فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالحنفيةالمسائل ٢٩٬٥٢٠ إلى ٣١٬٢٥٩
-
٥/٢٥٩٥/٢٥٩
وَهُوَ مَالِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةٌ بِطَرِيقِ الْمُعَادَلَةِ عُرْفًا، وَحَقِيقَةً، وَالْمُقَابَلَةُ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْمَالِيَّةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ فَسَدَتْ التَّسْمِيَةُ تَجِبُ الْقِيمَةُ عِنْدَنَا، وَالثَّمَنُ تَقْدِيرٌ لِمَالِيَّةِ الْمَبِيعِ بِاتِّفَاقِ الْعَاقِدَيْنِ،
-
وَإِذَا زَادَ فِي الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ عُلِمَ أَيُّهُمَا أَخْطَأَ فِي التَّقْدِيرِ، وَغَلِطَ فِيهِ، وَمَا هُوَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ،
-
فَإِذَا بَيَّنَّا التَّقْدِيرَ كَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِلْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ إلَّا أَنَّهُ ابْتِدَاءُ إيجَابٍ فَكَانَ عِوَضًا عَنْ مِلْكِ الْعَيْنِ لَا عَنْ مِلْكِ نَفْسِهِ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْمَهْرِ أَغْلَبُ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِيهِ هُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى مَا عَرَفْتَ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى حَالِهِ يُمْكِنُ تَحْقِيقُهُ مَعَ تَغْيِيرِ الْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ بِأَنْ يُجْعَلَ الْأَلْفُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ بِمُقَابَلَةِ نِصْفِ الْعَبْدِ لِيَخْلُوَ النِّصْفُ عَنْ الثَّمَنِ، فَتَجْعَلُ الْأَلْفُ الزِّيَادَةُ بِمُقَابَلَةِ النِّصْفِ الْخَالِي.
-
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ تَغْيِيرًا، وَلَكِنَّهُمَا قَصَدَا تَصْحِيحَ التَّصَرُّفِ وَلَا صِحَّةَ إلَّا بِالتَّغْيِيرِ، وَلَهُمَا وِلَايَةُ التَّغْيِيرِ أَلَا تَرَى: أَنَّ لَهُمَا وِلَايَةَ الْفَسْخِ وَأَنَّهُ فَوْقَ التَّغْيِيرِ لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفَعَ الْأَصْلَ، وَالْوَصْفَ، وَالتَّغْيِيرَ تَبْدِيلُ الْوَصْفِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الْعَقْدِ فَلَمَّا ثَبَتَ لَهُمَا وِلَايَةُ الْفَسْخِ فَوِلَايَةُ التَّغْيِيرِ أَوْلَى، وَلَهُمَا حَاجَةٌ إلَى التَّغْيِيرِ لِدَفْعِ الْغَبْنِ، أَوْ لِمَقْصُودٍ آخَرَ فَمَتَى اتَّفَقَا عَلَى الزِّيَادَةِ، وَقَصَدَا الصِّحَّةَ وَلَا صِحَّةَ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ يُثْبِتُ هَذَا الشَّرْطُ مُقْتَضَى تَصَرُّفِهِمَا تَصْحِيحًا لَهُ كَمَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.
-
وَأَمَّا شَرَائِطُ الْجَوَازِ فَمِنْهَا الْقَبُولُ مِنْ الْآخَرِ حَتَّى لَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ لَمْ تَصِحَّ الزِّيَادَةُ.
-
(وَمِنْهَا) الْمَجْلِسُ حَتَّى لَوْ افْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبُولِ بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَبِيعِ، وَالثَّمَنِ إيجَابُ الْبَيْعِ فِيهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي أَصْلِ الثَّمَنِ، وَالْمَبِيعِ وَأَمَّا الْحَطُّ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْمَجْلِسُ،
-
وَلَا الْقَبُولُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الثَّمَنِ بِالْإِسْقَاطِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ بَعْضِهِ فَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ إلَّا أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ كَالْإِبْرَاءِ عَنْ الثَّمَنِ كُلِّهِ وَأَمَّا كَوْنُ الزِّيَادَةِ وَالْمَزِيدِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الزِّيَادَةِ ثَمَنًا وَمَبِيعًا؟
-
وَكَذَا كَوْنُ الْحَطِّ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ حَطًّا؟ ، وَهَلْ يُؤَثِّرَانِ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ؟ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَيُؤَثِّرَانِ فِيهِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ شَرْطٌ فَيُبْطِلَانِ وَلَا يُؤَثِّرَانِ فِي الْعَقْدِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ شَرْطٌ فِي الزِّيَادَةِ لَا فِي الْحَطِّ عَلَى مَا نَذْكُرُ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ الْمَبِيعِ، وَالثَّمَنِ لِصِحَّةِ الزِّيَادَةِ فَتَصِحُّ الزِّيَادَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَالثَّمَنِ أَوْ بَعْدَهُ
-
وَكَذَلِكَ الْحَطُّ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ جَوَازِ الزِّيَادَةِ وَالْحَطِّ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ.
-
وَأَمَّا قِيَامُ الْمَبِيعِ وَقْتَ الزِّيَادَةِ فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الزِّيَادَةِ؟ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ
-
٥/٢٦٠٥/٢٦٠
شَرْطٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ اسْتَهْلَكَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا أَوْ كَانَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ أَوْ أَخْرَجَهُ الْمُشْتَرِي عَنْ مِلْكِهِ جَازَتْ الزِّيَادَةُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا تَجُوزُ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ تَصَرُّفٌ فِي الْعَقْدِ بِالتَّغْيِيرِ، وَالْعَقْدُ مُنْعَدِمٌ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُ يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْقِيَامِ لِقِيَامِ أَثَرِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَلَمْ يَبْقَ بِهَلَاكِ الْعَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَلَمْ يَبْقَ الْعَقْدُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَا يَحْتَمِلُ التَّغْيِيرَ بِالزِّيَادَةِ؛
-
لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَثْبُتُ عِنْدَنَا بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ، وَالْمُسْتَنِدُ يَثْبُتُ لِلْحَالِ ثُمَّ يَسْتَنِدُ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمَبِيعِ بِمُقَابَلَةِ الزِّيَادَةِ لِلْحَالِ،
-
وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ فَلَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِنَادَ؛ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهَا حِصَّةٌ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بَعْدَ الْهَلَاكِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ لَا تَسْتَدْعِي الْمُقَابَلَةَ؛ لِأَنَّهَا رِبْحٌ فِي الْحَقِيقَةِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ مَبِيعًا وَثَمَنًا صُورَةً وَتَسْمِيَةً.
-
وَمِنْ شَأْنِ الرِّبْحِ أَنْ لَا يُقَابِلَهُ شَيْءٌ فَلَا يَكُونُ قِيَامُ الْمَبِيعِ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا، وَقَوْلُهُ: الْعَقْدُ مُنْعَدِمٌ عِنْدَ الزِّيَادَةِ قُلْنَا: الزِّيَادَةُ عِنْدَنَا تُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ عِنْدَ وُجُودِهِ يَحْتَمِلُ التَّغْيِيرَ إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ تَغْيِيرًا، عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قِيَامَ الْمَبِيعِ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الْبَيْعِ،
-
فَإِنَّ الْبَيْعَ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ يَحْتَمِلُ الِانْتِفَاضَ فِي الْجُمْلَةِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ،
-
فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ بِهِ قَبْلَ الْهَلَاكِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالنُّقْصَانِ، وَالرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ فِي قَدْرِ الْفَائِتِ بِالْعَيْبِ بَعْدَ هَلَاكِهِ وَهَلَاكِ جَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، دَلَّ أَنَّ الْعَقْدَ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ هَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ إذَا كَانَ فِي بَقَائِهِ فَائِدَةٌ، وَهَهُنَا فِي بَقَائِهِ فَائِدَةٌ، فَيَبْقَى فِي حَقِّهِ كَمَا فِي حَقِّ الرُّجُوعِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ.
-
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الزِّيَادَةُ فِي مَهْرِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ مَوْتِهَا إنَّهَا جَائِزَةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تَجُوزُ،
-
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِجَارِيَةٍ وَتَقَابَضَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ زَادَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ جَازَتْ الزِّيَادَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله : فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ هَلَاكَ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ.
-
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: فَلِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَالْعَقْدُ عِنْدَهُ إذَا وَقَعَ عَلَى عَيْنٍ بِعَيْنٍ فَهَلَاكُ أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقَالَةِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الزِّيَادَةِ وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا لَكِنْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَأَخَذَ أَرْشَهَا ثُمَّ زَادَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ شَيْئًا جَازَتْ الزِّيَادَةُ.
-
(أَمَّا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ هَلَاكَ جَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ، فَهَلَاكُ الْبَعْضِ أَوْلَى (وَأَمَّا) عِنْدَهُمَا: فَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَائِمٌ فَكَانَ الْعَقْدُ قَائِمًا فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلتَّغْيِيرِ بِالزِّيَادَةِ،
-
وَلَوْ رَهَنَ الْمَبِيعَ أَوْ آجَرَهُ ثُمَّ زَادَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ جَازَتْ الزِّيَادَةُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَقَبَضَهَا فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ وَزَادَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ جَارِيَةً أُخْرَى فَالزِّيَادَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْمَبِيعِ تَثْبُتُ بِمُقَابَلَةِ الثَّمَنِ وَالثَّمَنُ قَائِمٌ،
-
وَلَوْ زَادَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الثَّمَنِ تَثْبُتُ مُقَابَلَةً بِالْمَبِيعِ وَأَنَّهُ هَالِكٌ، وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا " إنَّ قِيَامَ الْمَبِيعِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الزِّيَادَةِ " فَهَلَاكُهُ يَكُونُ مَانِعًا، أَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: فَالزِّيَادَةُ فِي الْحَالَيْنِ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَكُونُ هَلَاكُهُ مَانِعًا وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) قِيَامُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ: فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْحَطِّ بِالْإِجْمَاعِ (أَمَّا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الزِّيَادَةِ، فَالْحَطُّ أَوْلَى (وَأَمَّا) عِنْدَهُمَا: فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْحَطِّ أَنْ يَلْتَحِقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ لَا مَحَالَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ الْحَطُّ عَنْ جَمِيعِ الثَّمَنِ فَلَا يَلْتَحِقُ، إذْ لَوْ الْتَحَقَ لَعَرِيَ الْعَقْدُ عَنْ الثَّمَنِ فَلَمْ يَلْتَحِقْ وَاعْتُبِرَ حَطًّا لِلْحَالِ وَلِأَنَّ الْحَطَّ لَيْسَ تَصَرُّفَ مُقَابَلَةٍ لِيُشْتَرَطَ لَهُ قِيَامُ الْمَحِلِّ الْقَابِلِ بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ فِي الثَّمَنِ بِإِسْقَاطِ شَطْرِهِ،
-
فَلَا يُرَاعَى لَهُ قِيَامُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ
-
بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَا،
-
ثُمَّ الزِّيَادَةُ مَعَ الْحَطِّ يَخْتَلِفَانِ فِي حُكْمٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَنْقَسِمُ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَبِيعِ، وَالْحَطُّ لَا يَنْقَسِمُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَزَادَهُ الْمُشْتَرِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تَنْقَسِمُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا سَوَاءٌ اشْتَرَى وَلَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا أَوْ سَمَّى.
