فَصْلٌ
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 13494 to 13516
-
4/3754/375
(وَإِذَا أَرَادَتْ الْمُطَلَّقَةُ أَنْ تَخْرُجَ بِوَلَدِهَا مِنْ الْمِصْرِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْأَبِ (إلَّا أَنْ تَخْرُجَ بِهِ إلَى وَطَنِهَا وَقَدْ كَانَ الزَّوْجُ تَزَوَّجَهَا فِيهِ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمَقَامَ فِيهِ عُرْفًا وَشَرْعًا، قَالَ عليه الصلاة والسلام «مَنْ تَأَهَّلَ
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ بَيَّنَ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْإِخْرَاجِ إلَى الْقُرَى وَغَيْرِهِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ (وَإِذَا أَرَادَتْ الْمُطَلَّقَةُ) بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمِصْرِ) فَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ تَخْرُجَ إلَى وَطَنِهَا وَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ،
-
وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَا لَيْسَ وَطَنَهَا وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ الْعَقْدُ،
-
وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ إلَى وَطَنِهَا وَلَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ فِيهِ،
-
وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ إلَى غَيْرِ وَطَنِهَا وَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ. فَهِيَ الْأَقْسَامُ الْعَقْلِيَّةُ،
-
فَإِنْ اتَّفَقَ أَمْرَانِ جَمِيعًا بِأَنْ تَخْرُجَ إلَى وَطَنِهَا وَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمُقَامَ فِيهِ عُرْفًا وَشَرْعًا) دَلِيلُ الْمُسْتَثْنَى. وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا
-
4/3764/376
بِبَلْدَةٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» وَلِهَذَا يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ بِهِ ذِمِّيًّا،
-
وَإِنْ أَرَادَتْ الْخُرُوجَ إلَى مِصْرٍ غَيْرِ وَطَنِهَا وَقَدْ كَانَ التَّزَوُّجُ فِيهِ أَشَارَ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَهَذَا رِوَايَةُ كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى وُجِدَ فِي مَكَان يُوجِبُ أَحْكَامَهُ فِيهِ كَمَا يُوجِبُ الْبَيْعُ التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ،
-
وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ حَقُّ إمْسَاكِ الْأَوْلَادِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّزَوُّجَ فِي دَارِ الْغُرْبَةِ لَيْسَ
-
يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ) أَيْ الشَّخْصُ الْحَرْبِيُّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (بِهِ) أَيْ بِالتَّزَوُّجِ فِي بَلْدَةٍ (ذِمِّيًّا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا وَقَعَ غَلَطًا لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ وَذَكَرَ أَيْضًا فِي سِيَرِ سَائِرِ الْكُتُبِ: إذَا تَزَوَّجَ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيَّةً لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَيَرْجِعَ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْتِزَامِ الْمُقَامِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ بِالتَّزَوُّجِ فِي بَلَدٍ الْتَزَمَ الْمُقَامَ، وَبِالْتِزَامِ الْمُقَامِ يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا،
-
وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ بِالتَّزَوُّجِ فِي بَلَدٍ يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا فَعَادَ الْمَحْظُورُ،
-
وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ يَنْقَطِعُ الْكَلَامُ عَمَّا قَبْلَهُ وَلَا يَبْقَى لَهُ اتِّصَالٌ فِي مَحَلِّ الْبَحْثِ فَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمِثْلِ الْمُصَنِّفِ وَغَيَّرَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ الْحَرْبِيِّ إلَى الْحَرْبِيَّةِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا حَاجَةَ إلَى تَغْيِيرِ اللَّفْظِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَرْبِيُّ صِفَةً لِشَخْصٍ كَمَا قَدَّرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ، وَحِينَئِذٍ يُرَادُ بِهِ الْحَرْبِيَّةُ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ وَبِهَذَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ غَلَطًا إلَى كَوْنِهِ مُلْبِسًا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فَجَعَلَ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا وَجْهَ الْقِيَاسِ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ فِي بَلَدٍ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْتِزَامِ الْمُقَامِ فِيهِ شَرْعًا وَعُرْفًا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَمْنُوعَةً عَنْ الْخُرُوجِ عَنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَمَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ وَإِنْ صَلَحَ دَلِيلًا عَلَى الْتِزَامِ الْمُقَامِ كَتَزَوُّجِ الْحَرْبِيَّةِ
-
4/3774/377
الْتِزَامًا لِلْمُكْثِ فِيهِ عُرْفًا، وَهَذَا أَصَحُّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا: الْوَطَنُ وَوُجُودُ النِّكَاحِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ تَفَاوُتٌ، أَمَّا إذَا تَقَارَبَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ لِلْوَالِدِ أَنْ يُطَالِعَ وَلَدَهُ وَيَبِيتَ فِي بَيْتِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ،
-
وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْقَرْيَتَيْنِ،
-
وَلَوْ انْتَقَلَتْ مِنْ قَرْيَةِ الْمِصْرِ إلَى الْمِصْرِ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ حَيْثُ يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ بِالْأَبِ، وَفِي عَكْسِهِ ضَرَرٌ بِالصَّغِيرِ لِتَخَلُّقِهِ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ السَّوَادِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.
-
لِلذِّمِّيِّ إلَّا أَنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ الْمُوجِبَ لِلذُّلِّ وَالصَّغَارِ مَانِعٌ. وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ غَيْرُ مَنْقُولٍ عَنْ السَّلَفِ فَلَا يَصِحُّ بِنَاءُ الْجَوَابِ عَلَى ذَلِكَ.
-
وَأَجَابَ شَيْخُ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِأَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ مَعْنَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ لَا وَجْهَ إلَى الْمَنْعِ مِنْ إطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا. وَأَقُولُ: إنْ ثَبَتَ فِي حَرْبِيٍّ يَتَزَوَّجُ فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصِيرَ بِهِ ذِمِّيًّا رِوَايَتَانِ صَحَّ اسْتِخْرَاجُ وَجْهِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَإِلَّا فَلَا.
-
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ يُرِيدُ بِهِ الْقُدُورِيَّ وَوَجْهُ كُلٍّ مِمَّا فِي الْقُدُورِيِّ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ،
-
وَأَمَّا فِي عَكْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ أَنْ تَخْرُجَ إلَى وَطَنِهَا وَلَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ بِالْأَوْلَادِ إلَيْهَا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ.
-
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْآخَرُ وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ وَطَنَهَا وَلَا وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ فَقَدْ اقْتَصَرَ عَنْ ذِكْرِهِ لِظُهُورِهِ مِنْ الْأَقْسَامِ الْبَاقِيَةِ (قَوْلُهُ وَالْحَاصِلُ) ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بَعْدَ وُجُودِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ: لَا بُدَّ مِنْ وَصْفٍ آخَرَ هُوَ شَرْطٌ فِيهِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ كَانَتْ وَطَنَهَا وَوَقَعَ الْعَقْدُ فِيهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّةَ بِالتَّزَوُّجِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ تَصِيرُ ذِمِّيَّةً فَأَنَّى يَتَسَنَّى لَهَا الِانْتِقَالُ إلَيْهَا.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَهُ مُسْلِمٌ عَقَدَ عَلَى مُسْلِمَةٍ فِي وَطَنِهَا دَارِ الْحَرْبِ فَخَرَجَا إلَيْنَا وَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَأَرَادَتْ الْخُرُوجَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِوَلَدِهَا لَمْ تُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ.