فَصْلٌ فِي حُكْم الْإِجَارَة
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ٢٤٬٠٨٥ إلى ٢٤٬٥٤٤
-
٤/٢١٢٤/٢١٢
وَلَا ضَمَانَ عَلَى التِّلْمِيذِ؛ لِأَنَّ الذَّهَابَ، وَالْمَجِيءَ بِالسِّرَاجِ عَمَلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ فَيَنْتَقِلُ عَمَلُهُ إلَى الْأُسْتَاذِ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ دَقَّ الْغُلَامُ فَانْقَلَبَ الكودين مِنْ غَيْرِ يَدِهِ فَخَرَقَ ثَوْبًا مِنْ الْقِصَارَةِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُسْتَاذِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْقِصَارَةِ فَكَانَ مُضَافًا إلَى الْأُسْتَاذِ،
-
فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا وَدِيعَةً عِنْدَ الْأُسْتَاذِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْغُلَامِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ إنَّمَا يُضَافُ إلَى الْأُسْتَاذِ فِيمَا يَمْلِكُ تَسْلِيطَهُ عَلَيْهِ وَاسْتِعْمَالَهُ فِيهِ، وَهُوَ إنَّمَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فِي ثِيَابِ الْقِصَارَةِ لَا فِي ثَوْبِ الْوَدِيعَةِ، فَبَقِيَ مُضَافًا إلَيْهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَالْأَجْنَبِيِّ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ مِنْ يَدِهِ سِرَاجٌ عَلَى ثَوْبِ الْوَدِيعَةِ فَأَحْرَقَهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْغُلَامِ لِمَا قُلْنَا، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَعَا قَوْمًا إلَى مَنْزِلِهِ فَمَشَوْا عَلَى بِسَاطِهِ فَتَخَرَّقَ لَمْ يَضْمَنُوا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ جَلَسُوا عَلَى وِسَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الْمَشْيِ عَلَى الْبِسَاطِ وَالْجُلُوسِ عَلَى الْوِسَادَةِ، فَالْمُتَوَلَّدُ مِنْهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا،
-
وَلَوْ وَطِئُوا آنِيَةً مِنْ الْأَوَانِي ضَمِنُوا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُؤْذَنُ فِي وَطْئِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا وَطِئُوا ثَوْبًا لَا يُبْسَطُ مِثْلُهُ،
-
وَلَوْ قَلَبُوا إنَاءً بِأَيْدِيهِمْ فَانْكَسَرَ لَمْ يَضْمَنُوا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ،
-
وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مُقَلَّدًا سَيْفًا فَخَرَقَ السَّيْفُ الْوِسَادَةَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الْجُلُوسِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ،
-
وَلَوْ جَفَّفَ الْقَصَّارُ ثَوْبًا عَلَى حَبْلٍ فِي الطَّرِيقِ فَمَرَّتْ عَلَيْهِ حَمُولَةٌ فَخَرَقَتْهُ فَلَا ضَمَانَ
-
٤/٢١٣٤/٢١٣
عَلَى الْقَصَّارِ، وَالضَّمَانُ عَلَى سَائِقِ الْحَمُولَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ السَّائِقِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي الطَّرِيقِ مُقَيَّدٌ بِالسَّلَامَةِ، فَكَانَ التَّلَفُ مُضَافًا إلَيْهِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
-
وَلَوْ تَكَارَى رَجُلٌ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَضَرَبَهَا فَعَطِبَتْ أَوْ كَبَحَهَا بِاللِّجَامِ فَعَطَبَهَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: نَسْتَحْسِنُ أَنْ لَا نُضَمِّنَهُ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ فِي الضَّرْبِ الْمُعْتَادَ، وَالْكَبْحِ الْمُعْتَادَ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا إنَّ ضَرْبَ الدَّابَّةِ وَكَبْحَهَا مُعْتَادٌ مُتَعَارَفٌ، وَالْمُعْتَادُ كَالْمَشْرُوطِ،
-
وَلَوْ شُرِطَ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُ، كَذَا هَذَا.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الضَّرْبِ وَالْكَبْحِ مَأْذُونٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يُوجِبُ الْإِذْنَ بِذَلِكَ لِإِمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ بِدُونِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، عَلَى أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخَيَّرًا فِيهِ فَأَشْبَهَ ضَرْبَهُ لِزَوْجَتِهِ، وَدَعْوَى الْعُرْفِ فِي غَيْرِ الدَّابَّةِ الْمَمْلُوكَةِ مَمْنُوعَةٌ، عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ مَأْذُونًا فِيهِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ إذَا كَانَ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَمِنْهَا الْخِلَافُ، وَهُوَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ إذَا وَقَعَ غَصْبًا؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْخِلَافَ قَدْ يَكُونُ فِي الْجِنْسِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْقَدْرِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الصِّفَةِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَكَانِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الزَّمَانِ.
-
وَالْخِلَافُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ قَدْ يَكُونُ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي اسْتِئْجَارِ الصُّنَّاعِ كَالْحَائِكِ، وَالصَّبَّاغِ، وَالْخَيَّاطِ خَلَا الْمَكَانِ.
