كِتَابُ الْهِبَةِ
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 29689 to 29868
-
9/199/19
الْهِبَةُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» وَعَلَى ذَلِكَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ (وَتَصِحُّ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ) أَمَّا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَلِأَنَّهُ عَقْدٌ، وَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ، وَالْقَبْضُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِثُبُوتِ الْمَلِكِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ اعْتِبَارًا
-
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ وَفِي الشَّرِيعَةِ تَمْلِيكُ الْمَالِ بِلَا عِوَضٍ (وَهُوَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» وَعَلَى هَذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ. وَتَصِحُّ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ) وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ الْعَاقِدَيْنِ، أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْوَاهِبِ فَلِأَنَّ الْإِيجَابَ كَافٍ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ عَلَى أَنَّهُ يَهَبُ عَبْدَهُ لِفُلَانٍ فَوَهَبَ وَلَمْ يَقْبَلْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ بِالْقَبُولِ بِدُونِ الْقَبْضِ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ (وَقَالَ مَالِكٌ: يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ اعْتِبَارًا
-
9/209/20
بِالْبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّدَقَةُ. وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً» وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْمِلْكِ،
-
بِالْبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّدَقَةُ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً» أَيْ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْهِبَةِ وَهُوَ الْمِلْكُ
-
9/219/21
لِأَنَّ الْجَوَازَ بِدُونِهِ ثَابِتٌ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، وَفِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقَبْضِ إلْزَامُ الْمُتَبَرِّعِ شَيْئًا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ، وَهُوَ التَّسْلِيمُ فَلَا يَصِحُّ،
-
بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا إلْزَامَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ اللُّزُومِ، وَحَقُّ الْوَارِثِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَلَمْ يَمْلِكْهَا.
-
قَالَ: (فَإِنْ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَاهِبِ جَازَ) اسْتِحْسَانًا (وَإِنْ قَبَضَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْوَاهِبُ فِي الْقَبْضِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْوَاهِبِ، إذْ مِلْكُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَاقٍ فَلَا يَصِحُّ
-
إذْ الْجَوَازُ ثَابِتٌ قَبْلَ الْقَبْضِ) بِالِاتِّفَاقِ (وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ) وَعَقْدُ التَّبَرُّعِ لَمْ يَلْزَمْ بِهِ شَيْءٌ لَمْ يُتَبَرَّعْ بِهِ (وَفِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقَبْضِ ذَلِكَ إذْ فِيهِ الْتِزَامُ التَّسْلِيمِ) . وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُتَبَرِّعَ بِالشَّيْءِ قَدْ يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ إذَا كَانَ مِنْ تَمَامِهِ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِهِ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ مُحْدِثٌ لَزِمَهُ الْوُضُوءُ،
-
وَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُغَالَطَةٌ، فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الشَّيْءُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَاجِبًا كَمَا ذَكَرْت مِنْ الصُّوَرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالنَّذْرِ أَوْ الشُّرُوعِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَالْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، فَإِنَّهُ لَوْ وَهَبَ وَسَلَّمَ جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ فَكَيْفَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا يَجِبُ مَا يَتِمُّ بِهِ
-
(بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ) فَإِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِهَا بِدُونِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ لَا إلْزَامَ ثُمَّ زِيَادَةً عَلَى مَا تَبَرَّعَ، وَذَلِكَ (لِأَنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَحِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِلْزَامُ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ اللُّزُومِ) وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ الْإِيضَاحِ.
-
وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَلِأَنَّ هَذَا عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ كَالْوَصِيَّةِ، أَلْحَقَ الْهِبَةَ بِالْوَصِيَّةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَمَّا كَانَ تَبَرُّعًا كَانَ ضَعِيفًا فِي نَفْسِهِ غَيْرَ لَازِمٍ، وَالْمِلْكُ الثَّابِتُ لِلْوَاهِبِ كَانَ قَوِيًّا فَلَا يَزُولُ بِالسَّبَبِ الضَّعِيفِ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ مَا يَتَأَيَّدُ بِهِ، وَهُوَ فِي الْهِبَةِ التَّسْلِيمُ وَفِي الْوَصِيَّةِ مَوْتُ الْمُوصِي لِكَوْنِ الْمَوْتِ يُنَافِي الْمَالِكِيَّةَ فَصَحَّ الْإِلْحَاقُ (قَوْلُهُ وَحَقُّ الْوَارِثِ مُتَأَخِّرٌ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْوَارِثُ يَخْلُفُ الْمُوصِيَ فِي مِلْكِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَوَقَّفَ مِلْكُ الْمُوصَى لَهُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَارِثِ إلَيْهِ.
-
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً لَهُ فِيهَا لِيُقَامَ مَقَامَ الْمَيِّتِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِتَسْلِيمِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَلَا قَامَ مَقَامَ الْمَالِكِ فِيهَا
-
(فَإِنْ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَاهِبِ جَازَ اسْتِحْسَانًا،
-
وَإِنْ قَبَضَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْوَاهِبُ فِي الْقَبْضِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ الْقَبْضَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْوَاهِبِ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَاقٍ) بِالِاتِّفَاقِ (وَالتَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ
-
9/229/22
بِدُونِ إذْنِهِ، وَلَنَا أَنَّ الْقَبْضَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبُولِ فِي الْهِبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ حُكْمِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ،
-
الْغَيْرِ بِدُونِ الْإِذْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَلَنَا) وَهُوَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي الْأَوَّلِ (أَنَّ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْقَبُولِ) فِي الْبَيْعِ (مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ) فِيهَا كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ فِي الْهِبَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " أَنَّ الْقَبْضَ " لَا بِقَوْلِهِ " الْقَبُولُ " .
-
9/239/23
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ إثْبَاتُ الْمِلْكِ فَيَكُونُ الْإِيجَابُ مِنْهُ تَسْلِيطًا عَلَى الْقَبْضِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا قَبَضَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا أَثْبَتَنَا التَّسْلِيطَ فِيهِ إلْحَاقًا لَهُ بِالْقَبُولِ، وَالْقَبُولُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ، فَكَذَا مَا يُلْحَقُ بِهِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا نَهَاهُ عَنْ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا تَعْمَلُ فِي مُقَابَلَةِ الصَّرِيحِ.
-
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ) أَيْ مَقْصُودُ الْوَاهِبِ مِنْ عَقْدِ الْهِبَةِ (إثْبَاتُ الْمِلْكِ) لِلْمَوْهُوبِ لَهُ،
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَيَكُونُ الْإِيجَابُ مِنْهُ تَسْلِيطًا عَلَى الْقَبْضِ) تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِهِ فَكَانَ إذْنًا دَلَالَةً (وَلَا كَذَلِكَ الْقَبْضُ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، لِأَنَّا إنَّمَا أَثْبَتْنَا التَّسْلِيطَ فِيهِ إلْحَاقًا لِلْقَبْضِ بِالْقَبُولِ وَالْقَبُولُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ فَكَذَا مَا قَامَ مَقَامَهُ) فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَا إذَا نَهَى عَنْ الْقَبْضِ فَإِنَّ التَّسْلِيطَ مَوْجُودٌ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَبْضُ.
