فَصْلٌ فِي الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ)
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 28734 to 28865
-
8/4328/432
أَخَّرَ بَيَانَ حُكْمِ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ عَنْ الدَّيْنِ الْمُفْرَدِ لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ يَتْلُو الْمُفْرَدَ.
-
قَالَ (وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ إلَخْ) إذَا كَانَ الدَّيْنُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فَصَالَحَ أَحَدُهُمَا مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى ثَوْبٍ فَشَرِيكُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ اتَّبَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنَ بِنِصْفِهِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الثَّوْبِ مِنْ الشَّرِيكِ، إلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ شَرِيكُهُ رُبْعَ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ لِشَرِيكِهِ فِي اتِّبَاعِ الْغَرِيمِ أَوْ شَرِيكِهِ الْقَابِضِ، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الدَّيْنَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إذَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ شَيْئًا فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ أَوْ غَيْرُهُمَا،
-
8/4338/433
لِأَنَّ الْعَيْنَ غَيْرُ الدَّيْنِ حَقِيقَةً وَقَدْ قَبَضَهُ بَدَلًا عَنْ حَقِّهِ فَيَمْلِكُهُ حَتَّى يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَيَضْمَنَ لِشَرِيكِهِ حِصَّتَهُ، وَالدَّيْنُ الْمُشْتَرَكُ يَكُونُ وَاجِبًا بِسَبَبٍ مُتَّحِدٍ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إِذَا كَانَ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَثَمَنِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَوْرُوثِ بَيْنَهُمَا وَقِيمَةِ الْمُسْتَهْلَكِ الْمُشْتَرَكِ. إِذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ: لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ لِأَنَّ نَصِيبَهُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّ الْقَابِضَ قَبَضَ نَصِيبَهُ لَكِنَّ لَهُ حَقَ الْمُشَارَكَةِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الثَّوْبِ لِأَنَّ لَهُ حَقَ الْمُشَارَكَةِ إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ شَرِيكُهُ رُبُعَ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ حَقُّهُ فِي ذَلِكَ. قَالَ (وَلَوِ اسْتَوْفَى نِصْفَ نَصِيبِهِ مِنَ الدَّيْنِ كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيمَا قَبَضَ) لِمَا قُلْنَا (ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْغَرِيمِ بِالْبَاقِي) لِأَنَّهُمَا لَمَّا اشْتَرَكَا فِي الْمَقْبُوضِ لَا بُدَ أَنْ يَبْقَى الْبَاقِي عَلَى الشَّرِكَةِ.
-
قَالَ (وَلَوْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِنَصِيبِهِ مِنَ الدَّيْنِ سِلْعَةً كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ رُبُعَ الدَّيْنِ) لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا حَقَّهُ بِالْمُقَاصَّةِ كَامِلًا، لِأَنَّ مَبْنَى الْبَيْعِ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ
-
بِخِلَافِ الصُّلْحِ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْإِغْمَاضِ وَالْحَطِيطَةِ،
-
فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ دَفْعَ رُبْعِ الدَّيْنِ يَتَضَرَّرُ بِهِ، فَيَتَخَيَّرُ الْقَابِضَ كَمَا ذَكَرْنَا،
-
وَلَا سَبِيلَ لِلشَّرِيكِ عَلَى الثَّوْبِ
-
لِأَنَّ الدَّيْنَ ازْدَادَ خَيْرًا بِالْقَبْضِ، إذْ مَالِيَّةُ الدَّيْنِ بِاعْتِبَارِ عَاقِبَةِ الْقَبْضِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ رَاجِعَةٌ إلَى أَصْلِ الْحَقِّ فَيَصِيرُ كَزِيَادَةِ الْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَلَهُ حَقُّ الْمُشَارَكَةِ فِي ذَلِكَ،
-
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ زِيَادَةُ الدَّيْنِ بِالْقَبْضِ كَزِيَادَةِ الثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ لَمَا جَازَ تَصَرُّفُ الْقَابِضِ فِي الْمَقْبُوضِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ التَّصَرُّفُ فِي الْوَلَدِ وَالثَّمَرَةُ بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ.
-
أَجَابَ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُ: أَيْ الْمَقْبُوضَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الشَّرِيكُ مُشَارَكَةَ الْقَابِضِ فِيهِ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْقَابِضِ، لِأَنَّ الْعَيْنَ غَيْرُ الدَّيْنِ حَقِيقَةً وَقَدْ قَبَضَهُ بَدَلًا عَنْ حَقِّهِ فَيَمْلِكُهُ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ حِصَّتَهُ، عُرِفَ الدَّيْنُ الْمُشْتَرَكُ بِأَنَّهُ الَّذِي يَكُونُ وَاجِبًا بِسَبَبٍ مُتَّحِدٍ كَثَمَنِ مَبِيعٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِأَنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَيْنٌ عَلَى حِدَةٍ فَبَاعَا صَفْقَةً وَاحِدَةً وَثَمَنُ مَالٍ مُشْتَرَكٍ وَمَوْرُوثٍ مُشْتَرَكٍ وَقِيمَةٍ مُسْتَهْلَكٍ مُشْتَرَكٍ.
-
وَقَيَّدَ الصَّفْقَةَ بِالْوَحْدَةِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ رَجُلٍ بِخَمْسِمِائَةٍ وَبَاعَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ مِنْهُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَكَتَبَ عَلَيْهِ صَكًّا وَاحِدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ، لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَبَ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَا تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا بِاتِّحَادِ الصَّكِّ.