-
وَإِنْ حَطَّ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي مِائَةَ دِرْهَمٍ كَانَ الْحَطُّ نِصْفَيْنِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يُقَابِلُ الْمَبِيعَ فَإِذَا زَادَ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعَيْنِ مُطْلَقًا فَلَا بُدَّ وَأَنْ تُقَابِلَهُمَا الزِّيَادَةُ كَأَصْلِ الثَّمَنِ، وَالْمُقَابَلَةُ فِي غَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا تَقْتَضِي الِانْفِسَاخَ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ حُكْمًا لِلْمُعَاوَضَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ كَمُقَابَلَةِ أَصْلِ الثَّمَنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ
-
بِخِلَافِ الْحَطِّ فَإِنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَبِيعِ خَاصَّةً بِإِسْقَاطِ بَعْضِهِ،
-
فَإِذَا حَطَّ مِنْ ثَمَنِهِمَا مُطْلَقًا فَقَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْحَطِّ فَكَانَ الْحَطُّ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ
-
٥/٢٦١٥/٢٦١
ثَمَنُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى زِيَادَةِ قَدْرِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ غَيْرُ مُقَابَلٍ بِالثَّمَنِ حَتَّى تُعْتَبَرَ قِيمَةُ الْقَدْرِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) كَيْفِيَّةُ الْجَوَازِ: فَالزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ عِنْدَنَا تَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، كَأَنَّ الْعَقْدَ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَرُدَّ عَلَى الْأَصْلِ وَالزِّيَادَةِ جَمِيعًا إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ الِالْتِحَاقُ فَسَادَ أَصْلِ الْعَقْدِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا،
-
وَكَذَلِكَ الْحَطُّ، فَأَمَّا إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ فَهَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ وَيُفْسِدُهُ أَمْ لَا يَلْتَحِقُ بِهِ
-
وَكَذَلِكَ الْحَطُّ؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رضي الله عنه الزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ يَلْتَحِقَانِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ وَيُفْسِدَانِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُبْطِلَانِهِ وَلَا يَلْتَحِقَانِ بِأَصْلٍ، وَأَصْلُ الْعَقْدِ صَحِيحٌ عَلَى حَالِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ وَالْعَقْدُ عَلَى حَالِهِ، وَالْحَطُّ جَائِزٌ هِبَةً مُبْتَدَأَةً وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ إذَا أُلْحِقَ بِهِ هَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ وَيُؤَثِّرُ فِي فَسَادِهِ أَمْ لَا؟
-
وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ بِمَنْزِلَةِ شَرْطٍ فَاسِدٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ أُلْحِقَ بِهِ، فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: لَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ صَحَّ لَالْتَحَقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ.
-
وَلَوْ الْتَحَقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ لَأَوْجَبَ فَسَادَ أَصْلِ الْعَقْدِ لِتَحَقُّقِ الرِّبَا فَلَمْ يَصِحَّ فَبَقِيَ أَصْلُ الْعَقْدِ صَحِيحًا كَمَا كَانَ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: لَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ لِمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ وَيَصِحُّ الْحَطُّ؛ لِأَنَّ الِالْتِحَاقَ مِنْ لَوَازِمِ الزِّيَادَةِ،
-
فَأَمَّا مَا لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَصِحُّ الْحَطُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ صَحِيحَانِ زِيَادَةً وَحَطًّا؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَيْنِ أَوْقَعَاهُمَا زِيَادَةً وَحَطًّا وَلَهُمَا وِلَايَةُ ذَلِكَ فَيَقَعَانِ زِيَادَةً وَحَطًّا،
-
وَمِنْ شَأْنِ الزِّيَادَةِ وَالْحَطِّ الِالْتِحَاقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَيَلْتَحِقَانِ بِهِ، فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ هَهُنَا إبْطَالًا لِلْعَقْدِ السَّابِقِ وَلَهُمَا وِلَايَةُ الْإِبْطَالِ بِالْفَسْخِ
-
وَكَذَا بِالزِّيَادَةِ وَالْحَطِّ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) الْبَيْعُ الَّذِي فِيهِ خِيَارٌ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حُكْمِهِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ.
-
أَنْوَاعِ الْخِيَارَاتِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْخِيَارَاتُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَثْبُتُ شَرْطًا، وَنَوْعٌ يَثْبُتُ شَرْعًا لَا شَرْطًا، وَالشَّرْطُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَثْبُتَ نَصًّا،
-
وَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ دَلَالَةً.
-
(أَمَّا) الْخِيَارُ الثَّابِتُ بِالشَّرْطِ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا يُسَمَّى خِيَارُ التَّعْيِينِ، وَالثَّانِي خِيَارُ الشَّرْطِ.
-
(أَمَّا) خِيَارُ التَّعْيِينِ: فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ خِيَارُ التَّعْيِينِ، قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ هَهُنَا إلَى.
-
بَيَانِ حُكْمِ هَذَا الْبَيْعِ، وَإِلَى بَيَانِ صِفَةِ الْحُكْمِ، وَإِلَى بَيَانِ مَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَيَلْزَمُ (أَمَّا) الْأَوَّلُ: فَحُكْمُهُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ غَيْرَ عَيْنٍ وَخِيَارُ التَّعْيِينِ إلَيْهِ، عُرِفَ ذَلِكَ بِنَصِّ كَلَامِهِمَا حَيْثُ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت مِنْك أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ أَوْ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ أَوْ الدَّابَّتَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُتَفَاوِتَةِ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ أَيَّهُمَا شِئْت وَقَبِلَ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا يُوجِبُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي أَحَدِهِمَا وَثُبُوتَ خِيَارِ التَّعْيِينِ لَهُ، وَالْآخَرُ يَكُونُ مِلْكُ الْبَائِعِ أَمَانَةً فِي يَدِهِ إذَا قَبَضَهُ؛
-
لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ وَلَا عَلَى وَجْهِ الثُّبُوتِ فَكَانَ أَمَانَةً، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ أَحَدُهُمَا،
-
وَلَوْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْهَالِكُ هُوَ الْمَبِيعُ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ بِهَلَاكِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ فَلَا يَبْطُلُ، وَالْبَيْعُ قَدْ صَحَّ بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي بُطْلَانِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ، وَلَكِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِثَمَنِهِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ؛
-
لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ تَغَيَّرَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالتَّعْيِينِ فَيُوجِبُ الْخِيَارَ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ اشْتَرَى أَحَدَ الْأَثْوَابِ الثَّلَاثَةِ فَهَلَكَ وَاحِدٌ مِنْهَا وَبَقِيَ اثْنَانِ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِمَا قُلْنَا، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمَبِيعَ كَانَ الْمَبِيعُ أَحَدَ الْبَاقِينَ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُمَا كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا مِنْ الِابْتِدَاءِ،
-
وَلَوْ هَلَكَ الْكُلُّ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ هَلَكَ بِيَقِينٍ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) صِفَةُ هَذَا الْحُكْمِ: فَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ الثَّابِتَ بِهَذَا الْبَيْعِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ مِلْكٌ غَيْرُ لَازِمٍ وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ خِيَارَ التَّعْيِينِ يَمْنَعُ لُزُومَ الْعَقْدِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَيَمْنَعُ لُزُومَ الْمِلْكِ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْفَسْخِ، وَهَذَا لِأَنَّ جَوَازَ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْبَيْعِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِتَعَامُلِ النَّاسِ لِحَاجَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ،
-
وَلَا تَنْعَدِمُ حَاجَتُهُمْ إلَّا بَعْدَ اللُّزُومِ؛ لِأَنَّهُ عَسَى لَا يُوَافِقُهُ كِلَاهُمَا جَمِيعًا فَيَحْتَاجَ إلَى رَدِّهِمَا.
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: مَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: اخْتِيَارِيٌّ وَضَرُورِيٌّ وَالِاخْتِيَارِيُّ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا صَرِيحُ الِاخْتِيَارِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ، وَالثَّانِي: الِاخْتِيَارُ مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ (أَمَّا) الصَّرِيحُ: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ
-
٥/٢٦٢٥/٢٦٢
اخْتَرْت هَذَا الثَّوْبَ أَوْ شِئْته أَوْ رَضِيت بِهِ أَوْ اخْتَرْته وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَقَدْ عَيَّنَ مِلْكَهُ فِيهِ فَيَسْقُطُ خِيَارُ التَّعْيِينِ وَلَزِمَ الْبَيْعُ.
-
(وَأَمَّا) الِاخْتِيَارُ مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ: فَهُوَ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِعْلٌ فِي أَحَدِهِمَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْمِلْكِ فِيهِ، وَهُوَ كُلُّ تَصَرُّفٍ هُوَ دَلِيلُ اخْتِيَارِ الْمِلْكِ فِي الشِّرَاءِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ تَصَرَّفَ الْبَائِعُ فِي أَحَدِهِمَا فَتَصَرُّفُهُ مَوْقُوفٌ إنْ تَعَيَّنَ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ لِلْبَيْعِ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ؛
-
لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ،
-
وَإِنْ تَعَيَّنَ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ لِلْأَمَانَةِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَيَنْفُذُ.