-
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ مَا إذَا نَهَاهُ) يَعْنِي صَرِيحًا (فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا تَعْمَلُ فِي مُقَابَلَةِ الصَّرِيحِ) وَفِيهِ بَحْثَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَبْضُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبُولِ لَمَا صَحَّ الْأَمْرُ بِالْقَبْضِ بَعْدَ الْمَجْلِسِ كَالْبَيْعِ.
-
وَالثَّانِي أَنَّ مَقْصُودَ الْبَائِعِ مِنْ الْبَيْعِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي،
-
ثُمَّ إذَا تَمَّ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَالْمَبِيعُ حَاضِرٌ لَمْ يُجْعَلْ إيجَابُ الْبَائِعِ تَسْلِيطًا عَلَى الْقَبْضِ، حَتَّى لَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي بِدُونِ إذْنِهِ
-
9/249/24
قَالَ: (وَتَنْعَقِدُ الْهِبَةُ بِقَوْلِهِ وَهَبْت وَنَحَلْت وَأَعْطَيْت) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ صَرِيحٌ فِيهِ وَالثَّانِي مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ. قَالَ عليه الصلاة والسلام «أَكُلَّ أَوْلَادِك نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا؟»
-
وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ، يُقَالُ: أَعْطَاك اللَّهُ وَوَهَبَك اللَّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ
-
(وَكَذَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ أَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ وَجَعَلْت هَذَا الثَّوْبَ لَك وَأَعْمَرْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ وَحَمَلْتُك عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إذَا نَوَى بِالْحُمْلَانِ الْهِبَةَ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْإِطْعَامَ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ يُرَادُ بِهِ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ،
-
جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ وَيَحْبِسَهُ لِلثَّمَنِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْإِيجَابَ مِنْ الْبَائِعِ شَطْرُ الْعَقْدِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ، وَفِي الْهِبَةِ وَحْدَهُ عَقْدٌ تَامٌّ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَهُ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَقْصُودَ الْبَائِعِ مِنْ عَقْدِ الْبَيْعِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي بَلْ مَقْصُودُهُ مِنْهُ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ لَا غَيْرُ وَثُبُوتُ الْمِلْكِ لَهُ ضِمْنِيٌّ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ.
-
قَالَ (وَتَنْعَقِدُ الْهِبَةُ بِقَوْلِهِ وَهَبْت وَنَحَلْت إلَخْ) هَذَا بَيَانُ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْهِبَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ صَرِيحٌ فِيهِ وَالثَّانِي مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ، وَكَلَامُهُ وَافٍ بِإِفَادَةِ الْمَطْلُوبِ سِوَى أَلْفَاظٍ نَذْكُرُهَا (قَوْلُهُ أَكُلُّ أَوْلَادِك نَحَلْت مِثْلَ هَذَا) رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: «نَحَلَنِي
-
9/259/25
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَطْعَمْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ حَيْثُ تَكُونُ عَارِيَّةً؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تُطْعَمُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَكْلَ غَلَّتِهَا.
-
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ حَرْفَ اللَّامِ لِلتَّمْلِيكِ.
-
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلْمُعَمَّرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ»
-
وَكَذَا إذَا قَالَ جَعَلْت هَذِهِ الدَّارَ لَك عُمْرَى لِمَا قُلْنَا.
-
أَبِي غُلَامًا وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، فَأَبَتْ أُمِّي إلَّا أَنْ تُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَمَلَنِي أَبِي عَلَى عَاتِقِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ أَلَك وَلَدٌ سِوَاهُ؟ فَقَالَ نَعَمْ، فَقَالَ: أَكُلُّ وَلَدِك نَحَلْت مِثْلَ هَذَا؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ هَذَا جَوْرٌ» وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام (وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ وَلِوَرَثَةِ الْمُعْمَرِ لَهُ مِنْ بَعْدِ الْمُعْمَرِ لَهُ: يَعْنِي تَثْبُتُ بِهِ الْهِبَةُ وَيَبْطُلُ مَا اقْتَضَاهُ مِنْ شَرْطِ الرُّجُوعِ،
-
وَكَذَا لَوْ شَرَطَ الرُّجُوعَ صَرِيحًا يَبْطُلُ شَرْطُهُ.
-
وَقَوْلُهُ (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَلِأَنَّ
-
9/269/26
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلِأَنَّ الْحَمْلَ هُوَ الْإِرْكَابُ حَقِيقَةً فَيَكُونُ عَارِيَّةً لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْهِبَةَ، يُقَالُ حَمَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا عَلَى فَرَسٍ وَيُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ.
-
(وَلَوْ قَالَ كَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ يَكُونُ هِبَةً) ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ وَيُقَالُ كَسَا الْأَمِيرُ فُلَانًا ثَوْبًا: أَيْ مَلَّكَهُ مِنْهُ (وَلَوْ قَالَ مَنَحْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ كَانَتْ عَارِيَّةً) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ.
-
حَرْفَ اللَّامِ لِلتَّمْلِيكِ، وَقَوْلُهُ (فَلِأَنَّ الْحَمْلَ هُوَ الْإِرْكَابُ حَقِيقَةً) يَعْنِي أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَنَافِعِ (فَيَكُونُ عَارِيَّةً) إلَّا أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَرَدْت الْهِبَةَ، لِأَنَّ اللَّفْظَ قَدْ يُذْكَرُ لِلتَّمْلِيكِ،
-
فَإِذَا نَوَى مُحْتَمَلَ لَفْظِهِ فِيمَا فِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ عَمِلَتْ نِيَّتُهُ. لَا يُقَالُ: هَذَا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَارِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُمَا لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ، وَعِنْدَ عَدَمِ إرَادَتِهِ الْهِبَةَ يُحْمَلُ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ مَجَازًا لِمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ هُنَالِكَ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُمَا لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ: يَعْنِي فِي الْعُرْفِ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَنَافِعِ مَجَازٌ عُرْفِيٌّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ هَاهُنَا لِأَنَّ الْحَمْلَ هُوَ الْإِرْكَابُ حَقِيقَةً: يَعْنِي فِي اللُّغَةِ، فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ
-
(وَلَوْ قَالَ مَنَحْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ كَانَتْ عَارِيَّةً لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ
-
9/279/27
(وَلَوْ قَالَ دَارِي لَك هِبَةً سُكْنَى أَوْ سُكْنَى هِبَةً فَهِيَ عَارِيَّةٌ) ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مُحْكَمٌ فِي تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ وَالْهِبَةُ تَحْتَمِلُهَا وَتَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ فَيُحْمَلُ الْمُحْتَمَلُ عَلَى الْمُحْكَمِ،
-
وَكَذَا إذَا قَالَ عُمْرَى سُكْنَى أَوْ نَحْلِي سُكْنَى أَوْ سُكْنَى صَدَقَةً أَوْ صَدَقَةٌ عَارِيَّةً أَوْ عَارِيَّةٌ هِبَةً لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
-
(وَلَوْ قَالَ هِبَةٌ تَسْكُنُهَا فَهِيَ هِبَةٌ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَسْكُنُهَا مَشُورَةٌ وَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لَهُ وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَقْصُودِ،
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ هِبَةُ سُكْنَى؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
-
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ الْهِبَةُ فِيمَا يُقَسَّمُ إلَّا مَحُوزَةً مَقْسُومَةً، وَهِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يُقَسَّمُ جَائِزَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ فَيَصِحُّ فِي الْمُشَاعِ وَغَيْرِهِ كَالْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ،
-
فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ» .
-
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ دَارِي لَك هِبَةُ سُكْنَى أَوْ سُكْنَى هِبَةٍ) إنَّمَا هُوَ بِنَصْبِ هِبَةٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إمَّا عَلَى الْحَالِ أَوْ التَّمْيِيزِ لِمَا فِي قَوْلِهِ دَارِي لَك مِنْ الْإِبْهَامِ.
-
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مُحَكَّمٌ فِي تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ) كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ سُكْنَى مُحَكَّمٍ فِي تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ إذْ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِهِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: سُكْنَى لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْعَارِيَّةَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْعَارِيَّةِ (وَلَوْ قَالَ هِبَةٌ تَسْكُنُهَا فَهِيَ هِبَةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَسْكُنُهَا مَشُورَةٌ وَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لَهُ وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَقْصُودِ) أَنَّهُ مَلَّكَهُ الدَّارَ عُمْرَهُ لِيَسْكُنَهَا وَهُوَ مَعْلُومٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ حُكْمُ التَّمْلِيكِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ هَذَا الطَّعَامُ لَك تَأْكُلُهُ وَهَذَا الثَّوْبُ لَك تَلْبَسُهُ،
-
فَإِنْ شَاءَ قَبِلَ مَشُورَتَهُ وَفَعَلَ مَا قَالَ،
-
وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ
-
(بِخِلَافِ قَوْلِهِ هِبَةُ سُكْنَى لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ سُكْنَى اسْمٌ فَجَازَ أَنْ يَقَعَ تَفْسِيرًا لِاسْمٍ آخَرَ
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَسْكُنُهَا لِكَوْنِهِ فِعْلًا،
-
وَقِيلَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَسْكُنُهَا فِعْلُ الْمُخَاطَبِ فَلَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِقَوْلِ الْمُتَكَلِّمِ.
-
قَالَ (وَلَا تَجُوزُ الْهِبَةُ فِيمَا يُقْسَمُ إلَّا مَحُوزَةً مَقْسُومَةً إلَخْ) الْمَوْهُوبُ إمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ الْقِسْمَةَ أَوْ لَا. وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ فَيُوجِبُ نُقْصَانًا فِي مَالِيَّتِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَمَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَهُوَ يَحْتَمِلُهَا، فَالثَّانِي كَالْعَبْدِ وَالْحَيَوَانِ وَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ، وَالْأَوَّلُ كَالدَّارِ وَالْبَيْتِ الْكَبِيرِ،
-
وَلَا تَجُوزُ الْهِبَةُ فِيمَا يُقْسَمُ إلَّا مَحُوزَةً مَقْسُومَةً، وَالْأَوَّلُ احْتِرَازٌ عَمَّا
-
9/289/28
وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُشَاعَ قَابِلٌ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْمِلْكُ فَيَكُونُ مَحَلًّا لَهُ، وَكَوْنُهُ تَبَرُّعًا لَا يُبْطِلُهُ الشُّيُوعُ كَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ. وَلَنَا أَنَّ الْقَبْضَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ فَيُشْتَرَطُ كَمَالُهُ وَالْمُشَاعُ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا بِضَمِّ غَيْرِهِ إلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْهُوبٍ،
-
إذَا وَهَبَ التَّمْرَ عَلَى النَّخِيلِ دُونَ النَّخِيلِ أَوْ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ دُونَهَا،
-
فَإِنَّ الْمَوْهُوبَ لَيْسَ بِمَحُوزٍ: أَيْ لَيْسَ بِمَقْبُوضٍ، وَالثَّانِي عَنْ الْمُشَاعِ. فَإِنَّهُ إذَا جَزَّ وَقَبَضَ التَّمْرَ الْمَوْهُوبَ عَلَى النَّخِيلِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ التَّمْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ أَيْضًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْسُومٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ إلَّا مَحُوزَةً مَقْسُومَةً، لِأَنَّ الْهِبَةَ فِي نَفْسِهَا فِيمَا يُقْسَمُ تَقَعُ جَائِزَةً وَلَكِنْ غَيْرَ مُثْبِتَةٍ لِلْمِلْكِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ مُفْرَزًا، فَإِنَّهُ إذَا وَهَبَ مُشَاعًا فِيمَا يُقْسَمُ ثُمَّ أَفْرَزَهُ وَسَلَّمَ صَحَّتْ وَوَقَعَتْ مُثْبَتَةً لِلْمِلْكِ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ هِبَةَ الْمُشَاعِ فِيمَا يُقْسَمُ وَقَعَتْ جَائِزَةً فِي نَفْسِهَا، وَلَكِنْ تُوقَفُ إثْبَاتُهَا الْمُمَلِّكُ عَلَى الْإِفْرَازِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْعَقْدِ الْمُتَوَقِّفِ ثُبُوتُ حُكْمِهِ عَلَى الْإِفْرَازِ وَالتَّسْلِيمِ لَا يُوصَفُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَهِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يُقْسَمُ جَائِزَةٌ، وَمَعْنَاهُ هِبَةُ مُشَاعٍ لَا تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ الْمُشَاعَ غَيْرُ مَقْسُومٍ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ ظَاهِرًا، وَهِبَةُ النَّصِيبِ الْغَيْرِ الْمَقْسُومِ فِيمَا هُوَ غَيْرُ مَقْسُومٍ جَائِزَةٌ، وَذَلِكَ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَتَصْحِيحُهُ بِمَا ذُكِرَ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِبَةُ الْمُشَاعِ جَائِزَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مَعْنَاهُ مُثْبِتَةٌ لِلْمِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَقْدُ التَّمْلِيكِ يَصِحُّ فِي الْمُشَاعِ وَغَيْرِهِ كَالْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ: يَعْنِي الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ وَالصَّرْفَ وَالسَّلَمَ،
-
فَإِنَّ الشُّيُوعَ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْضِ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ بِالْإِجْمَاعِ،
-
فَإِذَا بَاعَ وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي خَرَجَ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَدَخَلَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَمَلَكَهُ الْمُشْتَرِي،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا وَالْخُرُوجُ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَالدُّخُولُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَبْضِ
-
وَكَذَا يَصْلُحُ الْمُشَاعُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ وَبَدَلَ الصَّرْفِ، وَالْقَبْضُ شَرْطٌ فِيهِمَا، وَهَذَا: أَيْ جَوَازُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُشَاعَ قَابِلٌ لِحُكْمِهِ: أَيْ لِحُكْمِ عَقْدِ الْهِبَةِ وَهُوَ الْمِلْكُ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْإِرْثِ، وَكُلُّ مَا هُوَ قَابِلٌ لِحُكْمِ عَقْدٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لَهُ، لِأَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ عَيْنُ الْقَابِلِيَّةِ أَوْ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِهَا فَكَانَ الْعَقْدُ صَادِرًا مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ،
-
وَلَا مَانِعَ ثَمَّةَ فَكَانَ جَائِزًا.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ الْمَانِعِ فَإِنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشُّيُوعُ مُبْطِلًا.