-
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكْتَفِيَ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ صَفْقَةً وَاحِدَةً، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى هَذَا وَيُقَالَ: إذَا كَانَ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِشَرْطِ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَصِفَتِهِ، لِأَنَّهُمَا لَوْ بَاعَاهُ صَفْقَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّ نَصِيبَ فُلَانٍ مِنْهُ مِائَةٌ وَنَصِيبَ فُلَانٍ خَمْسَمِائَةٍ ثُمَّ قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ، لِأَنَّ تَفَرُّقَ التَّسْمِيَةِ فِي حَقِّ الْبَائِعِينَ كَتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَ الْبَيْعَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ نَصِيبَهُ خَمْسَمِائَةٍ بَخِّيَّةً وَنُصِيبُ الْآخَرِ خَمْسُمِائَةٍ سُودٌ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيمَا قَبَضَهُ، لِأَنَّ بِالتَّسْمِيَةِ تَفَرَّقَتْ وَتَمَيَّزَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ وَصْفًا، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَهُ لِأَنَّهُ شَرَطَ الِاشْتِرَاكَ وَهُوَ فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهِ.
-
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْأَصْلِ قَالَ (إذَا عَرَفْنَا هَذَا) وَنَزَلَ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ هَذَا إذَا كَانَ صَالَحَ عَلَى شَيْءٍ،
-
وَلَوْ اسْتَوْفَى نِصْفَ نَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيمَا قَبَضَ لِمَا قُلْنَا مِنْ الْأَصْلِ ثُمَّ يَرْجِعَانِ بِالْبَاقِي عَلَى الْغَرِيمِ، لِأَنَّهُمَا لَمَّا اشْتَرَكَا فِي الْمَقْبُوضِ لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ مِنْ الشَّرِكَةِ.
-
قَالَ (وَلَوْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِنَصِيبِهِ إلَخْ) وَلَوْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ ثَوْبًا كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ رُبْعَ الدَّيْنِ
-
8/4348/434
فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِعَقْدِهِ وَالِاسْتِيفَاءِ بِالْمُقَاصَّةِ بَيْنَ ثَمَنِهِ وَبَيْنَ الدَّيْنِ
-
وَلَيْسَ الشَّرِيكُ مُخَيَّرًا بَيْنَ دَفْعِ رُبْعِ الدَّيْنِ وَنِصْفِ الثَّوْبِ كَمَا كَانَ فِي صُورَةِ الصُّلْحِ، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى نَصِيبَهُ بِالْمُقَاصَّةِ بَيْنَ مَا لَزِمَهُ بِشِرَاءِ الثَّوْبِ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَى الْغَرِيمِ كَمَلًا: أَيْ مِنْ غَيْرِ حَطِيطَةٍ وَإِغْمَاضٍ، لِأَنَّ مَبْنَى الْبَيْعِ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ
-
وَمِثْلُهُ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ وَالْإِغْمَاضُ وَالْحَطِيطَةُ،
-
بِخِلَافِ الصُّلْحِ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ،
-
فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ فِي الصُّلْحِ تَضْمِينَ رُبُعِ الدَّيْنِ أَلْبَتَّةَ تَضَرَّرَ فَيُخَيَّرُ الْقَابِضُ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ شَرِيكُهُ، وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ عَلَى الثَّوْبِ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ سَبِيلٌ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِعَقْدِهِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِعَقْدِهِ أَمَّا كَانَ بِبَعْضِ دَيْنٍ مُشْتَرَكٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْمَقْبُوضِ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالِاسْتِيفَاءُ بِالْمُقَاصَّةِ بَيْنَ ثَمَنِهِ وَبَيْنَ الدَّيْنِ) يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَمْ يَقَعْ بِمَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَلْ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الثَّمَنِ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ، إذْ الْبَيْعُ يَقْتَضِي
-
8/4358/435
وَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَتْبَعَ الْغَرِيمَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّتِهِ بَاقٍ لِأَنَّ الْقَابِضَ اسْتَوْفَى نَصِيبَهُ حَقِيقَةً لَكِنَّ لَهُ حَقَ الْمُشَارَكَةِ فَلَهُ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ،
-
فَلَوْ سَلَّمَ لَهُ مَا قَبَضَ ثُمَّ تَوَى مَا عَلَى الْغَرِيمِ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْقَابِضَ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ لِيُسَلِّمَ لَهُ مَا فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ وَلَمْ يُسَلِّمْ،
-
وَلَوْ وَقَعَتِ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ لِأَنَّهُ قَاضٍ بِنَصِيبِهِ لَا مُقْتَضٍ،
-
وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ نَصِيبِهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ وَلَيْسَ بِقَبْضٍ،
-
وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنِ الْبَعْضِ كَانَتْ قِسْمَةُ الْبَاقِي عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ السِّهَامِ،
-
وَلَوْ أَخَّرَ أَحَدَهُمَا عَنْ نَصِيبِهِ صَحَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارًا بِالْإِبْرَاءِ الْمُطْلَقِ،
-
ثُبُوتَ الثَّمَنِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، وَالْإِضَافَةُ إلَى مَا عَلَى الْغَرِيمِ مِنْ نَصِيبِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ إنْ تَحَقَّقَتْ لَا تُنَافِي ذَلِكَ، لِأَنَّ النُّقُودَ عَيْنًا كَانَتْ أَوْ دَيْنًا لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ.