-
(وَأَمَّا) الضَّرُورِيُّ: فَنَحْوَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَيَبْطُلَ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْهَالِكَ مِنْهُمَا تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَلَزِمَهُ ثَمَنُهُ وَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَبِيعٌ وَالْآخَرُ أَمَانَةٌ، وَالْأَمَانَةُ مِنْهُمَا مُسْتَحَقُّ الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ وَقَدْ خَرَجَ الْهَالِكُ عَنْ احْتِمَالِ الرَّدِّ فِيهِ فَتَعَيَّنَ الْبَاقِي لِلرَّدِّ فَتَعَيَّنَ الْهَالِكُ لِلْبَيْعِ ضَرُورَةً،
-
وَلَوْ هَلَكَا جَمِيعًا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ هَلَكَا عَلَى التَّعَاقُبِ وَإِمَّا أَنْ هَلَكَا مَعًا،
-
فَإِنْ هَلَكَا عَلَى التَّعَاقُبِ فَالْأَوَّلُ يَهْلِكُ مَبِيعًا، وَالْآخَرُ أَمَانَةً لِمَا ذَكَرْنَا،
-
وَإِنْ هَلَكَا مَعًا لَزِمَهُ ثَمَنُ نِصْفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِالتَّعْيِينِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَشَاعَ الْبَيْعُ فِيهِمَا جَمِيعًا،
-
وَلَوْ هَلَكَا عَلَى التَّعَاقُبِ لَكِنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَرْتِيبِ الْهَلَاكِ فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُمَا مُتَسَاوِيًا فَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّ أَيَّهُمَا هَلَكَ أَوَّلًا فَثَمَنُ الْآخَرِ مِثْلُهُ فَلَا يُفِيدُ الِاخْتِلَافُ،
-
وَإِنْ كَانَ مُتَفَاوِتًا بِأَنْ كَانَ ثَمَنُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَادَّعَى الْبَائِعُ هَلَاكَ أَكْثَرِهِمَا ثَمَنًا وَادَّعَى الْمُشْتَرِي هَلَاكَ أَقَلِّهِمَا ثَمَنًا كَانَ أَبُو يُوسُفَ أَوَّلًا يَقُولُ: يَتَحَالَفَانِ وَأَيُّهُمَا نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ،
-
وَإِنْ حَلَفَا جَمِيعًا يُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا هَلَكَا مَعًا وَيَلْزَمُهُ ثَمَنُ نِصْفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
-
ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِ الدَّيْنِ وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ مَتَى وَقَعَ بَيْنَ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَبَيْنَ الْمَدْيُونِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ أَوْ فِي جِنْسِهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ صِفَتِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَدْيُونِ مَعَ يَمِينِهِ؛
-
لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةً وَهُوَ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَسَقَطَتْ الْيَمِينُ،
-
وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا تُظْهِرُ زِيَادَةً،
-
وَلَوْ تَعَيَّبَ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَعِيبُ لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَمْ يُوجَدْ لَا نَصًّا وَلَا دَلَالَةً،
-
وَلَا ضَرُورَةَ إلَى التَّعْيِينِ أَيْضًا لِإِمْكَانِ الرَّدِّ وَالْمُشْتَرِي عَلَى خِيَارِهِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَعِيبَ مِنْهُمَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْآخَرَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَيَّبْ أَصْلًا،
-
فَإِنْ أَخَذَ الْمَعِيبَ مِنْهُمَا أَخَذَهُ بِجَمِيعِ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ الْمَبِيعُ مِنْ الْأَصْلِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَيَّبَا جَمِيعًا فَالْمُشْتَرِي عَلَى خِيَارِهِ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ تَعَيَّنَ الْمَعِيبُ لِلْبَيْعِ وَلَزِمَهُ ثَمَنُهُ وَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْأَمَانَةِ كَمَا إذَا هَلَكَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ تَعَيُّبَ الْمَبِيعِ هَلَاكُ بَعْضِهِ فَلِهَذَا مُنِعَ الرَّدُّ وَلَزِمَ الْبَيْعُ فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ، فَكَذَا فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ يَمْنَعُ الرَّدَّ وَتَعَيَّنَ الْمَبِيعُ،
-
وَلَوْ تَعَيَّبَا جَمِيعًا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لِلْبَيْعِ وَلَزِمَهُ ثَمَنُهُ وَيُرَدُّ الْآخَرُ لِمَا قُلْنَا،
-
وَلَا يَغْرَمُ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ شَيْئًا لِمَا قُلْنَا إنَّهُ أَمَانَةٌ،
-
وَإِنْ تَعَيَّبَا مَعًا لَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِالتَّعْيِينِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا لِلْبَيْعِ بَقِيَ الْمُشْتَرِي عَلَى خِيَارِهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ لَزِمَ فِي أَحَدِهِمَا بِتَعْيِينِهِمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَبَطَلَ خِيَارُ الشَّرْطِ.
-
وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْمَشَايِخِ: إنَّ هَذَا الْبَيْعَ فِيهِ خِيَارَانِ خِيَارُ التَّعْيِينِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ رُتْبَةٍ مَعْلُومَةٍ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَمَلَكَ رَدَّهُمَا جَمِيعًا كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَيَّبْ أَحَدُهُمَا أَصْلًا لَكِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ؛ لِأَنَّ رَدَّهُمَا جَمِيعًا قَبْلَ التَّعْيِيبِ ثَبَتَ حُكْمًا لِخِيَارِ الشَّرْطِ وَقَدْ بَطَلَ خِيَارُ الشَّرْطِ بَعْدَ تَعَيُّنِهِمَا مَعًا فَلَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُمَا وَبَقِيَ خِيَارُ التَّعْيِينِ فَيَمْلِكُ رَدَّ أَحَدِهِمَا،
-
وَلَوْ ازْدَادَ عَيْبُ أَحَدِهِمَا أَوْ حَدَثَ مَعَهُ غَيْرُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ لِلْمُزَاحَمَةِ وَقَدْ بَطَلَتْ بِزِيَادَةِ عَيْبِ أَحَدِهِمَا أَوْ حُدُوثِ عَيْبٍ آخَرَ مَعَهُ،
-
وَلَا يَبْطُلُ هَذَا الْخِيَارُ بِمَوْتِ الْمُشْتَرِي بَلْ يُورَثُ
-
بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ التَّعْيِينِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمُوَرِّثِ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ وَقَدْ قَامَ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ دُونَ الْآخَرِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا، وَقَدْ كَانَ لِلْمُوَرِّثِ ذَلِكَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ أُولَئِكَ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خِيَارَيْنِ فِي هَذَا الْبَيْعِ، وَقَدْ بَطَلَ أَحَدُهُمَا " وَهُوَ خِيَارُ الشَّرْطِ " بِالْمَوْتِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يُورَثُ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا فَبَطَلَ الْحُكْمُ الْمُخْتَصُّ بِهِ " وَهُوَ وِلَايَةُ رَدِّهِمَا جَمِيعًا " هَذَا إذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا شِرَاءً صَحِيحًا.
-
٥/٢٦٣٥/٢٦٣
فَأَمَّا) إذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا شِرَاءً فَاسِدًا بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت مِنْك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِكَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِيَارَ أَصْلًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ وَاحِدًا مِنْهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
فَإِنْ قَبَضَهُمَا مَلَكَ أَحَدَهُمَا مِلْكًا فَاسِدًا، وَأَيُّهُمَا هَلَكَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ،
-
وَلَوْ هَلَكَا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ لَزِمَتْهُ قِيمَةُ الْهَالِكِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ،
-
وَإِنْ هَلَكَا مَعًا لَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِتَعْيِينِهِ لِلْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَشَاعَ الْبَيْعُ فِيهِمَا،
-
وَلَوْ تَعَيَّبَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا، أَمَّا غَيْرُ الْمَعِيبِ؛ فَلِأَنَّهُ أَمَانَةٌ.
-
وَأَمَّا الْمَعِيبُ؛ فَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَاجِبُ الرَّدِّ فَيَرُدَّهُمَا وَيَرُدَّ مَعَهُمَا نِصْفَ نُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَيِّبَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَبِيعُ فَيَجِبُ نُقْصَانُ الْعَيْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَمَانَةُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ،
-
وَلَا دَلَالَةَ عَلَى التَّعْيِينِ فَيَتَنَصَّفَ الْوَاجِبُ وَلَوْ تَعَيَّبَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
-
وَكَذَا الْجَوَابُ فِي نُقْصَانِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَمَانَةٌ وَالْآخَرَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ وَلَوْ تَعَيَّبَا مَعًا، فَكَذَلِكَ يَرُدُّهُمَا مَعَ نِصْفِ نُقْصَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِي التَّعْيِينِ لِلْبَيْعِ،
-
وَلَوْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي أَحَدِهِمَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي الْآخَرِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُتَصَرَّفَ فِيهِ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَلَوْ تَصَرَّفَ الْبَائِعُ فِي أَحَدِهِمَا فَتَصَرُّفُهُ مَوْقُوفٌ إنْ رُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ وَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمُشْتَرِي نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ وَبَطَلَ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فِيهِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَالْأَصْلُ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
هَذَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، أَمَّا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَلَا يَزُولُ أَحَدُهُمَا عَنْ مِلْكِهِ بِنَفْسِ الْبَيْعِ، وَلَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ أَيَّ ثَوْبٍ شَاءَ قَبْضَهُ لِلْخِيَارِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ التَّرْكِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بَاتَ فِي جَانِبِهِ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَهُمَا الْمُشْتَرِيَ؛
-
لِأَنَّ الْمَبِيعَ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَيَهْلِكُ أَمَانَةً لِمَا ذَكَرْنَا فِي خِيَارِ الْمُشْتَرِي، وَخِيَارُ الْبَائِعِ عَلَى حَالِهِ إنْ شَاءَ أَلْزَمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَاقِيَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ،
-
وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ الْهَالِكَ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ أَمَانَةً،
-
وَإِنْ هَلَكَا جَمِيعًا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِيَقِينٍ،
-
وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْقَبْضِ كَانَ الْهَالِكُ أَمَانَةً أَيْضًا كَمَا لَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَأَلْزَمَهُ الْبَاقِيَ مِنْهُمَا إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ يَمْنَعُ زَوَالَ السِّلْعَةِ عَنْ مِلْكِهِ فَيَهْلِكُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَلَهُ الْخِيَارُ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ هَلَكَا جَمِيعًا فَإِنْ كَانَ هَلَاكُهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ فَالْأَوَّلُ يَهْلِكُ أَمَانَةً وَعَلَيْهِ قِيمَةُ آخَرِهِمَا هَلَاكًا؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ، وَأَنَّهُ مَبِيعٌ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَفِيهِ خِيَارٌ لِلْبَائِعِ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ.
