Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ)

العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 11557 to 11632

  1. 4/764/76

    لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَصَرُّفِ نَفْسِ الرَّجُلِ فِي الطَّلَاقِ شَرَعَ فِي بَيَانِ التَّصَرُّفِ الْحَاصِلِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ، وَأَخَّرَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَصَرُّفُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ.

  2. (فَصْلٌ فِي الِاخْتِيَارِ)

  3. هَذَا الْبَابُ ثَلَاثُ فُصُولٍ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَذَكَرَهَا مُتَوَالِيَةً وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا. الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقَعَ بِهَذَا شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ حَتَّى لَوْ قَالَ اخْتَرْتُك مِنْ نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي مِنْك لَا يَقَعُ شَيْءٌ،

  4. وَمَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا لَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهُ لِغَيْرِهِ، لَكِنْ اسْتَحْسَنُوا تَرْكَ الْقِيَاسِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَزَيْدٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ،

  5. فَإِذَا قَامَتْ فَلَا خِيَارَ لَهَا. وَلَمْ يُقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَ ذَلِكَ

  6. 4/774/77

    وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْفِعْلِ مِنْهَا، وَالتَّمْلِيكَاتُ تَقْتَضِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّ سَاعَاتِ الْمَجْلِسِ اُعْتُبِرَتْ سَاعَةً

  7. فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَقْتَصِرَ الْجَوَابُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَبْطُلَ خِيَارُهَا بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ مِنْ الزَّوْجِ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ فِيمَا يَحْتَمِلُ التَّأْبِيدَ يَتَأَبَّدُ، لَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ بِآثَارِ الصَّحَابَةِ، وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَهُ كَالْبَيْعِ فِي كَوْنِهِ تَمْلِيكًا،

  8. ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مِمَّا يَتَأَبَّدُ، وَمِمَّا لَا يَتَأَبَّدُ،

  9. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بَطَلَ الْقِيَاسُ: أَعْنِي قِيَاسَ الْمُصَنِّفِ التَّخْيِيرَ عَلَى الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ،

  10. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَانَ الِاخْتِيَارُ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ.

  11. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَالتَّوْكِيلِ بِأَنَّ التَّمْلِيكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُمَلَّكُ لَهُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَالتَّوْكِيلَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ عَامِلًا لِغَيْرِهِ، وَالْمَرْأَةُ بَعْدَ التَّخْيِيرِ إنَّمَا تَعْمَلُ لِنَفْسِهَا فَكَانَ التَّخْيِيرُ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا.

  12. وَأَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ شُبَهًا: أَحَدُهَا أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ إذَا وَكَّلَ الْمَدْيُونَ بِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ عَنْ الدَّيْنِ فَهُوَ وَكِيلٌ وَإِنْ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ عَنْ الدَّيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ عَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَيَمْلِكُ صَاحِبُ الدَّيْنِ الرُّجُوعَ قَبْلَ الْإِبْرَاءِ.

  13. وَالثَّانِيَةُ أَنَّ التَّخْيِيرَ لَوْ كَانَ تَمْلِيكًا تَوَارَدَ مِلْكُهُ وَمِلْكُهَا عَلَى الطَّلَاقِ دَفْعَةً وَهُوَ لَا يَصِحُّ. وَالثَّالِثَةُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَ وَطَلَّقَتْ هِيَ نَفْسَهَا حَنِثَ الزَّوْجُ فِي يَمِينِهِ،

  14. وَلَوْ مَلَكَتْ طَلَاقَهَا لَمَا حَنِثَ.

  15. وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَدْيُونِ لِنَفْسِهِ وَقَعَ فِي ضِمْنِ صِحَّةِ وَكَالَتِهِ وَالضِّمْنِيُّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَهُوَ لَيْسَ بِدَافِعٍ

  16. 4/784/78

    وَاحِدَةً، إلَّا أَنَّ الْمَجْلِسَ تَارَةً يَتَبَدَّلُ بِالذَّهَابِ عَنْهُ وَتَارَةً بِالِاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ آخَرَ، إذْ مَجْلِسُ الْأَكْلِ غَيْرُ مَجْلِسِ

  17. لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي التَّخْيِيرِ بِأَنَّهَا تَعْمَلُ لِنَفْسِهَا فِي ضِمْنِ صِحَّةِ وَكَالَتِهَا،

  18. وَكَذَا بَقِيَّةُ كَلَامِهِ فِي الْأَجْوِبَةِ لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ يَطُولُ الْكَلَامُ بِذِكْرِهِ.