-
وَإِذَا ظَهَرَتْ الْمُقَاصَّةُ انْدَفَعَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قِسْمَةِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّهَا لَزِمَتْ فِي ضِمْنِ الْمُعَاقَدَةِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهَا،
-
وَأَمَّا الصُّلْحُ فَلَيْسَ يَلْزَمُ بِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُصَالِحِ شَيْءٌ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذَ مِنْ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ فَكَانَ الشَّرِيكُ بِسَبِيلٍ مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِيهِ (وَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَتَّبِعَ الْغَرِيمَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا) مِنْ الصُّلْحِ عَنْ نَصِيبِهِ عَلَى ثَوْبٍ وَاسْتِيفَاءِ نَصِيبِهِ بِالنُّقُودِ وَشِرَاءِ السِّلْعَةِ بِنَصِيبِهِ (لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ بَاقٍ، لِأَنَّ الْقَابِضَ اسْتَوْفَى نَصِيبَهُ حَقِيقَةً لَكِنْ لَهُ حَقُّ الْمُشَارَكَةِ فَلَهُ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ) لِئَلَّا يَنْقَلِبَ مَالُهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ خَلَفٌ بَاطِلٌ (فَلَوْ سَلَّمَ السَّاكِتُ لِلْقَابِضِ مَا قَبَضَ ثُمَّ تَوَى مَا عَلَى الْغَرِيمِ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْقَابِضَ) فِي الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ (لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ لِيُسَلِّمَ لَهُ مَا فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ وَلَمْ يُسَلِّمْ) كَمَا إذَا مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا فَإِنَّ الْمُحْتَالَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ لِذَلِكَ،
-
وَإِذَا كَانَ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ دَيْنٌ لِلْغَرِيمِ قَبْلَ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ لِأَنَّهُ قَاضٍ بِنَصِيبِهِ لَا مُقْتَضٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ آخِرَ الدَّيْنَيْنِ قَضَاءٌ عَنْ أَوَّلِهِمَا، إذْ الْعَكْسُ يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَالْقَضَاءُ لَا يَسْبِقُهُ (وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ نَصِيبِهِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ وَلَيْسَ بِقَبْضٍ،
-
وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْبَعْضِ كَانَتْ قِسْمَةُ الْبَاقِي عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ السِّهَامِ) حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُمَا عَلَى الْمَدْيُونِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا فَأَبْرَأَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَنْ نِصْفِ نَصِيبِهِ كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ لَهُ بِالْخَمْسَةِ وَلِلسَّاكِتِ بِالْعَشَرَةِ (وَلَوْ أَخَّرَ أَحَدُهُمَا عَنْ نَصِيبِهِ صَحَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) خِلَافًا لَهُمَا، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ صِفَةِ الِاخْتِلَافِ مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ
-
8/4368/436
وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قِسْمَةِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَلَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا عَيْنًا مِنْهُ أَوِ اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا وَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَهُوَ قَبْضٌ وَالِاسْتِئْجَارُ بِنَصِيبِهِ قَبْضٌ،
-
الْكُتُبِ حَيْثُ ذُكِرَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَذَلِكَ سَهْلٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى رِوَايَةٍ لِمُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ التَّأْخِيرَ لِكَوْنِهِ إبْرَاءً مُؤَقَّتًا بِالْإِبْرَاءِ الْمُطْلَقِ، وَقَالَا: يَلْزَمُ قِسْمَةُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِامْتِيَازِ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ عَنْ الْآخَرِ بِاتِّصَافِ أَحَدِهِمَا بِالْحُلُولِ وَالْآخَرِ بِالتَّأْجِيلِ، وَقِسْمَةُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بِتَأْخِيرِ الْبَعْضِ هَلْ يَتَمَيَّزُ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ عَنْ الْآخَرِ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ تَمَيَّزَ بَطَلَ قَوْلُكُمْ وَذَلِكَ لَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ،
-
وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بَطَلَ قَوْلُكُمْ لِامْتِيَازِ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ عَنْ الْآخَرِ بِكَذَا وَكَذَا.
-
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ تَأْخِيرَ الْبَعْضِ فِيهِ يَسْتَلْزِمُ التَّمْيِيزَ بِذِكْرِ مَا يُوجِبُهُ فِيمَا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ فِيهِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ لِامْتِيَازِ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ لِاسْتِلْزَامِ التَّأْخِيرِ الِامْتِيَازَ.
-
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَجُوزُ إبْرَاءُ أَحَدِهِمَا عَنْ نَصِيبِهِ وَذِكْرُ الْإِبْرَاءِ يُوجِبُ التَّمْيِيزَ بِكَوْنِ بَعْضِهِ مَطْلُوبًا وَبَعْضَهُ لَا فِيمَا يَسْتَحِيلُ فِيهِ ذَلِكَ.
-
أُجِيبَ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ النَّصِيبَيْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْإِبْرَاءِ بِمَوْجُودٍ فَلَا قِسْمَةَ.
-
لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ الْقِسْمَةُ أَمْرًا وُجُودِيًّا لَزِمَ مَا ذَكَرْتُمْ، وَإِنَّمَا هِيَ رَفْعُ الِاشْتِرَاكِ أَوْ الِاتِّحَادِ أَوْ مَا شِئْت فَسَمِّهِ وَذَلِكَ عَدَمِيٌّ،
-
فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَقْتَضِي وُجُودَ النَّصِيبَيْنِ.