-
أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَكَوْنُهُ تَبَرُّعًا: يَعْنِي لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ مُبْطِلًا فِي التَّبَرُّعَاتِ كَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ بِأَنْ دَفَعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ قَرْضًا عَلَيْهِ وَيَعْمَلُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ بِشَرِكَتِهِ وَبِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّيُوعَ لَا يُبْطِلُ التَّبَرُّعَ حَتَّى يَكُونَ مَانِعًا.
-
وَلَنَا أَنَّ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ لِمَا رَوَيْنَا
-
9/299/29
وَلِأَنَّ فِي تَجْوِيزِهِ إلْزَامَهُ شَيْئًا لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَهُوَ مُؤْنَةُ الْقِسْمَةِ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ جَوَازُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ التَّسْلِيمُ،
-
بِخِلَافِ مَا لَا يُقَسَّمُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ الْقَاصِرَ هُوَ الْمُمْكِنُ فَيُكْتَفَى بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الْقِسْمَةِ.
-
مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً» وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ يُشْتَرَطُ كَمَالُهُ لِأَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِوُجُودِهِ، وَقَبْضُ الْمُشَاعِ نَاقِصٌ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا بِضَمِّ غَيْرِهِ إلَيْهِ: أَيْ بِضَمِّ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ إلَى الْمَوْهُوبِ أَوْ بِالْعَكْسِ،
-
فَإِنَّ كَلَامَهُ يَحْتَمِلُهُمَا وَالْغَيْرُ غَيْرُ مَوْهُوبٍ وَغَيْرُ مُمْتَازٍ عَنْ الْمَوْهُوبِ. فَكُلُّ جُزْءٍ فَرَضْته يَشْتَمِلُ عَلَى مَا يَجِبُ قَبْضُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ قَبْضُهُ فَكَانَ مَقْبُوضًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَفِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ النَّافِيَةِ لِلِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ، وَلِأَنَّ فِي تَجْوِيزِهِ إلْزَامَ الْوَاهِبِ شَيْئًا لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَهُوَ مُؤْنَةُ الْقِسْمَةِ وَتَجْوِيزُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِزِيَادَةِ الضَّرَرِ.
-
فَإِنْ قِيلَ هَذَا ضَرَرٌ مَرْضِيٌّ، لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى هِبَةِ الْمُشَاعِ يَدُلُّ عَلَى الْتِزَامِهِ ضَرَرَ الْقِسْمَةِ وَالضَّائِرِ مِنْ الضَّرَرِ مَا لَمْ يَكُنْ مَرَضِيًّا. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَرْضِيَّ مِنْهُ لَيْسَ الْقِسْمَةَ وَلَا مَا يَسْتَلْزِمُهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِالْمِلْكِ الْمُشَاعِ وَهُوَ لَيْسَ
-
9/309/30
وَالْمُهَايَأَةُ تَلْزَمُهُ فِيمَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ، وَالْهِبَةُ لَاقَتْ الْعَيْنَ، وَالْوَصِيَّةُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْقَبْضُ،
-
وَكَذَا الْبَيْعُ الصَّحِيحُ، وَأَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَالصَّرْفُ وَالسَّلَمُ فَالْقَبْضُ فِيهَا غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا عُقُودُ ضَمَانٍ فَتُنَاسِبُ لُزُومَ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ، وَالْقَرْضُ تَبَرُّعٌ مِنْ وَجْهٍ وَعَقْدُ ضَمَانٍ مِنْ وَجْهٍ، فَشَرَطْنَا الْقَبْضَ الْقَاصِرَ فِيهِ دُونَ الْقِسْمَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِيهِ.
-
بِقِسْمَةٍ وَلَا يَسْتَلْزِمُهَا، وَلِهَذَا: أَيْ وَلِأَنَّ فِي تَجْوِيزِ هَذَا الْعَقْدِ إلْزَامَ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ امْتَنَعَ جَوَازُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ التَّسْلِيمُ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ،
-
بِخِلَافِ مَا لَا يُقْسَمُ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ فِيهِ هُوَ الْقَبْضُ الْقَاصِرُ فَيُكْتَفَى بِهِ ضَرُورَةً، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الْقِسْمَةِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَزِمَهُ الْمُهَايَأَةُ، وَفِي إيجَابِهَا إلْزَامُ مَا لَمْ يَلْزَمْ بِالْعُقْدَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ الْعَقْدُ جَائِزٌ فَلْتَكُنْ مُؤْنَةُ الْقِسْمَةِ كَذَلِكَ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَالْمُهَايَأَةُ تَلْزَمُهُ فِيمَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ وَالْمُتَبَرَّعُ بِهِ هُوَ الْعَيْنُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ إلْزَامَ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ الْوَاهِبُ بِعَقْدِ الْهِبَةِ إنْ كَانَ مَانِعًا عَنْ جَوَازِهَا فَقَدْ وُجِدَ،
-
وَإِنْ خَصَصْتُمْ بِعَوْدِهِ إلَى مَا تَبَرَّعَ بِهِ كَانَ تَحَكُّمًا.
-
وَالْجَوَابُ بِتَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ. وَيُدْفَعُ التَّحَكُّمُ بِأَنَّ فِي عَوْدِهِ إلَى ذَلِكَ إلْزَامَ زِيَادَةِ عَيْنٍ هِيَ أُجْرَةُ الْقِسْمَةِ عَلَى الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ بِإِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا،
-
وَلَا يَلْزَمُ مَا إذَا أَتْلَفَ الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَفِي ذَلِكَ إلْزَامُ زِيَادَةِ عَيْنٍ عَلَى مَا تَبَرَّعَ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِالْإِتْلَافِ لَا بِعَقْدِ التَّبَرُّعِ (قَوْلُهُ وَالْوَصِيَّةُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الشُّيُوعَ مَانِعٌ فِيمَا يَكُونُ الْقَبْضُ مِنْ شَرْطِهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِي الْمُشَاعِ وَالْوَصِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ الصَّحِيحُ، وَأَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَالصَّرْفُ وَالسَّلَمُ وَإِنْ كَانَ الْقَبْضُ فِيهَا شَرْطًا لِلْمِلْكِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِيهَا.
-
فَإِنْ قِيلَ: الْقَبْضُ فِي الصَّرْفِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ. أُجِيبَ بِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا يَكُونُ الْقَبْضُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ ابْتِدَاءً وَفِي الصَّرْفِ لِبَقَائِهِ فِي مِلْكِهِ فَلَيْسَ
-
9/319/31
وَلَوْ وَهَبَ مِنْ شَرِيكِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى نَفْسِ الشُّيُوعِ.
