كِتَابُ إرْخَاءِ السُّتُورِ
المدونةالمالكيةالمسائل ١٣٬١٥٧ إلى ١٣٬٨٦١
-
٢/٢٦٤٢/٢٦٤
قَالَ: يَلْزَمُ الْوَلَدَ النَّفَقَةُ عَلَى خَادِمٍ يَكُونُ لِأَبِيهِ إذَا كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا وَالْوَلَدُ مُوسِرًا، لِذَلِكَ فَأَرَى خَادِمَ امْرَأَتِهِ أَيْضًا يَلْزَمُ الْوَلَدَ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّ خَادِمَ امْرَأَةِ أَبِيهِ يَخْدُمُ الْأَبَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خَادِمٌ كَانَتْ الْخِدْمَةُ مِنْ النَّفَقَةِ الَّتِي تَلْزَمُهُ.
-
قُلْتُ: وَكُلُّ مَا أُنْفِقَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ إذَا أَيْسَرَ الْوَلَدَانِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَا أُنْفِقَ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ دَيْنًا عَلَيْهِمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ لَا يَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِمَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَلَدَ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْبَرُ وَالِدٌ عَلَى نَفَقَةِ وَلَدِهِ وَلَا وَلَدٌ عَلَى نَفَقَةِ وَالِدَيْنِ إذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْآبَاءِ خَادِمٌ وَمَسْكَنٌ، أَيُفْرَضُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْوَلَدِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ يُفْرَضُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَبِيهِ وَزَوْجَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَخَادِمُهُ تَدْخُلُ فِي نَفَقَةِ أَبِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلَدِ،
-
فَأَمَّا الدَّارُ فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى إنْ كَانَتْ دَارًا لَيْسَ فِيهَا فَضْلٌ فِي قِيمَتِهَا عَلَى مَسْكَنٍ بِعَيْنِهِ يَكُونُ فِي ثَمَنِ هَذِهِ الدَّارِ مَا يُبْتَاعُ فِيهِ مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ وَفَضْلَةٌ يَعِيشُ فِيهَا رَأَيْتُ أَنْ يُعْطِيَ نَفَقَتَهُ وَلَا يُبَاعَ؛
-
لِأَنَّ مَالِكًا، قَالَ لَنَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ دَارٌ لَيْسَ فِي ثَمَنِهَا فَضْلٌ عَنْ اشْتِرَاءِ مَسْكَنٍ يُغْنِيهِ أَنْ لَوْ بَاعَهَا فَابْتَاعَ غَيْرَهَا أُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ فَصَاحِبُ الدَّارِ فِي الزَّكَاةِ أَبْعَدُ مِنْ الزَّكَاةِ مِنْ الْوَالِدِ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَالِدَيْنِ إذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ وَالْوَلَدُ غَائِبٌ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ عَرَضٌ أَوْ قَرْضٌ، أَيُعَدِّيهَا عَلَى مَالِهِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى أَنْ يُفْرَضَ لَهُمَا نَفَقَتُهُمَا فِي ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ عَدِيمَةً لَا شَيْءَ لَهَا وَلِلْوَلَدِ أَمْوَالٌ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ أَوْ وُهِبَتْ لَهُمْ، أَيُفْرَضُ لِلْأُمِّ نَفَقَتُهَا فِي مَالِ الْوَلَدِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَأَلَ رَبِيعَةَ عَنْ الْوَلَدِ هَلْ يُمَوِّنُ أَبَاهُ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ وَهُوَ رَأْيٌ رَآهُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ
-
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ أَنَّ أَبَا بِشْرٍ الْمَدَنِيَّ قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ إذَا كَانَ قَاضِيًا فَرَضَ عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَةَ أَبِيهِ إنْ شَاءَ وَإِنْ أَبَى. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي غُلَامٍ وَرِثَ مِنْ أُمِّهِ أَوْ مِنْ أَبِيهِ مَالًا، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَصْلُحُ لِأُمِّهِ وَلَا لِأَبِيهِ أَنْ يَأْكُلَا مِنْ مَالِهِ مَا اسْتَغْنَيَا
-
٢/٢٦٥٢/٢٦٥
عَنْهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ الْأَبُ أَوْ الْأُمُّ فَتَضَعُ يَدَهَا مَعَ يَدِهِ، وَقَالَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ ابْن الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَأْخُذُ الِابْنُ وَلَا الِابْنَةُ مِنْ مَالِ أَبَوَيْهِمَا إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلَهُ.