-
وَإِنْ هَلَكَا مَعًا لَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِالتَّعْيِينِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ،
-
وَلَوْ تَعَيَّبَ أَحَدُهُمَا أَوْ تَعَيَّبَا مَعًا قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ فَخِيَارُ الْبَائِعِ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعِيبَ لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلْعَيْبِ لِانْعِدَامِ الْمُعَيَّنِ فَكَانَ الْبَائِعُ عَلَى خِيَارِهِ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ أَيَّهُمَا شَاءَ كَمَا قَبْلَ التَّعَيُّبِ،
-
ثُمَّ إذَا لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا يُنْظَرُ إنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ الْمُتَعَيَّبِ مِنْهُمَا لَزِمَهُ مَا لَزِمَهُ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فِي تَرْكِهِ لِانْعِدَامِ التَّعْيِينِ فِيهِ،
-
وَإِنْ كَانَ مَا لَزِمَهُ هُوَ الْمُتَعَيَّبُ فَإِنْ تَعَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ تَغَيَّرَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَتَغَيُّرُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُوجِبُ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي،
-
وَإِنْ تَعَيَّبَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ التَّعَيُّبَ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ،
-
وَإِنْ شَاءَ الْبَائِعُ فَسَخَ الْبَيْعَ وَاسْتَرَدَّهُمَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ غَيْرُ لَازِمٍ فَلَهُ وِلَايَةُ الْفَسْخِ،
-
ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ تَعَيُّبُهُمَا فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا تَعَيَّبَا لَا فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي.
-
وَإِنْ كَانَ تَعَيُّبُهُمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُشْتَرِي نِصْفَ نُقْصَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَضْمُونٌ عِنْدَهُ بِالْقِيمَةِ وَالْآخَرُ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ وَلَا يَعْلَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ،
-
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ بِيَقِينٍ وَالْآخَرُ مَبِيعٌ لَكِنْ لِبَائِعِهِ فِيهِ خِيَارٌ، وَخِيَارُ الْبَائِعِ يَمْنَعُ زَوَالَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ،
-
وَلَوْ تَصَرَّفَ الْبَائِعُ فِي أَحَدِهِمَا جَازَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَيَتَعَيَّنُ الْآخَرُ لِلْبَيْعِ، وَلَهُ خِيَارُ الْإِلْزَامُ فِيهِ وَالْفَسْخُ وَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِمَا جَمِيعًا جَازَ تَصَرُّفُهُ فِيهِمَا وَيَكُونُ فَسْخًا لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهِمَا دَلِيلُ إقْرَارِ الْمِلْكِ فِيهِمَا فَيَضْمَنُ فَسْخَ الْبَيْعِ كَمَا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
خِيَارُ الشَّرْطِ
-
(وَأَمَّا) خِيَارُ الشَّرْطِ: فَالْكَلَامُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ
-
٥/٢٦٤٥/٢٦٤
وَشِرَائِهِ قَدْ مَرَّ فِي مَوْضِعِهِ وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ هَهُنَا إلَى بَيَانِ صِفَةِ هَذَا الْبَيْعِ وَإِلَى بَيَانِ حُكْمِهِ وَإِلَى بَيَانِ مَا يَسْقُطُ بِهِ الْخِيَارُ وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ وَإِلَى بَيَانِ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ الْبَيْعُ.
-
(أَمَّا) صِفَتُهُ: فَهِيَ أَنَّهُ بَيْعٌ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ لُزُومَ الصَّفْقَةِ قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ: رضي الله عنه الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ؛ وَلِأَنَّ الْخِيَارَ هُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَازَةِ وَهَذَا يَمْنَعُ اللُّزُومَ كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ،
-
ثُمَّ الْخِيَارُ كَمَا يَمْنَعُ لُزُومَ الصَّفْقَةِ فَعَدَمُ الْقَبْضِ يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِنَفْسِ الْبَيْعِ مِلْكٌ غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ وَإِنَّمَا التَّأَكُّدُ بِالْقَبْضِ،.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ أَشْيَاءَ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْآخَرِ سَوَاءً كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي وَسَوَاءً كَانَ الْبَيْعُ مَقْبُوضًا أَوْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ؛
-
لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فِي اللُّزُومِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ أَصْلِ الصَّفْقَةِ " وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ " إلَّا بِرِضَا الْعَاقِدَيْنِ بِأَنْ يَقْبَلَ الْبَيْعَ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ دُونَ الْبَعْضِ بَعْدَ إضَافَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ إلَى الْجُمْلَةِ وَيُوجَبُ الْبَيْعُ بَعْدَ إضَافَةِ الْقَبُولِ إلَى جُمْلَتِهِ لَا يَجُوزُ فِي وَصْفِهَا وَهُوَ أَنْ يَلْزَمَ الْبَيْعُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ إلَّا بِرِضَاهُمَا.
-
وَلَوْ هَلَكَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فِي الْبَاقِي إلَّا بِرِضَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ انْفَسَخَ فِي قَدْرِ الْهَالِكِ فَالْإِجَازَةُ فِي الْبَاقِي تَكُونُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَلَوْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فِي الْبَاقِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فِي الْبَاقِي وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ فَهَلَكَ بَعْضُهُ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فِي الْبَاقِي بِلَا خِلَافٍ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِجَازَةَ هَهُنَا بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءِ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ فَكَانَ لِلْإِجَازَةِ حُكْمُ الْإِنْشَاءِ، وَالْهَالِكُ مِنْهُمَا خَرَجَ عَنْ احْتِمَالِ الْإِنْشَاءِ، وَالْإِنْشَاءُ فِي الْبَاقِي تَمْلِيكٌ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَلَمْ يَحْتَمِلْ الْإِنْشَاءَ وَفِيمَا لَهُ مِثْلٌ مَعْلُومَةٌ فَاحْتَمَلَ الْإِنْشَاءَ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذِهِ الْإِجَازَةَ تُظْهِرُ أَنَّ الْعَقْدَ مِنْ حِينِ وُجُودِهِ انْعَقَدَ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَلَمْ يَكُنْ الْهَلَاكُ مَانِعًا مِنْ الْإِجَازَةِ، وَقَوْلُهُ " الْإِجَازَةُ هَهُنَا إنْشَاءٌ " قُلْنَا مَمْنُوعٌ،
-
فَإِنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ بِدُونِ الْإِجَازَةِ مِنْ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَبِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ،
-
وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَازَةُ إنْشَاءً لَتَوَقَّفَ حُكْمُ الْعَقْدِ عَلَى وُجُودِهَا وَهَذَا
-
بِخِلَافِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ إذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ ثُمَّ أَجَازَهُ الْمَالِكُ لَمْ يَجُزْ، وَهَهُنَا جَازَ فَهَلَاكُ الْمَبِيعِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ يَمْنَعُ مِنْ الْإِجَازَةِ وَهَهُنَا لَا يَمْنَعُ.
-
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ بِيعَ الْفُضُولِيِّ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ وَالْمُسْتَنَدُ ظَاهِرٌ مِنْ وَجْهٍ مُقْتَصِرٌ مِنْ وَجْهٍ، فَكَانَتْ الْإِجَازَةُ إظْهَارًا مِنْ وَجْهٍ إنْشَاءً مِنْ وَجْهٍ،
-
فَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا إظْهَارٌ كَانَ لَا يَقِفُ صِحَّتُهُ عَلَى قِيَامِ الْمَحِلِّ،
-
وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا إنْشَاءٌ يَقِفُ عَلَيْهِ (فَأَمَّا) فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ: فَالْحُكْمُ يَثْبُتُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ الْمَحْضِ فَكَانَتْ الْإِجَازَةُ لِإِظْهَارِ أَنَّ الْعَقْدَ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ انْعَقَدَ فِي حَقِّ الْحُكْمِ وَالْمَحِلُّ كَانَ قَابِلًا وَقْتَ الْعَقْدِ، فَهَلَاكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِجَازَةِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَيَا شَيْئًا عَلَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَاخْتَارَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْبَيْعُ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْآخَرُ الْفَسْخَ احْتِرَازًا عَنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي اللُّزُومِ وَسَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
(وَأَمَّا) حُكْمُ هَذَا الْبَيْعِ: فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا حُكْمَ لَهُ لِلْحَالِ، وَالْخِيَارُ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ فِي الْحُكْمِ لِلْحَالِ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ بَلْ هُوَ لِلْحَالِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ حُكْمُهُ لِلْحَالِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عِنْدَ سُقُوطِ الْخِيَارِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّهُ يَتَّصِلُ بِهِ الْفَسْخُ أَوْ الْإِجَازَةُ فَيُتَوَقَّفُ فِي الْجَوَابِ لِلْحَالِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ التَّوَقُّفِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي قَوْلٍ مِثْلَ قَوْلِنَا وَفِي قَوْلٍ " هُوَ مُنْعَقِدٌ مُفِيدٌ لِلتَّمَلُّكِ لَكِنَّ مِلْكًا مُسَلَّطًا عَلَى فَسْخِهِ بِالْخِيَارِ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَا يُفَارِقُ الْبَيْعَ الْبَاتَّ إلَّا فِي الْخِيَارِ، وَالْخِيَارُ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ بِالْإِجْمَاعِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ عَلَى أَصْلِكُمْ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ جَوَازَ هَذَا الْبَيْعِ مَعَ أَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ لِلْحَاجَةِ إلَى دَفْعِ الْغَبْنِ وَلَا انْدِفَاعَ لِهَذِهِ الْحَاجَةِ إلَّا بِامْتِنَاعِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى قَرِيبَ الْمُشْتَرِي فَلَوْ مَلَكَهُ لِلْحَالِ لَعَتَقَ عَلَيْهِ لِلْحَالِ فَلَا تَنْدَفِعُ حَاجَتُهُ.
-
ثُمَّ الْخِيَارُ لَا يَخْلُو إمَّا إنْ كَانَ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا وَإِمَّا إنْ كَانَ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ وَإِمَّا إنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ وَإِمَّا إنْ كَانَ لِغَيْرِهِمَا بِأَنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ لِثَالِثٍ فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فِي الْبَدَلَيْنِ جَمِيعًا فَلَا يَزُولُ الْمَبِيعُ عَنْ
-
٥/٢٦٥٥/٢٦٥
مِلْكِ الْبَائِعِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي،
-
وَكَذَا لَا يَزُولُ الثَّمَنُ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي،
-
وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ حُكْمٍ مَوْجُودٍ فِي الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ الْخِيَارُ،
-
وَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ فَلَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِ حَتَّى لَا يَزُولَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِهِ،
-
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ، وَيَخْرُجُ الثَّمَنُ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بَاتٌّ فِي حَقِّهِ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ؟ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَدْخُلُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ: يَدْخُلُ،
-
وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ لَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِ حَتَّى لَا يَزُولَ الثَّمَنُ عَنْ مِلْكِهِ.
