فَصْلٌ وُجُوبُ الْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي حُقُوقِهِنَّ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ١٤٬٧٥٢ إلى ١٤٬٧٩٦
-
٢/٣٣٢٢/٣٣٢
(فَصْلٌ) :
-
وَمِنْهَا، وُجُوبُ الْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي حُقُوقِهِنَّ.
-
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ،
-
فَإِنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ امْرَأَةٍ، فَعَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَهُنَّ فِي حُقُوقِهِنَّ مِنْ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ حُرَّتَانِ أَوْ أَمَتَانِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ وَالسُّكْنَى وَالْبَيْتُوتَةِ.
-
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ عز وجل ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ عَقِيبَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ أَيْ: إنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ فِي نِكَاحِ الْمَثْنَى، وَالثَّلَاثِ، وَالرُّبَاعِ، فَوَاحِدَةً نَدَبَ سبحانه وتعالى إلَى نِكَاحِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ خَوْفِ تَرْكِ الْعَدْلِ فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنَّمَا يُخَافُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، فَدَلَّ أَنَّ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَاجِبٌ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي آخِرِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ أَيْ: تَجُورُوا، وَالْجَوْرُ حَرَامٌ، فَكَانَ الْعَدْلُ وَاجِبًا ضَرُورَةً؛
-
وَلِأَنَّ الْعَدْلَ مَأْمُورٌ بِهِ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ إلَّا مَا خُصَّ أَوْ قُيِّدَ بِدَلِيلٍ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقِسْمَةِ، وَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا تَمْلِكُ أَنْتَ، وَلَا أَمْلِكُ» ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَشِقُّهُ مَائِلٌ» ، وَيَسْتَوِي فِي الْقَسْمِ الْبِكْرُ، وَالثَّيِّبُ وَالشَّابَّةُ وَالْعَجُوزُ، وَالْقَدِيمَةُ وَالْحَدِيثَةُ وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ؛
-
لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ؛ وَلِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي سَبَبِ وُجُوبِ الْقَسْمِ، وَهُوَ النِّكَاحُ، فَيَسْتَوِيَانِ فِي وُجُوبِ الْقَسْمِ،
-
وَلَا قَسْمَ لِلْمَمْلُوكَاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَيْ: لَا لَيْلَةَ لَهُنَّ،
-
وَإِنْ كَثُرْنَ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَصَرَ الْإِبَاحَةَ فِي النِّكَاحِ عَلَى عَدَدٍ لِتَحَقُّقِ الْجَوْرِ فِي الزِّيَادَةِ،
-
ثُمَّ نَدَبَ سبحانه وتعالى إلَى نِكَاحِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ خَوْفِ الْجَوْرِ فِي الزِّيَادَةِ، وَأَبَاحَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خَوْفُ الْجَوْرِ، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ قَسْمٌ إذْ لَوْ كَانَ لَكَانَ فِيهِ خَوْفُ الْجَوْرِ كَمَا فِي الْمَنْكُوحَةِ؛
-
وَلِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ هُوَ النِّكَاحُ، وَلَمْ يُوجَدْ.
-
وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا حُرَّةً، وَالْأُخْرَى أَمَةً، فَلِلْحُرَّةِ يَوْمَانِ، وَلِلْأَمَةِ يَوْمٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَمَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لِلْحُرَّةِ ثُلُثَانِ مِنْ الْقَسْمِ، وَلِلْأَمَةِ الثُّلُثُ» ؛ وَلِأَنَّهُمَا مَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ النِّكَاحُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ بَعْدَ نِكَاحِ الْحُرَّةِ، وَلَا مَعَ نِكَاحِهَا.
-
وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَلِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَلَمْ يَتَسَاوَيَا فِي السَّبَبِ،
-
فَلَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الْحُكْمِ
-
بِخِلَافِ الْمُسْلِمَةِ مَعَ الْكِتَابِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابِيَّةَ يَجُوزُ نِكَاحُهَا قَبْلَ الْمُسْلِمَةِ وَبَعْدَهَا، وَمَعَهَا.