-
نَفَقَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى وَلَدِهِ الْكَافِرِ
-
فِي نَفَقَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى وَلَدِهِ الْكَافِرِ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمَ الْأَبَوَانِ وَفِي حِجْرِهِمَا جَوَارِي أَوْلَادٍ لَهُمَا قَدْ حِضْنَ، فَاخْتَرْنَ الْكُفْرَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَيُجْبَرُ الْأَبُ عَلَى نَفَقَتِهِنَّ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَيُجْبَرُ الْكَافِرُ عَلَى نَفَقَةِ الْمُسْلِمِ، وَالْمُسْلِمُ عَلَى نَفَقَةِ الْكَافِرِ؟
-
قَالَ: إذَا كَانُوا آبَاءً وَأَوْلَادًا فَإِنَّا نُجْبِرُهُمْ.
-
قُلْتُ: أَتَحَفَّظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ - وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْأَبِ الْكَافِرِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَوْ الْأُمِّ وَلَهَا بَنُونَ مُسْلِمُونَ هَلْ يَلْزَمُ الْوَلَدَ نَفَقَةُ الْأَبَوَيْنِ وَهُمَا كَافِرَانِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ
-
نَفَقَةِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ الْأَصَاغِرِ وَلَيْسَتْ الْأُمُّ عِنْدَهُ
-
فِي نَفَقَةِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ الْأَصَاغِرِ وَلَيْسَتْ الْأُمُّ عِنْدَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ نَفَقَةَ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ الْأَصَاغِرِ، أَيُجْبَرُ الْأَبُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَى أُمِّهِمْ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ يَحِدُّ فِي هَذَا حَدًّا إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدُهَا أُعْطِيت نَفَقَةَ وَلَدِهَا إذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً مُصْلَحَةً بِوَلَدِهَا عِنْدَهَا وَتَأْخُذُ نَفَقَتَهُمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَعَاهَا إلَى أَنْ تَتَحَوَّلَ مَعَهُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَهِيَ عِنْدَهُ غَيْرَ مُطَلَّقَةٍ،
-
وَمِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ، فَأَبَتْ، أَيَكُونُ لَهَا عَلَيْهِ النَّفَقَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ وَتَخْرُجُ مَعَهُ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ فَقَالَتْ لَا أَتْبَعُكَ حَتَّى تُعْطِيَ مَهْرِي؟
-
قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا خَرَجَ بِهَا عَلَى مَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ وَتُتْبِعُهُ بِمَهْرِهَا دَيْنًا وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ أَجْلِ دَيْنِهَا
-
فِيمَنْ تَلْزَمُ النَّفَقَةُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ فِيمَنْ تَلْزَمُنِي نَفَقَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: الْوَلَدُ وَلَدُ الصُّلْبِ دُنْيَةً تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فِي الذُّكُورِ حَتَّى يَحْتَلِمُوا،
-
فَإِذَا احْتَلَمُوا لَمْ تَلْزَمْ نَفَقَتُهُمْ، وَالنِّسَاءِ حَتَّى يَتَزَوَّجْنَ وَيَدْخُلَ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ،
-
فَإِذَا دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ،
-
فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى أَبِيهَا.