-
وَلَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ إذَا كَانَ عَيْنًا،
-
وَلَا يَسْتَحِقَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ دَيْنًا، وَيَخْرُجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ حَتَّى لَا يَجُوزَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بَاتٌّ فِي حَقِّهِ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؟ لَا يَدْخُلُ، وَعِنْدَهُمَا يَدْخُلُ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُسْتَدْعِي هُوَ الْأَصْلُ، وَالِامْتِنَاعُ بِعَارِضٍ، وَالْمَانِعُ هَهُنَا هُوَ الْخِيَارُ وَأَنَّهُ وُجِدَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ لَا غَيْرُ، فَيَعْمَلُ فِي الْمَنْعِ فِيهِ لَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ أَلَا تَرَى كَيْفَ خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنُ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ؟
-
، فَدَلَّ أَنَّ الْبَيْعَ بَاتٌّ فِي حَقِّ مَنْ لَا خِيَارَ لَهُ، فَيَعْمَلُ فِي بَتَاتِ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي وُضِعَ لَهُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إنَّ الْخِيَارَ إذَا كَانَ لِلْبَائِعِ، فَالْمَبِيعُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ،
-
وَإِذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي، فَالثَّمَنُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، وَهَذَا يَمْنَعُ دُخُولَ الثَّمَنِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ فِي الْأَوَّلِ وَدُخُولَ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فِي الثَّانِي؛ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي عَقْدِ الْمُبَادَلَةِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَالثَّانِي: إنَّ فِي هَذَا تَرْكَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ فِي حُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛
-
لِأَنَّهُمَا لَا يَرْضَيَانِ بِالتَّفَاوُتِ، وَقَوْلُهُمَا: الْبَيْعُ بَاتٌّ فِي حَقِّ مَنْ لَا خِيَارَ لَهُ قُلْنَا هَذَا يُوجِبُ الْبَتَاتَ فِي حَقِّ الزَّوَالِ لَا فِي حَقِّ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ لَهُ أَثَرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ الزَّوَالِ، وَامْتِنَاعُ الزَّوَالِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ يَمْنَعُ الثُّبُوتَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ إنْ كَانَ لَا يَمْنَعُ الزَّوَالَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ.
-
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَيْهِ مَسَائِلُ: (مِنْهَا) إذَا اشْتَرَى ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ عِنْدَهُ،
-
وَلَا عِتْقَ بِدُونِ الْمِلْكِ، وَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَجَازَهُ، فَإِنْ فَسَخَ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ عَادَ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ،
-
وَإِنْ أَجَازَهُ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ الْخِيَارُ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ، فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ، وَعِنْدَهُمَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ،
-
وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ.
-
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ إنْ اشْتَرَيْتُكَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَاشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ (أَمَّا) عِنْدَهُمَا، فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، فَوُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ، فَعَتَقَ (وَأَمَّا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ،
-
وَلَوْ نُجِزَ عِتْقُهُ بَعْدَ شِرَائِهِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ عَتَقَ، وَسَقَطَ خِيَارُهُ؛ لِكَوْنِ الْإِعْتَاقِ إجَازَةً، وَاخْتِيَارًا لِلْمِلْكِ عَلَى مَا نَذْكُرُ كَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً قَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ بِالنِّكَاحِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ، وَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَعَادَتْ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَجَازَهُ، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ، وَعِنْدَهُمَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ، فَبَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ.
-
(وَمِنْهَا) إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا فَسَدَ؛ لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ، وَمِلْكُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ رَقَبَةَ صَاحِبِهِ أَوْ شِقْصًا مِنْهَا يَرْفَعُ النِّكَاحَ،
-
فَإِنْ وَطِئَهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا كَانَ إجَازَةً بِالْإِجْمَاعِ (أَمَّا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلِأَجْلِ النُّقْصَانِ بِإِزَالَةِ الْبَكَارَةِ، وَهِيَ الْعُذْرَةُ لَا لِأَجْلِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ قَائِمٌ، فَكَانَ حِلُّ الْوَطْءِ قَائِمًا،
-
فَلَا حَاجَةَ إلَى مِلْكِ الْيَمِينِ (وَأَمَّا) عِنْدَهُمَا، فَلِأَجْلِ النُّقْصَانِ وَالْوَطْءِ جَمِيعًا،
-
فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْخِيَارِ لِضَرُورَةِ حِلِّ الْوَطْءِ،
-
وَلَا ضَرُورَةَ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ قَائِمٌ، فَكَانَ حِلُّ الْوَطْءِ ثَابِتًا،
-
فَلَا ضَرُورَةَ إلَى مِلْكِ الْيَمِينِ بِحِلِّ الْوَطْءِ، فَلَمْ يَبْطُلْ الْخِيَارُ.
-
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ لِضَرُورَةِ حِلِّ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِارْتِفَاعِ النِّكَاحِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْجَارِيَةُ زَوْجَةً لَهُ وَوَطِئَهَا أَنَّهُ يَكُونُ إجَازَةً سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا؛ لِأَنَّ حِلَّ الْوَطْءِ هُنَاكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِانْعِدَامِ النِّكَاحِ، فَكَانَ إقْدَامُهُ عَلَى الْوَطْءِ اخْتِيَارًا لِلْمِلْكِ، فَيَبْطُلُ الْخِيَارُ.
-
(وَمِنْهَا) إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَبَضَهَا فَحَاضَتْ عِنْدَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ حَيْضَةً
-
٥/٢٦٦٥/٢٦٦
كَامِلَةً أَوْ بَعْضَ حَيْضَةٍ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَاخْتَارَ الْبَيْعَ لَا تُجْزِئ تِلْكَ الْحَيْضَةُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ أُخْرَى لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ عِنْدَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَعِنْدَهُمَا يَحْتَسِبُ بِهَا لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ، فَكَانَتْ الْحَيْضَةُ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَكَانَتْ مَحْسُوبَةً مِنْهُ،
-
وَلَوْ اخْتَارَ فَسْخَ الْبَيْعِ، وَرَدَّ الْجَارِيَةَ،
-
فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ كَانَ الرَّدُّ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَجِبُ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ يَجِبُ قِيَاسًا، وَاسْتِحْسَانًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَسَائِلِ الِاسْتِبْرَاءِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَفَسَخَ الْعَقْدَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ،
-
وَإِنْ أَجَازَهُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بَعْدَ الْإِجَازَةِ وَالْقَبْضِ بِحَيْضَةٍ أُخْرَى بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بَعْدَ الْإِجَازَةِ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ مِلْكًا مُطْلَقًا.
-
(وَمِنْهَا) إذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَبَضَهُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ،
-
ثُمَّ أَوْدَعَهُ الْبَائِعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَهَلَكَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَوْ بَعْدَهَا يَهْلِكُ عَلَى الْبَائِعِ،
-
وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَلَمَّا دَخَلَ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ، فَقَدْ ارْتَفَعَ قَبْضُهُ، فَهَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَعِنْدَهُمَا يَهْلِكُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ أَعْنِي الْمُشْتَرِيَ، فَقَدْ أَوْدَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَيَدُ الْمُودَعِ يَدُهُ، فَهَلَاكُهُ فِي يَدِهِ كَهَلَاكِهِ فِي يَدِ نَفْسِهِ،
-
وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَسَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي،
-
ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِي أَوْدَعَهُ الْبَائِعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَهَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ جَوَازِ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَهُ بَطَلَ الْبَيْعُ بِالْإِجْمَاعِ.
-
، وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ بَاتًّا، فَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالثَّمَنُ مَنْقُودٌ أَوْ مُؤَجَّلٌ، وَلَهُ خِيَارُ رُؤْيَةٍ أَوْ عَيْبٍ، فَأَوْدَعَهُ الْبَائِعَ، فَهَلَكَ عِنْدَ الْبَائِعِ يَهْلِكُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ، فَكَانَ مُودِعًا مِلْكَ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) إذَا اشْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَبَضَهُ،
-
ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُشْتَرِي بَطَلَ الْعَقْدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَالْمُسْلِمُ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِ الْخَمْرِ بِالْبَيْعِ، وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُ الْعَقْدُ،
-
وَلَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَالْإِسْلَامُ يَمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ،
-
وَلَوْ أَسْلَمَ الْبَائِعُ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بَاتٌّ فِي جَانِبِهِ، وَالْإِسْلَامُ فِي الْبَيْعِ الْبَاتِّ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَهُ إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَالْمُشْتَرِي عَلَى خِيَارِهِ،
-
فَإِنْ أَجَازَ الْبَيْعَ؛ جَازَ، وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ،
-
وَإِنْ فَسَخَهُ انْفَسَخَ، وَصَارَ الْخَمْرُ لِلْبَائِعِ حُكْمًا، وَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْخَمْرَ حُكْمًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَمَلَّكُهَا بِالْمِيرَاثِ؟ ،
-
وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَأَسْلَمَ الْبَائِعُ بَطَلَ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ يَمْنَعُ خُرُوجَ السِّلْعَةِ عَنْ مِلْكِهِ، وَالْإِسْلَامُ يَمْنَعُ إخْرَاجَ الْخَمْرِ عَنْ مِلْكِهِ بِالْعَقْدِ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ،
-
وَلَوْ أَسْلَمَ الْمُشْتَرِي لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بَاتٌّ فِي جَانِبِهِ.