  19. وَأَقُولُ: التَّمْلِيكُ هُوَ الْإِقْرَارُ الشَّرْعِيُّ عَلَى مَحَلِّ التَّصَرُّفِ وَالتَّوْكِيلُ هُوَ الْإِقْرَارُ عَلَى التَّصَرُّفِ وَحِينَئِذٍ تَنْدَفِعُ الشُّبْهَةُ الْأُولَى.

  20. وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِيَةِ أَنَّ التَّخْيِيرَ تَمْلِيكٌ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ لَهَا إلَّا بِالْقَبُولِ، فَقَبْلَهُ لَا مِلْكَ لَهَا وَبَعْدَهُ زَالَ مِلْكُهُ فَلَمْ يَتَوَارَدْ الْمِلْكَانِ عَلَيْهِ لَا قَبْلَ الْقَبُولِ وَلَا بَعْدَهُ. وَعَنْ الثَّالِثَةِ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَمْنُوعَةٌ وَالْمَنْعُ مَذْكُورٌ فِي الزِّيَادَاتِ.

  21. ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ إمَّا أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا أَوْ نَفْسَهَا،

  22. فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ. وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه : تَقَعُ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، كَأَنَّهُ جَعَلَ عَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ طَلَاقًا. وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ: «خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ

  23. 4/794/79

    الْمُنَاظَرَةِ وَمَجْلِسُ الْقِتَالِ غَيْرُهُمَا.

  24. وَيَبْطُلُ خِيَارُهَا بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ،

  25. بِخِلَافِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ هُنَاكَ الِافْتِرَاقُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ،

  26. ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي قَوْلِهِ: اخْتَارِي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي نَفْسِهَا وَيَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي تَصَرُّفٍ آخَرَ غَيْرِهِ (فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي قَوْلِهِ اخْتَارِي كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً) .

  27. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهَذَا شَيْءٌ،

  28. وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَلَا يَمْلِكُ التَّفْوِيضَ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم ، وَلِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَسْتَدِيمَ نِكَاحَهَا أَوْ يُفَارِقَهَا فَيَمْلِكُ إقَامَتَهَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ،

  29. ثُمَّ الْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا بِثُبُوتِ اخْتِصَاصِهَا بِهَا وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ (وَلَا يَكُونُ ثَلَاثًا وَإِنْ

  30. ذَلِكَ طَلَاقًا»، وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَنَا وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا بِثُبُوتِ اخْتِصَاصِهَا بِهَا، وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ،

  31. وَلَا يَقَعُ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ،

  32. بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ فَإِنَّهَا تَتَنَوَّعُ كَمَا تَقَدَّمَ.

  33. 4/804/80

    نَوَى الزَّوْجُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ،

  34. بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ قَدْ تَتَنَوَّعُ.

  35. قَالَ (وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ فِي كَلَامِهَا، حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي فَقَالَتْ قَدْ: اخْتَرْت فَهُوَ بَاطِلٌ) لِأَنَّهُ عُرِفَ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ فِي الْمُفَسَّرَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُبْهَمَ لَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلْمُبْهَمِ الْآخَرِ وَلَا تَعْيِينَ مَعَ الْإِبْهَامِ (وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَك فَقَالَتْ: اخْتَرْت تَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ كَلَامَهُ مُفَسَّرٌ، وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ فَيَتَضَمَّنُ إعَادَتَهُ

  36. وَقَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ كَلَامِهَا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ بِذِكْرِ النَّفْسِ فِي حَقِّ إرَادَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ مِنْ التَّخْيِيرِ،

  37. فَإِنَّ الْبَيْنُونَةَ كَمَا تَقَعُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ فَكَذَلِكَ تَقَعُ بِذِكْرِ مَا يَقُومُ مَقَامَ النَّفْسِ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ كَالتَّطْلِيقَةِ وَالِاخْتِيَارَةِ. وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْت فَهُوَ بَاطِلٌ) قِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْهَا الزَّوْجُ بِأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَمَّا إذَا صَدَقَهَا طَلُقَتْ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامَانِ مُبْهَمَيْنِ.