-
وَكَذَا لِلذِّمِّيِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ، فَتَسَاوَيَا فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ، فَيَتَسَاوَيَانِ فِي الْحُكْمِ؛ وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تُنْبِئُ عَنْ الْكَمَالِ، وَالرِّقُّ يُشْعِرُ بِنُقْصَانِ الْحَالِ، وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ النُّقْصَانِ فِي الشَّرْعِ فِي الْمَالِكِيَّةِ وَحِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ وَالْعِدَّةِ وَالْحَدِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَذَا فِي الْقَسْمِ، وَهَذَا التَّفَاوُتُ فِي السُّكْنَى، وَالْبَيْتُوتَةِ يَسْكُنُ عِنْدَ الْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ.
-
وَعِنْدَ الْأَمَةِ لَيْلَةً.
-
فَأَمَّا فِي الْمَأْكُولِ
-
٢/٣٣٣٢/٣٣٣
وَالْمَشْرُوبِ، وَالْمَلْبُوسِ، فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْحَاجَاتِ اللَّازِمَةِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ وَالْمَرِيضُ فِي وُجُوبِ الْقَسْمِ عَلَيْهِ كَالصَّحِيحِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَأْذَنَ نِسَاءَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رضي الله عنها » ،
-
فَلَوْ سَقَطَ الْقَسْمُ بِالْمَرَضِ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِئْذَانِ مَعْنًى،
-
وَلَا قَسْمَ عَلَى الزَّوْجِ إذَا سَافَرَ حَتَّى لَوْ سَافَرَ بِإِحْدَاهُمَا، وَقَدِمَ مِنْ السَّفَرِ، وَطَلَبَتْ الْأُخْرَى أَنْ يَسْكُنَ عِنْدَهَا مُدَّةَ السَّفَرِ، فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ السَّفَرِ ضَائِعَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ وَحْدَهُ دُونَهُنَّ لَكِنْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ، فَيَخْرُجُ بِمِنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ دَفْعًا لِتُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ، فَكَذَلِكَ.
-
فَأَمَّا إذَا سَافَرَ بِهَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ لِلْبَاقِيَاتِ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ بِالْقُرْعَةِ لَا يُعْرَفُ أَنَّ لَهَا حَقًّا فِي حَالَةِ السَّفَرِ أَوْ لَا، فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ أَبَدًا لِاخْتِلَافِ عَمَلِهَا فِي نَفْسِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ بَلْ مَرَّةٌ هَكَذَا، وَمَرَّةٌ هَكَذَا، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ.
-
وَلَوْ وَهَبَتْ إحْدَاهُمَا قَسْمَهَا لِصَاحِبَتِهَا أَوْ رَضِيَتْ بِتَرْكِ قَسْمِهَا؛ جَازَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لَهَا، فَلَهَا أَنْ تَسْتَوْفِيَ، وَلَهَا أَنْ تَتْرُكَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رضي الله عنها لَمَّا كَبُرَتْ، وَخَشِيَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَعَلَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رضي الله عنها ،
-
وَقِيلَ فِيهَا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ، وَالْمُرَادُ مِنْ الصُّلْحِ هُوَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا كَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَإِنْ رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ، وَطَلَبَتْ قَسْمَهَا، فَلَهَا ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ إبَاحَةً مِنْهَا، وَالْإِبَاحَةُ لَا تَكُونُ لَازِمَةً كَالْمُبَاحِ لَهُ الطَّعَامُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُبِيحُ مَنْعَهُ، وَالرُّجُوعَ عَنْ ذَلِكَ.