-
لِأَنَّا نَقُولُ: الْقِسْمَةُ إفْرَازُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ بِمَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْآخَرُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَهُمَا لَا مَحَالَةَ، وَارْتِفَاعُ الشَّرِكَةِ مِنْ لَوَازِمِهِ وَالِاعْتِبَارُ لِلْمَوْضُوعَاتِ الْأَصْلِيَّةِ (وَلَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا عَيْنًا مِنْهُ أَوْ اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَهُوَ قَبْضٌ) لِأَنَّ ضَمَانَ الْهَالِكِ قِصَاصٌ بِقَدْرِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَهُوَ آخِرُ الدَّيْنَيْنِ فَيَصِيرُ قَضَاءً لِلْأَوَّلِ،
-
وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَ مِنْ الْغَرِيمِ بِنَصِيبِهِ دَارًا وَسَكَنَهَا فَأَرَادَ شَرِيكُهُ اتِّبَاعَهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ صَارَ مُقْتَضِيًا نَصِيبَهُ وَقَدْ قَبَضَ مَالَهُ حُكْمُ الْمَالِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِأَنَّ مَا عَدَا مَنَافِعِ الْبُضْعِ مِنْ الْمَنَافِعِ جُعِلَ
-
8/4378/437
وَكَذَا الْإِحْرَاقُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ رحمه الله وَالتَّزَوُّجُ بِهِ إِتْلَافٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ،
-
وَكَذَا الصُّلْحُ عَلَيْهِ مِنْ جِنَايَةِ الْعَمْدِ. قَالَ (وَإِذَا كَانَ السَّلَمُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَصَالَحَ أَحَدُهُمَا مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله يَجُوزُ الصُّلْحُ) اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الدُّيُونِ،
-
مَالًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عِنْدَ وُرُودِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا
-
(وَكَذَا الْإِحْرَاقُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) وَصُورَتُهُ: مَا إذَا رَمَى النَّارَ عَلَى ثَوْبِ الْمَدْيُونِ فَأَحْرَقَهُ وَهُوَ يُسَاوِي نَصِيبَ الْمُحْرَقِ،
-
وَأَمَّا إذَا أَخَذَ الثَّوْبَ ثُمَّ أَحْرَقَهُ فَإِنَّ لِلشَّرِيكِ السَّاكِتِ أَنْ يَتَّبِعَ الْمُحْرِقَ بِالْإِجْمَاعِ.
-
لِمُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّ الْإِحْرَاقَ إتْلَافٌ لِمَالٍ مَضْمُونٍ فَكَانَ كَالْغَصْبِ، وَالْمَدْيُونُ صَارَ قَاضِيًا لِنَصِيبِهِ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ فَيُجْعَلُ الْمُحْرِقُ مُقْتَضِيًا، وَلِأَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ مُتْلِفَ نَصِيبَهُ بِمَا صَنَعَ لَا قَابِضَ، لِأَنَّ الْإِحْرَاقَ إتْلَافٌ فَكَانَ هَذَا نَظِيرَ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى نَفْسِ الْمَدْيُونِ حَتَّى سَقَطَ نَصِيبُهُ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَكَذَا إذَا جَنَى بِالْإِحْرَاقِ،
-
وَإِذَا تَزَوَّجَ بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْ حِصَّتِهِ شَيْئًا مَضْمُونًا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بِهِ الْبُضْعَ، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ وَلَا مَضْمُونٍ عَلَى أَحَدٍ فَكَانَ كَالْجِنَايَةِ وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ وَإِنْ كَانَ بِالنَّصِيبِ لَفْظًا فَهُوَ بِمِثْلِهِ مَعْنًى فَيَكُونُ دَيْنُ الْمَهْرِ الْوَاجِبِ لِلْمَرْأَةِ آخِرَ الدَّيْنَيْنِ فَيَصِيرُ قَضَاءً لِلْأَوَّلِ فَيَتَحَقَّقُ الْقَضَاءُ وَالِاقْتِضَاءُ، وَالصُّلْحُ عَلَى نَصِيبِهِ بِجِنَايَةِ الْعَمْدِ إتْلَافٌ كَالتَّزَوُّجِ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا قَابِلًا لِلشَّرِكَةِ بَلْ أَتْلَفَ نَصِيبَهُ.
-
قِيلَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عَمْدًا لِأَنَّهُ فِي الْخَطَإِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَ فِي الْإِيضَاحِ فَقَالَ:
-
وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَصَالَحَهُ عَلَى حِصَّتِهِ لَمْ يَلْزَمْ الشَّرِيكَ شَيْءٌ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمُوضِحَةِ بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ، وَأَرَى أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَرْشَ قَدْ يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ فَلَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا لِشَيْءٍ.