  38. وَقَوْلُهُ (وَلَا تَعْيِينَ مَعَ الْإِبْهَامِ) يَعْنِي أَنَّ اخْتَارِي مِنْ الْكِنَايَاتِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ وَلَا تَعْيِينَ مَعَ الْإِبْهَامِ، وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ اخْتَارِي نَفْسَك) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (فَيَتَضَمَّنُ إعَادَتَهُ) أَيْ إعَادَةَ كَلَامِهِ

  39. 4/814/81

    (وَكَذَا لَوْ قَالَ اخْتَارِي اخْتِيَارَةً فَقَالَتْ: اخْتَرْت) لِأَنَّ الْهَاءَ فِي الِاخْتِيَارَةِ تُنْبِئُ عَنْ الِاتِّحَادِ وَالِانْفِرَادِ، وَاخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا هُوَ الَّذِي يَتَّحِدُ مَرَّةً وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى فَصَارَ مُفَسَّرًا مِنْ جَانِبِهِ.

  40. (وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي يَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا نَوَى الزَّوْجُ) لِأَنَّ كَلَامَهَا مُفَسَّرٌ، وَمَا نَوَاهُ الزَّوْجُ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ (وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَقَالَتْ: أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي فَهِيَ طَالِقٌ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَطْلُقَ لِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ أَوْ يَحْتَمِلُهُ، فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي.

  41. فَكَأَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْت مَا أَمَرْتنِي بِاخْتِيَارِهِ وَهُوَ النَّفْسُ.

  42. وَقَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ اخْتَارِي اخْتِيَارَةً) بَيَانُ مَا يَقُومُ مَقَامَ النَّفْسِ فِي التَّفْسِيرِ (لِأَنَّ الْهَاءَ) أَيْ التَّاءَ (فِي الِاخْتِيَارَةِ تُنْبِئُ عَنْ الِاتِّحَادِ) لِكَوْنِهَا لِلْمَرَّةِ، وَالِاتِّحَادُ إنَّمَا يَكُونُ فِي اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا لِأَنَّهُ يَتَّحِدُ مَرَّةً بِأَنْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَك بِتَطْلِيقَةٍ (وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى) بِأَنْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَك بِمَا شِئْت أَوْ بِثَلَاثٍ (فَصَارَ مُفَسِّرًا مِنْ جَانِبِهِ)

  43. بِخِلَافِ اخْتِيَارِهَا الزَّوْجَ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ لِكَوْنِهِ عِبَارَةً عَنْ إبْقَاءِ النِّكَاحِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ. .

  44. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي) ظَاهِرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ وُقُوعَ كَلَامِ الْمَرْأَةِ مُفَسَّرًا بِذِكْرِهَا الِاخْتِيَارَةَ، كَمَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ اخْتَارِي فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ ذِكْرَ الِاخْتِيَارَةِ لَمَّا صَلَحَ لِلتَّفْسِيرِ صَارَ ذِكْرُهَا بِمَنْزِلَةِ ذِكْرِ النَّفْسِ وَكِلَاهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَوَاءٌ.

  45. فَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذِكْرِ الِاخْتِيَارَةِ (وَلَوْ قَالَ اخْتَارِي فَقَالَتْ أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي فَهِيَ طَالِقٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَطْلُقَ لِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ) يَعْنِي إنْ أَرَادَتْ الِاسْتِقْبَالَ (أَوْ يَحْتَمِلُهُ) إنْ لَمْ تُرِدْهُ، (فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي) فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَذَا

  46. 4/824/82

    وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حَدِيثُ «عَائِشَةَ رضي الله عنها ، فَإِنَّهَا قَالَتْ لَا بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» اعْتَبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ جَوَابًا مِنْهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَتَجُوزُ فِي الِاسْتِقْبَالِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَأَدَاءِ الشَّاهِدِ الشَّهَادَةَ،

  47. بِخِلَافِ قَوْلِهَا: أُطَلِّقُ نَفْسِي لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِكَايَةٍ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ، وَلَا كَذَلِكَ

  48. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حَدِيثُ عَائِشَةَ) وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَائِشَةَ فَقَالَ: إنِّي مُخْبِرُك بِأَمْرٍ فَلَا تُجِيبِينِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك، ثُمَّ أَخْبَرَهَا بِالْآيَةِ، فَقَالَتْ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ لَا، بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ» .

