فَصْلٌ فِي شَرَائِطُ الصِّحَّةِ فِي الْبُيُوع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ٢٧٬٧٤٤ إلى ٢٨٬٥٤٨
-
٥/١٧١٥/١٧١
لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُشْتَرِي فَأَشْبَهَ مَا إذَا اشْتَرَى بِشَرْطِ الْحَمْلِ إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ بِشَرْطِ الْإِيفَاءِ فِي مَنْزِلِهِ وَأَحَدُهُمَا فِي الْمِصْرِ وَالْآخَرُ خَارِجَ الْمِصْرِ.
-
(وَلَهُمَا) أَنَّ النَّاسَ تَعَامَلُوا الْبَيْعَ بِهَذَا الشَّرْطِ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي فِي الْمِصْرِ فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ لِتَعَامُلِ النَّاسِ وَلَا تَعَامُلَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُونَا فِي الْمِصْرِ وَلَا فِي شَرْطِ الْحَمْلِ إلَى الْمَنْزِلِ فَعَمِلْنَا بِالْقِيَاسِ فِيهِ
-
وَكَذَلِكَ الشَّرْطُ الَّذِي لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ لَكِنَّهُ مُلَائِمٌ لِلْعَقْدِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مُقَرِّرٌ لِحُكْمِ الْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُؤَكِّدًا إيَّاهُ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيُلْحَقُ بِالشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ وَذَلِكَ نَحْوَ مَا إذَا بَاعَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ رَهْنًا أَوْ كَفِيلًا وَالرَّهْنُ مَعْلُومٌ وَالْكَفِيلُ حَاضِرٌ فَقَبِلَ.
-
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ إعْطَاءِ الرَّهْنِ أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُفْسِدٌ فِي الْأَصْلِ وَشَرْطُ الرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ مِمَّا يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛
-
فَكَانَ مُفْسِدًا إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْجَوَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَوْ كَانَ مُخَالِفًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ صُورَةً فَهُوَ مُوَافِقٌ لَهُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بِالثَّمَنِ شُرِعَ تَوْثِيقًا لِلثَّمَنِ
-
وَكَذَا الْكَفَالَةُ فَإِنَّ حَقَّ الْبَائِعِ يَتَأَكَّدُ بِالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقَرِّرًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ مَعْنًى فَأَشْبَهَ اشْتِرَاطَ صِفَةِ الْجَوْدَةِ لِلثَّمَنِ وَأَنَّهُ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ فَكَذَا هَذَا وَلَوْ قَبِلَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ الرَّهْنِ لَا يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ إنَّ الرَّهْنَ إذَا شُرِطَ فِي الْبَيْعِ فَقَدْ صَارَ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ وَالْجَبْرُ عَلَى التَّسْلِيمِ مِنْ حُقُوقِ الْبَيْعِ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الرَّهْنَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فِي الْأَصْلِ وَاشْتِرَاطُهُ فِي الْبَيْعِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ تَبَرُّعًا وَالْجَبْرُ عَلَى التَّبَرُّعِ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَدْفَعَ الرَّهْنَ أَوْ قِيمَتَهُ أَوْ تُؤَدِّيَ الثَّمَنَ أَوْ يَفْسَخَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ؛
-
لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَرْضَ بِزَوَالِ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِوَثِيقَةِ الرَّهْنِ أَوْ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ تَقُومُ مَقَامَهُ وَلِأَنَّ الدَّيْنَ يُسْتَوْفَى مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ وَهِيَ قِيمَتُهُ وَإِذَا أَدَّى الثَّمَنَ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَلَا مَعْنَى لِلْفَسْخِ وَلَوْ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ؛
-
فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَالْغَرَضِ وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَجْهُولًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ جَوَازَ هَذَا الشَّرْطِ مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَاهُ لِكَوْنِهِ مُلَائِمًا لِلْعَقْدِ مُقَرِّرًا لِمُقْتَضَاهُ مَعْنًى لِحُصُولِ التَّوَثُّقِ وَالتَّأَكُّدِ لِلثَّمَنِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ وَأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَجْهُولِ.
-
وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى تَعْيِينِ رَهْنٍ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ جَهَالَةُ الرَّهْنِ وَقَدْ زَالَ فَكَأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا مُعَيَّنًا مِنْ الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ لَهُ حُكْمُ حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ افْتَرَقَا عَنْ الْمَجْلِسِ؛ تَقَرَّرَ الْفَسَادُ،
-
وَكَذَا إذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى تَعْيِينِ الرَّهْنِ وَلَكِنَّ الْمُشْتَرِيَ نَقَدَ الثَّمَنَ؛ جَازَ
-
٥/١٧٢٥/١٧٢
الْبَيْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ هُوَ الْوُصُولُ إلَى الثَّمَنِ وَقَدْ حَصَلَ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْوَثِيقَةِ.
-
وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ إعْطَاءِ الْكَفِيلِ أَنَّ الْكَفِيلَ إنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ وَقَبِلَ؛ جَازَ الْبَيْعُ اسْتِحْسَانًا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ
-
وَكَذَا إذَا كَانَ حَاضِرًا وَلَمْ يَقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ ثَبَتَ لِمَعْنَى التَّوْثِيقِ وَتَوْكِيدِ الثَّمَنِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْرِيرِ مُوجَبِ الْعَقْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَإِذَا كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا وَلَمْ يَقْبَلْ؛ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ فَلَمْ يَحْصُلْ مَعْنَى التَّوْثِيقِ فَبَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ،
-
وَكَذَا إذَا كَانَ الْكَفِيلُ مَجْهُولًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ كَفَالَةَ الْمَجْهُولِ لَا تَصِحُّ وَلَوْ كَانَ الْكَفِيلُ مُعَيَّنًا وَهُوَ غَائِبٌ ثُمَّ حَضَرَ وَقَبِلَ الْكَفَالَةَ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ جَازَتْ الْكَفَالَةُ بِالْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ،
-
وَإِذَا حَضَرَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ تَأَكَّدَ الْفَسَادُ.
-
وَلَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى غَرِيمٍ مِنْ غُرَمَائِهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ لِغَرِيمٍ مِنْ غُرَمَاءِ الْبَائِعِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ الَّذِي لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ مُفْسِدٌ فِي الْأَصْلِ إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ تَقْرِيرُ مُوجَبِ الْعَقْدِ وَتَأْكِيدُهُ، وَالْحَوَالَةُ إبْرَازٌ عَنْ الثَّمَنِ وَإِسْقَاطٌ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ مُلَائِمًا لِلْعَقْدِ
-
بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَا يُلَائِمُ الْعَقْدَ أَيْضًا لَكِنْ لِلنَّاسِ فِيهِ تَعَامُلٌ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ كَمَا إذَا اشْتَرَى نَعْلًا عَلَى أَنْ يَحْدُوَهُ الْبَائِعُ أَوْ جِرَابًا عَلَى أَنْ يَخْرِزَهُ لَهُ خُفًّا أَوْ يَنْعَلَ خُفَّهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ رحمه الله (وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ وَإِنَّهُ مُفْسِدٌ كَمَا إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا بِشَرْطِ أَنْ يَخِيطَهُ الْبَائِعُ لَهُ قَمِيصًا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ النَّاسَ تَعَامَلُوا هَذَا الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ كَمَا تَعَامَلُوا الِاسْتِصْنَاعَ فَسَقَطَ الْقِيَاسُ بِتَعَامُلِ النَّاسِ كَمَا سَقَطَ فِي الِاسْتِصْنَاعِ،
-
وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ أَوْ طَبَّاخَةٌ أَوْ خَبَّازَةٌ، أَوْ غُلَامًا عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ خَيَّاطٌ، أَوْ بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهَا صِحَاحٌ أَوْ عَلَى أَنَّهَا جِيَادُ نَقْدِ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ اشْتَرَى عَلَى أَنَّهَا مُؤَجَّلَةٌ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ صِفَةٌ لِلْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ صِفَةٌ مَحْضَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ انْقِلَابُهَا أَصْلًا وَلَا يَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ بِحَالٍ،
-
وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ وَإِنَّهَا صِفَةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا لَا عَلَى وَجْهِ التَّلَهِّي، وَالْمَشْرُوطُ إذَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ؛ كَانَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ، وَاشْتِرَاطُ شَرْطٍ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ كَمَا إذَا اشْتَرَى بِشَرْطِ التَّسْلِيمِ وَتَمَلُّكِ الْمَبِيعِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى نَاقَةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَاكَ عَيْنٌ وَهُوَ الْحَمْلُ فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا.
-
وَكَوْنُ النَّاقَةِ حَامِلًا وَإِنْ كَانَ صِفَةً لَهَا لَكِنْ لَا تَحَقُّقَ لَهُ إلَّا بِالْحَمْلِ وَهُوَ عَيْنٌ فِي وُجُودِهِ غَرَرٌ، وَمَعَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ فَسَادَ الْبَيْعِ وَيَخْرُجُ عَلَى هَذَا أَيْضًا مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَسَائِلَ إذَا اشْتَرَى نَاقَةً عَلَى أَنَّهَا تَحْلُبُ كَذَا
-
وَكَذَا رَطْلًا أَوْ عَلَى أَنَّهَا حَلُوبَةٌ أَوْ عَلَى أَنَّهَا لَبُونٌ أَنَّ الْبَيْعَ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَيْنٌ فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ عَلَى سَبِيلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْغِنَاءِ جِهَةُ التَّلَهِّي فَاشْتِرَاطُهَا فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ الْفَسَادَ
-
وَكَذَا إذَا اشْتَرَى قُمْرِيَّةً عَلَى أَنَّهَا تُصَوِّتُ أَوْ طوطيا عَلَى أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ أَوْ حَمَامَةً عَلَى أَنَّهَا تَجِيءُ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ أَوْ كَبْشًا عَلَى أَنَّهُ نَطَّاحٌ أَوْ دِيكًا عَلَى أَنَّهُ مُقَاتِلٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِهَاتِ كُلَّهَا جِهَاتُ التَّلَهِّي،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى كَلْبًا عَلَى أَنَّهُ مُعَلَّمٌ أَوْ اشْتَرَى دَابَّةً عَلَى أَنَّهَا هِمْلَاجٌ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَا حَظْرَ فِيهَا بِوَجْهٍ وَاَللَّه عَزَّ شَأْنُهُ الْمُوَفِّقُ.