-
قَالَ (وَإِذَا كَانَ السَّلَمُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ إلَخْ) إذَا أَسْلَمَ رَجُلَانِ رَجُلًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَصَالَحَ أَحَدُهُمَا مَعَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَيَفْسَخَ عَقْدَ السَّلَمِ فِي نَصِيبِهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ إلَّا بِإِجَازَةِ الْآخَرِ،
-
فَإِنْ أَجَازَ جَازَ وَكَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَمَا بَقِيَ مِنْ السَّلَمِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: جَازَ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الدُّيُونِ،
-
فَإِنَّ أَحَدَ الدَّائِنَيْنِ إذَا صَالَحَ الْمَدْيُونَ عَنْ نَصِيبِهِ عَلَى بَدَلٍ جَازَ وَكَانَ الْآخَرُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَدْيُونِ بِنَصِيبِهِ كَذَلِكَ هَاهُنَا
-
8/4388/438
وَبِمَا إِذَا اشْتَرَيَا عَبْدًا فَأَقَالَ أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ
-
. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَوْ جَازَ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً يَكُونُ قِسْمَةُ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ،
-
وَلَوْ جَازَ فِي نَصِيبِهِمَا لَا بُدَ مِنْ إِجَازَةِ الْآخَرِ
-
بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ صَارَ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ وَالْعَقْدُ قَامَ بِهِمَا فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِرَفْعِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَشَارَكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ،
-
فَإِذَا شَارَكَهُ فِيهِ رَجَعَ الْمُصَالِحُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَيُؤَدِّي إِلَى عَوْدِ السَّلَمِ بَعْدَ سُقُوطِهِ. قَالُوا: هَذَا إِذَا خَلَطَا رَأْسَ الْمَالِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُونَا قَدْ خَلَطَاهُ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي هُوَ عَلَى الِاتِّفَاقِ.
-
وَبِمَا إذَا اشْتَرَيَا عَبْدًا فَأَقَالَ أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ) بِجَامِعِ أَنَّ هَذَا الصُّلْحَ إقَالَةٌ وَفَسْخٌ لِعَقْدِ السَّلَمِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ جَازَ فَإِمَّا أَنْ جَازَ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً أَوْ فِي النِّصْفِ مِنْ النَّصِيبَيْنِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَزِمَ قِسْمَةُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّ خُصُوصِيَّةَ نَصِيبِهِ لَا تَظْهَرُ إلَّا بِالتَّمْيِيزِ،
-
وَلَا تَمْيِيزَ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بُطْلَانُهَا،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا بُدَّ مِنْ إجَازَةِ الْآخَرِ لِتَنَاوُلِهِ بَعْضَ نَصِيبِهِ.
-
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَيْنِ جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ أَبِي يُوسُفَ الْمُتَنَازِعَ عَلَى شِرَاءِ الْعَبْدِ وَتَقْرِيرِهِ،
-
بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَيْنِ فَإِنَّا إذَا اخْتَرْنَا فِيهِ الشِّقَّ الْأَوَّلَ مِنْ التَّرْدِيدِ لَمْ يَلْزَمْ الْمَحْذُورَ الْمَذْكُورَ فِيهِ فِي السَّلَمِ وَهُوَ قِسْمَةُ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ.
-
وَاسْتَظْهَرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ يَعْنِي أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ إنَّمَا صَارَ وَاجِبًا بِعَقْدِ السَّلَمِ وَالْعَقْدُ قَامَ بِهِمَا فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِرَفْعِهِ.
-
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ جَازَ الصُّلْحُ لَشَارَكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا،
-
وَإِذَا شَارَكَهُ فِيهِ يَرْجِعُ الْمُصَالِحُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ بِالْقَدْرِ الَّذِي قَبَضَهُ الشَّرِيكُ حَيْثُ لَمْ يُسْلِمْ لَهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ وَقَدْ كَانَ سَاقِطًا بِالصُّلْحِ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ سُقُوطِهِ.
-
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ إذَا اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا نِصْفَهُ،
-
فَإِذَا شَارَكَهُ صَاحِبُهُ فِي النِّصْفِ رَجَعَ الْمُصَالِحُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَرِيمِ وَفِيهِ عَوْدُ الدَّيْنِ بَعْدَ سُقُوطِهِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَخَذَ بَدَلَ الدَّيْنِ وَأَخْذُهُ يُؤْذِنُ بِتَقْرِيرِ الْمُبْدَلِ لَا بِسُقُوطِهِ، بَلْ يَتَقَاصَّانِ وَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا وَفِي السَّلَمِ يَكُونُ فَسْخًا وَالْمَفْسُوخُ لَا يَعُودُ بِدُونِ تَجْدِيدِ السَّبَبِ (قَالُوا) أَيْ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا (هَذَا) الِاخْتِلَافُ بَيْنَ عُلَمَائِنَا إنَّمَا هُوَ (إذَا خَلَطَا رَأْسَ الْمَالِ) وَعَقَدَا عَقْدَ السَّلَمِ،
-
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخْلِطَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَيْضًا وَهَؤُلَاءِ نَظَرُوا إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ الْعَقْدُ قَامَ بِهِمَا فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِرَفْعِهِ،
-
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مَخْلُوطًا أَوْ غَيْرَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ عَلَى الِاتِّفَاقِ فِي الْجَوَازِ، وَهَؤُلَاءِ نَظَرُوا إلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ لَوْ جَازَ لَشَارَكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ شِرْكَتِهِمَا فِي الْمَقْبُوضِ وَلَا مُشَارَكَةَ عِنْدَ انْفِرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمُنْشَأُ اخْتِلَافِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي أَنَّ اخْتِلَافَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي صُورَةِ خَلْطِ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي الْبُيُوعِ مَعَ ذِكْرِ الْخَلْطِ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مَعَ تَصْرِيحِ عَدَمِ الْخَلْطِ أَنَّ الْآخَرَ لَا يُشَارِكُهُ فِيمَا
-
8/4398/439
(فَصْلٌ فِي التَّخَارُجِ)
-
(وَإِذَا كَانَتِ الشَّرِكَةُ بَيْنَ وَرَثَةٍ فَأَخْرَجُوا أَحَدَهُمْ مِنْهَا بِمَالٍ أَعْطَوْهُ إِيَّاهُ وَالتَّرِكَةُ عَقَارٌ أَوْ عُرُوضٌ جَازَ قَلِيلًا كَانَ مَا أَعْطَوْهُ إِيَّاهُ أَوْ كَثِيرًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بَيْعًا. وَفِيهِ أَثَرُ عُثْمَانَ، فَإِنَّهُ صَالَحَ تَمَاضُرَ الْأَشْجَعِيَّةَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه عَنْ رُبُعِ ثَمَنِهَا عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفِ دِينَارٍ.