-
قُلْتُ: فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ؟
-
قَالَ: فَهِيَ عَلَى نَفَقَتِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَبِ حَتَّى يُدْخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا فِي يَدِ الْأَبِ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَأَلَ رَبِيعَةَ عَنْ الْوَالِدِ هَلْ يَضْمَنُ مُؤْنَةَ وَلَدِهِ
-
٢/٢٦٦٢/٢٦٦
وَإِلَى مَتَى يَضْمَنُهُمْ؟ قَالَ: يَضْمَنُ نَفَقَةَ ابْنِهِ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَابْنَتِهِ حَتَّى تُنْكَحَ. قُلْتُ: فَوَلَدُ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لَا نَفَقَةَ لَهُمْ عَلَى جَدِّهِمْ
-
وَكَذَلِكَ لَا تَلْزَمُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى جَدِّهِمْ وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ النَّفَقَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَتَلْزَمُ النَّفَقَةُ عَلَى أَبَوَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ،
-
وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ زَوْجُهَا كَذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ وَالزَّوْجُ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَخَادِمٍ وَاحِدَةٍ لِامْرَأَتِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ نَفَقَةِ خَدَمِهَا أَكْثَرُ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ وَلَا يَلْزَمُ نَفَقَةُ أَخٍ وَلَا أُخْتٍ وَلَا ذِي قَرَابَةٍ وَلَا ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ لَا يُضَارَّ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَارِيَةَ الَّتِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْ خَادِمٍ لِلْخِدْمَةِ، وَعِنْدَهَا خَادِمٌ قَدْ وَرِثَتْهَا مِنْ أُمِّهَا أَيَلْزَمُ الْأَبَ نَفَقَةُ خَادِمِهَا وَهِيَ بِكْرٌ فِي حِجْرِ أَبِيهَا؟ فَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَلْزَمَ الْأَبَ نَفَقَةُ خَادِمِهَا وَيَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا فِي نَفْسِهَا.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ رَأْيِي وَيُقَالُ لِلْأَبِ إمَّا أَنْفَقْتُ عَلَى الْخَادِمِ وَإِمَّا بِعْتَهَا،
-
وَلَا يُتْرَكُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَقَالَ رَبِيعَةُ فِي امْرَأَةٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ فَأَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ وَتَرْمِي بِهِ عَلَى عَمِّهِ أَوْ وَصِيِّ أَبِيهِ وَلَيْسَ لِلْغُلَامِ مَالٌ، قَالَ: فَقَالَ رَبِيعَةُ يَكُونُ ذَلِكَ لَهَا وَوَلَدُهَا مِنْ أَيْتَامِ الْمُسْلِمِينَ يَحْمِلُهُ مَا يَحْمِلُهُمْ وَيَسَعُهُ مَا يَسَعُهُمْ وَأُولِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنْ الْأُمِّ بِالْوَلَدِ إلَّا أَنْ تُحِبَّ الْأُمُّ الْحَضَانَةَ، فَيَقْضِي لَهَا بِحَضَانَةِ وَلَدِهَا؛
-
لِأَنَّ حِجْرَهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ حِجْرِ غَيْرِهَا،
-
وَلَا يَضْمَنُ أَحَدٌ نَفَقَةَ الْيَتِيمِ إلَّا أَنْ يُتَطَوَّلَ مُتَطَوِّلٌ فَيَصِلَ مَا بَدَا لَهُ إلَّا مَا قَسَّمَ اللَّهُ لِأَيْتَامِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْحَقِّ فِي الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ.
-
قَالَ: وَقَالَ رَبِيعَةُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} ، قَالَ الْوَارِثُ الْوَلِيُّ لِلْيَتِيمِ وَلِمَالِهِ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ، يَقُولُ فِي صُحْبَةِ الْوَالِدَةِ: {لَا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} يَقُولُ: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} يَقُولُ فِيمَا وَلِيَ الْوَلِيُّ إنْ أَقَرَّهُ عِنْدَ أُمِّهِ أَقَرَّهُ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا وَلِيَ مِنْ الْيَتِيمِ وَمَالِهِ وَإِنْ تَعَاسَرَا وَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ يَسْتَرْضِعُهُ، حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوَلِيِّ فِي مَالِهِ شَيْءٌ مَفْرُوضٌ إلَّا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} إنَّهَا تَطْلُقُ أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا فَقَالَ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} يَقُولُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُلْقِيَ وَلَدَهَا عَلَيْهِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يَرْضِعُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَارَّهَا فَيَنْزِعُ مِنْهَا وَلَدَهَا وَهِيَ تُحِبُّ أَنْ تُرْضِعَهُ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَهُوَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ
-
مَا جَاءَ فِي الْحَكَمَيْنِ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَكَمَيْنِ إذَا حُكِّمَا مَنْ هُمَا وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَكَمَيْنِ الْمَرْأَةُ
-
٢/٢٦٧٢/٢٦٧
وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالرَّجُلُ الْمَحْدُودُ وَمَنْ هُوَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْحُكَّامِ، فَالصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ وَمَنْ هُوَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ أَبْعَدُ أَنْ لَا يَجُوزَ تَحَكُّمُهُمْ إلَّا بِالرِّضَا مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَإِلَّا بِالْبَعْثَةِ مِنْ السُّلْطَانِ
-
قُلْتُ: فَالْحَكَمَانِ هَلْ يَكُونَانِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَرْأَةِ وَأَهْلِ الرَّجُلِ؟ وَكَيْفَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَهْلٌ؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَا لَهُمَا أَهْلٌ وَكَانُوا - إلَّا مَوْضِعٌ فِيهِمْ لِأَبِيهِمْ - لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْعَدْلِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْحَكَمَانِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا فُتِحَ مَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ حَتَّى لَا يُثْبِتَهُ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ وَلَا يُسْتَطَاعَ أَنْ يُتَخَلَّصَ إلَى أَمْرِهِمَا،
-
فَإِذَا بَلَغَا ذَلِكَ بَعَثَ الْوَالِي رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا وَرَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ عَدْلَيْنِ فَنَظَرَا فِي أَمْرِهِمَا وَاجْتَهَدَا،
-
فَإِنْ اسْتَطَاعَا الصُّلْحَ أَصْلَحَا بَيْنَهُمَا وَإِلَّا فَرَّقَا بَيْنَهُمَا،
-
ثُمَّ يَجُوزُ فِرَاقُهُمَا دُونَ الْإِمَامِ،
-
وَإِنْ رَأَيَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهَا حَتَّى يَكُونَ خُلْعًا فَعَلَا، قَالَ:
-
فَإِذَا كَانَ فِي الْأَهْلِ مَوْضِعٌ كَانُوا هُمْ أَوْلَى لِعِلْمِهِمْ بِالْأَمْرِ وَتَعَنِّيهِمْ بِهِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَزِدْهُمْ قَرَابَتُهُمْ مِنْهُمْ إذَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ الْحَالِ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ مِنْ النَّظَرِ وَالْعَدَالَةِ إلَّا قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ وَعِلْمًا بِهِ.
-
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَهْلِ أَحَدٌ يُوصَفُ بِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّحْكِيمَ أَوْ كَانَا مِمَّنْ لَا أَهْلَ لَهُمَا فَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ الَّذِي هُوَ عَدْلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
-
قُلْتُ: فَالْأَهْلُونَ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ هَلْ يَحْكُمُ وَهَلْ يَكُونُ الْأَهْلُونَ فِي وُلَاةِ الْعَصَبَةِ أَوْ وُلَاةِ الْمَالِ أَوْ وَالِي الْيَتِيمِ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ عَصَبَةٍ أَوْ وَالِي الْيَتِيمَةِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَهَلْ يَكُونُ إلَى غَيْرِ مَنْ يَلِي نَفْسَهُ مِنْ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ، أَوْ هَلْ يَكُونُ لِأَحَدٍ مَعَ الَّذِي يَلِي نَفْسَهُ مِنْ الْأَزْوَاجِ شِرْكٌ؟
-
فَقَالَ: لَا شِرْكَ لِلَّذَيْنِ أَمْرُهُمَا إلَيْهِمَا مِنْ أَحَدٍ فِي أَمْرِهِمَا إلَّا شِرْكَ الْمَشُورَةِ الَّتِي الْمَرْءُ فِيهَا مُخَيَّرٌ فِي قَبُولِهَا وَرَدِّهَا،
-
فَأَمَّا شِرْكٌ يَمْنَعُ بِهِ صَاحِبُهُ شَيْئًا أَوْ يُعْطِيه شَيْئًا، قَالَ:
-
فَلَا، وَكَذَلِكَ الْأَمْوَالُ مَنْ يَلِي الْيَتَامَى مِنْ الرِّجَالِ وَالْمَرْأَةِ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا إلَيْهِمْ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْمُخَالَعَةِ. قُلْتُ:
-
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَلِي نَفْسَهُ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ الْوُلَاةِ الَّذِينَ يَجُوزُ أُمُورُهُمْ عَلَى مَنْ يَلُوا جَعَلُوا ذَلِكَ إلَى مَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَكَمًا؟
-
قَالَ: لَا يَجُوزُ.