-
وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْعَيْبِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ عَمَّ الْعُيُوبَ كُلَّهَا بِأَنْ قَالَ: بِعْت عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ أَوْ خَصَّ بِأَنْ سَمَّى جِنْسًا مِنْ الْعُيُوبِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تَعَالَى: إنْ خَصَّ صَحَّ وَإِنْ عَمَّ لَا يَصِحُّ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ عِنْدَهُ هَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ؟
-
لَهُ فِيهِ قَوْلَانِ: فِي قَوْلٍ يَبْطُلُ الْعَقْدُ أَيْضًا، وَفِي قَوْلٍ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ،
-
وَلَوْ شَرَطَ: عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْعَيْبِ الَّذِي يَحْدُثُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ الْبَيْعَ بِهَذَا الشَّرْطِ فَاسِدٌ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ إبْرَاءٌ عَنْ الْمَجْهُولِ فَلَا يَصِحُّ،
-
وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إبْرَاءٌ عَنْ الْمَجْهُولِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ إبْرَاءٌ عَنْ الْمَجْهُولِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَهَذَا آيَةُ التَّمْلِيكِ؛ إذْ الْإِسْقَاطُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَتَمْلِيكُ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الْإِبْرَاءَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ لَكِنَّ الْجَهَالَةَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّمْلِيكِ لِعَيْنِهَا بَلْ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؟ كَمَا
-
٥/١٧٣٥/١٧٣
إذَا بَاعَ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ هَذِهِ النُّقْرَةِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْجَهَالَةِ هَهُنَا لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: كُلُّ عَيْبٍ يَتَنَاوَلُ الْعُيُوبَ كُلَّهَا فَإِذَا سَمَّى جِنْسًا مِنْ الْعُيُوبِ لَا جَهَالَةَ لَهُ أَصْلًا مَعَ مَا أَنَّ التَّمْلِيكَ فِي الْإِبْرَاءِ؛
-
يَثْبُتُ ضِمْنًا وَتَبَعًا لِلْإِسْقَاطِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يُنْبِئُ عَنْ الْإِسْقَاطِ لَا عَنْ التَّمْلِيكِ فَيُعْتَبَرُ التَّصَرُّفُ إسْقَاطًا لَا تَمْلِيكًا، وَالْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِسْقَاطَاتِ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام فِي مَوَارِيثَ قَدْ دُرِسَتْ فَقَالَ لَهُمَا عليه الصلاة والسلام : اسْتِهِمَا وَأَوْجِبَا الْحَقَّ وَلْيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ» وَعَلَى هَذَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ اسْتِحْلَالِ مُعَامَلَاتِهِمْ فِي آخَرِ أَعْمَارِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ.
-
وَأَمَّا بَيْعُ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَبَيْعُ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ بِشَرْطِ التَّرْكِ فَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو: إمَّا إنْ كَانَ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مُنْتَفَعًا بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ،
-
وَإِمَّا إنْ كَانَ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ بِأَنْ صَارَ مُنْتَفَعًا بِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ مُطْلَقًا، أَوْ بِشَرْطِ التَّرْكِ حَتَّى يَبْلُغَ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَبَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ جَازَ وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْطَعَ لِلْحَالِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَلَوْ بَاعَ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطٍ جَازَ أَيْضًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَا يَجُوزُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ وَالْمُتَعَارَفُ هُوَ التَّرْكُ فَكَانَ هَذَا بَيْعًا بِشَرْطِ التَّرْكِ دَلَالَةً فَصَارَ كَمَا لَوْ شَرَطَ التَّرْكَ نَصًّا.
-
(وَلَنَا) أَنَّ التَّرْكَ لَيْسَ بِمَشْرُوطٍ نَصًّا؛ إذْ الْعَقْدُ مُطْلَقٌ عَنْ الشَّرْطِ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِشَرْطِ التَّرْكِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ خُصُوصًا إذَا كَانَ فِي التَّقْيِيدِ فَسَادُ الْعَقْدِ،
-
وَإِنْ اشْتَرَى بِشَرْطِ التَّرْكِ؛ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَا يُلَائِمُ الْعَقْدَ وَلَا جَرَى بِهِ التَّعَامُلُ بَيْنَ النَّاسِ، وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّرْكِ إلَّا بِإِعَارَةِ الشَّجَرَةِ وَالْأَرْضِ وَهُمَا مِلْكُ الْبَائِعِ فَصَارَ بِشَرْطِ التَّرْكِ شَارِطًا الْإِعَارَةَ فَكَانَ شَرْطُهُ صَفْقَةً فِي صَفْقَةٍ وَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ هَذَا إذَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ
-
وَكَذَا إذَا بَدَا صَلَاحُهُ فَبَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ مُطْلَقًا.
-
فَأَمَّا إذَا بَاعَ بِشَرْطِ التَّرْكِ فَإِنْ لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ بِلَا خِلَافٍ؛ لِمَا قُلْنَا
-
وَكَذَا إذَا تَنَاهَى عِظَمُهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا لِتَعَارُفِ النَّاسِ وَتَعَامُلِهِمْ ذَلِكَ، وَلَهُمَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ شَرْطَ التَّرْكِ شَرْطٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُشْتَرِي وَالْعَقْدُ لَا يَقْتَضِيهِ وَلَيْسَ بِمُلَائِمٍ لِلْعَقْدِ أَيْضًا وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ يَكُونُ مُفْسِدًا كَمَا إذَا اشْتَرَى حِنْطَةً عَلَى أَنْ يَتْرُكَهَا فِي دَارِ الْبَائِعِ شَهْرًا قَوْلُهُ: النَّاسُ تَعَامَلُوا ذَلِكَ قُلْنَا: دَعْوَى تَعَامُلِ النَّاسِ شَرْطَ التَّرْكِ فِي الْمَبِيعِ مَمْنُوعَةٌ، وَإِنَّمَا التَّعَامُلُ بِالْمُسَامَحَةِ بِالتَّرْكِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَلَوْ اشْتَرَى مُطْلِقًا عَنْ شَرْطٍ فَتَرَكَ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَنَاهَى عِظَمُهُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا النُّضْجُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ سَوَاءٌ تُرِكَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأَنَّهُ لَا يَزْدَادُ بَعْدَ التَّنَاهِي وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ إلَى حَالِ النُّضْجِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ التَّرْكُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ؛
-
جَازَ وَطَابَ لَهُ الْفَضْلُ،
-
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ تَصَدَّقَ بِمَا زَادَ فِي إذْنِهِ عَلَى مَا كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ بِجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ فَأَوْجَبَتْ خُبْثًا فِيهَا فَكَانَ سَبِيلُهَا التَّصَدُّقُ،
-
فَإِنْ اسْتَأْجَرَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ الشَّجَرَ لِلتَّرْكِ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ طَابَ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ حَصَلَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ وَلَكِنْ لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ جَوَازَهَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِتَعَامُلِ النَّاسِ فَمَا لَمْ يَتَعَامَلُوا فِيهِ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْإِجَارَةُ؛
-
وَلِهَذَا لَمْ تَصِحَّ إجَارَةُ الْأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ وَإِجَارَةُ الْأَوْتَادِ لِتَعْلِيقِ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهَا وَإِجَارَةُ الْكُتُبِ لِلْقِرَاءَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ حَتَّى لَمْ تَجِبْ الْأُجْرَةُ؛ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا،
-
وَلَوْ أَخْرَجَتْ الشَّجَرَةُ فِي مُدَّةِ التَّرْكِ ثَمَرَةً أُخْرَى فَهِيَ لِلْبَائِعِ سَوَاءٌ كَانَ التَّرْكُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِ الْبَائِعِ فَيَكُونُ لَهُ وَلَوْ حَلَّلَهَا لَهُ الْبَائِعُ جَازَ وَإِنْ اخْتَلَطَ الْحَادِثُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِالْمَوْجُودَةِ عِنْدَهُ حَتَّى لَا يُعْرَفَ يُنْظَرُ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ بَطَلَ الْبَيْعُ؛
-
لِأَنَّ الْمَبِيعَ صَارَ مَعْجُوزَ التَّسْلِيمِ بِالِاخْتِلَاطِ لِلْجَهَالَةِ وَتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ فَأَشْبَهَ الْعَجْزَ عَنْ التَّسْلِيمِ بِالْهَلَاكِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ لَمْ يَبْطُلْ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْضٌ، وَحُكْمُ الْبَيْعِ يَتِمُّ وَيَتَنَاهَى بِالْقَبْضِ وَالثَّمَرَةُ تَكُونُ بَيْنَهُمَا لِاخْتِلَاطِ مِلْكِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ اخْتِلَاطًا لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا فَكَانَ الْكُلُّ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي الْمِقْدَارِ؛
-
لِأَنَّهُ صَاحِبُ يَدٍ لِوُجُودِ التَّخْلِيَةِ فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ،
-
وَلَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً بَدَا صَلَاحُ
-
٥/١٧٤٥/١٧٤
بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ بِأَنْ أَدْرَكَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ بِشَرْطِ التَّرْكِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَدْرَكَ الْكُلَّ فَاشْتَرَاهَا بِشَرْطِ التَّرْكِ؛ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَهُمَا فَبِإِدْرَاكِ الْبَعْضِ أَوْلَى.
-
(وَأَمَّا) عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ رحمه الله وَهُوَ اخْتِيَارُ الْعَادَةِ فَإِنْ كَانَ صَلَاحُ الْبَاقِي مُتَقَارِبًا جَازَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الثِّمَارِ أَنْ لَا يُدْرِكَ الْكُلُّ دُفْعَةً وَاحِدَةً بَلْ يَتَقَدَّمُ إدْرَاكُ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ وَيَلْحَقُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَصَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا بَعْدَ إدْرَاكِ الْكُلِّ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛
-
لَصَحَّ الشِّرَاءُ عِنْدَهُ بِشَرْطِ التَّرْكِ كَذَا هَذَا،
-
وَإِنْ كَانَ يَتَأَخَّرُ إدْرَاكُ الْبَعْضِ عَنْ الْبَعْضِ تَأْخِيرًا فَاحِشًا كَالْعِنَبِ وَنَحْوِهِ يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيمَا أَدْرَكَ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَمْ يُدْرِكْ؛ لِأَنَّ عِنْدَ التَّأَخُّرِ الْفَاحِشِ يَلْتَحِقَانِ بِجِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
-
(وَمِنْهَا) : شَرْطُ الْأَجَلِ فِي الْمَبِيعِ الْعَيْنِ وَالثَّمَنِ الْعَيْنِ وَهُوَ أَنْ يُضْرَبَ لِتَسْلِيمِهَا أَجَلٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى جَوَازَ التَّأْجِيلِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ تَمْلِيكٌ بِتَمْلِيكٍ وَتَسْلِيمٌ بِتَسْلِيمٍ وَالتَّأْجِيلُ يَنْفِي وُجُوبَ التَّسْلِيمِ لِلْحَالِ فَكَانَ مُغَيِّرًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ إلَّا أَنَّهُ شَرْطُ نَظَرٍ لِصَاحِبِ الْأَجَلِ لِضَرُورَةِ الْعَدَمِ تَرْفِيهًا لَهُ وَتَمْكِينًا مِنْ اكْتِسَابِ الثَّمَنِ فِي الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْأَعْيَانِ فَبَقِيَ التَّأْجِيلُ فِيهَا تَغْيِيرًا مَحْضًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَيُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ،
-
وَيَجُوزُ فِي الْمَبِيعِ الدَّيْنُ وَهُوَ السَّلَمُ بَلْ لَا يَجُوزُ بِدُونِهِ عِنْدَنَا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ
-
وَكَذَا يَجُوزُ فِي الثَّمَنِ الدَّيْنُ وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ يُلَائِمُ الدُّيُونَ وَلَا يُلَائِمُ الْأَعْيَانَ؛ لِمَسَاسِ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ فِي الدُّيُونِ لَا فِي الْأَعْيَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
-
(وَمِنْهَا) : شَرْطُ خِيَارٍ مُؤَبَّدٍ فِي الْبَيْعِ.