-
وَلَوْ بَذَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ مَالًا لِلزَّوْجِ؛ لِيَجْعَلَ لَهَا فِي الْقَسْمِ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَحِقُّهُ لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَفْعَلَ، وَيَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ رِشْوَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْمَالَ لِمَنْعِ الْحَقِّ عَنْ الْمُسْتَحِقِّ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ بَذَلَ الزَّوْجُ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَالًا لِتَجْعَلَ نَوْبَتَهَا لِصَاحِبَتِهَا أَوْ بَذَلَتْ هِيَ لِصَاحِبَتِهَا مَالًا لِتَتْرُكَ نَوْبَتَهَا لَهَا لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَيُسْتَرَدُّ الْمَالُ؛ لِأَنَّ هَذَا مُعَاوَضَةُ الْقَسْمِ بِالْمَالِ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَذَا هَذَا، هَذَا إذَا كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
-
فَأَمَّا إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ؛ فَطَالَبَتْهُ بِالْوَاجِبِ لَهَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رِوَايَةَ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا تَشَاغَلَ الرَّجُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ بِالصِّيَامِ أَوْ بِالصَّلَاةِ أَوْ بِأَمَةٍ اشْتَرَاهَا قَسَمَ لِامْرَأَتِهِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا،
-
وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ لَيْلَةً،
-
وَقِيلَ لَهُ تَشَاغَلْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَثَلَاثَ لَيَالٍ بِالصَّوْمِ أَوْ بِالْأَمَةِ، وَهَكَذَا كَانَ الطَّحَاوِيُّ يَقُولُ: إنَّهُ يَجْعَلُ لَهَا يَوْمًا وَاحِدًا يَسْكُنُ عِنْدَهَا وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا يَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ، وَأَشْغَالِهِ (وَجْهُ) هَذَا الْقَوْلِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ زَوْجَهَا إلَى عُمَرَ رضي الله عنه وَذَكَرَتْ أَنَّهُ يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ، فَقَالَ: عُمَرُ رضي الله عنه مَا أَحْسَنَكِ ثَنَاءً عَلَى بَعْلِكِ، فَقَالَ: كَعْبٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهَا تَشْكُو إلَيْكَ زَوْجَهَا، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
-
فَقَالَ: كَعْبٌ إنَّهُ إذَا صَامَ النَّهَارَ، وَقَامَ اللَّيْلَ، فَكَيْفَ يَتَفَرَّغُ لَهَا، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه لِكَعْبٍ اُحْكُمْ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: أَرَاهَا إحْدَى نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ يُفْطِرُ لَهَا يَوْمًا، وَيَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ عُمَرُ رضي الله عنه وَوَلَّاهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ هَذَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِهَذَا الْقَوْلِ.
-
وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَذْهَبَنَا؛ لِأَنَّ الْمُزَاحَمَةَ فِي الْقَسْمِ إنَّمَا تَحْصُلُ بِمُشَارَكَاتِ الزَّوْجَاتِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ غَيْرُهَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُشَارَكَةُ،
-
فَلَا يَقْسِمُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ لَا تُدَاوِمْ عَلَى الصَّوْمِ، وَوَفِّ الْمَرْأَةَ حَقَّهَا كَذَا قَالَهُ الْجَصَّاصُ
-
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلًا كَمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ كَعْبٌ، وَهُوَ أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهَا عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ ثَلَاثًا أُخَرَ سِوَاهَا، فَلَمَّا لَمْ يَتَزَوَّجْ، فَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَكَانَ الْخِيَارُ لَهُ فِي ذَلِكَ،
-
فَإِنْ شَاءَ؛ صَرَفَ ذَلِكَ إلَى الزَّوْجَاتِ،
-
وَإِنْ شَاءَ؛ صَرَفَهُ إلَى صِيَامِهِ، وَصَلَاتِهِ، وَأَشْغَالِهِ،
-
ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ.
-
وَقَالَ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا، فَطَالَبْنَ بِالْوَاجِبِ مِنْهُ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَيْلَةٌ مِنْ الْأَرْبَعِ،
-
فَلَوْ جَعَلْنَا هَذَا حَقًّا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَا يَتَفَرَّغُ لِأَعْمَالِهِ، فَلَمْ يُوَقِّتْ فِي هَذَا وَقْتًا.
-
وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً؛ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَخِيرًا إنْ صَحَّ الرُّجُوعُ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَقْسِمُ لَهَا كَمَا يَقْسِمُ لِلْحُرَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى، وَعَلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ يَجْعَلُ لَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ؛ لِأَنَّ لِلزَّوْجِ حَقَّ إسْقَاطِ حَقِّهَا عَنْ سِتَّةِ أَيَّام، وَالِاقْتِصَارَ عَلَى يَوْمٍ
-
٢/٣٣٤٢/٣٣٤
وَاحِدٍ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ؛ لِأَنَّ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَاحِدَةً، فَلَمَّا لَمْ يَتَزَوَّجْ، فَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَكَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ؛ صَرَفَ ذَلِكَ إلَى الزَّوْجَاتِ،
-
وَإِنْ شَاءَ؛ صَرَفَهُ إلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَإِلَى أَشْغَالِ نَفْسِهِ، وَالْإِشْكَالُ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْجَصَّاصُ أَيْضًا، وَاَللَّهُ عز وجل الْمُوَفِّقُ.