-
قُلْتُ: وَلِمَ وَإِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ وُلَاةُ الْأَمْرِ أَوْ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ الْمَالِكِينَ لِأَمْرِهِمَا؟
-
قَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي إذَا حَكَمَ غَيْرُ أَهْلِ الْحُكُومَةِ وَالرَّأْيِ، مَنْ وَصَفْتُ لَكَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ كَانَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِصْلَاحِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْحَكَمَيْنِ، وَإِرَادَةُ وُلَاةِ الْعِلْمِ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ وَزَوْجِهَا،
-
وَأَنَّ ذَلِكَ يَأْتِي بِخَاطِرِ أَمْنِهَا بِمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْغَرَرُ.
-
قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، هَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْحَكَمَيْنِ لَهُمَا جَمِيعًا؟
-
قَالَ: نَعَمْ، إنَّمَا هِيَ مِنْ أُمُورِهِمَا الَّتِي لَوْ أَخَذَهَا دُونَ مَنْ يَحْكُمُ فِيهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُمَا جَمِيعًا، فَكَذَلِكَ هِيَ
-
٢/٢٦٨٢/٢٦٨
إلَى مَنْ جَعَلَاهَا إلَيْهِ إذَا كَانَ يَسْتَأْهِلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُجْعَلُ ذَلِكَ إلَيْهِ لَيْسَ بِنَصْرَانِيٍّ وَلَا بِعَبْدٍ وَلَا صَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا سَفِيهٍ فَهَؤُلَاءِ لَا يَجُوزُ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَكَيْفَ وَاحِدٌ؟
-
قُلْتُ فَلَوْ أَنَّ بَعْضَ مَنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَيْهِ جُعِلَ عَنْ مَلَأٍ مِنْهُمَا وَرَضِيَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، هَلْ يَمْضِي ذَلِكَ أَوْ يَكُونُ مَرْدُودًا قَالَ: إذًا لَا يَمْضِي وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْحُكْمِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ - تَمْلِيكَ الطَّلَاقِ - وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ دُخُولُ الزَّوْجَةِ فِيهِ بِتَحْكِيمِهَا وَلَا مَدْخَلَ لِلزَّوْجِ فِي تَمْلِيكِ الطَّلَاقِ.
-
قُلْتُ: فَلَوْ قَضَى الْحَكَمَانِ بِغُرْمٍ عَلَى الزَّوْجِ مَعَ الْفُرْقَةِ أَوْ عَلَى الْمَرْأَةِ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بِغَيْرِ التَّخْلِيصِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالزَّوْجِ فِي تَحْكِيمِهِمَا حِينَ يَحْكُمَانِ؟
-
قَالَ: إذَا حَكَّمَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ الْحَكَمَيْنِ فِي الْفُرْقَةِ وَالْإِمْسَاكِ فَقَدْ حَكَّمَاهُمَا فِيمَا يَصْلُحُ ذَلِكَ بِوَجْهِ السَّدَادِ مِنْهُمَا وَالِاجْتِهَادِ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ رَأَيَا أَنْ يَأْخُذَا مِنْ الْمَرْأَةِ وَيُغَرِّمَاهَا مِمَّا هُوَ مُصْلِحٌ لَهَا وَمُخْرِجُهَا مِنْ مِلْكِ مَنْ أَضَرَّ بِهَا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَا مِنْ الزَّوْجِ شَيْئًا وَيُطَلِّقَاهَا عَلَيْهِ.