-
(وَمِنْهَا) : شَرْطُ خِيَارٍ مُؤَقَّتٍ بِوَقْتٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةً مُتَفَاحِشَةً كَهُبُوبِ الرِّيحِ وَمَجِيءِ الْمَطَرِ وَقُدُومِ فُلَانٍ وَمَوْتِ فُلَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ مُتَقَارِبَةً كَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَقُدُومِ الْحَاجِّ وَنَحْوِهَا.
-
(وَمِنْهَا) : شَرْطُ خِيَارٍ غَيْرِ مُؤَقَّتٍ أَصْلًا وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ لِلْحَالِ فَكَانَ شَرْطًا مُغَيِّرًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَإِنَّهُ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْقِيَاسُ إلَّا أَنَّا عَرَفْنَا جَوَازَهُ اسْتِحْسَانًا
-
بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ كَانَ يَغْبِنُ فِي التِّجَارَاتِ فَشَكَا أَهْلُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ إذَا بَايَعْت فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ وَلِيَ الْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» فَبَقِيَ مَا وَرَاءَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.
-
(وَمِنْهَا) شَرْطُ خِيَارٍ مُؤَقَّتٍ بِالزَّائِدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ وَاحْتَجَّا بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنهما شَرَطَ الْخِيَارَ شَهْرَيْنِ وَلِأَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِي خِيَارِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَعْلُولٌ بِالْحَاجَةِ إلَى دَفْعِ الْغَبْنِ بِالتَّأَمُّلِ لِدَفْعِ الْغَبْنِ وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْبَصَارَةِ بِالسِّلَعِ فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ لَهُ الْخِيَارُ أَبْصَرَ مِنْهُ فَفُوِّضَ الْخِيَارُ إلَيْهِ لِلتَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ وَهَذَا لَا يُوجِبُ الِاقْتِصَارَ عَلَى الثَّلَاثِ كَالْحَاجَةِ إلَى التَّأْجِيلِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ فِي الْأَصْلِ مِمَّا يَأْبَاهُ الْقِيَاسُ، وَالنَّصُّ أَمَّا الْقِيَاسُ فَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ شَرْطٌ مُغَيِّرٌ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ فِي الْأَصْلِ.
-
وَأَمَّا النَّصُّ فَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» وَهَذَا بَيْعُ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلُّقُ انْعِقَادِ الْعَقْدِ عَلَى غَرَرِ سُقُوطِ الْخِيَارِ إلَّا أَنَّهُ وَرَدَ نَصٌّ خَاصٌّ بِجَوَازِهِ فَيَتْبَعُ مَوْرِدَ النَّصِّ، وَإِنَّهُ وَرَدَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَارَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا عَنْ النَّصِّ الْعَامِّ وَتُرِكَ الْقِيَاسُ فِيهِ فَيُعْمَلُ بِعُمُومِ النَّصِّ وَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ فِيمَا وَرَاءِ هَذَا وَالْعَمَلُ بِقَوْلِ سَيِّدِ الْبَشَرِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ وَقَوْلُهُمَا: النَّصُّ مَعْلُولٌ بِالْحَاجَةِ إلَى دَفْعِ الْغَبْنِ قُلْنَا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ فَالثَّلَاثُ مُدَّةٌ صَالِحَةٌ لِدَفْعِ الْغَبْنِ لِكَوْنِهَا صَالِحَةً لِلتَّأَمُّلِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ لَا نِهَايَةَ لَهُ.
-
(وَأَمَّا) شَرْطُ خِيَارٍ مُؤَقَّتٍ بِالثَّلَاثِ فَمَا دُونَهَا فَلَيْسَ بِمُفْسِدٍ اسْتِحْسَانًا لِحَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ وَلِمَسَاسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِدَفْعِ الْغَبْنِ وَالتَّدَارُكِ عِنْدَ اعْتِرَاضِ النَّدَمِ وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّرْطُ لِلْعَاقِدِ أَوْ لِغَيْرِهِ بِأَنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِثَالِثٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ رحمهم الله وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله : لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ لِلْعَاقِدِ.
-
مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَاهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ فَبَقِيَ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِهِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ النَّصَّ مَعْلُولٌ بِالْحَاجَةِ إلَى التَّأَمُّلِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ صَلَحَ؛ أَجَازَهُ وَإِلَّا فَسَخَ،
-
وَإِذَا جَازَ هَذَا الشَّرْطُ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمَشْرُوطِ لَهُ وَلِلْعَاقِدِ أَيْضًا وَلِمَا نَذْكُرُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وِلَايَةُ الْإِجَازَةِ وَالْفَسْخِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَاقِدُ مَالِكًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا فَيَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ فِيهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِصَاحِبِهِ الَّذِي عَاقَدَهُ.
-
(أَمَّا) الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ فَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ مِنْهُمَا مِنْ بَابِ النَّظَرِ لِلصَّغِيرِ فَيَمْلِكَانِهِ.
-
(وَأَمَّا)
-
٥/١٧٥٥/١٧٥
الْوَكِيلُ؛ فَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ وَقَدْ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ مُطْلَقًا فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ،
-
وَكَذَلِكَ الْمُضَارِبُ، أَوْ الشَّرِيكُ شَرِكَةَ عِنَانٍ، أَوْ مُفَاوَضَةٍ يَمْلِكُ شَرْطَ الْخِيَارِ؛ لِمَا قُلْنَا.
-
وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا الْبَيْعُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ رحمه الله وَفِي الِاسْتِحْسَانِ جَائِزٌ.
-
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ: أَنَّ هَذَا بَيْعٌ عُلِّقَتْ إقَالَتُهُ بِشَرْطِ عَدَمِ نَقْدِ الثَّمَنِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَتَعْلِيقُ الْإِقَالَةِ بِالشَّرْطِ فَاسِدٌ، فَكَانَ هَذَا بَيْعًا دَخَلَهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ فَيَكُونُ فَاسِدًا كَسَائِرِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي دَخَلَتْهَا شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ.
-
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِوُجُودِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطٍ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ الْمُسْتَدْعِيَةِ لِلْجَوَازِ، أَمَّا التَّعْلِيقُ فَإِنَّهُ عَلَّقَ إقَالَةَ هَذَا الْبَيْعِ وَفَسْخَهُ بِشَرْطِ عَدَمِ النَّقْدِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَفِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ عَلَّقَ انْعِقَادَهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ بِشَرْطِ سُقُوطِ الْخِيَارِ.
-
وَأَمَّا الْحَاجَةُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى التَّأَمُّلِ فِي الْمَبِيعِ أَنَّهُ هَلْ يُوَافِقُهُ أَمْ لَا؟ فَالْبَائِعُ يَحْتَاجُ إلَى التَّأَمُّلِ أَنَّهُ هَلْ يَصِلُ الثَّمَنُ إلَيْهِ فِي الثَّلَاثِ أَمْ لَا؟
-
وَكَذَا الْمُشْتَرِي يَحْتَاجُ إلَى التَّأَمُّلِ أَنَّهُ هَلْ يَقْدِرُ عَلَى النَّقْدِ فِي الثَّلَاثِ أَمْ لَا؟ فَكَانَ هَذَا بَيْعًا مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى جَوَازِهِ فِي الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا فَكَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَوُرُودُ الشَّرْعِ بِالْجَوَازِ هُنَاكَ يَكُونُ وُرُودًا هَهُنَا دَلَالَةً.
-
وَلَوْ اشْتَرَى عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ إلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، كَمَا لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَكْثَرَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ هَهُنَا: لَا يَجُوزُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَأَبُو حَنِيفَةَ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَمُحَمَّدٌ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ وَأَجَازَ فِيهِمَا، وَأَبُو يُوسُفَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
-
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ لَهُ: أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى الْجَوَازَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا إلَّا أَنَّ الْجَوَازَ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ عَرَفْنَاهُ بِأَثَرِ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنهما فَبَقِيَ هَذَا عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ عَزَّ شَأْنُهُ - أَعْلَمُ.
-
وَيَتَّصِلُ بِالشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ مَا إذَا بَاعَ حَيَوَانًا وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهِ مِنْ الْحَمْلِ: إنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْحَمْلِ بِانْفِرَادِهِ لَا يَجُوزُ؛ فَكَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطٍ فَاسِدٍ أُدْخِلَ فِي الْبَيْعِ فَوَجَبَ فَسَادُ الْبَيْعِ،
-
وَكَذَلِكَ هَذَا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالرَّهْنِ،
-
بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْحَمْلِ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لَا يُبْطِلُهَا،
-
وَكَذَلِكَ فِي الْإِعْتَاقِ؛ لِمَا أَنَّ اسْتِثْنَاءَ مَا فِي الْبَطْنِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطٍ فَاسِدٍ، وَالْبَيْعُ وَأَخَوَاتُهُ تُبْطِلُهَا الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ؛ فَكَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا، وَالْعَقْدُ فَاسِدًا فَأَمَّا النِّكَاحُ وَنَحْوُهُ فَلَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فَجَازَ الْعَقْدُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ؛ فَيَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا،
-
وَكَذَا فِي الْعِتْقِ، وَكَذَا إذَا بَاعَ حَيَوَانًا وَاسْتَثْنَى شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِهِ؛ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ.
-
وَلَوْ بَاعَ صُبْرَةً وَاسْتَثْنَى قَفِيزًا مِنْهَا؛ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ،
-
وَكَذَا إذَا بَاعَ صُبْرَةً وَاسْتَثْنَى جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا: ثُلُثَهَا، أَوْ رُبُعَهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ،
-
وَلَوْ بَاعَ قَطِيعًا مِنْ الْغَنَمِ وَاسْتَثْنَى شَاةً مِنْهَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا؛ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ،
-
وَلَوْ اسْتَثْنَى شَاةً مِنْهَا بِعَيْنِهَا؛ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ مَنْ بَاعَ جُمْلَةً وَاسْتَثْنَى مِنْهَا شَيْئًا فَإِنْ اسْتَثْنَى مَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ؛ فَالْبَيْعُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ اسْتَثْنَى مَا لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ؛ فَالْبَيْعُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَاسِدٌ.