-
أَمَّا اسْتِئْجَارُ الدَّوَابِّ فَالْمُعْتَبَرُ فِي الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ ضَرَرُ الدَّابَّةِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي الْجِنْسِ يُنْظَرُ: إنْ كَانَ ضَرَرُ الدَّابَّةِ فِيهِ بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ يُعْتَبَرُ الْخِلَافُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ،
-
فَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ فِي الثَّانِي أَكْثَرَ يَضْمَنُ كُلَّ الْقِيمَةِ إذَا عَطِبَتْ الدَّابَّةُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ غَاصِبًا لِكُلِّهَا،
-
وَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ فِي الثَّانِي مِثْلَ الضَّرَرِ فِي الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ لَا يَضْمَنُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالشَّيْءِ إذْنٌ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ فَكَانَ مَأْذُونًا بِالِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ دَلَالَةً،
-
فَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ كَانَ ضَرَرُ الدَّابَّةِ فِيهِ لَا مِنْ حَيْثُ الْخِفَّةُ وَالثِّقَلُ بَلْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْخِلَافُ مِنْ حَيْثُ الْخِفَّةُ، وَالثِّقَلُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الدَّابَّةِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي الْقَدْرِ، وَالضَّرَرُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْخِفَّةُ وَالثِّقَلُ يُعْتَبَرُ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ،
-
وَيَجِبُ الضَّمَانُ بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ فِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تُعْتَبَرُ تِلْكَ الْجِهَةُ فِي الضَّمَانِ لَا الْخِفَّةُ، وَالثِّقَلُ،
-
وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي الصِّفَةِ، وَضَرَرُ الدَّابَّةِ يَنْشَأُ مِنْهَا يُعْتَبَرُ الْخِلَافُ فِيهَا، وَيُبْنَى الضَّمَانُ عَلَيْهَا.
-
وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَسَائِلَ: إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ مَخَاتِيمَ شَعِيرٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ مَخَاتِيمَ حِنْطَةٍ فَعَطِبَتْ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ أَثْقَلُ مِنْ الشَّعِيرِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ أَصْلًا، فَصَارَ غَاصِبًا كُلَّ الدَّابَّةِ مُتَعَدِّيًا عَلَيْهَا فَيَضْمَنُ كُلَّ قِيمَتِهَا،
-
وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ مَعَ الضَّمَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ لِصَيْرُورَتِهِ غَاصِبًا،
-
وَلَا أُجْرَةَ عَلَى الْغَاصِبِ عَلَى أَصْلِنَا، وَلِأَنَّ الْمَضْمُونَاتِ تُمْلَكُ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا، وَذَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَحَمَلَ عَلَيْهَا مَكِيلًا آخَرَ ثِقَلُهُ كَثِقَلِ الْحِنْطَةِ وَضَرَرُهُ كَضَرَرِهَا فَعَطِبَتْ لَا يَضْمَنُ،
-
وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَ فِيهَا نَوْعًا سَمَّاهُ فَزَرَعَ غَيْرَهُ وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الضَّرَرِ بِالْأَرْضِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا قَفِيزًا مِنْ حِنْطَةٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا قَفِيزًا مِنْ شَعِيرٍ.
-
وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَ فِيهَا نَوْعًا آخَرَ ضَرَرُهُ أَقَلُّ مِنْ ضَرَرِ الْمُسَمَّى، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِحْسَانٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَضْمَنَ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ قَدْ تَحَقَّقَ فَتَحَقَّقَ الْغَصْبُ، وَلَنَا أَنَّ الْخِلَافَ إلَى مِثْلِهِ أَوْ إلَى مَا هُوَ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ لَا يَكُونُ خِلَافًا مَعْنًى؛
-
لِأَنَّ رِضَا الثَّانِيَ إذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الضَّرَرِ كَانَ الرِّضَا بِالْأَوَّلِ رِضًا بِالثَّانِي،
-
وَإِذَا كَانَ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ فَإِذَا رَضِيَ بِالْأَوَّلِ كَانَ بِالثَّانِي أَرْضَى فَصَارَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةَ نَفْسِهِ فَحَمَلَ عَلَيْهَا حِنْطَةَ غَيْرِهِ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْكَيْلِ، أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةً فَحَمَلَ عَلَيْهَا تِسْعَةً أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا، كَذَا هَذَا.
-
، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ حِنْطَةً فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَحَدَ عَشَرَ فَإِنْ سَلِمَتْ فَعَلَيْهِ مَا سَمَّى مِنْ الْأُجْرَةِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
-
وَإِنْ عَطِبَتْ ضَمِنَ جُزْءًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
-
وَقَالَ زُفَرُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَضْمَنُ قِيمَةَ كُلِّ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِالزِّيَادَةِ فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ عِلَّةَ التَّلَفِ، وَلَنَا أَنَّ تَلَفَ الدَّابَّةِ حَصَلَ بِالثِّقَلِ، وَالثِّقَلُ بَعْضُهُ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَبَعْضُهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَيُقَسَّمُ التَّلَفُ أَحَدَ عَشَرَ
-
٤/٢١٤٤/٢١٤
جُزْءًا فَيَضْمَنُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي حَائِطٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَثْلَاثًا مَالَ إلَى الطَّرِيقِ فَأُشْهِدَ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَسَقَطَ الْحَائِطُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَى الَّذِي أُشْهِدَ عَلَيْهِ قَدْرُ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ ثِقَلِ الْحَائِطِ، وَثِقَلُ الْحَائِطِ أَثْلَاثٌ، كَذَا هَذَا، وَعَلَيْهِ الْأَجْرُ؛
-
لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَمْلُ عَشَرَةِ مَخَاتِيمَ، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي الزِّيَادَةِ، وَأَنَّهَا اُسْتُوْفِيَتْ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ فَلَا أَجْرَ لَهَا،
-
وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ سَفِينَةً لِيَطْرَحَ فِيهَا عَشَرَةَ أَكْرَارٍ فَطَرَحَ فِيهَا أَحَدَ عَشَرَ فَغَرِقَتْ السَّفِينَةُ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَ زُفَرَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى يَضْمَنُ قِيمَةَ كُلِّ السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ فَهِيَ عِلَّةُ التَّلَفِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَزِدْ لَمَا حَصَلَ التَّلَفُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ بَلْ التَّلَفُ حَصَلَ بِالْكُلِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكُرَّ الزَّائِدَ لَوْ انْفَرَدَ لَمَا حَصَلَ بِهِ التَّلَفُ؟ فَثَبَتَ أَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِالْكُلِّ، وَالْبَعْضُ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَالْبَعْضُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَمَا هَلَكَ بِمَا هُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَمَا هَلَكَ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَفِيهِ الضَّمَانُ، وَصَارَ كَمَسْأَلَةِ الْحَائِطِ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِائَةَ رِطْلٍ مِنْ قُطْنٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهِ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الدَّابَّةِ هَهُنَا لَيْسَ لِلثِّقَلِ بَلْ لِلِانْبِسَاطِ وَالِاجْتِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْقُطْنَ يَنْبَسِطُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَالْحَدِيدَ يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ أَنَكَى لِظَهْرِ الدَّابَّةِ، وَأَعْقَرَ لَهَا فَلَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ فَصَارَ غَاصِبًا فَيَضْمَنُ،
-
وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا،
-
وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَهَا لِيُحَمِّلَهَا حِنْطَةً فَحَمَلَ عَلَيْهَا حَطَبًا أَوْ خَشَبًا أَوْ آجُرًّا أَوْ حَدِيدًا أَوْ حِجَارَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ أَنَكَى لِظَهْرِ الدَّابَّةِ أَوْ أَعْقَرَ لَهُ حَتَّى عَطِبَتْ يَضْمَنُ كُلَّ الْقِيمَةِ،
-
وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَحَمَلَ عَلَيْهَا، أَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا فَرَكِبَهَا حَتَّى عَطِبَتْ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ قَدْ اخْتَلَفَ، وَقَدْ يَكُونُ الضَّرَرُ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ،
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَأَرْكَبَهَا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الثِّقَلِ أَوْ أَخَفُّ مِنْهُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ هَهُنَا لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ بَلْ مِنْ حَيْثُ الْحَزْقُ وَالْعِلْمُ،
-
فَإِنَّ خَفِيفَ الْبَدَنِ إذَا لَمْ يُحْسِنْ الرُّكُوبَ يَضُرُّ بِالدَّابَّةِ، وَالثَّقِيلَ الَّذِي يُحْسِنُ الرُّكُوبَ لَا يَضُرُّ بِهَا،
-
فَإِذَا عَطِبَتْ عُلِمَ أَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ مِنْ حَزْقِهِ بِالرُّكُوبِ فَضَمِنَ،
-
وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا بِنَفْسِهِ فَأَرْكَبَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَعَطِبَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِ قِيمَتِهَا،
-
وَلَا يُعْتَبَرُ الثِّقَلُ هَهُنَا؛ لِأَنَّ تَلَفَ الدَّابَّةِ لَيْسَ مِنْ ثِقَلِ الرَّاكِبِ بَلْ مِنْ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِالرُّكُوبِ، فَصَارَ تَلَفُهَا بِرُكُوبِهَا بِمَنْزِلَةِ تَلَفِهَا بِجِرَاحَتِهَا، وَرُكُوبُ أَحَدِهِمَا مَأْذُونٌ فِيهِ، وَرُكُوبُ الْآخَرِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَصَارَ كَحَائِطٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَثْلَاثًا أُشْهِدَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَوَقَعَتْ مِنْهُ آجُرَّةٌ فَقَتَلَتْ رَجُلًا فَعَلَى الَّذِي أُشْهِدَ عَلَيْهِ نِصْفُ دِيَتِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ الْحَائِطِ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ مَا حَصَلَ بِالثِّقَلِ بَلْ بِالْجُرْحِ، وَالْجِرَاحَةُ الْيَسِيرَةُ كَالْكَثِيرَةِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ كَمَنْ جَرَحَ إنْسَانًا جِرَاحَةً، وَجَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَتَيْنِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، كَذَا هَهُنَا، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَزِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ إرْكَابُ الْغَيْرِ، غَيْرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ اُسْتُوْفِيَتْ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ فَلَا يَجِبُ بِهَا الْأَجْرُ، هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ تَطِيقُ اثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ لَا تَطِيقُهُمَا فَعَلَيْهِ جَمِيعُ قِيمَتِهَا؛
-
لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا بِإِرْكَابِ غَيْرِهِ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا بِإِكَافٍ فَنَزَعَهُ مِنْهُ وَأَسْرَجَهُ فَعَطِبَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ السَّرْجِ أَقَلُّ مِنْ ضَرَرِ الْإِكَافِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَقَلَّ مِمَّا يَأْخُذُ الْإِكَافُ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا بِسَرْجٍ فَنَزَعَ مِنْهُ السَّرْجَ، وَأَوْكَفَهُ فَعَطِبَ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَضْمَنُ قَدْرَ مَا زَادَ الْإِكَافُ عَلَى السَّرْجِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الِاخْتِلَافَ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يَضْمَنُ كُلَّ الْقِيمَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِهِمَا يَضْمَنُ بِحِسَابِ الزِّيَادَةِ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْإِكَافَ وَالسَّرْجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرْكَبُ بِهِ عَادَةً، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ بِالثِّقَلِ، وَالْخِفَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِكَافَ أَثْقَلُ فَيَضْمَنُ بِقَدْرِ الثِّقَلِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِسَرْجٍ فَنَزَعَهُ وَأَسْرَجَهُ بِسَرْجٍ آخَرَ أَثْقَلُ مِنْ الْأَوَّلِ فَعَطِبَ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ، كَذَا هَذَا.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِكَافَ لَا يُخَالِفُ السَّرْجَ فِي الثِّقَلِ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ السَّرْجُ وَلِأَنَّ الدَّابَّةَ الَّتِي لَمْ تَأْلَفْ الْإِكَافَ يَضُرُّ بِهَا الْإِكَافُ، وَالْخِلَافُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلثِّقَلِ يَجِبُ بِهِ جَمِيعُ الضَّمَانِ كَمَا إذَا حَمَلَ مَكَانَ الْقُطْنِ الْحَدِيدَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا بَدَّلَ السَّرْجَ بِسَرْجٍ أَثْقَلَ مِنْهُ، وَالْإِكَافُ بِإِكَافٍ أَثْقَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ هُنَاكَ مِنْ نَاحِيَةِ الثِّقَلِ فَيَضْمَنُ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ كَمَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ جِنْسِهَا عَلَى مَا مَرَّ،
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا عَارِيًّا فَأَسْرَجَهُ ثُمَّ رَكِبَ
-
٤/٢١٥٤/٢١٥
فَعَطِبَ كَانَ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ السَّرْجَ أَثْقَلُ عَلَى الدَّابَّةِ،
-
وَقِيلَ: هَذَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَرْكَبَهُ فِي الْمِصْرِ، وَهُوَ مِنْ غَرْضِ النَّاسِ مِمَّنْ يَرْكَبُ فِي الْمِصْرِ بِغَيْرِ سَرْجٍ،
-
فَأَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَرْكَبَهُ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ هُوَ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْحِمَارَ لَا يُرْكَبُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ بِغَيْرِ سَرْجٍ،
-
وَلَا إكَافٍ، وَكَذَا ذُو الْهَيْئَةِ فَكَانَ الْإِسْرَاجُ مَأْذُونًا فِيهِ دَلَالَةً فَلَا يَضْمَنُ،
-
وَإِنْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا بِسَرْجٍ فَأَسْرَجَهُ بِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ سَرْجًا يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ فَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ إذَا كَانَ مِمَّا يُسْرَجُ بِهِ الْحُمُرُ لَا يَتَفَاوَتَانِ فِي الضَّرَرِ فَكَانَ الْإِذْنُ بِأَحَدِهِمَا إذْنًا بِالْآخَرِ دَلَالَةً،
-
وَإِذَا كَانَ لَا يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ بِأَنْ كَانَ سَرْجًا كَبِيرًا كَسُرُوجِ الْبَرَاذِينِ كَانَ ضَرَرُهُ أَكْثَرَ، فَكَانَ إتْلَافًا لِلدَّابَّةِ فَيَضْمَنُ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لِجَامٌ فَأَلْجَمَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يُلْجَمُ بِمِثْلِ ذَلِكَ اللِّجَامِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَبْدَلَهُ؛ لِأَنَّ الْحِمَارَ لَا يَتْلَفُ بِأَصْلِ اللِّجَامِ فَإِذَا كَانَ الْحِمَارُ قَدْ يُلْجَمُ بِمِثْلِهِ أَوْ أَبْدَلَهُ بِمِثْلِهِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِتْلَافُ،
-
وَلَا الْخِلَافُ فَلَا يَضْمَنُ.
-
وَأَمَّا الْخِلَافُ فِي الْمَكَانِ فَنَحْوُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ أَوْ لِلْحَمْلِ إلَى مَكَان مَعْلُومٍ فَجَاوَزَ ذَلِكَ الْمَكَانَ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ كَمَا جَاوَزَ الْمَكَانَ الْمَعْلُومَ دَخَلَ الْمُسْتَأْجَرُ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى لَوْ عَطِبَ قَبْلَ الْعَوْدِ إلَى الْمَكَانِ الْمَأْذُونِ فِيهِ يَضْمَنُ كُلَّ الْقِيمَةِ.
-
وَلَوْ عَادَ إلَى الْمَكَانِ الْمَأْذُونِ فِيهِ هَلْ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ؟ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا يَقُولُ: يَبْرَأُ كَالْمُودَعِ إذَا خَالَفَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَعِيسَى بْنِ أَبَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا،
-
ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: لَا يَبْرَأُ حَتَّى يُسَلِّمَهَا إلَى صَاحِبِهَا سَلِيمَةً
-
وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ الشَّيْءَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْخِلَافِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ يَدُهُ يَدَ الْمَالِكِ، فَالْهَلَاكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَأَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ؛ وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ بَعْدَ الْهَلَاكِ، وَضَمِنَهُ الْمُسْتَحِقُّ يَرْجِعُ عَلَى الْمُؤَاجِرِ كَالْمُودِعِ سَوَاءٌ،
-
بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ الْآخَرِ إنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ يَدُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الشَّيْءَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَكَانَتْ يَدُهُ يَدَ نَفْسِهِ لَا يَدَ الْمُؤَاجِرِ،
-
وَكَذَا يَدُ الْمُسْتَعِيرِ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِذَا كَانَتْ يَدُهُ يَدَ نَفْسِهِ فَإِذَا ضَمِنَ بِالتَّعَدِّي لَا يَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِهِ إلَّا بِرَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ الْإِعَادَةُ إلَى الْمَكَانِ الْمَأْذُونِ فِيهِ رَدًّا إلَى يَدِ نَائِبِ الْمَالِكِ فَلَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ،
-
بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودِعِ يَدُ الْمَالِكِ لَا يَدُ نَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ الْوَدِيعَةِ فَكَانَ الْعَوْدُ إلَى الْوِفَاقِ رَدًّا إلَى يَدِ نَائِبِ الْمَالِكِ فَكَانَ رَدًّا إلَى الْمَالِكِ مَعْنًى فَهُوَ الْفَرْقُ.
