّى عَلَى حَقِّهِمْ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ أَصْلِ مَالٍ وَاجِبِ التَّصَدُّقِ بِهِ.
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّعَدِّي بِإِتْلَافِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ.
-
وَلَوْ بَاعَ اللَّحْمَ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَائِمٌ إلَّا أَنَّ فِيمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ يَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ ثَمَنَهُ مَبِيعٌ وَاجِبٌ التَّصَدُّقُ بِهِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بِهِ فَيَتَمَكَّنُ فِي ثَمَنِهِ حَنِثَ فَكَانَ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقَ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
-
الْعُمْرَةُ
-
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَالْكَلَامُ فِيهَا يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَمْ لَا؟ وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ وُجُوبِهَا إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً، وَفِي بَيَانِ رُكْنِهَا وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ وَفِي بَيَانِ وَاجِبَاتِهَا وَفِي بَيَانِ سُنَنِهَا وَفِي بَيَانِ مَا يُفْسِدُهَا وَفِي بَيَانِ حُكْمِهَا إذَا فَسَدَتْ.
-
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّهَا وَاجِبَةٌ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَالْوِتْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ اسْمَ السُّنَّةِ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ لَا يُنَافِي الْوَاجِبَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهَا فَرِيضَةٌ.
-
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ تَطَوُّعٌ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْحَجُّ مَكْتُوبٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» وَهَذَا نَصٌّ وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْعُمْرَةُ أَهِيَ وَاجِبَةٌ؟ قَالَ: لَا وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَالْأَمْرُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْعُمْرَةُ هِيَ الْحَجَّةُ الصُّغْرَى» ، وَقَدْ ثَبَتَ فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ بِنَصِّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ الْعُمْرَةَ؛
-
لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الْحَجِّ لَا يَقَعُ عَلَى الْعُمْرَةِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا فَرِيضَةٌ فَقَدْ زَادَ عَلَى النَّصِّ،
-
فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ.
-
وَكَذَا حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَأَلَهُ عَنْ الْإِيمَانِ وَالشَّرَائِعِ فَبَيَّنَّ لَهُ الْإِيمَانَ وَبَيَّنَ لَهُ الشَّرَائِعَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الْعُمْرَةَ " فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: هَلْ عَلَيَّ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ « ﷺ : لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي انْتِقَاءَ فَرِيضَةِ الْعُمْرَةِ.
-
وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى فَرْضِيَّةِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهَا قُرِئَتْ بِرَفْعِ الْعُمْرَةِ " وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ " وَأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَى الْأَمْرِ بِالْحَجِّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ رَدًّا لِزَعْمِ الْكَفَرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ الْعُمْرَةَ لِلْأَصْنَامِ عَلَى مَا كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ مِنْ الْإِشْرَاكِ.
-
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْعَامَّةِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهَا أَمْرٌ بِإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ، وَإِتْمَامُ الشَّيْءِ يَكُونُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، فِيهِ وَبِهِ نَقُولُ أَنَّهَا بِالشُّرُوعِ تَصِيرُ فَرِيضَةً مَعَ مَا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا قَالَا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ: إتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك عَلَى أَنَّ هَذَا إنْ كَانَ أَمْرًا بِإِنْشَاءِ الْعُمْرَةِ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ بَلْ الْفَرْضِيَّةُ عِنْدَنَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ زَائِدٍ وَرَاءَ نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ احْتِيَاطًا وَبِهِ نَقُولُ: إنَّ الْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ وَتَسْمِيَتُهَا حَجَّةً صُغْرَى فِي الْحَدِيثِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الثَّوَابِ؛
-
لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَجَّةٍ حَقِيقَةً
-
٢/٢٢٧٢/٢٢٧
أَلَا تَرَى أَنَّهَا عُطِفَتْ عَلَى الْحَجَّةِ فِي الْآيَةِ، وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْأَصْلِ، وَيُقَالُ: حَجَّ فُلَانٌ وَمَا اعْتَمَرَ عَلَى أَنَّ وَصْفَهَا بِالصِّغَرِ دَلِيلُ انْحِطَاطِ رُتْبَتِهَا عَنْ الْحَجِّ،
-
فَإِذَا كَانَ الْحَجُّ فَرْضًا فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هِيَ وَاجِبَةٌ؛ لِيَظْهَرَ الِانْحِطَاطُ إذْ الْوَاجِبُ دُونَ الْفَرْضِ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ التَّطَوُّعِ عَلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ يُصْلَحُ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ لَا عَلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِفَرْضِيَّةِ الْعُمْرَةِ، وَالتَّطَوُّعُ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا، وَنَحْنُ نَقُولُ بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ، وَالْوَاجِبُ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا.
-
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا، فَكَانَ إطْلَاقُ اسْمِ التَّطَوُّعِ صَحِيحًا عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَلَيْسَ لِلْفَرْضِ هَذَا الِاحْتِمَالُ فَلَا يَصِحُّ الْإِطْلَاقُ، وَقَوْلُ السَّائِلِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ (أَهِيَ وَاجِبَةٌ؟) مَحْمُولٌ عَلَى الْفَرْضِ إذْ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا عَيْنًا، فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَفْيَ لَهُ، وَبِهِ نَقُولُ.
-
شَرَائِطُ وُجُوب الْعُمْرَة
-
(وَأَمَّا) شَرَائِطُ وُجُوبِهَا فَهِيَ شَرَائِطُ وُجُوبِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُلْحَقٌ بِالْفَرْضِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْحَجِّ.