-
وَلَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ وَاسْتَثْنَى مِنْهَا صَاعًا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ فَأَشْبَهَ مَا إذَا بَاعَ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْهُ مِنْ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ،
-
وَكَذَا لَوْ كَانَ الثَّمَرُ مَجْذُوذًا فَبَاعَ الْكُلَّ وَاسْتَثْنَى صَاعًا يَجُوزُ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْمَجْذُوذِ وَغَيْرِ الْمَجْذُوذِ؟ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِلِيهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْمُوَطَّإِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ ثَمَرَةً وَيَسْتَثْنِيَ مِنْهَا بَعْضَهَا إذَا اسْتَثْنَى شَيْئًا فِي جُمْلَتِهِ رُبُعًا، أَوْ خُمُسًا، أَوْ سُدُسًا قُيِّدَ الْجَوَازُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مُشَاعًا فِي الْجُمْلَةِ،
-
فَلَوْ ثَبَتَ الْجَوَازُ فِي الْمُعَيَّنِ لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِهِ بِهَذَا الشَّرْطِ مَعْنًى،
-
وَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ،
-
وَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله فِي مُخْتَصَرِهِ ثُمَّ فَسَادُ الْعَقْدِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الشُّرُوطِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
-
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ،
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ فَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ كُلِّ بَيْعٍ وَشَرْطٍ إلَّا مَا خُصَّ عَنْ عُمُومِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ بَعْضُهَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ زَائِدَةٌ تَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدَيْنِ، أَوْ إلَى غَيْرِهِمَا، وَزِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ مَشْرُوطَةٍ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ تَكُونُ رِبًا وَالرِّبَا حَرَامٌ، وَالْبَيْعُ الَّذِي فِيهِ رِبًا فَاسِدٌ وَبَعْضُهَا فِيهِ غَرَرٌ «، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
-
٥/١٧٦٥/١٧٦
عَنْ بَيْعٍ فِيهِ غَرَرٌ» وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَاسِدٌ، وَبَعْضُهَا شَرْطُ التَّلَهِّي وَأَنَّهُ مَحْظُورٌ، وَبَعْضُهَا يُغَيِّرُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ مَعْنَى الْفَسَادِ، إذْ الْفَسَادُ هُوَ التَّغْيِيرُ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
ثُمَّ قِرَانُ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِالْعَقْدِ وَإِلْحَاقُهُ بِهِ سَوَاءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله حَتَّى لَوْ بَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا،
-
ثُمَّ أَلْحَقَ بِهِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ يَلْتَحِقُ بِهِ وَيُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَلْتَحِقُ بِهِ،
-
وَلَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَلْحَقَ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ شَرْطًا صَحِيحًا كَالْخِيَارِ الصَّحِيحِ فِي الْبَيْعِ الْبَاتِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ يَلْتَحِقُ بِهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: إنَّ إلْحَاقَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِالْعَقْدِ يُغَيِّرُ الْعَقْدَ مِنْ الصِّحَّةِ إلَى الْفَسَادِ فَلَا يَصِحُّ؛ فَبَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ كَلَامٌ لَا بَقَاءَ لَهُ، وَالِالْتِحَاقُ بِالْمَعْدُومِ لَا يَجُوزُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ أَصْلًا، إلَّا أَنَّ إلْحَاقَ الشَّرْطِ الصَّحِيحِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ ثَبَتَ شَرْعًا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ حَتَّى صَحَّ قِرَانُهُ بِالْعَقْدِ؛
-
فَيَصِحُّ إلْحَاقُهُ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إلْحَاقِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ لِيُفْسِدَ الْعَقْدَ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ قِرَانُهُ بِالْعَقْدِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ اعْتِبَارَ التَّصَرُّفِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ الْمُتَصَرِّفُ وَاجِبٌ إذَا كَانَ هُوَ أَهْلًا وَالْمَحَلُّ قَابِلًا، وَقَدْ أَوْقَعَهُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، إذْ الْإِلْحَاقُ لِفَسَادِ الْعَقْدِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ كَمَا أَوْقَعَهُ فَاسِدًا فِي الْأَصْلِ، وَقَوْلُهُمَا الْإِلْحَاقُ تَغْيِيرٌ لِلْعَقْدِ؛
-
قُلْنَا: إنْ كَانَ تَغْيِيرًا فَلَهُمَا وِلَايَةُ التَّغْيِيرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُمَا وِلَايَةَ التَّغْيِيرِ بِالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ، وَالْمُثَمَّنِ، وَالْحَطِّ عَنْ الثَّمَنِ وَبِإِلْحَاقِ الشَّرْطِ الصَّحِيحِ وَإِنْ كَانَ تَغْيِيرًا؛ وَلِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ الْفَسْخَ فَالتَّغْيِيرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ تَبْدِيلُ الْوَصْفِ، وَالْفَسْخَ رَفْعُ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) الرِّضَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ - عَزَّ اسْمُهُ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وَقَالَ عليه الصلاة والسلام : «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ» فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُكْرَهِ إذَا بَاعَ مُكْرَهًا وَسَلَّمَ مُكْرَهًا؛
-
لِعَدَمِ الرِّضَا، فَأَمَّا إذَا بَاعَ مُكْرَهًا وَسَلَّمَ طَائِعًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ؛
-
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْهَازِلِ؛ لِأَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامِ الْبَيْعِ لَا عَلَى إدَارَةِ حَقِيقَتِهِ فَلَمْ يُوجَدْ الرِّضَا بِالْبَيْعِ،
-
فَلَا يَصِحُّ بِخِلَافِ طَلَاقِ الْهَازِلِ أَنَّهُ وَاقِعٌ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ بِالْإِكْرَاهِ لَيْسَ إلَّا الرِّضَا، وَالرِّضَا لَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى أَنَّ الْهَزْلَ فِي بَابِ الطَّلَاقِ مُلْحَقٌ بِالْجِدِّ شَرْعًا قَالَ ﷺ : «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ وَالْعَتَاقُ» أَلْحَقَ الْهَازِلَ بِالْجَادِّ فِيهِ.
-
وَمِثْلُ هَذَا لَمْ يَرِدْ فِي الْبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَالْحَصَاةِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرَّجُلَانِ يَتَسَاوَمَانِ السِّلْعَةَ فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا إلْزَامَ الْبَيْعِ نَبَذَ السِّلْعَةَ إلَى الْمُشْتَرِي؛ فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ رَضِيَ الْمُشْتَرِي أَمْ سَخِطَ، أَوْ لَمَسَهَا الْمُشْتَرِي، أَوْ وَضَعَ عَلَيْهَا حَصَاةً فَجَاءَ الْإِسْلَامُ فَشَرَطَ الرِّضَا وَأَبْطَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ بَيْعُ التَّلْجِئَةِ وَهِيَ مَا لَجَأَ الْإِنْسَانُ إلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ اخْتِيَارِ الْإِيثَارِ وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ: أَنَّ التَّلْجِئَةَ فِي الْأَصْلِ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ،
-
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي الثَّمَنِ فَإِنْ كَانَتْ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ،
-
فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي إنْشَاءِ الْبَيْعِ،
-
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ فِي إنْشَاءِ الْبَيْعِ بِأَنْ تَوَاضَعُوا فِي السِّرِّ لِأَمْرٍ أَلْجَأَهُمْ إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَظْهَرَ الْبَيْعُ،
-
وَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ نَحْوَ أَنْ يَخَافَ رَجُلٌ السُّلْطَانَ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: إنِّي أُظْهِرُ أَنِّي بِعْت مِنْك دَارِي وَلَيْسَ بِبَيْعٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ تَلْجِئَةٌ فَتَبَايَعَا؛ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ؛
-
لِأَنَّهُمَا تَكَلَّمَا بِصِيغَةِ الْبَيْعِ لَا عَلَى قَصْدِ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْهَزْلِ، وَالْهَزْلُ يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يُعْدِمُ الرِّضَا بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا بَيْعًا مُنْعَقِدًا فِي الْحُكْمِ.
-
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَا شَرَطَاهُ فِي السِّرِّ لَمْ يَذْكُرَاهُ فِي الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا عَقَدَا عَقْدًا صَحِيحًا بِشَرَائِطِهِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الشَّرْطِ، كَمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِطَا شَرْطًا فَاسِدًا عِنْدَ الْبَيْعِ،
-
ثُمَّ بَاعَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِ هَذَا الْبَيْعِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ،
-
فَلَوْ اعْتَبَرْنَا وُجُودَ الشَّرْطِ عِنْدَ الْبَيْعِ لَا تَنْدَفِعُ الضَّرُورَةُ،
-
وَلَوْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ،
-
وَإِنْ أَجَازَاهُ جَازَ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ السَّابِقَ وَهُوَ: الْمُوَاضَعَةُ مَنَعَتْ انْعِقَادَ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ،
-
فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا،
-
وَلَا يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى عَبْدًا فَقَبَضَهُ وَأَعْتَقَهُ لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ،
-
بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ إذَا بَاعَ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ انْعَقَدَ سَبَبًا لِلْحُكْمِ؛ لِوُجُودِ الرِّضَا بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ عَقْلًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ نَفْسِهِ عَنْ الْهَلَاكِ فَانْعَقَدَ السَّبَبُ إلَّا أَنَّهُ فَسَدَ؛ لِانْعِدَامِ
-
٥/١٧٧٥/١٧٧
الرِّضَا طَبْعًا فَتَأَخَّرَ الْمِلْكُ فِيهِ إلَى وَقْتِ الْقَبْضِ، أَمَّا هَهُنَا فَلَمْ يُوجَدْ الرِّضَا بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ فِي الْجَانِبَيْنِ أَصْلًا؛ فَلَمْ يَنْعَقِدْ السَّبَبُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَتَوَقَّفَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ بِشَرْطِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، هَذَا إذَا كَانَتْ التَّلْجِئَةُ فِي إنْشَاءِ الْبَيْعِ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَتْ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُقِرَّا بِبَيْعٍ لَمْ يَكُنْ فَأَقَرَّا بِذَلِكَ ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ حَتَّى لَا يَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ، وَصِحَّةُ الْإِخْبَارِ بِثُبُوتِ الْمُخْبَرِ بِهِ حَالَ وُجُودِ الْإِخْبَارِ،
-
فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا كَانَ الْإِخْبَارُ صِدْقًا وَإِلَّا فَيَكُونُ كَذِبًا، وَالْمُخْبَرُ بِهِ هَهُنَا وَهُوَ الْبَيْعُ لَيْسَ بِثَابِتٍ فَلَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ؛ لِأَنَّهَا تَلْحَقُ الْمَوْجُودَ لَا الْمَعْدُومَ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ التَّلْجِئَةُ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ إنْشَاءً كَانَ، أَوْ إقْرَارًا.