-
وَأَمَّا الرُّجُوعُ عَلَى الْمُؤَاجِرِ بِالضَّمَانِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِكَوْنِ يَدِهِ يَدَ الْمُؤَاجِرِ، بَلْ لِأَنَّهُ صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ كَالْمُشْتَرِي إذَا اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ مِنْ يَدِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِسَبَبِ الْغَرُورِ، كَذَا هَذَا،
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا إلَى مَكَان عَيَّنَهُ فَرَكِبَهَا إلَى مَكَان آخَرَ يَضْمَنُ إذَا هَلَكَتْ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَقْرَبَ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُخَالِفًا لِاخْتِلَافِ الطُّرُقِ إلَى الْأَمَاكِنِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ،
-
وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا،
-
وَلَوْ رَكِبَهَا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَكِنْ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ يُنْظَرُ: إنْ كَانَ النَّاسُ يَسْلُكُونَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُخَالِفًا،
-
وَإِنْ كَانُوا لَا يَسْلُكُونَهُ يَضْمَنُ إذَا هَلَكَتْ لِصَيْرُورَتِهِ مُخَالِفًا غَاصِبًا بِسُلُوكِهِ،
-
وَإِنْ لَمْ تَهْلَكْ، وَبَلَغَ الْمَوْضِعَ الْمَعْلُومَ ثُمَّ رَجَعَ، وَسَلَّمَ الدَّابَّةَ إلَى صَاحِبِهَا فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ،
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا إلَى مَكَان مَعْلُومٍ فَذَهَبَ بِهَا، وَلَمْ يَرْكَبْهَا، وَلَمْ يَحْمِلْ عَلَيْهَا شَيْئًا فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ الْمَنَافِعَ إلَيْهِ بِتَسْلِيمِ مَحَلِّهَا إلَى الْمَكَانِ الْمَعْلُومِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا لِيَسْكُنَهَا فَسَلَّمَ الْمِفْتَاحَ إلَيْهِ فَلَمْ يَسْكُنْ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ الْأُجْرَةُ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا،
-
وَلَوْ أَمْسَكَ الدَّابَّةَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهَا، وَلَمْ يَذْهَبْ بِهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهَا إلَيْهِ فَإِنْ أَمْسَكَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يُمْسِكُ النَّاسُ إلَى أَنْ يَرْتَحِلَ فَهَلَكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الدَّابَّةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مُسْتَثْنًى عَادَةً فَكَانَ مَأْذُونًا فِيهِ دَلَالَةً،
-
وَإِنْ حَبَسَ مِقْدَارَ مَا لَا يَحْبِسُ النَّاسُ مِثْلَهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَعَطِبَ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ فِي الْمَكَانِ بِالْإِمْسَاكِ الْخَارِجِ عَنْ الْعَادَةِ فَصَارَ غَاصِبًا فَيَضْمَنُ إذَا هَلَكَ،
-
وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ لَمْ تَهْلَكْ فَأَمْسَكَهَا فِي بَيْتِهِ فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْأَجْرَ بِمُقَابَلَةِ تَسْلِيمِ الدَّابَّةِ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ وَلَمْ يُوجَدْ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ لِيَرْكَبَهَا فَحَبَسَهَا، وَلَمْ يَرْكَبْهَا حَتَّى رَدَّهَا يَوْمَ الْعَاشِرِ أَنَّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ، وَيَسَعُ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَ الْكِرَاءَ،
-
وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَبْهَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَاتِ عَلَى الْوَقْتِ بِالتَّسْلِيمِ فِي الْوَقْتِ، وَقَدْ وُجِدَ فَتَجِبُ الْأُجْرَةُ كَمَا فِي إجَارَةِ الدَّارِ، وَنَحْوِهَا
-
بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَسَافَةِ فَإِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ هُنَاكَ بِالتَّسْلِيمِ
-
٤/٢١٦٤/٢١٦
فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ، وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَجِبُ.
-
وَأَمَّا الْخِلَافُ فِي الزَّمَانِ فَنَحْوُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا، أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً فَانْتَفَعَ بِهَا زِيَادَةً عَلَى الْمُدَّةِ فَعَطِبَتْ فِي يَدِهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا وَرَاءَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
-
وَأَمَّا اسْتِئْجَارُ الصُّنَّاعِ مِنْ الْحَائِكِ، وَالْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ، وَنَحْوِهِمْ.
-
فَالْخِلَافُ إنْ كَانَ فِي الْجِنْسِ بِأَنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى صَبَّاغٍ لِيَصْبُغَهُ لَوْنًا فَصَبَغَهُ لَوْنًا آخَرَ فَصَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ، وَسَلَّمَ الثَّوْبَ لِلْأَجِيرِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ، وَأَعْطَاهُ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ إنْ كَانَ الصِّبْغُ مِمَّا يَزِيدُ.