-
قُلْتُ: فَهَلْ يَكُونُ لَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا مِنْ الْفِرَاقِ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُخْرِجَانِهَا مِنْ يَدِهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ إذَا أَخْرَجَاهَا بِوَاحِدَةٍ تَكُونُ لَهُ فِيهَا رَجْعَةٌ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ لَهُمَا أَنْ يُخْرِجَاهَا مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ لَا رَجْعَةَ لَهُ فِيهَا حَكَمَا عَلَيْهِمَا فِيهِ بِمَالٍ أَوْ لَمْ يَحْكُمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا فَوْقَ وَاحِدَةٍ خَطَأٌ وَلَيْسَ بِالصَّوَابِ وَلَيْسَ بِمُصْلِحٍ لَهُمَا أَمْرًا وَالْحَكَمَانِ إنَّمَا يَدْخُلَانِ مِنْ أَمْرِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُمَا وَلَهُ جَعْلًا.
-
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فَطَلَّقَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُطَلِّقْ الْآخَرُ؟
-
قَالَ: إذًا لَا يَكُونُ ذَلِكَ هُنَاكَ فِرَاقٌ؛ لِأَنَّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا إلَى صَاحِبِهِ بِاجْتِمَاعِهَا عَلَيْهِ.
-
قُلْتُ: فَلَوْ أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا بِغُرْمٍ تَغْرَمُهُ الْمَرْأَةُ وَأَخْرُجهَا الْآخَرُ بِغَيْرِ غُرْمٍ؟
-
قَالَ: إذًا لَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمَا اجْتِمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا بِغَيْرِ اجْتِمَاعِهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الَّذِي لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ،
-
فَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تَمْضِيَ لَهُ مِنْ الْمَالِ طَوْعًا مِنْهَا لَا بِحُكْمِهِمَا مَا سَمَّى عَلَيْهَا أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ فَقَدْ اجْتَمَعَا إذَا أَمْضَتْ الْمَالَ لِلزَّوْجِ عَلَى الطَّلَاقِ لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْفُرْقَةِ إذَا أَبَتْ إعْطَاءَ الْمَالِ، إنَّمَا هُوَ تَبَعٌ فِي رَدِّ ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ بِأَنْ يَقُولَ لَمْ يَجْتَمِعَا لِي عَلَى الْمَالِ فَيَلْزَمُهَا لِي، وَلَمْ يَصِلْ إلَى مَا حَكَمَ بِهِ مِنْهُ أَحَدُكُمَا فَتَنْقَطِعُ مَقَالَتِي،
-
فَإِذَا أَمْضَتْ هِيَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِمَّا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ مِمَّا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ الْفِرَاقُ، فَقَدْ سَقَطَ مَقَالُ الزَّوْجِ إذَا قَبَضَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ بِطَوْعِهَا.
-
قُلْتُ: فَلَوْ حَكَمَ وَاحِدٌ بِوَاحِدَةٍ وَحَكَمَ الْآخَرُ بِاثْنَتَيْنِ؟
-
قَالَ: إذًا يَكُونَانِ مُجْتَمَعِينَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْوَاحِدَةِ.
-
قُلْتُ: فَلَوْ طَلَّقَ وَاحِدٌ اثْنَتَيْنِ وَالْآخَرُ ثَلَاثًا؟
-
قَالَ: قَدْ اجْتَمَعَا عَلَى الْوَاحِدَةِ فَمَا زَادَ فَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُمَا
-
٢/٢٦٩٢/٢٦٩
لَمْ يُدْخِلَا بِمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ أَمْرًا يُدْخِلَانِ بِهِ صَلَاحًا لِلْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا إلَّا وَالْوَاحِدَةُ تُجَزِّئُ مِنْ ذَلِكَ،
-