-
قَالَ (وَمَنْ وَهَبَ شِقْصًا مُشَاعًا فَالْهِبَةُ فَاسِدَةٌ) لِمَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ قَسَّمَهُ وَسَلَّمَهُ جَازَ) ؛ لِأَنَّ تَمَامَهُ بِالْقَبْضِ وَعِنْدَهُ لَا شُيُوعَ. قَالَ:
-
(وَلَوْ وَهَبَ دَقِيقًا فِي حِنْطَةٍ أَوْ دُهْنًا فِي سِمْسِمٍ فَالْهِبَةُ فَاسِدَةٌ،
-
فَإِنْ طَحَنَ وَسَلَّمَ لَمْ يَجُزْ)
-
وَكَذَا السَّمْنُ فِي اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ مَعْدُومٌ، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَخْرَجَهُ الْغَاصِبُ يَمْلِكُهُ، وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْمِلْكِ فَوَقَعَ الْعَقْدُ بَاطِلًا،
-
فَلَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِالتَّجْدِيدِ،
-
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْمُشَاعَ مَحَلٌّ لَلتَّمْلِيكِ،
-
مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا عُقُودُ ضَمَانٍ فَيُنَاسِبُ لُزُومَ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ
-
بِخِلَافِ الْهِبَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَتْ مِنْ الشَّرِيكِ لَمْ تَلْزَمْ الْقِسْمَةُ، وَمَا جَازَتْ فَالْجَوَابُ سَيَأْتِي، وَالْقَرْضُ تَبَرُّعٌ مِنْ وَجْهٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ، وَعَقْدُ ضَمَانٍ مِنْ وَجْهٍ فَإِنَّ الْمُقْرِضَ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ، فَلِشَبَهِهِ بِالتَّبَرُّعِ شَرَطْنَا الْقَبْضَ فِيهِ، وَلِشَبَهِهِ بِعَقْدِ الضَّمَانِ لَمْ نَشْتَرِطْ فِيهِ الْقِسْمَةَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فَيُرَاعَى عَلَى الْكَمَالِ (وَلَوْ وَهَبَ مِنْ شَرِيكِهِ لَمْ يَجُزْ) وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ فِيهِ مُؤْنَةَ الْقِسْمَةِ (لِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى نَفْسِ الشُّيُوعِ) فَإِنَّهُ مَانِعٌ عَنْ كَمَالِ الْقَبْضِ فِيمَا يَجِبُ الْقَبْضُ فِيهِ عَلَى الْكَمَالِ، فَكَأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى ذَلِكَ قِيلَ الْوَجْهُ الثَّانِي غَيْرُ مُتَمَشٍّ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا، وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّهُ عِلَّةُ النَّوْعِيَّةِ لِإِثْبَاتِ نَوْعِ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاطِّرَادَ فِي كُلِّ شَخْصٍ (وَمَنْ وَهَبَ شِقْصًا مُشَاعًا فَالْهِبَةُ فَاسِدَةٌ) أَيْ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَوْجِيهِ قَوْلِهِ وَلَا تَجُوزُ الْهِبَةُ فِيمَا يُقْسَمُ إلَّا مَحُوزَةً، وَقَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) إشَارَةٌ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فَكَانَتْ مَعْلُومَةً مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ أَعَادَهَا تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ (فَإِنْ قَسَمَهُ وَسَلَّمَهُ جَازَ لِأَنَّ تَمَامَهُ بِالْقَبْضِ وَعِنْدَهُ لَا شُيُوعَ) وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الشُّيُوعِ مَا كَانَ عِنْدَ الْقَبْضِ، حَتَّى لَوْ وَهَبَ نِصْفَ دَارِهِ لِرَجُلٍ وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى وَهَبَ لَهُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ وَسَلَّمَهَا جُمْلَةً جَازَتْ.
-
قَالَ (وَلَوْ وَهَبَ دَقِيقًا فِي حِنْطَةٍ إلَخْ) بَنِي كَلَامَهُ هَاهُنَا عَلَى أَنَّ الْمَحَلَّ إذَا كَانَ مَعْدُومًا حَالَةَ الْعَقْدِ لَمْ يَنْعَقِدْ إلَّا بِالتَّجْدِيدِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُشَاعًا فَإِنَّهُ بَعْدَ الْإِفْرَازِ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّجْدِيدِ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ لِصَلَاحِيَّةِ الْمُشَاعِ لِلْمَحَلِّيَّةِ دُونَ الْمَعْدُومِ، وَهَذَا مِمَّا يُرْشِدُك أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ هِبَةُ الْمُشَاعِ وَقَوْلُهُ فَالْهِبَةُ فَاسِدَةٌ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْجَوَازِ لِلِاتِّصَالِ هُوَ عَدَمُ إفَادَةِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ،
-
فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ اخْتَارَ قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ إلَى عَدَمِ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ لَاحْتَاجَ إلَى تَجْدِيدِ الْعَقْدِ عِنْدَ الْإِفْرَازِ فِي الْمُشَاعِ كَمَا فِي الْمَعْدُومِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الرَّهْنُ فِي السِّمْسِمِ وَالدَّقِيقِ وَالْحِنْطَةِ مَعْدُومًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ بِالْفِعْلِ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ بِالْعَصْرِ وَالطَّحْنِ،
-
وَلَا مُعْتَبَرَ بِكَوْنِهِ مَوْجُودًا بِالْقُوَّةِ لِأَنَّ
-
9/329/32
وَهِبَةُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَالصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ فِي الْأَرْضِ وَالتَّمْرِ فِي النَّخِيلِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشَاعِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْجَوَازِ لِلِاتِّصَالِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْقَبْضَ كَالشَّائِعِ.
-
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَلَكَهَا بِالْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ فِيهَا قَبْضًا) ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ فِي قَبْضِهِ وَالْقَبْضُ هُوَ الشَّرْطُ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْبَيْعِ مَضْمُونٌ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ قَبْضُ الْأَمَانَةِ، أَمَّا قَبْضُ الْهِبَةِ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ فَيَنُوبُ عَنْهُ.
-
عَامَّةَ الْمُمْكِنَاتِ كَذَلِكَ وَلَا تُسَمَّى مَوْجُودَةً.
-
وَإِذَا كَانَ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ جَدِيدٍ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَهُوَ عَدَمُ الْقَبْضِ،
-
فَإِذَا وُجِدَ الْقَبْضُ أَمَانَةً جَازَ أَنْ يَنُوبَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْهُ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْبَيْعِ مَضْمُونٌ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ قَبْضُ الْأَمَانَةِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ تَجَانُسَ الْقَبْضَيْنِ يَجُوزُ نِيَابَةُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، وَتَغَايُرُهُمَا يَجُوزُ نِيَابَةُ الْأَعْلَى عَنْ الْأَدْنَى دُونَ الْعَكْسِ،
-
فَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ وَدِيعَةً فِي يَدِ شَخْصٍ أَوْ عَارِيَّةً فَوَهَبَهُ إيَّاهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ قَبْضٍ، لِأَنَّ كِلَا الْقَبْضَيْنِ لَيْسَ
-
9/339/33
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ هِبَةً مَلَكَهَا الِابْنُ بِالْعَقْدِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي قَبْضِ الْأَبِ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ،
-
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ مُودِعِهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِهِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَرْهُونًا أَوْ مَغْصُوبًا أَوْ مَبِيعًا بَيْعًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَالصَّدَقَةُ فِي هَذَا مِثْلُ الْهِبَةِ،
-
وَكَذَا إذَا وَهَبَتْ لَهُ أُمُّهُ وَهُوَ فِي عِيَالِهَا وَالْأَبُ مَيِّتٌ وَلَا وَصِيَّ لَهُ،
-
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ يَعُولُهُ.
-
قَبْضَ ضَمَانٍ فَكَانَا مُتَجَانِسَيْنِ،
-
وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَوَهَبَهُ إيَّاهُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِهِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى فَيَنُوبُ عَنْ الضَّعِيفِ،
-
وَلَوْ كَانَتْ وَدِيعَةً فَبَاعَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَنَّ قَبْضَ الْأَمَانَةِ ضَعِيفٌ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ، وَمَعْنَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى مَوْضِعٍ فِيهِ الْعَيْنُ وَيَمْضِيَ وَقْتٌ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ قَبْضِهَا
-
(وَإِذَا وَهَبَ الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ هِبَةً مَلَكَهَا الِابْنُ بِالْعَقْدِ) وَالْقَبْضُ فِيهِ بِإِعْلَامِ مَا وَهَبَهُ لَهُ، وَلَيْسَ الْإِشْهَادُ بِشَرْطٍ إلَّا أَنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ جُحُودِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ جُحُودِهِ بَعْدَ إدْرَاكِ الْوَلَدِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ (فِي قَبْضِ الْأَبِ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ) وَيَدُ مُودَعِهِ كَيَدِهِ
-
(بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَرْهُونًا أَوْ مَغْصُوبًا أَوْ مَبِيعًا بَيْعًا فَاسِدًا لِأَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ) يَعْنِي فِي الْأَوَّلَيْنِ (أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ) يَعْنِي فِي الْأَخِيرِ (وَالصَّدَقَةُ فِي هَذَا كَالْهِبَةِ،
-
وَكَذَا إذَا وَهَبَتْ الْأُمُّ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ وَهُوَ فِي عِيَالِهَا وَالْأَبُ مَيِّتٌ وَلَا وَصِيَّ لَهُ) وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ فِي عِيَالِهَا لِيَكُونَ لَهَا عَلَيْهِ نَوْعُ وِلَايَةٍ، وَقُيِّدَ بِمَوْتِ الْأَبِ وَعَدَمِ الْوَصِيِّ لِأَنَّ عِنْدَ وُجُودِهِمَا لَيْسَ لَهَا وِلَايَةُ الْقَبْضِ
-
(وَكَذَا كُلُّ مَنْ يَعُولُهُ) نَحْوُ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْأَجْنَبِيِّ جَازَ لَهُ قَبْضُ الْهِبَةِ لِأَجْلِ الْيَتِيمِ. قِيلَ: أَطْلَقَ جَوَازَ قَبْضِ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ ذُكِرَ فِي الْإِيضَاحِ وَمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ أَنَّ وِلَايَةَ الْقَبْضِ لِهَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ الْأَبُ وَوَصِيُّهُ وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ بَعْدَ الْأَبِ وَوَصِيُّهُ،
-
فَأَمَّا مَعَ وُجُودِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَلَا، سَوَاءٌ كَانَ الصَّبِيُّ فِي عِيَالِ الْقَابِضِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا لِأَنَّهُ لَيْسَ لِهَؤُلَاءِ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، فَقِيَامُ وِلَايَةِ مَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حَقِّ الْقَبْضِ لَهُ
-
فَإِذَا لَمْ يَبْقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ جَازَ قَبْضُ مَنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي عِيَالِهِ لِثُبُوتِ نَوْعِ وِلَايَةٍ لَهُ حِينَئِذٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤَدِّبُهُ وَيُسَلِّمُهُ فِي الصَّنَائِعِ، فَقِيَامُ هَذَا الْقَدْرِ يُطْلِقُ حَقَّ الْقَبْضِ لِلْهِبَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْمَنْفَعَةِ، وَأَرَى أَنَّهُ لَمْ يُطْلِقْ وَلَكِنَّهُ اقْتَصَرَ فِي التَّقْيِيدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ:
-
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ يَعُولُهُ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ
-
وَكَذَلِكَ إذَا وَهَبَتْ لَهُ أُمُّهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ وَالْأَبُ مَيِّتٌ وَلَا وَصِيَّ لَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمَعْطُوفِ أَيْضًا، لَكِنَّهُ اقْتَصَرَ
-
9/349/34
(وَإِنْ وَهَبَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ هِبَةً تَمَّتْ بِقَبْضِ الْأَبِ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَلَيْهِ الدَّائِرَ بَيْنَ النَّافِعِ وَالضَّائِرِ فَأَوْلَى أَنْ يَمْلِكَ الْمَنَافِعَ.
-
قَالَ (وَإِذَا وَهَبَ لِلْيَتِيمِ هِبَةً فَقَبَضَهَا لَهُ وَلِيُّهُ وَهُوَ وَصِيُّ الْأَبِ أَوْ جَدُّ الْيَتِيمِ أَوْ وَصِيُّهُ جَازَ) ؛ لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ وِلَايَةً عَلَيْهِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الْأَبِ (وَإِنْ كَانَ فِي حِجْرِ أُمِّهِ فَقَبْضُهَا لَهُ جَائِزٌ) ؛ لِأَنَّ لَهَا الْوِلَايَةَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حِفْظِهِ وَحِفْظِ مَالِهِ.
-
وَهَذَا مِنْ بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى إلَّا بِالْمَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ وِلَايَةِ التَّحْصِيلِ
-
(وَكَذَا إذَا كَانَ فِي حِجْرِ أَجْنَبِيٍّ يُرَبِّيهِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ يَدًا مُعْتَبَرَةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ يَدِهِ فَيَمْلِكُ مَا يَتَمَحَّضُ نَفْعًا فِي حَقِّهِ (وَإِنْ قَبَضَ الصَّبِيُّ الْهِبَةَ بِنَفْسِهِ جَازَ) مَعْنَاهُ إذَا كَانَ عَاقِلًا؛
-
لِأَنَّهُ نَافِعٌ فِي حَقِّهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ. وَفِيمَا وَهَبَ لِلصَّغِيرَةِ يَجُوزُ
-
عَلَى ذِكْرِ الْجَدِّ وَوَصِيِّهِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْجَدَّ الصَّحِيحَ مِثْلُ الْأَبِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، وَوَصِيُّهُ كَوَصِيِّ الْأَبِ (وَإِنْ وَهَبَ لِلصَّغِيرِ أَجْنَبِيٌّ هِبَةً تَمَّتْ بِقَبْضِ الْأَبِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ) الْأَمْرَ (الدَّائِرَ بَيْنَ الضَّرِّ وَالنَّفْعِ فَالنَّفْعُ الْمَحْضُ أَوْلَى بِذَلِكَ) قَالَ (وَإِذَا وُهِبَ لِلْيَتِيمِ هِبَةٌ إلَخْ) إذَا وُهِبَ لِلْيَتِيمِ مَالٌ فَالْقَبْضُ إلَى مَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ وَهُوَ وَصِيُّ الْأَبِ أَوْ جَدُّ الْيَتِيمِ أَوْ وَصِيُّهُ، لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ وِلَايَةً عَلَى الْيَتِيمِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الْأَبِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْيَتِيمُ فِي حِجْرِ أُمِّهِ: أَيْ فِي كَنَفِهَا وَتَرْبِيَتِهَا فَقَبْضُهَا لَهُ جَائِزٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ لَهَا الْوِلَايَةَ،
-
وَكَذَا إذَا كَانَ فِي حِجْرِ أَجْنَبِيٍّ يُرَبِّيهِ لِأَنَّ لَهُ يَدًا مُعْتَبَرَةً؛ أَلَا تَرَى أَنَّ أَجْنَبِيًّا آخَرَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَزْعِهِ مِنْ يَدِهِ فَيَمْلِكُ مَا تَمَحَّضَ نَفْعًا فِي حَقِّهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُوجَدَ وَاحِدٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ
-
وَإِنْ قَبَضَ الصَّبِيُّ الْهِبَةَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ عَاقِلٌ جَازَ لِأَنَّهُ نَافِعٌ فِي حَقِّهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ: أَيْ مِنْ أَهْلِ مُبَاشَرَةِ مَا يَتَضَمَّنُ نَفْعًا لَهُ.