-
قَبَضَ الْمُصَالِحُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ تَرْكَ الذِّكْرِ لِأَجْلِ الِاتِّفَاقِ.
-
وَقِيلَ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ: لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلشَّرِكَةِ فِي الْمَقْبُوضِ هُوَ الشَّرِكَةُ فِي دَيْنِ السَّلَمِ بِاتِّحَادِ الْعَقْدِ وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ فِيمَا خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا.
-
(فَصْلٌ فِي التَّخَارُجِ)
-
التَّخَارُجُ تَفَاعُلٌ مِنْ الْخُرُوجِ، وَهُوَ أَنْ يَصْطَلِحَ الْوَرَثَةُ عَلَى إخْرَاجِ بَعْضِهِمْ مِنْ الْمِيرَاثِ بِمَالٍ مَعْلُومٍ.
-
وَوَجْهُ تَأْخِيرِهِ قِلَّةُ وُقُوعِهِ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَرْضَى أَحَدٌ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْبَيْنِ بِغَيْرِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ.
-
وَسَبَبُهُ طَلَبُ الْخَارِجِ مِنْ الْوَرَثَةِ ذَلِكَ عِنْدَ رِضَا غَيْرِهِ بِهِ، وَلَهُ شُرُوطٌ تُذْكَرُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ، وَتَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ ذَكَرْنَاهُ فِي مُخْتَصَرِ الضَّوْءِ وَالرِّسَالَةِ.
-
قَالَ (وَإِذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَ وَرَثَةٍ فَأَخْرَجُوا أَحَدَهُمْ إلَخْ) وَإِذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَ وَرَثَةٍ فَأَخْرَجُوا أَحَدَهُمْ مِنْهَا بِمَالٍ أَعْطَوْهُ إيَّاهُ حَالَ كَوْنِ التَّرِكَةِ عَقَارًا أَوْ عُرُوضًا جَازَ قَلَّ مَا أَعْطَوْهُ أَوْ كَثُرَ، وَقَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ النُّقُودِ كَانَ هُنَاكَ شَرْطٌ سَنَذْكُرُهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بَيْعًا وَالْبَيْعُ يَصِحُّ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَمْ يَصِحَّ جَعْلُهُ إبْرَاءً لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مِنْ الْأَعْيَانِ غَيْرِ الْمَضْمُونَةِ لَا يَصِحُّ.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ بَيْعًا لَشُرِطَ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ حِصَّتِهِ مِنْ التَّرِكَةِ لِأَنَّ جَهَالَتَهُ تُفْسِدُ الْبَيْعَ.
-
أُجِيبَ بِأَنَّ الْجَهَالَةَ الْمُفْضِيَةَ إلَى النِّزَاعِ تُفْسِدُ الْبَيْعَ لِامْتِنَاعِهِ عَنْ
-
8/4408/440
قَالَ (وَإِنْ كَانَتِ التَّرِكَةُ فِضَّةً فَأَعْطَوْهُ ذَهَبًا أَوْ كَانَ ذَهَبًا فَأَعْطَوْهُ فِضَّةً فَهُوَ كَذَلِكَ) لِأَنَّهُ بَيْعُ الْجِنْسِ
-
بِخِلَافِ الْجِنْسِ فَلَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي وَيُعْتَبَرُ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ صَرْفٌ غَيْرَ أَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ بَقِيَّةُ التَّرِكَةِ إِنْ كَانَ جَاحِدًا يَكْتَفِي بِذَلِكَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ قَبْضُ ضَمَانٍ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصُّلْحِ وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا لَا بُدَ مِنْ تَجْدِيدِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصُّلْحِ (وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ ذَهَبًا وَفِضَّةً وَغَيْرَ ذَلِكَ فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَلَا بُدَ أَنْ يَكُونَ مَا أَعْطَوْهُ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ حَتَّى يَكُونَ نَصِيبُهُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِحَقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ) احْتِرَازًا عَنِ الرِّبَا،
-
التَّسْلِيمِ الْوَاجِبِ بِمُقْتَضَى الْبَيْعِ، وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمٍ فَلَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَصَارَ كَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا وَاشْتَرَاهُ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مِقْدَارَهُ.
-
وَفِي جَوَازِ التَّخَارُجِ مَعَ جَهَالَةِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ أَثَرُ عُثْمَانَ. وَهُوَ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ إحْدَى نِسَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه صَالَحُوهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ وَثَمَانِينَ أَلْفًا عَلَى أَنْ أَخْرَجُوهَا مِنْ الْمِيرَاثِ وَهِيَ تُمَاضِرُ كَانَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ فَاخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي مِيرَاثِهَا مِنْهُ،
-
ثُمَّ صَالَحُوهَا عَلَى الشَّطْرِ وَكَانَتْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَأَوْلَادٌ فَحَظُّهَا رُبْعُ الثُّمُنِ جُزْءٌ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ جُزْءًا فَصَالَحُوهَا عَلَى نِصْفِ ذَلِكَ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا وَأَخَذَتْ بِهَذَا الْحِسَابِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا
-
وَلَمْ يُفَسَّرْ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ.