-
فَأَمَّا إذَا كَانَتْ فِي الثَّمَنِ فَهَذَا أَيْضًا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا إنْ كَانَتْ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ،
-
وَإِمَّا إنْ كَانَتْ فِي جِنْسِهِ فَإِنْ كَانَتْ فِي قَدْرِهِ بِأَنْ تَوَاضَعَا فِي السِّرِّ وَالْبَاطِنِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَلْفًا وَيَتَبَايَعَانِ فِي الظَّاهِرِ بِأَلْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقُولَا عِنْدَ الْمُوَاضَعَةِ أَلْفٌ مِنْهُمَا رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ فَالثَّمَنُ مَا تَعَاقَدَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ اسْمٌ لِلْمَذْكُورِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَالْمَذْكُورُ عِنْدَ الْعَقْدِ أَلْفَانِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا أَنَّ أَحَدَهُمَا رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ صَحَّتْ تَسْمِيَةُ الْأَلْفَيْنِ،
-
وَإِنْ قَالَا عِنْدَ الْمُوَاضَعَةِ أَلْفٌ مِنْهُمَا رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ فَالثَّمَنُ ثَمَنُ السِّرِّ، وَالزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الثَّمَنَ ثَمَنُ الْعَلَانِيَةِ، وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ الثَّمَنَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْعَقْدِ، وَالْأَلْفَانِ مَذْكُورَانِ فِي الْعَقْدِ وَمَا ذَكَرَا فِي الْمُوَاضَعَةِ لَمْ يَذْكُرَاهُ فِي الْعَقْدِ فَلَا يُعْتَبَرُ.
-
(وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ فِي السِّرِّ هُوَ مَا تَعَاقَدَا عَلَيْهِ فِي الْعَلَانِيَةِ إلَّا أَنَّهُمَا زَادَا عَلَيْهِ أَلْفًا أُخْرَى، وَالْمُوَاضَعَةُ السَّابِقَةُ أَبْطَلَتْ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهُمَا فِي هُزْلَانِهَا حَيْثُ لَمْ يَقْصِدَاهَا فَلَمْ يَصِحَّ ذِكْرُ الزِّيَادَةِ فِي الْبَيْعِ؛ فَيَبْقَى الْبَيْعُ بِمَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَلْفُ،
-
وَإِنْ كَانَتْ فِي جِنْسِهِ بِأَنْ اتَّفَقَا فِي السِّرِّ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَكِنَّهُمَا يُظْهِرَا أَنَّ الْبَيْعَ بِمِائَةِ دِينَارٍ،
-
فَإِنْ لَمْ يَقُولَا فِي الْمُوَاضَعَةِ: إنَّ ثَمَنَ الْعَلَانِيَةِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ فَالثَّمَنُ مَا تَعَاقَدَا عَلَيْهِ؛ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ قَالَا ذَلِكَ فَالْقِيَاسُ: أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَصِحُّ بِمِائَةِ دِينَارٍ.
-
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ: أَنَّ ثَمَنَ السِّرِّ لَمْ يَذْكُرَاهُ فِي الْعَقْدِ، وَثَمَنَ الْعَلَانِيَةِ لَمْ يَقْصِدَاهُ فَقَدْ هَزِلَا بِهِ فَسَقَطَ، وَبَقِيَ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ فَلَا يَصِحُّ.
-
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا بَيْعًا بَاطِلًا، بَلْ بَيْعًا صَحِيحًا فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ،
-
وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ إلَّا بِثَمَنِ الْعَلَانِيَةِ فَكَأَنَّهُمَا انْصَرَفَا عَمَّا شَرَطَاهُ فِي الْبَاطِنِ؛ فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَبِيعَاهُ بَيْعَ تَلْجِئَةٍ فَتَوَاهَبَا
-
بِخِلَافِ الْأَلْفِ، وَالْأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الْمَذْكُورَ الْمَشْرُوطَ فِي السِّرِّ مَذْكُورٌ فِي الْعَقْدِ، وَزِيَادَةٌ فَتَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ هَذَا إذَا تَوَاضَعَا فِي السِّرِّ، وَلَمْ يَتَعَاقَدَا فِي السِّرِّ فَأَمَّا إذَا تَعَاقَدَا فِي السِّرِّ بِثَمَنٍ ثُمَّ تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُظْهِرَا الْعَقْدَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ بِجِنْسٍ آخَرَ،
-
فَإِنْ لَمْ يَقُولَا: إنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ رِيَاءٌ، وَسُمْعَةٌ فَالْعَقْدُ الثَّانِي يَرْفَعُ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ، وَالثَّمَنُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَالْإِقَالَةَ فَشُرُوعُهُمَا فِي الْعَقْدِ الثَّانِي إبْطَالٌ لِلْأَوَّلِ فَبَطَلَ الْأَوَّلُ، وَانْعَقَدَ الثَّانِي بِمَا سُمِّي عِنْدَهُ،
-
وَإِنْ قَالَا: رِيَاءٌ، وَسُمْعَةٌ فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ فَالْعَقْدُ هُوَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا الرِّيَاءَ، وَالسُّمْعَةَ فَقَدْ أَبْطَلَا الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الثَّانِي فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ الثَّانِي فَبَقِيَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ فَالْعَقْدُ هُوَ الْعَقْدُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَكَانَ الْعَقْدُ هُوَ الْعَقْدُ الثَّانِي، لَكِنْ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَالزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا أَبْطَلَاهَا حَيْثُ هَزِلَا بِهَا هَذَا إذَا تَوَاضَعَا، وَاتَّفَقَا فِي التَّلْجِئَةِ فِي الْبَيْعِ فَتَبَايَعَا وَهُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَى مَا تَوَاضَعَا،
-
فَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فَادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّلْجِئَةَ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، وَزَعَمَ أَنَّ الْبَيْعَ بَيْعُ رَغْبَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُنْكِرِ التَّلْجِئَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ مِنْ التَّلْجِئَةِ إذَا طَلَبَ الثَّمَنَ،
-
وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى التَّلْجِئَةِ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الشَّرْطَ بِالْبَيِّنَةِ فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ كَمَا لَوْ أَثْبَتَ الْخِيَارَ بِالْبَيِّنَةِ،
-
ثُمَّ هَذَا التَّفْرِيعُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْمُوَاضَعَةَ السَّابِقَةَ،
-
فَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ فَلَا يَجِيءُ هَذَا التَّفْرِيعُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْعَقْدَ الظَّاهِرَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى هَذِهِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهَا - وَإِنْ صَحَّتْ - لَا تُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ الظَّاهِرِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَيْهِ فَقَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي جَوَازَ الْبَيْعِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي التَّلْجِئَةَ، وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ،
-
وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى التَّلْجِئَةِ ثُمَّ قَالَا عِنْدَ الْبَيْعِ: كُلُّ شَرْطٍ كَانَ بَيْنَنَا فَهُوَ بَاطِلٌ تَبْطُلُ التَّلْجِئَةُ،
-
وَيَجُوزُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ زَائِدٌ فَاحْتَمَلَ السُّقُوطَ بِالْإِسْقَاطِ،
-
وَمَتَى سَقَطَ صَارَ الْعَقْدُ جَائِزًا، إلَّا إذَا اتَّفَقَا عِنْدَ الْمُوَاضَعَةِ، وَقَالَا: إنَّ مَا نَقُولُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ أَنَّ
-
٥/١٧٨٥/١٧٨
كُلَّ شَرْطٍ بَيْنَنَا فَهُوَ بَاطِلٌ فَذَلِكَ الْقَوْلُ مِنَّا بَاطِلٌ،
-
فَإِذَا قَالَا ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ مَا يُبْطِلَانِهِ مِنْ الشَّرْطِ عَنْدَ الْعَقْدِ بَاطِلٌ إلَّا إذَا حَكَيَا فِي الْعَلَانِيَةِ مَا قَالَا فِي السِّرِّ فَقَالَا: إنَّا شَرَطْنَا كَذَا،
-
وَكَذَا، وَقَدْ أَبْطَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ تَبَايَعَا فَيَجُوزُ الْبَيْعُ،
-
ثُمَّ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّلْجِئَةِ لَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ بِالتَّلْجِئَةِ بِأَنْ يَقُولَ لِآخَرَ: إنِّي أُقِرُّ لَكَ فِي الْعَلَانِيَةِ بِمَالِي، أَوْ بِدَارِي، وَتَوَاضَعَا عَلَى فَسَادِ الْإِقْرَارِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ حَتَّى لَا يَمْلِكَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَخُصُّ بَعْضَ الْبِيَاعَاتِ دُونَ بَعْضٍ فَأَنْوَاعٌ أَيْضًا: (مِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا فِي بَيْعٍ فِيهِ أَجَلٌ فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا يَفْسُدُ الْبَيْعُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْجَهَالَةُ مُتَفَاحِشَةً: كَهُبُوبِ الرِّيحِ، وَمَطَرِ السَّمَاءِ، وَقُدُومِ فُلَانٍ، وَمَوْتِهِ، وَالْمَيْسَرَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ مُتَقَارِبَةً: كَالْحَصَادِ، وَالدِّيَاسِ، وَالنَّيْرُوزِ، وَالْمِهْرَجَانِ، وَقُدُومِ الْحَاجِّ، وَخُرُوجِهِمْ، وَالْجُذَاذِ، وَالْجِزَارِ، وَالْقِطَافِ، وَالْمِيلَادِ، وَصَوْمِ النَّصَارَى، وَفِطْرِهِمْ قَبْلَ دُخُولِهِمْ فِي صَوْمِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ غَرَرُ الْوُجُودِ، وَالْعَدَمِ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِمَّا يَتَقَدَّمُ، وَيَتَأَخَّرُ فَيُؤَدِّي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَيُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ،
-
وَلَوْ بَاعَ الْعَيْنَ بِثَمَنِ دَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةً مُتَقَارِبَةً،
-
ثُمَّ أَبْطَلَ الْمُشْتَرِي الْأَجَلَ قَبْلَ مَحَلِّهِ، وَقَبْلَ أَنْ يُفْسَخَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا لِأَجْلِ الْفَسَادِ جَازَ الْعَقْدُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ.
-
وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ،
-
وَلَوْ لَمْ يَبْطُلْ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ، وَأَخَذَ النَّاسُ فِي الْحَصَادِ،
-
ثُمَّ أَبْطَلَ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْجَهَالَةُ مُتَفَاحِشَةً فَأَبْطَلَ الْمُشْتَرِي الْأَجَلَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، وَنَقَدَ الثَّمَنَ جَازَ الْبَيْعُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ،
-
وَلَوْ افْتَرَقَا قَبْلَ الْإِبْطَالِ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَعَلَى هَذَا إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَلَمْ يُوَقِّتْ لِلْخِيَارِ وَقْتًا مَعْلُومًا بِأَنْ قَالَ: أَبَدًا، أَوْ أَيَّامًا، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْوَقْتَ حَتَّى فَسَدَ الْبَيْعُ بِالْإِجْمَاعِ،
-
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْخِيَارِ أَبْطَلَ خِيَارَهُ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا جَازَ الْبَيْعُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ رحمه الله ،
-
وَإِنْ أَبْطَلَ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَزُفَرَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ،
-
وَإِنْ وَقَّتَ وَقْتًا مَعْلُومًا بِأَنْ قَالَ: أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، أَوْ شَهْرٌ فَأَبْطَلَ الْخِيَارَ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَبْلَ أَنْ يُفْسَخَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا لِأَجْلِ الْفَسَادِ جَازَ عِنْدَنَا.