-
فَإِنْ قِيلَ: عَقْدُ الصَّبِيِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ قَبْضُهُ،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ اعْتِبَارُ الْحَلِفِ مَعَ وُجُودِ أَهْلِيَّتِهِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ عَقْلَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ مُعْتَبَرٌ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ، وَفِي اعْتِبَارِ الْحَلِفِ تَوْفِيرُهَا أَيْضًا لِأَنَّهُ يَنْفَتِحُ بِهِ بَابٌ آخَرُ لِتَحْصِيلِهَا فَكَانَ جَائِزًا نَظَرًا لَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرْ عَقْلُهُ فِي الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرِّ سَدًّا لِبَابِ الْمَضَرَّةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ عَقْلَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ نَاقِصٌ فَلَا يَتِمُّ بِهِ النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ فَلَا بُدَّ مِنْ جَبْرِهِ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ،
-
وَإِذَا وُهِبَ لِلصَّغِيرِ هِبَةٌ وَلَهَا زَوْجٌ فَأَمَّا إنْ زُفَّتْ إلَيْهِ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَازَ قَبْضُ زَوْجِهَا لَهَا لِأَنَّ الْأَبَ قَدْ فَوَّضَ أُمُورَهَا إلَيْهِ وَهِيَ حِينَ زَفَّهَا إلَيْهِ صَغِيرَةٌ وَأَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حِفْظِهَا وَحِفْظِ مَالِهَا، وَقَبْضُ الْهِبَةِ مِنْ حِفْظِ الْمَالِ، لَكِنْ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ وِلَايَةُ الْأَبِ حَتَّى لَوْ قَبَضَهَا جَازَ،
-
وَكَذَا لَوْ قَبَضَتْ بِنَفْسِهَا
-
وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ عَنْ كَوْنِهَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا لِأَنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُجَامِعُ لَا يَصِحُّ قَبْضُ الزَّوْجِ لَهَا وَحُضُورُ الْأَبِ لَا يَمْنَعُ
-
9/359/35
قَبْضُ زَوْجِهَا لَهَا بَعْدَ الزِّفَافِ لِتَفْوِيضِ الْأَبِ أُمُورَهَا إلَيْهِ دَلَالَةً،
-
بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الزِّفَافِ وَيَمْلِكُهُ مَعَ حَضْرَةِ الْأَبِ،
-
بِخِلَافِ الْأُمِّ وَكُلِّ مَنْ يَعُولُهَا غَيْرِهَا حَيْثُ لَا يَمْلِكُونَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ أَوْ غَيْبَتِهِ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ هَؤُلَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا بِتَفْوِيضِ الْأَبِ، وَمَعَ حُضُورِهِ لَا ضَرُورَةَ.
-
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ دَارًا جَازَ) ؛ لِأَنَّهُمَا سَلَّمَاهَا جُمْلَةً وَهُوَ قَدْ قَبَضَهَا جُمْلَةً فَلَا شُيُوعَ (وَإِنْ وَهَبَهَا وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَصِحُّ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِبَةُ الْجُمْلَةِ مِنْهُمَا، إذْ التَّمْلِيكُ وَاحِدٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ كَمَا إذَا رَهَنَ مِنْ رَجُلَيْنِ.
-
وَلَهُ أَنَّ هَذِهِ هِبَةُ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ فِيمَا لَا يُقَسَّمُ فَقِبَلَ أَحَدُهُمَا
-
عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ وَإِنْ حَضَرَ الْأَبُ فِي الصَّحِيحِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا ذُكِرَ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّ قَبْضَ الزَّوْجِ لَهَا إنَّمَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَبُ حَيًّا،
-
بِخِلَافِ الْأُمِّ وَكُلِّ مَنْ يَعُولُهَا غَيْرُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يُمَلِّكُونَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ أَوْ بَعْدَ غَيْبَتِهِ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لِأَنَّ تَصَرُّفَ هَؤُلَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا بِتَفْوِيضِ الْأَبِ وَلَا ضَرُورَةَ مَعَ الْحُضُورِ. وَقَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَمْلِكُهُ مَعَ حَضْرَةِ الْأَبِ كَمَا ذَكَرْنَا.
-
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَإِنَّمَا قُلْت هَذَا لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ
-
بِخِلَافِ الْأُمِّ وَكُلِّ مَنْ يَعُولُهَا غَيْرُهَا حَيْثُ لَا يَمْلِكُونَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ أَوْ غَيْبَتِهِ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لَيْسَتْ رِوَايَةً أُخْرَى حَتَّى يَقَعَ قَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْهَا،
-
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا مُعْتَبَرَ بِقَبْضِ الزَّوْجِ لَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ بِحُكْمِ أَنَّهُ يَعُولُهَا وَأَنَّ لَهُ عَلَيْهَا يَدًا مُسْتَحَقَّةً وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ قَبْلَ الزِّفَافِ.
-
قَالَ (وَإِذَا وَهَبَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ دَارًا جَازَ إلَخْ) وَإِذَا وَهَبَ اثْنَانِ دَارًا مِنْ وَاحِدٍ جَازَ لِانْتِفَاءِ الشُّيُوعِ، لِأَنَّ الشُّيُوعَ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالتَّسْلِيمِ أَوْ الْقَبْضِ وَهُمَا سَلَّمَاهَا جُمْلَةً وَهُوَ قَوْلُهُ قَدْ قَبَضَهَا جُمْلَةً فَلَا شُيُوعَ،
-
وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَجُوزُ لِأَنَّ هَذِهِ هِبَةُ الْجُمْلَةِ بَيْنَهُمَا لِاتِّحَادِ التَّمْلِيكِ وَلَا شُيُوعَ فِي هِبَةِ الْجُمْلَةِ كَمَا إذَا رَهَنَ مِنْ رَجُلَيْنِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ تَأْثِيرَ الشُّيُوعِ فِي الرَّهْنِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْهِبَةِ حَتَّى لَا يَجُوزَ الرَّهْنُ فِي مُشَاعٍ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ دُونَ الْهِبَةِ،
-
ثُمَّ إنَّهُ لَوْ رَهَنَ مِنْ رَجُلَيْنِ جَازَ فَالْهِبَةُ أَوْلَى. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ هِبَةُ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ
-
9/369/36
صَحَّ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ فَيَكُونُ التَّمْلِيكُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُهُ، وَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ،
-
بِخِلَافِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الْحَبْسُ، وَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَامِلًا، إذْ لَا تَضَايُفَ فِيهِ فَلَا شُيُوعَ وَلِهَذَا لَوْ قَضَى دَيْنَ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَرِدُّ شَيْئًا مِنْ الرَّهْنِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا تَصَدَّقَ عَلَى مُحْتَاجِينَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ وَهَبَهَا لَهُمَا جَازَ،
-
وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَنِيَّيْنِ أَوْ وَهَبَهَا لَهُمَا لَمْ يَجُزْ، وَقَالَا: يَجُوزُ لِلْغَنِيَّيْنِ أَيْضًا) جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجَازًا عَنْ الْآخَرِ، وَالصَّلَاحِيَّةُ ثَابِتَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ فِي الْحُكْمِ.