  49. وَاعْتَبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَوَابًا مِنْهَا وَإِنْ كَانَ عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُحْتَمِلِ الْوَعْدَ (وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَتَجَوُّزٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ) وَالْحَقِيقَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً (كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ) فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْهُ إيمَانًا لَا وَعْدًا بِالْإِيمَانِ،

  50. وَكَذَا الشَّاهِدُ إذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِكَذَا فَلَا يَصِيرُ إلَى الْمَجَازِ

  51. (بِخِلَافِ قَوْلِهَا أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مُتَعَذِّرٌ) إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ حَالَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ يَقَعُ قَوْلُهُ أُطَلِّقُ نَفْسِي حِكَايَةً عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِيقَاعَ بِاللِّسَانِ دُونَ

  52. 4/834/83

    قَوْلُهَا: أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا،

  53. وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ،

  54. وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ (وَقَالَا: تَطْلُقُ وَاحِدَةً) وَإِنَّمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ لِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ إذْ الِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي

  55. الْقَلْبِ وَلَمْ يَصِحَّ فِعْلُ اللِّسَانِ حِكَايَةً عَنْ فِعْلٍ قَائِمٍ بِاللِّسَانِ عَلَى سَبِيلِ الْحَالِ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ بَعْدُ وَالْحِكَايَةُ تَقْتَضِي وُجُودَ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ (وَلَا كَذَلِكَ أَخْتَارُ نَفْسِي لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ فَيَكُونُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ حِكَايَةً عَنْ أَمْرٍ قَائِمٍ لَا مَحَالَةَ.

  56. وَاعْتَرَضَ الشَّارِحُونَ عَلَى قَوْلِهِ حَقِيقَةً فِي الْحَالِ بِأَنَّ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِيغَةَ الْمُضَارِعِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَهُمْ أَعْرَفُ بِالْمَوْضُوعَاتِ.

  57. وَأَجَابَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَتَابَعَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ أَحَدَ مَعْنَيَيْ الْمُشْتَرَكِ يَتَرَجَّحُ بِدَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَقَدْ وُجِدَ هَاهُنَا دَلَالَةُ إرَادَةِ الْحَالِ بِهِ، إذْ الْعَادَةُ الْعُرْفِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلْحَالِ يَقُولُ الرَّجُلُ فُلَانٌ يَخْتَارُ كَذَا وَأَنَا أَمْلِكُ كَذَا فِي الْعَادَةِ وَفِي الشَّرِيعَةِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ بِدَافِعٍ لِلسُّؤَالِ وَلَيْسَ لَهُ اتِّصَالٌ بِهَذَا الْمَحَلِّ.

  58. وَأَقُولُ: بَحْثُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَيْسَ بِوَظِيفَةِ النَّحْوِيِّ فَلَا مُعْتَبَرَ بِكَلَامِهِمْ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَظِيفَةُ الْأُصُولِ أَوْ وَظِيفَةُ الْبَيَانِ، وَأَهْلُ الْبَيَانِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذِكْرِهِ فِيمَا وَصَلَ إلَيْنَا مِنْ كُتُبِهِمْ، وَأَهْلُ الْأُصُولِ نَقَلُوا فِيهِ الْخِلَافَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْعَكْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ، وَالْأَوَّلُ مُخْتَارُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُصَنِّفُ مِنْهُمْ لَا مَحَالَةَ، وَالْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ مَرْجُوحٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فَالْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ مُخِلٌّ بِالْفَهْمِ عَلَى مَا عُرِفَ.

