بَابُ عُهْدَةِ الشَّفِيعِ
المدونةالمالكيةالمسائل ٣٤٬١٨٥ إلى ٣٤٬٢٠٨
-
٤/٢١٨٤/٢١٨
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنَّ اشْتَرَيْت شِقْصًا فِي دَارٍ، فَلَمْ أَقْبِضْ الشِّقْصَ وَلَمْ أَدْفَعْ الثَّمَنَ حَتَّى قَامَ الشَّفِيعُ عَلَى شُفْعَتِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِمَّنْ يَأْخُذُ الدَّارَ؟ وَإِلَى مَنْ يَدْفَعُ الثَّمَنَ؟ وَعَلَى مَنْ تَكُونُ عُهْدَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَخَذَ شِقْصًا فِي دَارٍ بِشُفْعَةٍ، فَإِنَّمَا عُهْدَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ.
-
قَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ عِنْدَ مَالِكٍ، قَبَضَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ.
-
قَالَ: وَلَقَدْ سَمِعْت عَنْهُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ: أَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ فِي أَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَنَّ الشَّفِيعَ يَقُولُ: قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ يَبِيعُ وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ سَيِّئُ الْمُخَالَطَةِ، وَلَمْ أَدْرِ مَا يَلْحَقُ الدَّارَ وَقَالَ هُوَ: مِدْيَانٌ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، فَأَحْبَبْت أَنْ تَكُونَ تَبَاعَتِي عَلَى ثِقَةٍ.
-
فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ هَذَا لَهُ حُجَّةٌ، وَأَنَّهُ جَعَلَ تِبَاعَةَ هَذَا الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي. قُلْت:
-
فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ وَلَمْ يَقْبِضْ الدَّارَ وَغَابَ الْمُشْتَرِي، كَيْفَ يَصْنَعُ هَذَا الشَّفِيعُ؟
-
قَالَ: يَنْظُرُ فِيهِ السُّلْطَانُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى مِنْهُ وَلَمْ يَنْقُدْهُ، أَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ قَبْضِ الدَّارِ حَتَّى يَنْتَقِدَ الثَّمَنَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَإِنْ قَالَ الشَّفِيعُ: هَذَا الثَّمَنُ وَادْفَعُوا إلَيَّ الدَّارَ، وَقَالَ رَبُّ الدَّارِ: لَا أَدْفَعُ الدَّارَ حَتَّى أُنْتَقَدَ الثَّمَنُ كَيْفَ يُصْنَعُ بِهَذَا الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَدْفَعْ إلَى الْبَائِعِ؟
-
قَالَ: لَا تُؤْخَذُ الدَّارُ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ بَائِعِهَا حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ.
-
قَالَ: فَإِنْ أَحَبَّ الشَّفِيعُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ، دَفَعَ وَقَبَضَ الدَّارَ وَتَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلِأَنَّ دَفْعَهُ الثَّمَنَ هَهُنَا إنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ عَنْ الْمُشْتَرِي عِنْدِي.
-
قُلْت: فَإِنْ كَانَ عَلَى مُشْتَرِي الدَّارِ دَيْنٌ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَقْبِضْ الدَّارَ وَلَمْ يَدْفَعْ الثَّمَنَ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ، وَقَالَ الْغُرَمَاءُ: نَحْنُ نُرِيدُ دَيْنَنَا، وَقَالَ رَبُّ الدَّارِ: لَا أَدْفَعُ الدَّارَ حَتَّى اُسْتُوْفِيَ ثَمَنَهَا؟
-
قَالَ: يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: ادْفَعْ الثَّمَنَ إلَى رَبِّ الدَّارِ قَضَاءً عَنْ الْمُشْتَرِي وَاقْبِضْ الدَّارَ.
-
وَلَا يَكُونُ هَهُنَا لِلْغُرَمَاءِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ بَائِعَ الدَّارِ، لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الدَّارَ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ يَقُولُ: لَا أَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَسْتَهْلِكَهُ، وَإِنَّمَا أَدْفَعُ الثَّمَنَ لِأَقْبِضَ الدَّارَ بِشُفْعَتِي،
-
فَلَا يَكُونُ هَهُنَا لِلْغُرَمَاءِ شَيْءٌ. وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ، لَوْ أَسْلَمَهَا بِيعَتْ الدَّارُ، فَأَعْطَى صَاحِبَ الدَّارِ الثَّمَنَ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ الدَّارُ، وَكَانَ أَحَقَّ بِذَلِكَ الثَّمَنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، إلَّا أَنْ يَقُومَ بِهِ الْغُرَمَاءُ فَيُفَلِّسُونَهُ، فَيَكُونُ رَبُّ الدَّارِ أَوْلَى بِدَارِهِ، إلَّا أَنْ يَضْمَنَ
-
٤/٢١٩٤/٢١٩
لَهُ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَا ذَكَرْت وَيُبَيِّنُ لَك.
-
فِي طَلَبِ الشَّفِيعِ الشُّفْعَةَ وَالْمُشْتَرِي غَائِبٌ
-
ٌ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَابَ وَحَضَرَ الشَّفِيعُ، أَيُقْضَى لَهُ بِالشُّفْعَةِ وَالْمُشْتَرِي غَائِبٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَغِيبِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَيَكُون الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ.
-
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مَنْ دَارٍ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ مَنْ الْآجَالِ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ الدَّارَ وَأَنْقُدُ الثَّمَنَ، لِمَنْ يَكُونُ هَذَا الثَّمَنُ؟ أَلِلْمُشْتَرِي إلَى الْأَجَلِ أَمْ لِلْبَائِعِ؟ وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: إنَّمَا الثَّمَنُ عَلِيّ إلَى الْأَجَلِ فَلَا أُعَجِّلُهُ. لِمَنْ يَكُونُ هَذَا الثَّمَنُ قَبْلَ الْأَجَلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الشِّقْصَ مِنْ الدَّارِ إلَى أَجَلٍ: إنَّ الشَّفِيعَ إنْ كَانَ مَلِيًّا، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَلِيًّا فَأَتَى بِحَمِيلٍ مَلِيٍّ ثِقَةٍ، فَذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. فَأَرَى فِيمَا سَأَلْت عَنْهُ، أَنَّهُ إنَّمَا يَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي لَيْسَ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ وَجَبَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَإِنَّمَا يَجِبُ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنُ عَلَى الشَّفِيعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي، وَالْمُشْتَرِي قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ، وَقَدْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الدَّارَ، وَهُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ فَلَيْسَ لَهُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمْنَعَهُ قَبْضَ الدَّارِ.
-
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ بَائِعَ شِقْصِ الدَّارِ - الَّذِي بَاعَ إلَى أَجَلٍ - قَالَ لِلْمُشْتَرِي: أَنَا أَرْضَى أَنْ يَكُونَ مَالِي عَلَى الشَّفِيعِ إلَى الْأَجَلِ؟
-
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ وَجَبَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي،
-
فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَفْسَخَهُ بِدَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، فَيَصِيرُ هَذَا دَيْنًا بِدَيْنٍ وَذِمَّةً بِذِمَّةٍ.