-
وَفِي الْأَصْلِ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَقَالَ:
-
وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّ الشُّيُوعَ مَانِعٌ فِي الْفَصْلَيْنِ لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى الْقَبْضِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ وَاحِدٌ، وَالْهِبَةُ يُرَادُ بِهَا وَجْهُ الْغَنِيِّ وَهُمَا اثْنَانِ.
-
وَقِيلَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ الصَّدَقَةُ عَلَى غَنِيَّيْنِ.
-
وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ فِيمَا لَا يُقْسَمُ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا صَحَّ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَهَبَ النِّصْفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال مِنْ جَانِبِ التَّمْلِيكِ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَازٍ فَكَانَ الشُّيُوعُ وَهُوَ يَمْنَعُ الْقَبْضَ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ، وَلَيْسَ مَنْعُ الشُّيُوعِ لِجَوَازِ الْهِبَةِ إلَّا لِذَلِكَ،
-
وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ مُشَاعًا وَهُوَ حُكْمُ التَّمْلِيكِ ثَبَتَ التَّمْلِيكُ كَذَلِكَ، إذْ الْحُكْمُ يَثْبُتُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ مِنْ جَانِبِ الْمِلْكِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا يُقَالُ الشُّيُوعُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ إذَا وُجِدَ فِي الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا،
-
فَأَمَّا إذَا حَصَلَ فِي أَحَدِهِمَا فَلَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّهُ لَا يُلْحِقُ بِالْمُتَبَرِّعِ ضَمَانَ الْقِسْمَةِ وَهُوَ الْمَانِعُ عَنْ جَوَازِهَا شَائِعًا.
-
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الشُّيُوعَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ إذَا وُجِدَ فِي الطَّرَفَيْنِ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الطَّرَفَيْنِ،
-
وَأَمَّا الْمَانِعُ هُوَ إلْحَاقُ ضَمَانِ الْقِسْمَةِ بِالْمُتَبَرِّعِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَالُهُ، وَلَيْسَ الْمَانِعُ مُنْحَصِرًا فِيهِ بَلْ الْحُكْمُ يَدُورُ عَلَى نَفْسِ الشُّيُوعِ لِامْتِنَاعِ الْقَبْضِ بِهِ (قَوْلُهُ
-
بِخِلَافِ الرَّهْنِ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَشْهَدَا بِهِ.
-
وَوَجْهُهُ أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ الْحَبْسُ وَلَا شُيُوعَ فِيهِ، بَلْ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَلًا، وَلِهَذَا لَوْ قُضِيَ دَيْنُ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَرِدُّ شَيْئًا مِنْ الرَّهْنِ، وَذَكَرَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِبَيَانِ مَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رِوَايَةِ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّيُوعَ فِي الصَّدَقَةِ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ عِنْدَهُ كَمَا كَانَ يَمْنَعُ عَنْ جَوَازِ الْهِبَةِ، وَرِوَايَةُ الْأَصْلِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي مَنْعِ الشُّيُوعِ فِيهِمَا عَنْ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا حَيْثُ عَطَفَ فَقَالَ:
-
وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى الْقَبْضِ، وَالشُّيُوعُ يَمْنَعُ الْقَبْضَ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ.
-
وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الصَّدَقَةَ يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ وَهُوَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فَيَقَعُ جَمِيعُ الْعَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ فَلَا شُيُوعَ فِيهَا،
-
وَأَمَّا الْهِبَةُ فَيُرَادُ بِهَا وَجْهُ الْغِنَى وَالْفَرْضُ أَنَّهُمَا اثْنَانِ.
-
وَقِيلَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَتَأْوِيلُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ الصَّدَقَةُ عَلَى غَنِيَّيْنِ فَتَكُونُ مَجَازًا لِلْهِبَةِ،
-
وَيَجُوزُ الْمَجَازُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ
-
9/379/37
وَلَوْ وَهَبَ لِرَجُلَيْنِ دَارًا لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَاهَا وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ.
-
وَلَوْ قَالَ لِأَحَدِهِمَا نِصْفُهَا وَلِلْآخَرِ نِصْفُهَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ مُرَّ عَلَى أَصْلِهِ، وَكَذَا مُحَمَّدٌ.
-
فِي الْكِتَابِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ.
-
قَالَ (وَلَوْ وَهَبَ لِرَجُلَيْنِ دَارًا إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي الْهِبَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ الْإِجْمَالِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ التَّفْصِيلُ بِالتَّفْضِيلِ كَقَوْلِهِ وَهَبْت لَك ثُلُثَيْهِ لِشَخْصٍ وَوَهَبْت لَك ثُلُثَهُ الْآخَرَ أَوْ بِالتَّسَاوِي كَقَوْلِهِ لِشَخْصٍ وَهَبْت لَك نِصْفَهُ وَلِآخَرَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُتَفَاضِلًا أَوْ مُتَسَاوِيًا مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ، وَجَازَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مُطْلَقًا مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ، وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ الْمُسَاوَاةِ وَالْمُفَاضَلَةِ، فَفِي الْمُفَاضَلَةِ لَمْ يُجَوِّزْ فِي الْمُسَاوَاةِ جَوَّزَ فِي رِوَايَةٍ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَانِ، هَذَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ جَعَلَ قَوْلَهُ وَلَوْ قَالَ لِأَحَدِهِمَا نِصْفُهَا وَلِلْآخَرِ نِصْفُهَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَانِ تَفْصِيلًا ابْتِدَائِيًّا، وَنُقِلَ عَنْ عَامَّةِ النَّسْخِ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَالْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَطَفَ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ بَعْدَ الْإِجْمَالِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ ابْتِدَائِيًّا.
-
وَالْفَرْقُ لِأَبِي يُوسُفَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْأَبْعَاضِ يَظْهَرُ أَنَّ قَصْدَهُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْبَعْضِ فَيَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صُورَةِ التَّفْصِيلِ بِالتَّفْضِيلِ
-
9/389/38
وَالْفَرْقُ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْأَبْعَاضِ يَظْهَرُ أَنَّ قَصْدَهُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْبَعْضِ فَيَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إذَا رَهَنَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَنَصَّ عَلَى الْأَبْعَاضِ.