-
وَالْبَائِعُ عَلَى خِيَارِهِ، فَإِنْ فَسَخَ الْبَيْعَ عَادَتْ الْخَمْرُ إلَيْهِ،
-
وَإِنْ أَجَازَهُ صَارَ الْخَمْرُ لِلْمُشْتَرِي حُكْمًا، وَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا حُكْمًا، كَمَا فِي الْإِرْثِ،
-
وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ بَاتًّا، فَأَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَتَى وَرَدَ وَالْحَرَامُ مَقْبُوضٌ يُلَاقِيهِ بِالْعَفْوِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ مِلْكٌ مُبْتَدَأٌ؛ لِثُبُوتِهَا بِالْعَقْدِ وَالْقَبْضِ عَلَى الْكَمَالِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ دَوَامُ الْمِلْكِ، وَالْإِسْلَامُ لَا يُنَافِيه،
-
فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا تَخَمَّرَ عَصِيرُهُ،
-
فَلَا يُؤْمَرُ بِإِبْطَالِ حَقِّهِ فِيهَا هَذَا كُلُّهُ إذَا أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْقَبْضِ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ كَيْفَمَا كَانَ سَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ بَاتًّا أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَتَى وَرَدَ وَالْحَرَامُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ يُمْنَعُ مِنْ قَبْضِهِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ لِمَا فِي الْقَبْضِ مِنْ مَعْنَى إنْشَاءِ الْعَقْدِ مِنْ وَجْهٍ، فَيُلْحَقُ بِهِ فِي بَابِ الْحُرُمَاتِ احْتِيَاطًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ تَظْهَرُ فَوَائِدُ هَذَا الْأَصْلِ فِي فُرُوعٍ أُخَرَ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
-
، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ دَارًا،
-
فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ لَا يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا حَقُّ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ،
-
وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ بِالْإِجْمَاعِ (أَمَّا) عَلَى أَصْلِهِمَا، فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي (وَأَمَّا) عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْمَبِيعُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَكِنَّهُ قَدْ زَالَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَحَقُّ الشُّفْعَةِ يَعْتَمِدُ زَوَالَ مِلْكِ الْبَائِعِ لَا ثُبُوتَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ تَبَايَعَا عَبْدًا بِجَارِيَةٍ، وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَأَعْتَقَ الْبَائِعُ الْعَبْدَ نَفَذَ إعْتَاقُهُ، وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ يَمْنَعُ زَوَالَ الْعَبْدِ عَنْ مِلْكِهِ، فَقَدْ أَعْتَقَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَنَفَذَ،
-
وَإِنْ أَعْتَقَ الْجَارِيَةَ نَفَذَ أَيْضًا، وَلَزِمَ الْبَيْعُ (أَمَّا) عَلَى أَصْلِهِمَا، فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهَا، فَأَعْتَقَ مِلْكَ نَفْسِهِ (وَأَمَّا) عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهَا بِالْعَقْدِ لَكِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْإِعْتَاقِ دَلِيلُ عَقْدِ الْمِلْكِ إذْ لَا وُجُودَ لِلْعِتْقِ إلَّا بِالْمِلْكِ، وَلَا
-
٥/٢٦٧٥/٢٦٧
مِلْكَ إلَّا بِسُقُوطِ الْخِيَارِ، فَتَضَمَّنَ إقْدَامُهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ إسْقَاطَ الْخِيَارِ،
-
وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا؛ نَفَذَ إعْتَاقُهُمَا جَمِيعًا، وَبَطَلَ الْبَيْعُ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ، وَعِنْدَهُمَا نَفَذَ إعْتَاقُهُمَا،
-
وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَمَّا نُفُوذُ إعْتَاقِهِمَا (أَمَّا) الْعَبْدُ،
-
فَلَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِلَا خِلَافٍ (وَأَمَّا) الْجَارِيَةُ، فَكَذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَقَدْ دَخَلَتْ بِمُقْتَضَى الْإِقْدَامِ عَلَى إعْتَاقِهِمَا عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَإِعْتَاقُهُمَا صَادَفَ مَحَلًّا مَمْلُوكًا لِلْمُعْتِقِ، فَنَفَذَ.
-
(وَأَمَّا) لُزُومُ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلِأَنَّ الْعَبْدَ بَدَلُ الْجَارِيَةِ، وَقَدْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ بِالْإِعْتَاقِ، وَهَلَاكُ الْمَبِيعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْبَيْعِ،
-
وَإِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ، وَجَبَ رَدُّ الْجَارِيَةِ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ رَدِّهَا بِسَبَبِ الْعِتْقِ، فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا،
-
وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ أَوْ الْجَارِيَةَ لَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ (أَمَّا) الْعَبْدُ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ (وَأَمَّا) الْجَارِيَةُ؛ فَلِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يَسْقُطُ بِهِ الْخِيَارُ،
-
وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ أَمَّا خِيَارُ الْبَائِعِ، فَمَا يَسْقُطُ بِهِ خِيَارُهُ،
-
وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ نَوْعَانِ فِي الْأَصْلِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِيَارِيٌّ، وَالْآخَرُ ضَرُورِيٌّ أَمَّا الِاخْتِيَارِيُّ، فَالْإِجَازَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ لُزُومُ الْبَيْعِ، وَالِامْتِنَاعُ بِعَارِضِ الْخِيَارِ، وَقَدْ بَطَلَ بِالْإِجَازَةِ، فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ، وَالْإِجَازَةُ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ، وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى الصَّرِيحِ، وَدَلَالَةٌ (أَمَّا) الْأَوَّلُ، فَنَحْوَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ: أَجَزْتُ الْبَيْعَ أَوْ أَوْجَبْتُهُ أَوْ أَسْقَطْتُ الْخِيَارَ أَوْ أَبْطَلْتُهُ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الْإِجَازَةَ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ (وَأَمَّا) الْإِجَازَةُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَهِيَ: أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ تَصَرُّفٌ فِي الثَّمَنِ يَدُلُّ عَلَى الْإِجَازَةِ وَإِيجَابِ الْبَيْعِ، فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ يَكُونُ إجَازَةً لِلْبَيْعِ دَلَالَةً، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِبَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ مَلَكْتِ بُضْعَكِ، فَاخْتَارِي، وَإِنْ وَطِئَك زَوْجُكِ، فَلَا خِيَارَ لَكِ» ، فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام تَمْكِينَهَا مِنْ الْوَطْءِ دَلِيلَ بُطْلَانِ الْخِيَارِ، فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا؛
-
لِأَنَّ الْخِيَارَ، كَمَا يَسْقُطُ بِصَرِيحِ الْإِسْقَاطِ يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا، فَتَصَرَّفَ الْبَائِعُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ بِأَنْ بَاعَهُ أَوْ سَاوَمَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ آجَرَهُ أَوْ رَهَنَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ إجَازَةً لِلْبَيْعِ.
-
(أَمَّا) عَلَى أَصْلِهِمَا، فَلِأَنَّ الثَّمَنَ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ، فَكَانَ التَّصَرُّفُ فِيهِ دَلِيلَ تَقَرُّرِ مِلْكِهِ، وَأَنَّهُ دَلِيلُ إجَازَةِ الْبَيْعِ (وَأَمَّا) عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَالْإِقْدَامُ عَلَى التَّصَرُّفِ يَكُونُ دَلِيلَ اخْتِيَارِ الْمِلْكِ فِيهِ، وَذَا دَلِيلُ الْإِجَازَةِ.
-
وَكَذَا لَوْ كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا، فَأَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ أَوْ اشْتَرَى بِهِ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ إجَازَةٌ لِلْبَيْعِ لِمَا قُلْنَا،
-
وَيَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَهِبَتُهُ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ وَالشِّرَاءَ بِهِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ،
-
وَكَذَا لَوْ سَاوَمَهُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَمَلُّكَ ذَلِكَ الشَّيْءِ،
-
وَلَا يُمْكِنُهُ التَّمَلُّكَ إلَّا بِثُبُوتِ مِلْكِهِ فِي الثَّمَنِ أَوْ تَقَرُّرِهِ فِيهِ،
-
وَلَوْ اشْتَرَى بِالثَّمَنِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ، وَكَانَ إجَازَةً (أَمَّا) عَدَمُ صِحَّةِ الشِّرَاءِ؛ فَلِأَنَّهُ شِرَاءٌ بِالدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ.
-
(وَأَمَّا) كَوْنُهُ إجَازَةً لِلْبَيْعِ؛ فَلِأَنَّ الشِّرَاءَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ لَكِنَّهُ قَصَدَ التَّمَلُّكَ، وَذَا دَلِيلُ الْإِجَازَةِ، كَمَا إذَا سَاوَمَهُ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ بِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى قَصْدِهِ التَّمَلُّكَ فَوْقَ الْمُسَاوَمَةِ، فَلَمَّا كَانَتْ الْمُسَاوَمَةُ إجَازَةً، فَالشِّرَاءُ أَوْلَى
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ قَبَضَ الثَّمَنَ الَّذِي هُوَ دَيْنٌ، فَاشْتَرَى بِهِ شَيْئًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ إجَازَةً لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمَقْبُوضِ لَيْسَ بِمُسْتَحَقِّ الرَّدِّ عِنْدَ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ عِنْدَنَا فِي الْفَسْخِ، كَمَا لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْعَقْدِ، فَلَمْ يَكُنْ الْمَقْبُوضُ فِيهِ مُسْتَحَقَّ الرَّدِّ،
-
فَلَا يَكُونُ التَّصَرُّفُ فِيهِ دَلِيلَ الْإِجَازَةِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الشِّرَاءَ إلَى عَيْنِ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ، فَكَانَ دَلِيلَ الْقَصْدِ إلَى الْمِلْكِ أَوْ تَقَرُّرِ الْمِلْكِ فِيهِ عَلَى مَا قُلْنَا،
-
وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، فَأَبْرَأَهُ الْبَائِعُ مِنْ الثَّمَنِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ وُجُوبَ الثَّمَنِ، وَالْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ وَإِسْقَاطُ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ لَا يُتَصَوَّرُ.
-
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُ إذَا أَجَازَ الْبَيْعَ نَفَذَ الْإِبْرَاءُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْبَيْعِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ كَانَ وَاجِبًا، فَكَانَ إبْرَاؤُهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ، فَيَنْفُذُ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) الضَّرُورِيُّ، فَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ (أَحَدُهُمَا) مُضِيُّ مُدَّةِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ مُؤَقَّتٌ بِهِ، وَالْمُؤَقَّتُ إلَى غَايَةٍ يَنْتَهِي عِنْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ لَكِنْ هَلْ تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ بِأَنْ شَرَطَ الْخِيَارَ إلَى اللَّيْلِ أَوْ إلَى الْغَدِ هَلْ يَدْخُلُ اللَّيْلُ أَوْ الْغَدُ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: تَدْخُلُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا تَدْخُلُ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا إنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ مَا ضُرِبَتْ لَهُ الْغَايَةُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى عَزَّ
-
٥/٢٦٨٥/٢٦٨
شَأْنُهُ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ حَتَّى لَا يَجِبَ الصَّوْمُ فِي اللَّيْلِ، وَكَمَا فِي التَّأْجِيلِ إلَى غَايَةٍ، أَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْأَجَلِ كَذَا هَذَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ إنَّ الْغَايَاتِ مُنْقَسِمَةٌ: غَايَةُ إخْرَاجٍ، وَغَايَةُ إثْبَاتٍ، فَغَايَةُ الْإِخْرَاجِ تَدْخُلُ تَحْتَ مَا ضُرِبَتْ لَهُ الْغَايَةُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾
-
وَالْغَايَةُ هَهُنَا فِي مَعْنَى غَايَةِ الْإِخْرَاجِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْوَقْتَ أَصْلًا لَاقْتَضَى ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا حَتَّى لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي مَعْنَى شَرْطِ خِيَارٍ مُؤَبَّدٍ
-
بِخِلَافِ التَّأْجِيلِ إلَى غَايَةٍ، فَإِنَّهُ لَوْلَا ذِكْرُ الْغَايَةِ لَمْ يَثْبُتْ الْأَجَلُ أَصْلًا، فَكَانَتْ الْغَايَةُ غَايَةَ إثْبَاتٍ، فَلَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ مَا ضُرِبَتْ لَهُ الْغَايَةُ.