-
أَرْكَان الْعُمْرَة
-
(وَأَمَّا) رُكْنُهَا فَالطَّوَافُ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ؛ وَلِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَيْهِ.
-
(وَأَمَّا) شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَجِّ إلَّا الْوَقْتَ،
-
فَإِنَّ السَّنَةَ كُلَّهَا وَقْتُ الْعُمْرَةِ، وَتَجُوزُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ فِعْلُهَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
-
أَمَّا الْجَوَازُ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ «مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمْرَةً إلَّا شَهِدْتُهَا وَمَا اعْتَمَرَ إلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ» وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ» فَدَلَّ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّ جَوَازِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى نَهْيِ الشَّفَقَةِ عَلَى أَهْلِ الْحَرَمِ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَوْسِمُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ السَّنَةِ بَلْ فِي وَقْتَيْنِ لِتَوَسُّعِ الْمَعِيشَةِ عَلَى أَهْلِ الْحَرَمِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي الْأَيَّامِ الْخَمْسَةِ عِنْدَنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُكْرَهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيْضًا، وَاحْتَجَّ بِمَا تَلَوْنَا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَبِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثَيْنِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ فِيهَا (وَجْهُ) رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ، أَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ لَيْسَ وَقْتَ الْوُقُوفِ،
-
فَلَا يَشْغَلُهُ عَنْ الْوُقُوفِ فِي وَقْتِهِ، وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: (وَقْتُ الْعُمْرَةِ السَّنَةُ كُلُّهَا إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَالَتْ سَمَاعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ بَابٌ لَا يُدْرَكُ بِالِاجْتِهَادِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ شُغْلِ الْحَاجِّ بِأَدَاءِ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةُ فِيهَا تَشْغَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَرُبَّمَا يَقَعُ الْخَلَلُ فِيهِ فَيُكْرَهُ،
-
وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَبِهِ نَقُولُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ لَا يَنْفِيهَا، وَقَدْ قَامَ دَلِيلُ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا.
-
وَكَذَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْمِيقَاتِ فِي حَقِّ أَهْلِ مَكَّةَ فَمِيقَاتُهُمْ لِلْحَجِّ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِمْ، وَلِلْعُمْرَةِ مِنْ الْحِلِّ التَّنْعِيمِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَحْظُورَاتُ الْعُمْرَةِ مَا هُوَ مَحْظُورَاتُ الْحَجِّ، وَحُكْمُ ارْتِكَابِهَا فِي الْعُمْرَةِ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْحَجِّ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْحَجِّ.
-
وَاجِبَات الْعُمْرَة
-
(وَأَمَّا) وَاجِبَاتُهَا فَشَيْئَانِ: السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ.
-
فَأَمَّا طَوَافُ الصَّدْرِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَمِرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ يَجِبُ عَلَيْهِ كَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ وَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ طَوَافَ الصَّدْرِ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَالْمُعْتَمِرُ يَحْتَاجُ إلَى الْوَدَاعِ، كَالْحَاجِّ، وَلَنَا أَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ طَوَافَ الصَّدْرِ بِالْحَجِّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ بِهِ الطَّوَافُ» .
-
سُنَن الْعُمْرَة
-
(وَأَمَّا) سُنَنُهَا فَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَجِّ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَوَّلِ شَوْطٍ مِنْ الطَّوَافِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ إحْرَامُهُ لِلْعُمْرَةِ مِنْ الْمَدِينَةِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ،
-
وَإِنْ كَانَ إحْرَامُهُ لَهَا مِنْ مَكَّةَ يَقْطَعُ إذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْبَيْتِ،
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْعَامَّةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُلَبِّي فِي الْعُمْرَةِ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهم «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَكَانَ يُلَبِّي فِي ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ» وَلِأَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ نُسُكٌ وَدُخُولُ الْحَرَمِ وَوُقُوعُ الْبَصَرِ عَلَى الْبَيْتِ لَيْسَ بِنُسُكٍ فَقَطْعُ التَّلْبِيَةِ عِنْدَنَا هُوَ نُسُكٌ أَوْلَى، وَلِهَذَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الرَّمْيِ؛
-
لِأَنَّهُ نُسُكٌ كَذَا هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
٢/٢٢٨٢/٢٢٨
مُفْسِدَات الْعُمْرَة
-
وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يُفْسِدُهَا وَبَيَانُ حُكْمِهَا إذَا فَسَدَتْ فَاَلَّذِي يُفْسِدُهَا الْجِمَاعُ لَكِنْ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِ كَوْنِهِ مُفْسِدًا، وَذَلِكَ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَجِّ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الطَّوَافِ كُلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْوَاطٍ؛ لِأَنَّ رُكْنَهَا الطَّوَافُ، فَالْجِمَاعُ حَصَلَ قَبْلَ أَدَاءِ الرُّكْنِ فَيُفْسِدُهَا كَمَا لَوْ حَصَلَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي الْحَجِّ،
-
وَإِذَا فَسَدَتْ يَمْضِي فِيهَا وَيَقْضِيهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ لِأَجْلِ الْفَسَادِ عِنْدَنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَدَنَةٌ كَمَا فِي الْحَجِّ فَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ مَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ بَعْدَ مَا طَافَ الطَّوَافَ كُلَّهُ قَبْلَ السَّعْيِ أَوْ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ قَبْلَ الْحَلْقِ لَا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ حَصَلَ بَعْدَ أَدَاءِ الرُّكْنِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِحُصُولِ الْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ،
-
وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْإِحْرَامِ بِالْحَلْقِ فَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ جَامَعَ فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْحَجِّ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.