-
وَذُكِرَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ،
-
وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ فِضَّةً فَأَعْطَوْهُ ذَهَبًا أَوْ بِالْعَكْسِ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعُ الْجِنْسِ،
-
بِخِلَافِ الْجِنْسِ فَلَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي لَكِنْ يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ صَرْفًا غَيْرَ أَنَّ الْوَارِثَ الَّذِي فِي يَدِهِ بَقِيَّةُ التَّرِكَةِ إنْ كَانَ جَاحِدًا لِكَوْنِهَا فِي يَدِهِ يَكْتَفِي بِذَلِكَ الْقَبْضِ: أَيْ الْقَبْضِ السَّابِقِ لِأَنَّهُ قَبْضُ ضَمَانٍ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصُّلْحِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى تَجَانَسَ الْقَبْضَانِ بِأَنْ يَكُونَ قَبْضَ أَمَانَةٍ أَوْ قَبْضَ ضَمَانٍ نَابَ أَحَدُهُمَا مَنَابَ الْآخَرِ، أَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فَالْمَضْمُونُ يَنُوبُ عَنْ غَيْرِهِ دُونَ الْعَكْسِ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ الَّذِي فِي يَدِهِ بَقِيَّتُهَا مُقِرًّا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ الْقَبْضِ وَهُوَ الِانْتِهَاءُ إلَى مَكَان يَتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصُّلْحِ (وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ ذَهَبًا وَفِضَّةً وَغَيْرَ ذَلِكَ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا أَعْطَوْهُ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ لِيَكُونَ نَصِيبُهُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِحَقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ) فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِنَصِيبِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ نَصِيبِهِ بَطَلَ الصُّلْحُ لِوُجُودِ الرِّبَا، أَمَّا إذَا كَانَ مُسَاوِيًا فَلِزِيَادَةِ الْعُرُوضِ
-
8/4418/441
وَلَا بُدَ مِنَ التَّقَابُضِ فِيمَا يُقَابِلُ نَصِيبَهُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِي هَذَا الْقَدْرِ،
-
وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الصُّلْحِ عَرَضًا جَازَ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الرِّبَا،
-
وَلَوْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَبَدَلُ الصُّلْحِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ أَيْضًا جَازَ الصُّلْحُ كَيْفَمَا كَانَ صَرْفًا لِلْجِنْسِ إِلَى خِلَافِ الْجِنْسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ لِلصَّرْفِ. قَالَ (وَإِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ فَأَدْخَلُوهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُخْرِجُوا الْمُصَالِحَ عَنْهُ وَيَكُونَ الدَّيْنُ لَهُ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ) لِأَنَّ فِيهِ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ وَهُوَ حِصَّةُ الْمُصَالِحِ (وَإِنْ شَرَطُوا أَنْ يَبْرَأَ الْغُرَمَاءُ مِنْهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِنَصِيبِ الْمُصَالِحِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ) لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ وَهُوَ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَهُوَ جَائِزٌ، وَهَذِهِ حِيلَةُ الْجَوَازِ،
-
وَإِذَا كَانَ أَقَلَّ فَلِزِيَادَةِ الْعُرُوضِ وَبَعْضِ الدَّرَاهِمِ،
-
وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا فَفِيهِ شُبْهَةُ ذَلِكَ فَتَعَذَّرَ تَصْحِيحُهُ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ،
-
وَلَا يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْإِبْرَاءِ أَيْضًا لِمَا مَرَّ،
-
وَلَا بُدَّ مِنْ التَّقَابُضِ فِيمَا يُقَابِلُ حِصَّتَهُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِي هَذَا الْقَدْرِ.
-
وَقِيلَ بُطْلَانُ الصُّلْحِ عَلَى مِثْلِ نَصِيبِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ الدَّرَاهِمِ حَالَةَ التَّصَادُقِ، أَمَّا إذَا ادَّعَتْ مِيرَاثَ زَوْجِهَا وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ الزَّوْجِيَّةَ فَصَالَحُوهَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ الْمَهْرِ وَالْمِيرَاثِ جَازَ، لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهَا حِينَئِذٍ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَلِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَلَيْسَ ذَلِكَ رِبًا (وَلَوْ كَانَ بَدَلُ الصُّلْحِ عَرْضًا جَازَ مُطْلَقًا) قَلَّ أَوْ كَثُرَ وُجِدَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ لَا،
-
وَلَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَبَدَلُ الصُّلْحِ كَذَلِكَ جَازَ كَيْفَمَا كَانَ صَرْفًا لِلْجِنْسِ إلَى خِلَافِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ صَرْفًا.
-
قَالَ (وَإِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ إلَخْ) وَإِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ فَأَدْخَلُوهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ صَالَحَ عَنْ الدَّيْنِ وَيَكُونُ الدَّيْنُ لَهُمْ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ جَمِيعًا، أَمَّا فِي الدَّيْنِ فَلِأَنَّ فِيهِ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَهُوَ حِصَّةُ الْمُصَالِحِ،
-
وَأَمَّا فِي الْعَيْنِ فَلِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ.