-
وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ، وَعِنْدَهُمَا هَذَا الْخِيَارُ جَائِزٌ،
-
وَلَوْ مَضَتْ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ،
-
ثُمَّ أَبْطَلَ صَاحِبُ الْخِيَارِ خِيَارَهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْإِجْمَاعِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ عَقَدَا عَقْدَ السَّلَمِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ حَتَّى فَسَدَ السَّلَمُ،
-
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْخِيَارِ أَبْطَلَ خِيَارَهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ جَازَ السَّلَمُ عِنْدَنَا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ قَائِمًا فِي يَدِهِ،
-
وَلَوْ افْتَرَقَا قَبْلَ الْإِبْطَالِ،
-
ثُمَّ أَبْطَلَ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَعَلَى هَذَا إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا بِرَقْمِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي رَقْمَهُ حَتَّى فَسَدَ الْبَيْعُ، ثُمَّ عَلِمَ رَقْمَهُ.
-
فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَاخْتَارَ الْبَيْعَ جَازَ الْبَيْعُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ،
-
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ زُفَرَ: أَنَّ الْبَيْعَ إذَا انْعَقَدَ عَلَى الْفَسَادِ لَا يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ، وَالْأَصْلُ عِنْدَنَا: أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى الْفَسَادِ،
-
فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا بِأَنْ دَخَلَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَهُوَ الْبَدَلُ، أَوْ الْمُبْدَلُ لَا يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ كَمَا قَالَ زُفَرُ: إذَا بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَرَطْلٍ مِنْ خَمْرٍ فَحَطَّ الْخَمْرَ عَنْ الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَمْ يَدْخُلْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ بَلْ فِي شَرْطٍ جَائِزٍ يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ خِيَارٍ لَمْ يُوَقَّتْ أَوْ وُقِّتَ إلَى وَقْتٍ مَجْهُولٍ كَالْحَصَادِ، وَالدِّيَاسِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْوَقْتَ، وَكَمَا فِي بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا،
-
ثُمَّ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي الْعِبَارَةِ عَنْ هَذَا الْعَقْدِ.
-
قَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ: إنَّهُ انْعَقَدَ فَاسِدًا لَكِنْ فَسَادًا غَيْرَ مُتَقَرِّرٍ،
-
فَإِنْ أَبْطَلَ الشَّرْطَ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ بِأَنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْحَصَادِ، أَوْ الْيَوْمُ الرَّابِعُ يَنْقَلِبُ إلَى الْجَوَازِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُبْطِلْ حَتَّى دَخَلَ تَقَرَّرَ الْفَسَادُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَقَالَ مَشَايِخُ خُرَاسَانَ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا: بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ الْعَقْدُ مَوْقُوفٌ إنْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ قَبْلَ وَقْتِ الْحَصَادِ، وَالْيَوْمِ الرَّابِعِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا مِنْ الْأَصْلِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُسْقِطْ حَتَّى دَخَلَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ، أَوْ أَوَانُ الْحَصَادِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ فَاسِدًا مِنْ حِينِ وُجُودِهِ، وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ.
-
فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثِ أَنَا أُبْطِلُ خِيَارِي وَاسْتَوْجَبَ الْمَبِيعَ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ شَيْئًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَتَمَّ الْبَيْعُ، وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يُبْطِلَ الْبَيْعَ،
-
وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ قَدْ أَبْطَلْت الْبَيْعَ قَبْلَ أَنْ يُبْطِلَ الْمُشْتَرِي خِيَارَهُ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَوْجِبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ،
-
وَأَنْ يُبْطِلَ خِيَارَهُ فَقَدْ نَصَّ عَلَى التَّوَقُّفِ، وَفَسَّرَهُ حَيْثُ جَعَلَ لِلْبَائِعِ حَقَّ الْفَسْخِ قَبْلَ إجَازَةِ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا أَمَارَةُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ: أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ
-
٥/١٧٩٥/١٧٩
وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ حَقُّ الْفَسْخَ، (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ انْعَقَدَ بِوَصْفِ الْفَسَادِ مِنْ حِينِ وُجُودِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْقَلِبَ جَائِزًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَنْقَلِبْ إلَى الْجَوَازِ إذَا دَخَلَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ، أَوْ وَقْتُ الْحَصَادِ، وَالدِّيَاسِ.
-
(وَلَنَا) طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ مَوْقُوفٌ لِلْحَالِ لَا يُوصَفُ بِالْفَسَادِ،
-
وَلَا بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا حَقِيقَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ،
-
فَإِذَا سَقَطَ قَبْلَ دُخُولِ أَوَانِ الْحَصَادِ، وَالْيَوْمِ الرَّابِعِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا شَرَطَ الْأَجَلَ، وَالْخِيَارَ إلَّا إلَى هَذَا الْوَقْتِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ صَحِيحًا مُفِيدًا لِلْمِلْكِ بِنَفْسِهِ مِنْ حِينِ وُجُودِهِ كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الْأَجَلَ الصَّحِيحَ، وَالْخِيَارَ الصَّحِيحَ، وَهُوَ خِيَارُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ مُضِيِّ يَوْمٍ،
-
وَإِنْ لَمْ يُسْقِطْ حَتَّى مَضَتْ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ، وَدَخَلَ الْحَصَادُ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ كَانَ إلَى هَذَا الْوَقْتِ، وَأَنَّهُ شَرْطٌ مُفْسِدٌ، وَالثَّانِي أَنَّ الْعَقْدَ فِي نَفْسِهِ مَشْرُوعٌ، لَا يَحْتَمِلُ الْفَسَادَ عَلَى مَا عُرِفَ،
-
وَكَذَا أَصْلُ الْأَجَلِ، وَالْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ مُلَائِمٌ لِلْعَقْدِ، وَأَنَّهُ يُوصَفُ الْعَقْدُ بِالْفَسَادِ لِلْحَالِ لَا لِعَيْنِهِ بَلْ لِمَعْنًى مُجَاوِرٍ لَهُ زَائِدٍ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَصْلِ الْأَجَلِ، وَالْخِيَارِ، وَهُوَ الْجَهَالَةُ، وَزِيَادَةُ الْخِيَارِ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فَإِنْ سَقَطَ قَبْلَ دُخُولِ، وَقْتِ الْحَصَادِ أَوْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَقَدْ أَسْقَطَ الْمُفْسِدَ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ فَزَالَ الْفَسَادُ؛
-
فَبَقِيَ الْعَقْدُ مَشْرُوعًا كَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ، وَصْفِ الْفَسَادِ،
-
وَإِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ فَقَدْ تَقَرَّرَ الْمُفْسِدُ، فَتَقَرَّرَ الْفَسَادُ، وَالْفَسَادُ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ لَا يَحْتَمِلُ الزَّوَالَ وَقَوْلُهُ: الْعَقْدُ مَا وَقَعَ فَاسِدًا مِنْ حِينِ وُجُودِهِ قُلْنَا عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ: مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ، وَعَلَى الطَّرِيقِ الثَّانِي: مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا لِعَيْنِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الشَّرْطُ الْمُجَاوِرُ الْمُفْسِدُ، وَقَدْ أَسْقَطَ الْمُفْسِدَ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ فَزَالَ الْفَسَادُ الثَّابِتُ؛
-
لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ فَبَقِيَ مَشْرُوعًا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى الْمُوَفِّقُ -.
-
وَلَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ،
-
ثُمَّ أَخَّرَ إلَى الْآجَالِ الْمُتَقَارِبَةِ جَازَ التَّأْخِيرُ،
-
وَلَوْ أَخَّرَ إلَى الْآجَالِ الْمُتَفَاحِشَةِ لَمْ يَجُزْ، وَالدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ حَالٌّ فَرَّقَ بَيْنَ التَّأْجِيلِ، وَالتَّأْخِيرِ، وَلَمْ يُجَوِّزْ التَّأْجِيلَ إلَى هَذِهِ الْآجَالِ أَصْلًا، وَجَوَّزَ التَّأْخِيرَ إلَى الْمُتَقَارِبِ مِنْهَا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الْعَقْدِ جَعْلُ الْأَجَلِ شَرْطًا فِي الْعَقْدِ، وَجَهَالَةُ الْأَجَلِ الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً تُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ،
-
فَأَمَّا التَّأْخِيرُ إلَى الْآجَالِ الْمَجْهُولَةِ مُتَقَارِبَةً فَلَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُؤَخِّرُونَ الدُّيُونَ إلَى هَذِهِ الْآجَالِ عَادَةً، وَمَبْنَى التَّأْخِيرِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُسَامِحُونَ،
-
وَلَا يُنَازِعُونَ، وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ مِنْهُمْ بِالتَّأْخِيرِ إلَى آجَالٍ تَفْحُشُ جَهَالَتُهَا
-
بِخِلَافِ التَّأْجِيلِ؛ لِأَنَّ مَا جُعِلَ شَرْطًا فِي الْبَيْعِ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُضَايَقَةِ، فَالْجَهَالَةُ فِيهَا وَإِنْ قَلَّتْ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إلَى الْآجَالِ الْمُتَقَارِبَةِ، وَجَازَتْ الْكَفَالَةُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْكَفَالَةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ،
-
فَإِنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ لَا يُضَيِّقُ الْأَمْرَ عَلَى الْكَفِيلِ عَادَةً؛ لِأَنَّ لَهُ سَبِيلَ الْوُصُولِ إلَى الدَّيْنِ مِنْ جِهَةِ الْأَصِيلِ فَالتَّأْجِيلُ إلَيْهَا لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْجَهَالَةَ فِي بَابِ الْبَيْعِ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ فَكَانَتْ مُفْسِدَةً لِلْبَيْعِ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى عَيْنًا بِثَمَنِ دَيْنٍ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فِي مِصْرٍ آخَرَ فَهَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مِمَّا حَمْلَ لَهُ،
-
وَلَا مُؤْنَةَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَهُ حَمْلٌ، وَمُؤْنَةٌ، وَعَلَى كُلِّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ ضَرَبَ لَهُ الْأَجَلَ أَوْ لَمْ يَضْرِبْ فَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لَهُ الْأَجَلَ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ لَهُ حَمْلٌ، وَمُؤْنَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَضْرِبْ لَهُ الْأَجَلَ كَانَ شَرْطُ التَّسْلِيمِ فِي مَوْضِعٍ عَلَى سَبِيلِ التَّأْجِيلِ، وَأَنَّهُ أَجَلٌ مَجْهُولٌ فَيُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ الثَّمَنَ إذَا كَانَ لَا حَمْلَ لَهُ،
-
وَلَا مُؤْنَةَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّأْجِيلِ فِي مَكَان آخَرَ لَيْسَ بِتَأْجِيلٍ حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ تَخْصِيصُ التَّسْلِيمِ بِمَكَانٍ آخَرَ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ، وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ طَالَبَهُ،
-
وَإِنْ ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الثَّمَنَ بَعْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ فِي مِصْرٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ مِقْدَارَ مَا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَشْرُوطِ فِي قَدْرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ فِيهِ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَشْرُوطِ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَضْرِبْ،
-
وَإِنْ كَانَ ضَرَبَ أَجَلًا يُمْكِنُ الْوُصُولُ فِيهِ إلَى الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَالتَّأْجِيلُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا يُمْكِنُ الْوُصُولُ فِيهِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ عُلِمَ أَنَّ شَرْطَ التَّسْلِيمِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ التَّأْجِيلِ، بَلْ عَلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِالتَّسْلِيمِ فِيهِ.
-
فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَطَالَبَهُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الثَّمَنُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ حَمْلٌ،
-
وَلَا مُؤْنَةٌ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ طَالَبَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ حِلِّ الْأَجَلِ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ لَهُ حَمْلٌ، وَمُؤْنَةٌ لَا يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الْمَشْرُوطِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي
-
٥/١٨٠٥/١٨٠
غَيْرِ الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ، وَأَبَى الْبَائِعُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الْمَشْرُوطِ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ،
-
وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا فَشَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ سَوَاءٌ شَرَطَ الْأَجَلَ، أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) الْقَبْضُ فِي بَيْعِ الْمُشْتَرِي الْمَنْقُولَ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» ، وَالنَّهْيُ يُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ فِيهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا هَلَكَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ فَيَنْفَسِخُ الثَّانِي؛
-
لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعٍ فِيهِ غَرَرٌ» ، وَسَوَاءٌ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ، أَوْ مِنْ بَائِعِهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ مُطْلَقٌ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ مِنْ بَائِعِهِ،
-
وَكَذَا مَعْنَى الْغَرَرِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصِحُّ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ عَلَى حَالِهِ.
-
وَلَا يَجُوزُ إشْرَاكُهُ، وَتَوْلِيَتُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بَيْعٌ،
-
وَلَوْ قَبَضَ نِصْفَ الْمَبِيعِ دُونَ النِّصْفِ فَأَشْرَكَ رَجُلًا لَمْ يَجُزْ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ، وَجَازَ فِيمَا قَبَضَ؛ لِأَنَّ الْإِشْرَاكَ نَوْعُ بَيْعٍ، وَالْمَبِيعُ مَنْقُولٌ فَلَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمَقْبُوضِ مَحَلًّا لَهُ شَرْعًا فَلَمْ يَصِحَّ فِي غَيْرِ الْمَقْبُوضِ، وَصَحَّ فِي قَدْرِ الْمَقْبُوضِ، وَلَهُ الْخِيَارُ؛
-
لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، وَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ، وَمِلْكُ الْمَنْفَعَةِ تَابِعٌ لِمِلْكِ الْعَيْنِ،
-
وَلَا يَجُوزُ فِيهِ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ فَلَا يَجُوزُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ؛ وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَيَتَمَكَّنُ فِيهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَا رَوَيْنَا مِنْ النَّهْيِ يَتَنَاوَلُ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ بَيْعٍ، وَهُوَ بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ.
-
وَيَجُوزُ إعْتَاقُهُ بِعِوَضٍ، وَغَيْرِ عِوَضٍ،
-
وَكَذَا تَدْبِيرُهُ، وَاسْتِيلَادُهُ بِأَنْ كَانَتْ أَمَةً فَأَقَرَّ أَنَّهَا كَانَتْ وَلَدَتْ لَهُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ يَعْتَمِدُ قِيَامَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَقَدْ وُجِدَ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ صِحَّتَهُ تَفْتَقِرُ إلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَالْيَدِ جَمِيعًا؛ لِافْتِقَارِهِ إلَى التَّسْلِيمِ،
-
وَكَذَا الْإِجَارَةُ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَلِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْقَبْضُ، وَبِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ يَصِيرُ قَابِضًا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلِأَنَّ الْفَسَادَ لِتَمَكُّنِ الْغَرَرِ، وَهُوَ غَرَرُ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لِمَا نَذْكُرُهُ، وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الِانْفِسَاخَ فَلَمْ يُوجَدْ فَلَزِمَ الْجَوَازُ بِدَلِيلِهِ، وَهَلْ تَجُوزُ كِتَابَتُهُ؟
-
لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا فَاحْتُمِلَ أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَالْإِقَالَةَ، وَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ فَرْقًا بَيْنَهَا، وَبَيْنَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا أَوْسَعُ إضْرَارًا مِنْ الْبَيْعِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَاتَبَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُبْطِلَهُ فَإِنْ لَمْ يُبْطِلْهُ حَتَّى نَقَدَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ جَازَتْ الْكِتَابَةُ ذَكَرَهَا فِي الْعُيُونِ،
-
وَلَوْ وَهَبَهُ مِنْ الْبَائِعِ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ وَالْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ بِدُونِ الْقَبُولِ فَإِنْ قَبِلَهُ الْبَائِعُ لَمْ تَجُزْ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَالْبَيْعِ، وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ إقَالَةً لِلْبَيْعِ فَرَّقَ بَيْنَ الْهِبَةِ مِنْ الْبَائِعِ، وَبَيْنَ الْبَيْعِ مِنْهُ حَيْثُ جَعَلَ الْهِبَةَ مِنْهُ إقَالَةً دُونَ الْبَيْعِ مِنْهُ.
-
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ: أَنَّ بَيْنَ الْهِبَةِ، وَالْإِقَالَةِ مُقَارَبَةً فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ فِي إلْحَاقِ مَا سَلَفَ بِالْعَدَمِ يُقَالُ: وَهَبْتُ مِنْك جَرِيمَتَك كَمَا يُقَالُ: أَقَلْتُ عَثْرَتَك، أَوْ جَعَلْت ذَلِكَ كَالْعَدَمِ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ؟
-
فَأَمْكَنَ جَعْلُ الْهِبَةِ مَجَازًا عَنْ الْإِقَالَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا مُقَارَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِقَالَةِ؛ فَتَعَذَّرَ جَعْلُهُ مَجَازًا عَنْهَا فَوَقَعَ لَغْوًا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا.
-
وَلَوْ وَهَبَ لِغَيْرِ الْبَائِعِ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى غَيْرِ الْبَائِعِ، وَأَمَرَ بِالْقَبْضِ مِنْ الْبَائِعِ، أَوْ رَهَنَهُ عِنْدَ آخَرَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ الْبَائِعِ فَقَبَضَهُ بِأَمْرِهِ، وَأَقْرَضَهُ، وَأَمَرَهُ بِالْقَبْضِ لَمْ تَجُزْ هَذِهِ الْعُقُودُ كُلُّهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ جَازَتْ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ: إنَّ صِحَّةَ هَذِهِ الْعُقُودِ بِالْقَبْضِ،
-
فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْقَبْضِ فَقَدْ أَنَابَهُ مَنَابَ نَفْسِهِ فِي الْقَبْضِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ لَهُ،
-
فَإِذَا قَبَضَ بِأَمْرِهِ يَصِيرُ قَابِضًا عَنْهُ أَوَّلًا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ،
-
ثُمَّ لِنَفْسِهِ فَيَصِحُّ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ جَوَازَ هَذِهِ الْعُقُودِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَالْيَدِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ بِهِ يَقَعُ الْأَمْنُ عَنْ غَرَرِ الِانْفِسَاخِ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَغَرَرُ الِانْفِسَاخِ هَهُنَا ثَابِتٌ فَلَمْ يَكُنْ الْمِلْكُ مُطْلَقًا فَلَمْ يَجُزْ،
-
وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
ثُمَّ مَاتَ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ،
-
وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَبْضِ صَارَ ذَلِكَ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، كَذَا الْوَصِيَّةُ،
-
وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: بِعْهُ لِي لَمْ يَكُنْ نَقْضًا بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِنْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ،
-
وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ لِنَفْسِك كَانَ نَقْضًا بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ مُطْلَقًا كَانَ نَقْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَكُونُ نَقْضًا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ إطْلَاقَ الْأَمْرِ بِالْبَيْعِ يَنْصَرِفُ إلَى الْبَيْعِ لِلْآمِرِ
-
٥/١٨١٥/١٨١
لَا لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ لَا لِلْمَأْمُورِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: بِعْهُ لِي،
-
وَلَوْ نَصَّ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَكَذَا هَذَا، وَلَهُمَا أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ بِالْبَيْعِ يُحْمَلُ عَلَى بَيْعٍ صَحِيحٍ صَحَّ،
-
وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَيْعِ لِلْآمِرِ لَمَا صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَمْرًا بِبَيْعِ مَنْ لَا يَمْلِكُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَصِحُّ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى الْبَيْعِ لِنَفْسِهِ كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: بِعْهُ لِنَفْسِك،
-
وَلَا يَتَحَقَّقُ الْبَيْعُ لِنَفْسِهِ إلَّا بَعْدَ انْفِسَاخِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَيَتَضَمَّنُ الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ لِنَفْسِهِ انْفِسَاخَ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَيَنْفَسِخُ مُقْتَضَى الْأَمْرِ كَمَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ،
-
وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ أَعْتِقْهُ فَأَعْتَقَهُ الْبَائِعُ فَإِعْتَاقُهُ جَائِزٌ عَنْ نَفْسِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إعْتَاقُهُ بَاطِلٌ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ بِالْإِعْتَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْإِعْتَاقِ عَنْ الْآمِرِ لَا عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْآمِرِ، وَالْإِعْتَاقُ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ، وَالْبَائِعُ لَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْ الْمُشْتَرِي فِي الْقَبْضِ عَنْهُ،
-
فَلَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْهُ فِي الْإِعْتَاقِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله : أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِعْتَاقِ يُحْمَلُ عَلَى، وَجْهٍ يَصِحُّ،
-
وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْإِعْتَاقِ عَنْ الْآمِرِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِمَا ذَكَرْتُمْ فَيُحْمَلُ عَلَى الْإِعْتَاقِ عَنْ نَفْسِهِ،
-
فَإِذَا أَعْتَقَ يَقَعُ عَنْهُ.