  59. قَالَ (وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي فَقَالَتْ قَدْ اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،

  60. وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ وَلَا إلَى ذِكْرِ النَّفْسِ، وَعِنْدَهُمَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ) وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْكِنَايَاتِ (لِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ إذْ الِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي

  61. 4/844/84

    يَتَكَرَّرُ لَهُمَا إنْ ذَكَرَ الْأُولَى، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ إنْ كَانَ لَا يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ فَيُعْتَبَرُ فِيمَا يُفِيدُ.

  62. يَتَكَرَّرُ) فَكَانَ مُتَعَيِّنًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ النَّفْسِ لِزَوَالِ الْإِبْهَامِ، قَالَ: الْأُولَى وَالْوُسْطَى وَالْأَخِيرَةَ كُلٌّ مِنْهَا اسْمٌ لِمُفْرَدٍ مُرَتَّبٍ، وَلَيْسَ الْمَحَلُّ مَحَلَّ تَرْتِيبٍ فَيَلْغُو التَّرْتِيبُ وَيَبْقَى الْإِفْرَادُ، وَكَأَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْت التَّطْلِيقَةَ الْأُولَى لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا اخْتَرْت الْأُولَى اخْتَرْت مَا صَارَ إلَيَّ بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى، وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهَا بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى تَطْلِيقَةٌ فَكَأَنَّهَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ وَفِي ذَلِكَ يَقَعُ وَاحِدَةٌ فَكَذَا هَاهُنَا.

  63. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا وَصْفُ لَغْوٍ لِأَنَّ الْمُجْتَمِعَ فِي الْمِلْكِ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ كَالْمُجْتَمِعِ فِي الْمَكَانِ فَإِنَّ الْقَوْمَ إذَا اجْتَمَعُوا فِي مَكَان لَا يُقَالُ هَذَا أَوَّلُ وَهَذَا آخِرُ وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ فِي فِعْلِ الْأَعْيَانِ يُقَالُ هَذَا جَاءَ أَوَّلًا وَهَذَا جَاءَ آخِرًا وَكُلُّ مَا لَا تَرْتِيبَ فِيهِ يَلْغُو فِيهِ الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ لِلتَّرْتِيبِ وَهُوَ الْأُولَى وَأُخْتَاهَا،

  64. وَإِذَا لَغَا اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ يَلْغُو مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ أَيْضًا لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ أَصْلٌ بِدَلَالَةِ الِاشْتِقَاقِ وَالْإِفْرَادُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ،

  65. وَإِذَا لَغَا فِي حَقِّ الْأَصْلِ لَغَا فِي حَقِّ الْبِنَاءِ،

  66. وَإِذَا لَغَا فِي حَقِّهِمَا بَقِيَ قَوْلُهَا اخْتَرْت وَهُوَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْكُلِّ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَطْلَقَ الْكَلَامَ عَلَى الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةِ وَكُلٌّ مِنْهَا مُفْرَدٌ فَلَا يَكُونُ كَلَامًا. وَالثَّانِي أَنَّ

  67. 4/854/85

    وَلَهُ أَنَّ هَذَا وَصْفٌ لَغْوٌ لِأَنَّ الْمُجْتَمِعَ فِي الْمِلْكِ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ كَالْمُجْتَمِعِ فِي الْمَكَانِ، وَالْكَلَامُ لِلتَّرْتِيبِ وَالْإِفْرَادُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ،

  68. فَإِذَا لَغَا فِي حَقِّ الْأَصْلِ لَغَا فِي حَقِّ الْبِنَاءِ (وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّهَا لِلْمَرَّةِ فَصَارَ كَمَا إذَا صَرَّحَتْ بِهَا وَلِأَنَّ الِاخْتِيَارَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَبِدُونِ التَّأْكِيدِ تَقَعُ الثَّلَاثُ فَمَعَ التَّأْكِيدِ أَوْلَى

  69. الْأُولَى اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ فَكَانَ الْإِفْرَادُ أَصْلًا وَالتَّرْتِيبُ بِنَاءً لِكَوْنِهِ يُفْهَمُ مِنْ وَصْفِهِ.