-
وَالْحِيلَةُ فِي الْجَوَازِ أَنْ يَشْتَرِطُوا عَلَى أَنْ يَبْرَأَ الْغُرَمَاءُ مِنْهُ وَلَا تَرْجِعُ الْوَرَثَةُ عَلَيْهِمْ
-
8/4428/442
وَأُخْرَى أَنْ يُعَجِّلُوا قَضَاءَ نَصِيبِهِ مُتَبَرِّعِينَ
-
، وَفِي الْوَجْهَيْنِ ضَرَرٌ بِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ. وَالْأَوْجُهُ أَنْ يُقْرِضُوا الْمُصَالِحَ مِقْدَارَ نَصِيبِهِ وَيُصَالِحُوا عَمَّا وَرَاءَ الدَّيْنِ.
-
بِنَصِيبِ الْمُصَالِحِ فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَهُوَ جَائِزٌ (وَأُخْرَى أَنْ يُعَجِّلُوا قَضَاءَ نَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ مُتَبَرِّعِينَ، وَفِي الْوَجْهَيْنِ ضَرَرٌ بِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ) أَمَّا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ لَا يُمْكِنُهُمْ الرُّجُوعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي لُزُومُ النَّقْدِ عَلَيْهِمْ بِمُقَابَلَةِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ نَسِيئَةٌ وَالنَّقْدُ خَيْرٌ مِنْ النَّسِيئَةِ (وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقْرِضُوا الْمُصَالِحَ مِقْدَارَ نَصِيبِهِ وَيُصَالِحُوا عَمَّا وَرَاءَ الدَّيْنِ
-
8/4438/443
وَيُحِيلُهُمْ عَلَى اسْتِيفَاءِ نَصِيبِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ،
-
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ، وَأَعْيَانُهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَالصُّلْحُ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، قِيلَ: لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا،
-
وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ،
-
وَيُحِيلُ الْوَرَثَةَ عَلَى اسْتِيفَاءِ نَصِيبِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ،
-
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ وَأَعْيَانُهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَالصُّلْحُ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قِيلَ لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا) وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ بِأَنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ وَنَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ بَدَلِ الصُّلْحِ أَوْ أَقَلُّ (وَقِيلَ يَجُوزُ) وَهُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، وَإِنْ كَانَ
-
8/4448/444
وَلَوْ كَانَتِ التَّرِكَةُ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَكِنَّهَا أَعْيَانٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ قِيلَ: لَا يَجُوزُ لِكَوْنِهِ بَيْعًا إِذِ الْمُصَالَحُ عَنْهُ عَيْنٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهَا لَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ لِقِيَامِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ فِي يَدِ الْبَقِيَّةِ مِنَ الْوَرَثَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ وَلَا الْقِسْمَةُ لِأَنَّ التَّرِكَةَ لَمْ يَتَمَلَّكْهَا الْوَارِثُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالِحُوا مَا لَمْ يَقْضُوا دَيْنَهُ فَتُقَدَّمَ حَاجَةُ الْمَيِّتِ،
-
وَلَوْ فَعَلُوا قَالُوا يَجُوزُ. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ رحمه الله فِي الْقِسْمَةِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ اسْتِحْسَانًا وَتَجُوزُ قِيَاسًا.
-
فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ أَوْ أَقَلَّ فَفِيهِ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ وَلَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ (وَلَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَكِنَّهَا أَعْيَانٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ) فَصَالَحُوا عَلَى مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (قِيلَ لَا يَجُوزُ لِكَوْنِهِ بَيْعًا) إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إبْرَاءً (لِأَنَّ الْمُصَالَحَ عَنْهُ عَيْنٌ) وَالْإِبْرَاءُ عَنْ الْعَيْنِ لَا يَجُوزُ،
-
وَإِذَا كَانَ بَيْعًا كَانَتْ الْجَهَالَةُ مَانِعَةً (وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُفْضِيَةٍ إلَى النِّزَاعِ لِقِيَامِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ فِي يَدِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ) فَمَا ثَمَّةَ احْتِيَاجٌ إلَى التَّسْلِيمِ حَتَّى يُفْضِيَ إلَى النِّزَاعِ، حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُ التَّرِكَةِ فِي يَدِ الْمُصَالِحِ وَلَا يَعْلَمُونَ مِقْدَارَهُ لَمْ يَجُزْ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى ذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا أَوْ غَيْرَهُ؛ فَفِي الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ وَلَا الْقِسْمَةُ لِأَنَّ الْوَارِثَ لَمْ يَتَمَلَّكْ التَّرِكَةَ، وَفِي الثَّانِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالِحُوا مَا لَمْ يَقْضُوا دَيْنَهُ لِتَقَدُّمِ حَاجَةِ الْمَيِّتِ،
-
وَلَوْ فَعَلُوا قَالُوا يَجُوزُ.
-
وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَقَدْ قَالَ الْكَرْخِيُّ إنَّهَا لَا تَجُوزُ اسْتِحْسَانًا وَتَجُوزُ قِيَاسًا.
-
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ تَمَلُّكَ الْوُرَّاثِ، إذْ مَا مِنْ جُزْءٍ إلَّا وَهُوَ مَشْغُولٌ بِالدَّيْنِ فَلَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ قَبْلَ قَضَائِهِ، وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ التَّرِكَةَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ الدَّيْنِ فَتُقْسَمُ نَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْوَرَثَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
8/4458/445
(كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ)
-
الْمُضَارَبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ؛ سُمِّيَ بِهَا