-
أَمَّا خِيَارُ التَّضْمِينِ فَلِفَوَاتِ غَرَضِهِ؛ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَلْوَانِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ لِتَفْوِيتِهِ عَلَيْهِ مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً، فَصَارَ مُتْلِفًا الثَّوْبَ عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ حَقًّا لَهُ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ،
-
وَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ رَأْسًا حَيْثُ لَمْ يُوَفِّ الْعَمَلَ الْمَأْذُونَ فِيهِ أَصْلًا،
-
فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ، كَالْغَاصِبِ إذَا صَبَغَ الثَّوْبَ الْمَغْصُوبَ، وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ إنْ كَانَ الصِّبْغُ مِمَّا يَزِيدُ كَالْحُمْرَةِ، وَالصُّفْرَةِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ قَائِمٍ بِالثَّوْبِ فَلَا سَبِيلَ إلَى أَخْذِهِ مَجَّانًا بِلَا عِوَضٍ فَيَأْخُذُهُ، وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ رِعَايَةً لِلْحَقَّيْنِ وَنَظَرًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَالْغَاصِبِ،
-
وَإِنْ كَانَ الصِّبْغُ مِمَّا لَا يَزِيدُ كَالسَّوَادِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَاخْتَارَ أَخْذَ الثَّوْبِ لَا يُعْطِيهِ شَيْئًا بَلْ يُضَمِّنُهُ نُقْصَانَ الثَّوْبِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّوَادَ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَهُ فَلَا يَزِيدُ بَلْ يَنْقُصُ، وَعِنْدَهُمَا لَهُ قِيمَةٌ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْأَلْوَانِ،
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً فَزَرَعَهَا رَطْبَةً ضَمِنَ مَا نَقَصَهَا؛ لِأَنَّ الرَّطْبَةَ مَعَ الزَّرْعِ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ إذْ الرَّطْبَةُ لَيْسَتْ لَهَا نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ،
-
بِخِلَافِ الزَّرْعِ، وَكَذَا الرَّطْبَةُ تَضُرُّ بِالْأَرْضِ مَا لَا يَضُرُّهَا الزَّرْعُ، فَصَارَ بِالِاشْتِغَالِ بِزِرَاعَةِ الرَّطْبَةِ غَاصِبًا إيَّاهَا بَلْ مُتْلِفًا،
-
وَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ مَعَ الضَّمَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ أَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يَنْقُشَ فِي فِضَّةٍ اسْمَهُ، فَنَقْشَ اسْمَ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ الْخَاتَمَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْغَرَضَ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْخَاتَمِ، وَهُوَ الْخَتْمُ بِهِ فَصَارَ كَالْمُتْلِفِ إيَّاهُ قَالَ:
-
وَإِذَا أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُحَمِّرَ لَهُ بَيْتًا فَخَضَّرَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ: أُعْطِيهِ مَا زَادَتْ الْخُضْرَةُ فِيهِ،
-
وَلَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ مَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ رَأْسًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ، وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ قِيمَةَ الصِّبْغِ الَّذِي زَادَ فِي الْبَيْتِ لِمَا مَرَّ،
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا بِدِرْهَمٍ فَخَاطَهُ قَبَاءً فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْقَبَاءَ، وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سُمِّيَ؛ لِأَنَّ الْقَبَاءَ، وَالْقَمِيصَ مُخْتَلِفَانِ فِي الِانْتِفَاعِ فَصَارَ مُفَوِّتًا مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً فَصَارَ مُتْلِفًا الثَّوْبَ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيُعْطِيَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لِمَا قُلْنَا.
-
، وَإِذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي الصِّفَةِ نَحْوَ أَنْ دَفَعَ إلَى صَبَّاغٍ ثَوْبًا لِيَصْبُغَهُ بِصِبْغٍ مُسَمًّى فَصَبَغَهُ بِصَبْغٍ آخَرَ لَكِنَّهُ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ اللَّوْنِ فَلِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ أَبْيَضَ، وَيُسَلِّمَ إلَيْهِ الثَّوْبَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ، وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سُمِّيَ.
-
أَمَّا ثُبُوتُ الْخِيَارِ فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِي الْجِنْسِ، وَإِنَّمَا، وَجَبَ الْأَجْرُ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الصِّفَةِ لَا يُخْرِجُ الْعَمَلَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْقُودًا عَلَيْهِ، فَقَدْ أَتَى بِأَصْلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِوَصْفِهِ،
-
فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِوَصْفِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ لَمْ يَجِبْ الْمُسَمَّى،
-
وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَتَى بِالْأَصْلِ، وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ،
-
وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ أَجْرِ الْمِثْلِ لِمَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ شَبَهًا لِيَضْرِبَ لَهُ طَشْتًا مَوْصُوفًا مَعْرُوفًا فَضَرَبَ لَهُ كُوزًا قَالَ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مِثْلَ شَبَهِهِ وَيَصِيرُ الْكُوزُ لِلْعَامِلِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخْذَهُ أَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سُمِّيَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى الضَّرْبِ وَالصِّنَاعَةِ صِفَةً، فَقَدْ فَعَلَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِأَصْلِهِ، وَخَالَفَ فِي، وَصْفِهِ فَيَثْبُتُ لِلْمُسْتَعْمِلِ الْخِيَارُ، وَعَلَى هَذَا إذَا دَفَعَ إلَى حَائِكٍ غَزْلًا لِيَحُوكَ لَهُ ثَوْبًا صَفِيقًا فَحَاكَ لَهُ ثَوْبًا رَقِيقًا أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُوكَ لَهُ ثَوْبًا رَقِيقًا فَحَاكَهُ صَفِيقًا إنَّ صَاحِبَ الْغَزْلِ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ غَزْلَهُ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ، وَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِ عَمَلِهِ لَا يُجَاوِزُ مَا سُمِّيَ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا دَفَعَ خُفَّهُ إلَى خَفَّافٍ لِيُنَعِّلَهُ فَأَنْعَلَهُ بِنَعْلٍ لَا يُنَعِّلُ بِمِثْلِهِ الْخَفَّافُ، فَصَاحِبُ الْخُفِّ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ خُفَّهُ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ فِي عَمَلِهِ، وَقِيمَةَ النَّعْلِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سُمِّيَ،
-
وَإِنْ كَانَ يُنَعِّلُ بِمِثْلِهِ الْخَفَّافُ فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَيِّدًا.