  70. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ رُبَّمَا يُطْلِقُونَ الْكَلَامَ عَلَى الْمُرَكَّبِ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُتَمَيِّزَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا، وَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ،

  71. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ صِفَةٌ وَالصِّفَةُ مَا دَلَّتْ عَلَى ذَاتٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى هُوَ الْمَقْصُودُ فَيَكُونُ الْأُولَى دَالًّا عَلَى الْفَرْدِ السَّابِقِ وَمَعْنَى السَّبْقِ هُوَ الْمَقْصُودُ فَصَحَّ أَنَّ التَّرْتِيبَ أَصْلٌ وَالْإِفْرَادَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَقُومُ إلَّا بِالذَّاتِ الَّتِي لَزِمَتْهَا الْفَرْدِيَّةُ فِي الْوُجُودِ وَهَذَا كَمَا تَرَى مَعْنًى دَقِيقٌ جَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الْمُحَصِّلِينَ خَيْرًا (وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) وَهُوَ وَاضِحٌ

  72. 4/864/86

    (وَلَوْ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُوجِبُ الِانْطِلَاقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَكَأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك فِي تَطْلِيقَةٍ أَوْ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الِاخْتِيَارَ لَكِنْ بِتَطْلِيقَةٍ وَهِيَ مُعْقِبَةٌ لِلرَّجْعَةِ بِالنَّصِّ.

  73. وَلَوْ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ) يَعْنِي فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ اخْتَارِي (فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ) يَعْنِي قَوْلَهَا قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت بِتَطْلِيقَةٍ (يُوجِبُ الِانْطِلَاقَ) أَيْ الْبَيْنُونَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ وَمَا يُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَانَ عِنْدَ الْوُقُوعِ رَجْعِيًّا فَهَذَا اللَّفْظُ يُوجِبُ الرَّجْعِيَّ.

  74. فَإِنْ قِيلَ: إذَنْ لَا يَكُونُ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلتَّفْوِيضِ لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهَا الِاخْتِيَارُ وَهُوَ يُفِيدُ الْبَيْنُونَةَ. أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ (فَكَأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ) فَكَانَ مُطَابِقًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الِاخْتِيَارَ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا. قَالَ الشَّارِحُونَ: وَقَوْلُهُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ غَلَطٌ وَقَعَ مِنْ الْكَاتِبِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا تَتَصَرَّفُ حُكْمًا لِلتَّفْوِيضِ وَالتَّفْوِيضُ بِتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ لِكَوْنِهِ مِنْ الْكِنَايَاتِ فَتَمْلِكُ الْإِبَانَةَ لَا غَيْرُ،

  75. وَالْأَصَحُّ مِنْ الرِّوَايَةِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَلَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالزِّيَادَاتِ وَعَامَّةَ نُسَخِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَكَذَا، سِوَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِصَدْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مِثْلَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَالدَّلِيلُ أَيْضًا يُسَاعِدُ مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، أَمَّا وُقُوعُ الْوَاحِدَةِ فَلِمَا قُلْنَا وَهُوَ أَنَّ التَّطْلِيقَةَ لَا تَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بَائِنًا لِأَنَّ الْعَامِلَ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ وَالْوَاقِعُ بِالتَّخْيِيرِ بَائِنٌ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ النَّفْسِ مِنْهَا وَالرَّجْعِيُّ لَا يُثْبِتُ مِلْكَ النَّفْسِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك فِي تَطْلِيقَةٍ أَوْ اخْتَارِي بِتَطْلِيقَةٍ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الِاخْتِيَارَ لَكِنْ بِتَطْلِيقَةٍ وَهِيَ تَعْقُبُ الرَّجْعَةَ) قِيلَ فَعَلَى هَذَا كَانَ قَوْلُهُ هَذَا فِي التَّقْدِيرِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك، وَقَوْلُهَا اخْتَرْت لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِقَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك بَلْ يَلْغُو.

  76. وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهَا اخْتَرْت إنَّمَا لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِقَوْلِهِ طَلِّقِي لِكَوْنِهِ أَضْعَفَ مِنْ الطَّلَاقِ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ دُونَ لَفْظِ الِاخْتِيَارِ؛ وَلِهَذَا صَحَّ بِالْعَكْسِ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ أَقْوَى، وَهَهُنَا لَمْ يَكُنْ