وَكَذَا لَوْ حَكَمَ وَاحِدٌ بِوَاحِدَةٍ وَالْآخَرُ بِالْبَتَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا مُجْتَمَعَانِ عَلَى الْوَاحِدَةِ، وَانْظُرْ كُلَّمَا حَكَمَ بِهِ أَحَدُهُمَا هُوَ الْأَكْثَرُ مِمَّا حَكَمَ بِهِ صَاحِبُهُ عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ اجْتَمَعَا مِنْهُ عَلَى مَا اصْطَلَحَا مِمَّا هُوَ صَلَاحٌ لِلْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنْ الطَّلَاقِ بَاطِلٌ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ حَكَمَا جَمِيعًا وَاجْتَمَعَا عَلَى اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ؟
-
قَالَ: هُوَ كَمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُمَا لَا يُدْخِلَانِ بِمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ لَهُمَا صَلَاحًا، بَلْ قَدْ أَدْخَلَا مَضَرَّةً وَقَدْ اجْتَمَعَا عَلَى الْوَاحِدَةِ فَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ إلَّا وَاحِدَةٌ
-
قُلْتُ: فَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَمْ يُدْخَلْ بِهَا هَلْ يَجْرِي أَمْرُهَا مَعَ الْحَكَمَيْنِ مَجْرَى الْمَدْخُولِ بِهَا وَكَيْفَ يَكُونُ أَمْرُهُمَا فِي الصَّدَاقِ إنْ كَانَ قَدْ وَصَلَ إلَيْهَا أَوْ لَمْ يَصِلْ إنْ رَأَى الْحَكَمَانِ أَنْ يُبْطِلَا مَا لَهُمَا مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ إذَا طَلَّقَاهَا وَقَدْ كَانَ أَوْصَلَ الصَّدَاقَ إلَيْهِمَا، أَوْ حَكَمَا عَلَيْهَا بِرَدِّ الصَّدَاقِ كُلِّهِ إلَيْهِ أَوْ بِزِيَادَةٍ؟
-
قَالَ: يَجْرِي مَجْرَى الْمَدْخُولِ بِهَا، قَالَ: وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُبْطِلَا مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا لَا يَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ لِلْمَدْخُولِ بِهَا وَيُطَلِّقَانِهَا عَلَيْهِ؟ ،
-
وَإِنْ حَكَمَا عَلَيْهِ بِرَدِّ الصَّدَاقِ كُلِّهِ فَهُوَ جَائِزٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَإِنْ رَأَيَا أَنْ يَأْخُذَا مِنْهَا وَيَكُونُ خُلْعًا فِعْلًا.
-
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا حِينَ حَكَمَا: بَرِئَتْ مِنْكَ، وَقَالَ الْآخَرُ هِيَ خَلِيَّةٌ؟ فَقَالَ: الْمَدْخُولُ بِهَا فَكَأَنَّهُمَا قَالَا أَلْبَتَّةَ أَوْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ - الِاسْمَيْنِ وَإِنْ اخْتَلَفَا ثَلَاثٌ - وَهُمَا إذَا حَكَمَا بِثَلَاثٍ كَانَتْ وَاحِدَةً لِمَا أَعْلَمْتُكَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ وَلَا لِلزَّوْجَةِ صَلَاحٌ فِي أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ أَكْثَرَ مِمَّا يُخْرِجَانِهِ مِنْ يَدِهِ، لِقَوْلِ مَالِكٍ: فَمَا زَادَ فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنَّهُمَا أَدْخَلَا مَضَرَّةً مِمَّا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ، وَالْوَاحِدَةُ بَيْنَهُمَا، قَالَ مَالِكٌ:
-
وَأَمَّا الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ تُخْلِيهَا وَتَبِينُ بِهَا وَإِنْ هُمَا نَوَيَا بِذَلِكَ أَلْبَتَّةَ فَهِيَ أَيْضًا وَاحِدَةٌ، أَوَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ الْعَبْدِ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهَا؛
-
لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ تَبِينُ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُدْخِلَ مَضَرَّةً إذَا كَانَتْ الْوَاحِدَةُ تَمْلِكُ نَفْسَهَا دُونَهُ، وَإِنَّهُ حَلَّ قَوْلَهُ الَّذِي كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُوَطَّأٌ فِي كُتُبِهِ.