-
وَأَمَّا ثُبُوتُ الْخِيَارِ إذَا أَنَعْلَهُ بِمَا لَا يُنَعِّلُ بِمِثْلِهِ الْخَفَّافُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ رَأْسًا بَلْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ ابْتِدَاءً فَصَارَ كَالْغَاصِبِ إذَا أَنْعَلَ الْخُفَّ
-
٤/٢١٧٤/٢١٧
الْمَغْصُوبَ فَكَانَ لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ كَالْغَاصِبِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّضْمِينِ تَثْبُتُ لِحَقِّ الْمَالِكِ فَإِذَا رَضِيَ بِالْأَخْذِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ،
-
وَإِذَا أَخَذَ أَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الْعَمَلِ، وَقَدْ أَتَى بِأَصْلِ الْعَمَلِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي الصِّفَةِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَهُ وَيُعْطِيَهُ أَجْرَ الْمِثْلِ،
-
وَلَا يُعْطِيَهُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمُقَابَلَةِ عَمَلٍ مَوْصُوفٍ وَلَمْ يَأْتِ بِالصِّفَةِ، وَيُعْطِيَهُ مَا زَادَ النَّعْلَ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ قَائِمٍ لِلْخَفَّافِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الصِّبْغِ فِي الثَّوْبِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْخِيَارُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ إلَى صَاحِبِ الْخُفِّ، وَالثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبٌ مَتْبُوعٌ وَالنَّعْلُ، وَالصِّبْغُ تَبَعٌ فَكَانَ إثْبَاتُ الْخِيَارِ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ أَوْلَى،
-
وَإِنْ كَانَ يَفْعَلُ بِمِثْلِهِ الْخَفَّافُ فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَيِّدًا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَتَنَاوَلُ أَدْنَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَقَدْ وُجِدَ،
-
وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ جَيِّدًا فَأَنْعَلَهُ بِغَيْرِ جَيِّدٍ فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْخُفِّ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْخُفَّ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَقِيمَةَ مَا زَادَ فِيهِ،
-
وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سُمِّيَ؛ لِأَنَّ الرَّدِيءَ مِنْ جِنْسِ الْجَيِّدِ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِفَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ.
-
وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي الْقَدْرِ نَحْوَ مَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ فِي رَجُلٍ دَفَعَ غَزْلًا إلَى حَائِكٍ يَنْسِجُهُ لَهُ سَبْعًا فِي أَرْبَعٍ فَخَالَفَ بِالزِّيَادَةِ أَوْ بِالنُّقْصَانِ،
-
فَإِنْ خَالَفَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ الرَّجُلَ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مِثْلَ غَزْلِهِ، وَسَلَّمَ الثَّوْبَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ، وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ الْمُسَمَّى.
-
أَمَّا ثُبُوتُ الْخِيَارِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَرَضُهُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي قَدْرِ الذِّرَاعِ تُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الصِّفَةِ، وَهِيَ الصَّفَاقَةُ، فَيَفُوتُ غَرَضُهُ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ،
-
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مِثْلَ غَزْلِهِ لِتَعَدِّيهِ عَلَيْهِ بِتَفْوِيتِ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ الَّذِي سَمَّاهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَصْلِ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي الصِّفَةِ، وَالْخِلَافُ فِي صِفَةِ الْعَمَلِ لَا يُخْرِجُ الْعَمَلَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْقُودًا عَلَيْهِ، كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَوَجَدَهُ مَعِيبًا حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَعَ الْعَيْبِ.
-
وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي النُّقْصَانِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْطِيَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِهِ، وَذَكَرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ عَلَيْهِ أَجْرَ الْمِثْلِ، وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَمَّا نَقَصَ فِي الْقَدْرِ فَقَدْ فَوَّتَ الْغَرَضَ الْمَطْلُوبَ مِنْ الثَّوْبِ فَصَارَ كَأَنَّهُ عَمِلَ بِحُكْمِ إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ لَيْسَ فِيهَا أَجْرٌ مُسَمًّى، وَجْهُ رِوَايَةِ الْأَصْلِ أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى عَمَلٍ مُقَدَّرٍ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْمُقَدَّرِ فَصَارَ كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَى نَقْلِ كُرٍّ مِنْ طَعَامٍ إلَى مَوْضِعِ كَذَا بِدِرْهَمٍ فَنَقَلَ بَعْضَهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِهِ، فَكَذَا هَهُنَا،
-
وَإِنْ أَوْفَاهُ الْوَصْفَ، وَهُوَ الصَّفَاقَةُ وَالذِّرَاعُ، وَزَادَ فِيهِ فَقَدْ رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مِثْلَ غَزْلِهِ، وَصَارَ الثَّوْبُ لِلصَّانِعِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ، وَأَعْطَاهُ الْمُسَمَّى،
-
وَلَا يَزِيدُ لِلذِّرَاعِ الزَّائِدِ شَيْئًا، أَمَّا ثُبُوتُ الْخِيَارِ فَلِتَغَيُّرِ الصِّفَةِ إذْ الْإِنْسَانُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الثَّوْبِ الْقَصِيرِ،
-
وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الطَّوِيلِ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَلِأَنَّهُ إذَا زَادَ فِي طُولِهِ فَقَدْ اسْتَكْثَرَ مِنْ الْغَزْلِ،
-
فَإِنْ أَخَذَهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ فِيهَا حَيْثُ عَمِلَهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الثَّوْبِ فَكَانَ مُتَبَرِّعًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ عَلَيْهَا، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا أَعْطَى صَبَّاغًا ثَوْبًا لِيَصْبُغَهُ بِعُصْفُرِ رُبُعِ الْهَاشِمِيِّ بِدِرْهَمٍ فَصَبَغَهُ بِقَفِيزِ عُصْفُرٍ، وَأَقَرَّ رَبُّ الثَّوْبِ بِذَلِكَ،
-