-
وَالثَّانِي مَوْتُ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله لَا يَبْطُلُ الْخِيَارُ بِمَوْتِهِ، بَلْ يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ، وَلَقَبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ هَلْ يُوَرَّثُ أَمْ لَا؟ عِنْدَنَا يُوَرَّثُ، وَعِنْدَهُ لَا يُوَرَّثُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ خِيَارَ الْقَبُولِ لَا يُوَرَّثُ،
-
وَكَذَا خِيَارُ الْإِجَازَةِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ لَا يُوَرَّثُ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَكَذَا الْأَجَلُ لَا يُوَرَّثُ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ، وَخِيَارَ التَّعْيِينِ يُوَرَّثُ.
-
(وَأَمَّا) خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، فَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْأَصْلِ، وَذَكَرَ فِي الْحِيَلِ أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ،
-
وَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله بِظَوَاهِرِ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ حَيْثُ أَثْبَتَ اللَّهُ عز وجل الْإِرْثَ فِي الْمَتْرُوكِ مُطْلَقًا، وَالْخِيَارُ مَتْرُوكٌ، فَيَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» وَالْخِيَارُ حَقٌّ تَرَكَهُ، فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ؛
-
وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، فَيَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ كَالْمِلْكِ الثَّابِتِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ، كَمَا يَثْبُتُ فِي الْأَمْلَاكِ يَثْبُتُ فِي الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ بِالْبَيْعِ؛ وَلِهَذَا يَثْبُتُ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَخِيَارِ التَّعْيِينِ كَذَا هَذَا، وَلَنَا أَنَّ الْخِيَارَ لَوْ ثَبَتَ لِلْوَارِثِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ ابْتِدَاءً أَوْ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛
-
لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْوَارِثِ ابْتِدَاءً، وَإِثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهُ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ شَرْطِ الْخِيَارِ مِنْهُ خِلَافُ الْحَقِيقَةِ،
-
وَلَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَعْتَمِدُ الْبَاقِي بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، وَخِيَارُهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ خِيَارَهُ يُخَيِّرُهُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ،
-
وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ،
-
فَلَا يُوَرَّثُ بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ وَالتَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ الْمَوْرُوثَ هُنَاكَ مُحْتَمِلٌ لِلْإِرْثِ، وَهُوَ الْعَيْنُ الْمَمْلُوكَةُ (وَأَمَّا) الْآيَةُ، وَالْحَدِيثُ، فَنَقُولُ: بِمُوجِبِهِمَا لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الْخِيَارَ مَتْرُوكٌ؟ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ عَيْنٌ تَبْقَى، وَالْخِيَارُ عَرَضٌ لَا يَبْقَى، فَلَمْ يَكُنْ مَتْرُوكًا،
-
فَلَا يُوَرَّثُ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَالثَّالِثُ) إجَازَةُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله بِأَنْ تَبَايَعَا عَلَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ، فَأَجَازَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْخِيَارُ، وَلَزِمَ الْبَيْعُ عِنْدَهُ حَتَّى لَا يَمْلِكَ صَاحِبُهُ الْفَسْخَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْطُلُ، وَخِيَارُ الْآخَرِ عَلَى حَالِهِ، وَسَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ.
-
، وَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي مُدَّةِ خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ فِي بَيْعِ مَالِ الصَّبِيِّ هَلْ يَبْطُلُ الْخِيَارُ؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَبْطُلُ،
-
وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تُنْقَلُ الْإِجَازَةُ إلَى الصَّبِيِّ،
-
فَلَا يَمْلِكُ الْوَلِيُّ الْإِجَازَةَ لَكِنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ الْوَلِيَّ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ الصَّغِيرِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْهُ شَرْعًا لِعَجْزِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ زَالَ الْعَجْزُ بِالْبُلُوغِ، فَتَنْتَقِلُ الْإِجَازَةُ إلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ دَفْعِ الْحَقِّ، فَيَمْلِكُهُ كَالْفُضُولِيِّ فِي الْبَيْعِ إنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ قَبْلَ إجَازَةِ الْمَالِكِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ الْإِجَازَةَ (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ لِلْوَلِيِّ، وَهُوَ وِلَايَةُ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةُ، وَقَدْ بَطَلَ بِالْبُلُوغِ،
-
فَلَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ إلَى الصَّبِيِّ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْوَارِثِ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ.
-
وَلَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فِي مُدَّةِ خِيَارِ شَرْطِهِ لِنَفْسِهِ فِي الْبَيْعِ بَطَلَ الْخِيَارُ، وَلَزِمَ الْبَيْعُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ، وَرُدَّ إلَى الرِّقِّ لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةُ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ، فَيَسْقُطُ الْخِيَارُ ضَرُورَةً كَمَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ،
-
وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ إذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْمَوْلَى فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بَطَلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ لِمَا قُلْنَا.
-
وَلَوْ اشْتَرَى الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ شَيْئًا بِدَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ، وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ،
-
ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ؛ جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا، وَالصَّبِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ،
-
وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ (أَمَّا) الْجَوَازُ عَلَيْهِمَا؛ فَلِأَنَّ، وِلَايَتَهُمَا قَدْ انْقَطَعَتْ بِالْبُلُوغِ،
-
فَلَا يَمْلِكَانِ التَّصَرُّفَ بِالْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ، فَيَبْطُلُ خِيَارُهُمَا، وَجَازَ الْعَقْدُ فِي حَقِّهِمَا (وَأَمَّا) خِيَارُ الصَّبِيِّ؛ فَلِأَنَّ الْجَوَازَ وَاللُّزُومَ لَمْ يَثْبُتَا فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمَا، فَكَانَ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةُ.
-
(وَأَمَّا) خِيَارُ الْمُشْتَرِي، فَيَسْقُطُ بِمَا يُسْقِطُ خِيَارَ الْبَائِعِ، وَبِغَيْرِهِ أَيْضًا، فَيَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَبِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ عِنْدَنَا، وَإِجَازَةُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْإِجَازَةُ صَرِيحٌ، وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى
-
٥/٢٦٩٥/٢٦٩
الصَّرِيحِ، وَدَلَالَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَتَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ كَالْبَيْعِ، وَالْمُسَاوَمَةِ، وَالْإِعْتَاقِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْهِبَةِ، وَالرَّهْنِ سُلِّمَ أَوْ لَمْ يُسَلَّمْ لِأَنَّ جَوَازَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ، فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهَا يَكُونُ دَلِيلَ قَصْدِ التَّمَلُّكِ أَوْ تَقَرُّرَ الْمِلْكِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ، وَذَا دَلِيلُ الْإِجَازَةِ،
-
وَكَذَا الْوَطْءُ مِنْهُ وَالتَّقْبِيلُ بِشَهْوَةٍ، وَالْمُبَاشَرَةُ لِشَهْوَةٍ، وَالنَّظَرُ إلَى فَرْجِهَا لِشَهْوَةٍ يَكُونُ إجَازَةً مِنْهُ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ لَا يَحِلُّ إلَّا بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
-
وَأَمَّا الْمَسُّ عَنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ، وَالنَّظَرُ إلَى فَرْجِهَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ،
-
فَلَا يَكُونُ إجَازَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِي الْجُمْلَةِ بِدُونِ الْمِلْكِ لِلطَّبِيبِ، وَالْقَابِلَةِ،
-
وَأَمَّا الِاسْتِخْدَامُ، فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ إجَازَةً بِمَنْزِلَةِ الْمَسِّ عَنْ شَهْوَةٍ، وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ عَنْ شَهْوَةٍ.
-
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَكُونُ إجَازَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلتَّجْرِبَةِ، وَالِامْتِحَانِ لِيَنْظُرَ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ أَمْ لَا عَلَى أَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ بِأَنْ يَسْأَلَهُ ثَوْبَهُ عِنْدَ إرَادَةِ الرَّدِّ، فَيَرُدَّهُ أَوْ يَسْتَسْرِجَهُ دَابَّتَهُ؛ لِيَرْكَبَهَا، فَيَرُدَّهُ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ،
-
وَلَوْ قَبَّلَتْ الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرِي بِشَهْوَةٍ أَوْ بَاشَرَتْهُ،
-
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَمْكِينٍ بِأَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهَا، وَتَرَكَهَا حَتَّى فَعَلَتْ يَسْقُطُ خِيَارُهُ،
-
وَكَذَا هَذَا فِي حَقِّ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ إذَا قَبَّلَتْهُ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ،
-
وَكَذَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ إذَا، وَجَدَ بِهَا عَيْبًا ثُمَّ قَبَّلَتْهُ،
-
وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ إذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ كَانَ رَجْعَةً،
-
وَإِنْ اخْتَلَسَتْ اخْتِلَاسًا مِنْ غَيْرِ تَمْكِينِ الْمُشْتَرِي وَالزَّوْجِ، وَهُوَ كَارِهٌ لِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ رَجْعَةً،
-
وَلَا إجَازَةً لِلْبَيْعِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَكُونُ فِعْلُهَا إجَازَةً لِلْبَيْعِ كَيْفَمَا كَانَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَوْ بَاضَعَتْهُ، وَهُوَ نَائِمٌ بِأَنْ أَدْخَلَتْ فَرْجَهُ فَرْجَهَا أَنَّهُ يَسْقُطُ الْخِيَارُ، وَيَكُونُ رَجْعَةً.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ الْخِيَارَ حَقُّ شَرْطٍ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُبْطِلُهُ نَصًّا،
-
وَلَا دَلَالَةً، وَهُوَ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ،
-
فَلَا يَبْطُلُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إنَّ الِاحْتِيَاطَ يُوجِبُ سُقُوطَ الْخِيَارِ إذْ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ لِتَبْيِينِ أَنَّ الْمَسَّ عَنْ شَهْوَةٍ، وَالتَّمْكِينُ مِنْ الْمَسِّ عَنْ شَهْوَةٍ حَصَلَ فِي غَيْرِ مِلْكٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، فَكَانَ سُقُوطُ الْخِيَارِ، وَثُبُوتُ الرَّجْعَةِ بِطَرِيقِ الصِّيَانَةِ عَنْ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ؛
-
وَلِأَنَّ الْمَسَّ عَنْ شَهْوَةٍ يُفْضِي إلَى الْوَطْءِ، وَالسَّبَبُ الْمُفْضِي إلَى الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَهُ خُصُوصًا فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ، فَأُقِيمَ ذَلِكَ مَقَامَ الْوَطْءِ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ وَلِهَذَا يَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْمَسِّ عَنْ شَهْوَةٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِكَوْنِهِ سَبَبًا مُفْضِيًا إلَى الْوَطْءِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ كَذَا هَذَا.