-
(وَأَمَّا) بَيْعُ الْمُشْتَرِي الْعَقَارَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَجَائِزٌ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَزُفَرَ، وَالشَّافِعِيِّ رحمهم الله لَا يَجُوزُ قِيَاسًا، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ النَّهْيِ الَّذِي رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْقَبْضِ عِنْدَ الْعَقْدِ شَرْطُ صِحَّةِ الْعَقْدِ لِمَا ذَكَرْنَا،
-
وَلَا قُدْرَةَ إلَّا بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ، وَفِيهِ غَرَرٌ، وَلَهُمَا عُمُومَاتُ الْبِيَاعَاتِ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ،
-
وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَنَا، أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى الْمَنْقُولِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي رُكْنِ الْبَيْعِ إذَا صَدَرَ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ هُوَ الصِّحَّةُ، وَالِامْتِنَاعُ لِعَارِضِ الْغَرَرِ، وَهُوَ غَرَرُ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
-
وَلَا يُتَوَهَّمُ هَلَاكُ الْعَقَارِ فَلَا يَتَقَرَّرُ الْغَرَرُ فَبَقِيَ بَيْعُهُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي الْمَنْقُولَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأُجْرَةِ الْمَنْقُولَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا كَانَتْ عَيْنًا، وَبَدَلِ الصُّلْحِ الْمَنْقُولِ إذَا كَانَ عَيْنًا، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ فِيهِ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَالْمَبِيعِ، وَالْأُجْرَةِ، وَبَدَلِ الصُّلْحِ إذَا كَانَ مَنْقُولًا مُعَيَّنًا، وَكُلُّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيهِ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَالْمَهْرِ، وَبَدَلِ الْخُلْعِ، وَبَدَلِ الْعِتْقِ، وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَفِقْهُ هَذَا الْأَصْلِ مَا ذَكَرْنَا: أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الصِّحَّةُ فِي التَّصَرُّفِ الصَّادِرِ مِنْ الْأَهْلِ الْمُضَافِ إلَى الْمَحَلِّ، وَالْفَسَادُ بِعَارِضٍ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ،
-
وَلَا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَكَانَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ.
-
وَكَذَلِكَ الْمِيرَاثُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْغَرَرِ لَا يَتَقَرَّرُ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْوَارِثَ خَلَفَ الْمَيِّتَ فِي مِلْكِ الْمَوْرُوثِ، وَخَلَفُ الشَّيْءِ قَائِمٌ مَقَامَهُ كَأَنَّهُ هُوَ فَكَأَنَّ الْمُوَرِّثَ قَائِمٌ،
-
وَلَوْ كَانَ قَائِمًا لَجَازَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ كَذَا الْوَارِثُ،
-
وَكَذَلِكَ الْمُوصَى بِهِ بِأَنْ أَوْصَى إلَى إنْسَانٍ بِشَيْءٍ،
-
ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي فَلِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ،
-
وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمِيرَاثِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَذَا فِي الْمُوصَى بِهِ.
-
وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَقْسُومِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ؟ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْقِسْمَةُ مِمَّا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الشُّرَكَاءُ إذَا طَلَبَهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ جَازَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ سَوَاءٌ كَانَ مَنْقُولًا، أَوْ غَيْرَ مَنْقُولٍ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي مِثْلِهِ إفْرَازٌ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الشُّرَكَاءُ عِنْدَ طَلَبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالرَّقِيقِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ إنْ كَانَ مَنْقُولًا،
-
وَإِنْ كَانَ عَقَارًا فَعَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فَتُشْبِهُ الْبَيْعَ، وَاَللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) بَيْعُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَنَقُولُ، - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: الدُّيُونُ أَنْوَاعٌ.
-
(مِنْهَا) مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَمِنْهَا مَا يَجُوزُ أَمَّا الَّذِي لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَنَحْوُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ لِعُمُومِ النَّهْيِ؛ وَلِأَنَّ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ، وَبِالْبَيْعِ يَفُوتُ الْقَبْضُ حَقِيقَةً،
-
وَكَذَا الْمُسَلَّمُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَمْ يُقْبَضْ،
-
وَكَذَا لَوْ بَاعَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَجُوزَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ.
-
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ: أَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ ارْتَفَعَ بِالْإِقَالَةِ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ، وَفَسْخُ الْعَقْدِ رَفْعُهُ مِنْ الْأَصْلِ، وَجَعْلُهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ،
-
وَإِذَا ارْتَفَعَ الْعَقْدُ مِنْ الْأَصْلِ عَادَ رَأْسُ الْمَالِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ فَكَانَ مَحَلًّا لِلِاسْتِبْدَالِ كَمَا كَانَ قَبْلَ السَّلَمِ؛ وَلِهَذَا يَجِبُ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ بَعْدَ
-
٥/١٨٢٥/١٨٢
الْإِقَالَةِ فِي مَجْلِسِ الْإِقَالَةِ.
-
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ: عُمُومُ النَّهْيِ الَّذِي رَوَيْنَا إلَّا مِنْ حَيْثُ خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَفِي الْبَابِ نَصٌّ خَاصٌّ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ لِرَبِّ السَّلَمِ «لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَكَ، أَوْ رَأْسَ مَالِك» ، وَفِي رِوَايَةٍ «خُذْ سَلَمَك، أَوْ رَأْسَ مَالِك» نَهَى النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام رَبَّ السَّلَمِ عَنْ الْأَخْذِ عَامًّا، وَاسْتَثْنَى أَخْذَ السَّلَمِ، أَوْ رَأْسَ الْمَالِ فَبَقِيَ أَخْذُ مَا وَرَاءَهُمَا عَلَى أَصْلِ النَّهْيِ،
-
وَكَذَا إذَا انْفَسَخَ السَّلَمُ بَعْدَ صِحَّتِهِ لِمَعْنًى عَارِضٍ نَحْوَ ذِمِّيٍّ أَسْلَمَ إلَى ذِمِّيٍّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي خَمْرٍ،
-
ثُمَّ أَسْلَمَا، أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِ الْخَمْرِ حَتَّى بَطَلَ السَّلَمُ، وَوَجَبَ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ رَدُّ رَأْسِ الْمَالِ لَا يَجُوزُ لِرَبِّ السَّلَمِ الِاسْتِبْدَالُ اسْتِحْسَانًا لِمَا رَوَيْنَا،
-
وَلَوْ كَانَ السَّلَمُ فَاسِدًا مِنْ الْأَصْلِ وَوَجَبَ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ رَدُّ رَأْسِ الْمَالِ لِفَسَادِ السَّلَمِ يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ إذَا كَانَ فَاسِدًا فِي الْأَصْلِ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ السَّلَمِ فَكَانَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الدُّيُونِ مِنْ الْقَرْضِ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَضَمَانِ الْغَصْبِ، وَالِاسْتِهْلَاكِ.
-
(وَأَمَّا) بَدَلُ الصَّرْفِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ حَالُ بَقَاءِ الْعَقْدِ،
-
وَيَجُوزُ فِي الِانْتِهَاءِ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الْإِقَالَةِ،
-
بِخِلَافِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الْحَالَيْنِ.
-
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ: أَنَّ الْقِيَاسَ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ فِي النَّاسِ جَمِيعًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ، وَفَسْخُ الْعَقْدِ رَفْعُهُ مِنْ الْأَصْلِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ،
-
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ لَجَازَ الِاسْتِبْدَالُ فَكَذَا إذَا رُفِعَ، وَأُلْحِقَ بِالْعَدَمِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الِاسْتِبْدَالُ فِيهِمَا جَمِيعًا إلَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ ثَبَتَتْ نَصًّا
-
بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ مَا رَوَيْنَا، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي السَّلَمِ فَبَقِيَ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ فِي الصَّرْفِ عَلَى الْأَصْلِ،
-
وَكَذَا الثِّيَابُ الْمَوْصُوفَةُ فِي الذِّمَّةِ الْمُؤَجَّلَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ لِلنَّهْيِ سَوَاءٌ كَانَ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدِ السَّلَمِ، أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ كَمَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلَةٌ بِطَرِيقِ السَّلَمِ تَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلَةً لَا بِطَرِيقِ السَّلَمِ بِأَنْ بَاعَ عَبْدًا بِثَوْبِ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ،
-
وَلَا يَكُونُ جَوَازُهُ بِطَرِيقِ السَّلَمِ بِدَلِيلٍ أَنَّ قَبْضَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَقَبْضَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ شَرْطُ جَوَازِ السَّلَمِ،
-
وَكَذَا إذَا أَجَّرَ دَارِهِ بِثَوْبٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ جَازَتْ الْإِجَارَةُ،
-
وَلَا يَكُونُ سَلَمًا، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَصَالَحَهُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ جَازَ الصُّلْحُ،
-
وَلَا يَكُونُ هَذَا سَلَمًا،
-
وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ بِالْمُسَلَّمِ فِيهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثُبُوتُهُ بِعَقْدِ السَّلَمِ فَهَذِهِ جُمْلَةُ الدُّيُونِ الَّتِي لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَالْقَرْضِ، وَقِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، وَالْمُسْتَهْلَكِ، وَنَحْوِهَا فَيَجُوزُ بَيْعُهَا مِمَّنْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : ثَمَنُ الْمَبِيعِ إذَا كَانَ عَيْنًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ قَوْلًا وَاحِدًا،
-
وَإِنْ كَانَ دَيْنًا لَا يَجُوزُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ وَالْمُثَمَّنَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ يَقَعَانِ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا فَكَانَ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَكَذَا النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ عَامٌّ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَبِيعِ، وَالثَّمَنِ وَأَمَّا عَلَى أَصْلِنَا فَالْمَبِيعُ، وَالثَّمَنُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَبَايِنَةِ فِي الْأَصْلِ يَقَعَانِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَوْضِعِهِ،
-
وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ مِمَّنْ عَلَيْهِ صَارَ مَخْصُوصًا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
-
(وَأَمَّا) بَيْعُ هَذِهِ الدُّيُونِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ، وَالشِّرَاءُ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ فَيُنْظَرُ: إنْ أَضَافَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ إلَى الدَّيْنِ لَمْ يَجُزْ بِأَنْ يَقُولَ لِغَيْرِهِ: بِعْت مِنْك الدَّيْنَ الَّذِي فِي ذِمَّةِ فُلَانٍ بِكَذَا، أَوْ يَقُولَ: اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الشَّيْءَ بِالدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّةِ فُلَانٍ؛
-
لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّةِ فُلَانٍ غَيْرُ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ فِي حَقِّهِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطُ انْعِقَادِ الْعَقْدِ عَلَى مَا مَرَّ،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ بِالدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ مُسَلَّمٌ لَهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يُضِفْ الْعَقْدَ إلَى الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ جَازَ،
-
وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنِ دَيْنٍ، وَلَمْ يُضِفْ الْعَقْدَ إلَى الدَّيْنِ حَتَّى جَازَ،
-
ثُمَّ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَى غَرِيمِهِ بِدَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ جَازَتْ الْحَوَالَةُ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي أُحِيلَ بِهِ دَيْنًا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ لَا يَجُوزُ كَالسَّلَمِ وَنَحْوِهِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رحمه الله أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِدَيْنٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