-
قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ يَتَبَارَآنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُؤَدٍّ لِحَقِّ صَاحِبِهِ، قَالَ: هُوَ جَائِزٌ مَا لَمْ تَكُنْ الْمُبَارَأَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى إضْرَارٍ مِنْ الزَّوْجِ بِهَا، وَقَدْ كَانَ لَوْ أَعْطَتْهُ مَالَهَا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهَا كَانَ لَهُ سَائِغًا،
-
فَإِذَا أَخَذَتْ بِذَلِكَ نَفْسَهَا فَذَلِكَ أَجْوَزُ مَا كَانَ، وَإِنَّمَا كَانَ مَا قِيلَ لِيُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِي حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ إذَا بُعِثَا إلَى الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ،
-
فَإِنْ رَأَيَا مَظْلَمَةً جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهِ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى الظُّلْمِ وَعَلَى صُحْبَتِهَا بِالْمُنْكَرِ،
-
وَإِنْ رَأَيَا الْمَيْلَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ وَالْعَدَاءَ فِي صُحْبَتِهَا أَمَرَا زَوْجَهَا فَشَدَّ يَدَهُ بِهَا وَأَجَازَ قَوْلَهُ عَلَيْهَا وَائْتَمَنَّاهُ عَلَى
-
٢/٢٧٠٢/٢٧٠
غَيْبِهَا، وَإِنْ وَجَدَاهُمَا كِلَاهُمَا مُنْكِرًا لِحَقِّ صَاحِبِهِ يُسِيءُ الدَّعَةَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ مِنْ صُحْبَتِهِ، فَرَّقَا بَيْنَهُمَا عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْ بَعْضِ مَا كَانَ أَصْدَقُهَا يُعْطِيَانِهِ إيَّاهُ وَإِنْ كَرِهَتْ، وَلَكِنَّهُ يُقَالُ لَا يُؤْتَمَنُ أَحَدُكُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَلَيْسَ تُعْطَى أَيُّهَا الزَّوْجُ الصَّدَاقَ وَقِبَلَكَ نَاحِيَةٌ مِنْ الظُّلْمِ وَقَدْ اسْتَمْتَعَتْ بِهَا، وَلَيْسَ لَكِ يَا امْرَأَةُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَكِ وَبَيْنَهُ فَتَذْهَبِينَ بِنَفْسِكِ وَمَالِهِ وَعِنْدَكِ مِنْ الظُّلْمِ مِثْلُ الَّذِي عِنْدَهُ، فَيَعْمَلُ الْحَكَمَانِ فِي الْفِدَاءِ بِرَأْيِهِمَا وَمُشَاوَرَتِهِمَا، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
-
{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} فَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا فِي الْمَظْلَمَة وَحَكَمَ بِذَلِكَ الْحَكَمَانِ.
-
قَالَ رَبِيعَةُ: فَأَمَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ ظَالِمٍ، فَكُلُّ مَا أَخَذَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَهُوَ حَلَالٌ إنْ كَانَتْ مُحْسِنَةً أَوْ مُسِيئَةً، قَالَ رَبِيعَةُ: وَلَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُبْعَثَا إلَّا بِسُلْطَانٍ، وَمَا قَضَى بِهِ الْحَكَمَانِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي فِرَاقٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ مَالٍ وَقَالَ رَبِيعَةُ:
-
وَلَا يَحْرُمُ نِكَاحُهَا وَإِنْ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا الْحَكَمَانِ.
-
فَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَبْعَثُ الْحَكَمَيْنِ إلَّا السُّلْطَانُ، فَكَيْفَ يُجَازُ بِحُكْمِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَسْخُوطِ؟ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إنْ أَرَادَا بَعْدَ أَنْ يَبْعَثَ الْحَكَمَيْنِ الْخُلْعَ فَتَقَاضَيَا عَلَيْهِ دُونَ الْحَكَمَيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا أَتَى ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ رَبِيعَةُ وَقَدْ بَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَحْكُمَانِ بَيْنَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَكَانَ قَدْ تَفَاقَمَ الَّذِي بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا اقْتَرَبَا مِنْ مَسْكَنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إذَا رَائِحَةُ طِيبٍ وَهُدُوءٌ مِنْ الصَّوْتِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: ارْجِعْ بِنَّا فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَا قَدْ اصْطَلَحَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَفَلَا تَمْضِي فَتَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمَا فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: فَتَفْعَلُ مَاذَا؟
-
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَئِنْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَرَأَيْتُ الَّذِي أَخَافُ عَلَيْهِمَا مِنْهُمَا لَأَحْكُمَنَّ عَلَيْهِمَا بِالْخُلْعِ،
-
ثُمَّ لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا، قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ: {حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَهُمَا وَأَنْ يَجْمَعَا، قَالَ مَالِكٌ: وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَمْرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَيْهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