-
وَلَوْ قَبَّلَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ،
-
ثُمَّ قَالَ: قَبَّلْتُهَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ كَانَ ثَابِتًا لَهُ، فَهُوَ بِقَوْلِهِ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ يُنْكِرُ سُقُوطُهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ.
-
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي الْجَارِيَةِ إذَا قَبَّلْت الْمُشْتَرِي بِشَهْوَةٍ إنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ الْخِيَارُ، وَيَلْزَمُهُ الْعَقْدُ إذَا أَقَرَّ الْمُشْتَرِي إنَّهَا، فَعَلَتْ بِشَهْوَةٍ (فَأَمَّا) إذَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِشَهْوَةٍ،
-
فَلَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ فِعْلِهَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي بِسُقُوطِ حَقِّهِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إقْرَارِهِ،
-
وَلَوْ حَدَثَ فِي الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ عَلَى الْبَائِعِ بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْخِيَارِ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْفَسْخِ وَالرَّدِّ،
-
فَإِذَا خَرَجَ عَنْ احْتِمَالِ الرَّدِّ لَمْ يَكُنْ فِي بَقَاءِ الْخِيَارِ فَائِدَةٌ،
-
فَلَا يَبْقَى، وَذَلِكَ نَحْوَ مَا إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ انْتَقَصَ بِأَنْ تَعَيَّبَ بِعَيْبٍ لَا يَحْتَمِلُ الِارْتِفَاعَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ، فَاحِشًا أَوْ يَسِيرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِفِعْلِ الْبَائِعِ أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ أَوْ بِفِعْلٍ أَجْنَبِيٍّ؛
-
لِأَنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الْمَعَانِي فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ الرَّدَّ.
-
(أَمَّا) الْهَلَاكُ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا النُّقْصَانُ لِفَوَاتِ شَرْطِ الرَّدِّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَا قَبَضَ، كَمَا قَبَضَ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْتَقَصَ شَيْءٌ مِنْهُ، فَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْقَدْرِ الْفَائِتِ، فَتَقَرَّرَ عَلَى الْمُشْتَرِي حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ فَوَاتَهُ حَصَلَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي،
-
فَلَوْ رَدَّ الْبَاقِي كَانَ ذَلِكَ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ التَّمَامِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ،
-
وَإِذَا امْتَنَعَ الرَّدُّ بَطَلَ الْخِيَارُ لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا انْتَقَصَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ،
-
فَإِنَّ الْمُشْتَرِي فِيهِمَا عَلَى خِيَارِهِ عِنْدَهُ إنْ شَاءَ رَدَّ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ، وَأَخَذَ الْأَرْشَ مِنْ الْبَائِعِ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ الِاخْتِلَافَ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ رحمه الله الِاخْتِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ رحمهم الله ،
-
وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يَحْتَمِلُ الِارْتِفَاعَ كَالْمَرَضِ، فَالْمُشْتَرِي عَلَى خِيَارِهِ إنْ شَاءَ فَسَخَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَارِضٍ عَلَى أَصْلٍ إذَا ارْتَفَعَ يَلْحَقُ بِالْعَدَمِ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ إلَّا أَنْ يَرْتَفِعَ الْعَيْبُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ،
-
فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَالْعَيْبُ قَائِمٌ بَطَلَ حَقُّ الْفَسْخِ، وَلَزِمَ الْبَيْعُ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا ازْدَادَ
-
٥/٢٧٠٥/٢٧٠
الْمَبِيعُ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْأَصْلِ، كَمَا إذَا كَانَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ، أَوْ كَانَ أَرْضًا، فَبَنَى عَلَيْهَا أَوْ غَرَسَ فِيهَا أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَانِعَةٌ مِنْ الرَّدِّ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَانَتْ مُسْقِطَةً لِلْخِيَارِ وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْأَصْلِ كَالْحُسْنِ، وَالْجَمَالِ، وَالسِّمَنِ، وَالْبُرْءِ مِنْ الْمَرَضِ، وَانْجِلَاءِ الْبَيَاضِ مِنْ الْعَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ تَمْنَعُ الرَّدَّ عِنْدَهُمَا، كَمَا فِي الْعَيْبِ فِي الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ، وَعِنْدَهُ لَا تَمْنَعُ، وَالْمَسْأَلَةُ تَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْأَصْلِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهَا، أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْأَصْلِ لَكِنَّهَا بَدَلُ الْجُزْءِ الْفَائِتِ كَالْأَرْشِ، أَوْ بَدَلُ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْجُزْءِ كَالْعُقْرِ يَبْطُلُ خِيَارُهُ؛
-
لِأَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الرَّدِّ عِنْدَنَا،
-
وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْأَصْلِ،
-
وَلَا هِيَ بَدَلُ الْجُزْءِ الْفَائِتِ أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْجُزْءِ كَالصَّدَقَةِ وَالْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ، فَلَا يَبْطُلُ الْخِيَارُ.
-
فَإِنْ اخْتَارَ الْبَيْعَ، فَالزَّوَائِدُ لَهُ مَعَ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَسْبٌ مَلَكَهُ، فَكَانَتْ مِلْكَهُ،
-
وَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ رَدَّ الْأَصْلَ مَعَ الزَّوَائِدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الزَّوَائِدُ تَكُونُ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْمَبِيعِ كَانَ مَوْقُوفًا،
-
فَإِذَا فُسِخَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، فَيَرُدُّهَا إلَيْهِ مَعَ الْأَصْلِ، وَعِنْدَهُمَا الْمَبِيعُ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَكَانَتْ الزَّوَائِدُ حَاصِلَةً عَلَى مِلْكِهِ، وَالْفَسْخُ يَظْهَرُ فِي الْأَصْلِ لَا فِي الزِّيَادَةِ، فَبَقِيَتْ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي.
-
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ دَابَّةً، فَرَكِبَهَا،
-
فَإِنْ رَكِبَهَا لِحَاجَةِ نَفْسِهِ كَانَ إجَازَةً،
-
وَإِنْ رَكِبَهَا لِيَسْقِيَهَا أَوْ يَشْتَرِيَ لَهَا عَلَفًا أَوْ لِيَرُدَّهَا عَلَى بَائِعِهَا، فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ إجَازَةً؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَوْدًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَكُونُ إجَازَةً، وَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ خُصُوصًا إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ صَعْبَةً لَا تَنْقَادُ بِالْقَوْدِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِ الرَّدِّ،
-
فَلَا يُجْعَلُ إجَازَةً، وَلَوْ رَكِبَهَا؛ لِيَنْظُرَ إلَى سَيْرِهَا لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ لِلِاخْتِيَارِ
-
بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ أَنَّهُ إذَا رَكِبَهَا بَعْدَمَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْهُ بُدًّا،
-
وَلَا حَاجَةَ إلَى الرُّكُوبِ هُنَاكَ لِمَعْرِفَةِ سَيْرِهَا، فَكَانَ دَلِيلَ الرِّضَا بِالْعَيْبِ.
-
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ ثَوْبًا، فَلَبِسَهُ؛ لِيَنْظُرَ إلَى قِصَرِهِ مِنْ طُولِهِ وَعَرْضِهِ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلتَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ أَمْ لَا، فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ،
-
وَلَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ؛ لِيَعْرِفَ سَيْرَهَا ثُمَّ رَكِبَهَا مَرَّةً أُخْرَى يُنْظَرُ إنْ رَكِبَهَا لِمَعْرِفَةِ سَيْرٍ آخَرَ غَيْرِ الْأَوَّلِ بِأَنْ رَكِبَهَا مَرَّةً؛ لِيَعْرِفَ أَنَّهَا هِمْلَاجٌ،
-
ثُمَّ رَكِبَهَا ثَانِيًا لِيَعْرِفَ سُرْعَةَ عَدْوِهَا، فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ السَّيْرَيْنِ مَقْصُودَةٌ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَيْهَا فِي بَعْضِ الدَّوَابِّ،
-
وَإِنْ رَكِبَهَا لِمَعْرِفَةِ السَّيْرِ الْأَوَّلِ قَالُوا: يَسْقُطُ خِيَارُهُ،
-
وَكَذَا فِي اسْتِخْدَامِ الرَّقِيقِ إذَا اسْتَخْدَمَهُ فِي نَوْعٍ،
-
ثُمَّ اسْتَخْدَمَهُ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ قَالُوا: يَسْقُطُ خِيَارُهُ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِبَارَ لَا يَحْصُلُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ لِجَوَازِ أَنَّ الْأَوَّلَ، وَقَعَ اتِّفَاقًا، فَيُحْتَاجُ إلَى التَّكْرَارِ لِمَعْرِفَةِ الْعَادَةِ، وَفِي الثَّوْبِ إذَا لَبِسَهُ مَرَّةً لِمَعْرِفَةِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ،
-
ثُمَّ لَبِسَهُ ثَانِيًا يَسْقُطُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَكْرَارِ اللُّبْسِ فِي الثَّوْبِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِاللُّبْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
-
وَلَوْ حَمَلَ عَلَى الدَّابَّةِ عَلَفًا، فَهُوَ إجَازَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ حَمْلُ الْعَلَفِ عَلَى غَيْرِهَا،
-
وَلَوْ قَصَّ حَوَافِرَهَا أَوْ أَخَذَ مِنْ عُرْفِهَا شَيْئًا، فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ إذْ هُوَ مِنْ بَابِ إصْلَاحِ الدَّابَّةِ، فَيَمْلِكُهُ كُلُّ وَاحِدٍ، وَيَكُونُ مَأْذُونًا فِيهِ دَلَالَةً، كَمَا إذَا عَلَفَهَا أَوْ سَقَاهَا،
-
وَلَوْ وَدَجَهَا أَوْ بَزَغَهَا، فَهُوَ إجَازَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهَا بِالتَّنْقِيصِ،