فَإِنَّ رَبَّ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ، وَأَعْطَاهُ مَا زَادَ الْعُصْفُرُ فِيهِ مَعَ الْأَجْرِ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ مَشَايِخَنَا ذَكَرُوا تَفْصِيلًا فَقَالُوا: إنَّ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ كَانَ صَبَغَهُ أَوَّلًا بِرُبُعِ الْهَاشِمِيِّ ثُمَّ صَبَغَهُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْقَفِيزِ فَصَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ الْمُسَمَّى، وَمَا زَادَ لِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْقَفِيزِ فِي الثَّوْبِ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا أَفْرَدَهُ بِالصِّبْغِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوَّلًا وَهُوَ رُبُعُ الْهَاشِمِيِّ فَقَدْ أَوْفَاهُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَصَارَ مُتَعَدِّيًا بِالصِّبْغِ الثَّانِي كَأَنَّهُ غَصَبَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِالرُّبُعِ ثُمَّ صَبَغَهُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعٍ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ: إنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ، وَأَعْطَاهُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ لَهُ الصِّبْغَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى، وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الصِّبْغُ الثَّانِي فِيهِ؛
-
لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ قَائِمَةٌ لِلصَّبَّاغِ فِي الثَّوْبِ،
-
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا بِرُبُعِ الْقَفِيزِ، وَوَجَبَ لَهُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ فِي حُكْمِ الْمَقْبُوضِ مِنْ وَجْهٍ لِحُصُولِهِ فِي ثَوْبِهِ لَكِنْ يُكْمِلُ الْقَبْضَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى يَدِهِ فَكَانَ مَقْبُوضًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَكَانَ لَهُ فَسْخُ الْقَبْضِ لِتَغَيُّرِ الصِّفَةِ الْمَقْصُودَةِ، وَلَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ، وَيَضْمَنَ الْأَجْرَ،
-
وَإِنْ كَانَ صَبَغَهُ ابْتِدَاءً بِقَفِيزٍ فَلَهُ مَا زَادَ الصِّبْغُ وَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوفِ بِالْعَمَلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَلَمْ يَعْمَلْ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ غَصَبَ ثَوْبًا، وَصَبَغَهُ بِعُصْفُرٍ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ خِلَافَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ، وَيَغْرَمَ الْأَجْرَ، وَمَا زَادَ الْعُصْفُرُ فِيهِ مُجْتَمِعًا كَانَ أَوْ مُتَفَرِّقًا؛
-
لِأَنَّ الصِّبْغَ لَا يَتَشَرَّبُ
-
٤/٢١٨٤/٢١٨
فِي الثَّوْبِ دُفْعَةً، وَاحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَسْتَوِي فِيهِ الِاجْتِمَاعُ، وَالِافْتِرَاقُ.
-
وَأَمَّا الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ، وَهِيَ الَّتِي فَاتَهَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَحُكْمُهَا الْأَصْلِيُّ هُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُؤَاجِرِ فِي أَجْرِ الْمِثْلِ لَا فِي الْمُسَمَّى بِمُقَابَلَةِ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ الْمَمْلُوكَةِ مِلْكًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْمُؤَاجِرَ لَمْ يَرْضَ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ إلَّا بِبَدَلٍ.
-
وَلَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ الْمُسَمَّى لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَلِأَنَّ الْمُوجَبَ الْأَصْلِيَّ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ هُوَ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُعَادَلَةِ، وَالْقِيمَةُ هِيَ الْعَدْلُ إلَّا أَنَّهَا مَجْهُولَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ، وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُقَوِّمِينَ، فَيُعْدَلُ مِنْهَا إلَى الْمُسَمَّى عِنْدَ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ،
-
فَإِذَا فَسَدَتْ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْمُوجَبِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ أَجْرُ الْمِثْلِ هَهُنَا؛ لِأَنَّهُ قِيمَةُ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى فِي عَقْدٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يُزَادُ،
-
وَيَجِبُ بَالِغًا مَا بَلَغَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ شَرْعًا بِأَنْفُسِهَا، وَإِنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ بِتَقْوِيمِ الْعَاقِدَيْنِ، وَالْعَاقِدَانِ مَا قَوَّمَاهَا إلَّا بِالْقَدْرِ الْمُسَمَّى فَلَوْ وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُسَمَّى لَوَجَبَتْ بِلَا عَقْدٍ وَإِنَّهَا لَا تَتَقَوَّمُ بِلَا عَقْدٍ،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَإِنَّ الْمَبِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ لِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَاكَ بِمُقَابَلَةِ الْعَيْنِ، وَالْأَعْيَانُ مُتَقَوِّمَةٌ بِأَنْفُسِهَا فَوَجَبَ كُلُّ قِيمَتِهَا، وَفِي قَوْلِ زُفَرَ - وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ - هِيَ مُتَقَوِّمَةٌ بِأَنْفُسِهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَعْيَانِ فَكَانَتْ مَضْمُونَةً بِجَمِيعِ قِيمَتِهَا كَالْأَعْيَانِ.
-
هَذَا إذَا كَانَ فِي الْعَقْدِ تَسْمِيَةٌ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَسْمِيَةٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَسْمِيَةُ الْأَجْرِ لَا يُرْضَى بِاسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ كَانَ ذَلِكَ تَمْلِيكًا بِالْقِيمَةِ الَّتِي هِيَ الْمُوجَبُ الْأَصْلِيُّ دَلَالَةً، فَكَانَ تَقْوِيمًا لِلْمَنَافِعِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ إذْ هُوَ قِيمَةُ الْمَنَافِعِ فِي الْحَقِيقَةِ،
-
وَلَا يَثْبُتُ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ مِنْ التَّوَابِعِ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِصِفَةِ الْمُسْتَأْجِرِ لَهُ فِيهِ، وَهِيَ كَوْنُهُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ لِحُصُولِ الْهَلَاكِ فِي قَبْضٍ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنْ قِبَلِ الْمُؤَاجِرِ.
-
وَأَمَّا الْإِجَارَةُ الْبَاطِلَةُ، وَهِيَ الَّتِي فَاتَهَا شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الِانْعِقَادِ فَلَا حُكْمَ لَهَا رَأْسًا؛ لِأَنَّ مَا لَا يَنْعَقِدُ فَوُجُودُهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْبَاطِلِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْبَيْعِ، وَنَحْوِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.