كِتَابُ الدَّعْوَى)
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 26695 to 26792
-
8/1528/152
لَمَّا كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ لِأَجْلِ الدَّعْوَى ذَكَرَ الدَّعْوَى عَقِيبَ الْوَكَالَةِ. وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلٍ يَقْصِدُ بِهِ الْإِنْسَانُ إيجَابَ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مَا تَقَدَّمَ وَهِيَ مُطَالَبَةُ حَقٍّ فِي مَجْلِسِ مَنْ لَهُ الْخَلَاصُ عِنْدَ ثُبُوتِهِ. وَسَبَبُهَا تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ
-
8/1538/153
قَالَ (الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ)
-
بِتَعَاطِي الْمُعَامَلَاتِ، لِأَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى النَّوْعِ أَوْ الشَّخْصِ. وَشَرْطُهَا حُضُورُ خَصْمِهِ وَمَعْلُومِيَّةُ الْمُدَّعَى بِهِ وَكَوْنُهُ مُلْزِمًا عَلَى الْخَصْمِ،
-
فَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْغَائِبِ لَمْ تَسَعْ،
-
وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مَجْهُولًا لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَضَاءِ.
-
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ هَذَا الْحَاضِرِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَكَذَلِكَ لِإِمْكَانِ عَزْلِهِ فِي الْحَالِ. وَحُكْمُ الصَّحِيحَةِ مِنْهَا وُجُوبُ الْجَوَابِ عَلَى الْخَصْمِ بِالنَّفْيِ أَوْ الْإِثْبَاتِ. وَشَرْعِيَّتُهَا لَيْسَتْ لِذَاتِهَا بَلْ مِنْ حَيْثُ انْقِطَاعُهَا بِالْقَضَاءِ دَفْعًا لِلْفَسَادِ الْمَظْنُونِ بِبَقَائِهَا، وَفِي دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا كَثْرَةٌ.
-
قَالَ (الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إلَخْ) الدَّعْوَى لَا تَحْصُلُ إلَّا مِنْ مُدَّعٍ عَلَى مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ فَمَعْرِفَةُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ أَهَمِّ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ الدَّعْوَى،
-
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِمَا. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ فِيهِ. فَمِنْهَا مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: يَعْنِي الْقُدُورِيَّ: الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَهُوَ حَدٌّ عَامٌّ صَحِيحٌ.
-
وَقِيلَ:
-
8/1548/154
وَمَعْرِفَةُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ مَسَائِلُ الدَّعْوَى، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ رحمهم الله فِيهِ، فَمِنْهَا مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ حَدٌّ عَامٌّ صَحِيحٌ.
-
وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِحُجَّةٍ كَالْخَارِجِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ كَذِي الْيَدِ
-
الْمُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِحُجَّةٍ: يَعْنِي الْبَيِّنَةَ أَوْ الْإِقْرَارَ كَالْخَارِجِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ كَذِي الْيَدِ، وَهُوَ لَيْسَ بِعَامٍّ: أَيْ جَامِعٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ صُورَةَ الْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ اسْتِحْقَاقَ غَيْرِهِ.
-
وَقِيلَ: الْمُدَّعِي مَنْ يَلْتَمِسُ غَيْرَ الظَّاهِرِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ، وَبِمَعْنَاهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُدَّعِي كُلُّ
-
8/1558/155
وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ يَتَمَسَّكُ بِغَيْرِ الظَّاهِرِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ
-
مَنْ ادَّعَى بَاطِنًا لِيُزِيلَ بِهِ ظَاهِرًا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ ادَّعَى ظَاهِرًا وَقَرَارُ الشَّيْءِ عَلَى مَاهِيَّتِه، وَالظَّاهِرُ كَوْنُ الْأَمْلَاكِ فِي يَدِ الْمُلَّاكِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَمِ، فَالْمُدَّعِي هُوَ مَنْ يُرِيدُ إزَالَةَ الظَّاهِرِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُرِيدُ قَرَارَهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ مَنْقُوضٌ بِالْمُودَعِ، فَإِنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِمُتَمَسِّكٍ بِالظَّاهِرِ، إذْ رَدُّ الْوَدِيعَةَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّ الْفَرَاغَ لَيْسَ بِأَصْلٍ بَعْدَ الِاشْتِغَالِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إذَا ادَّعَى الْمَدْيُونُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ بِدَفْعِ الدَّيْنِ إلَى وَكِيلِ رَبِّ الْمَالِ وَهُوَ يُنْكِرُ الْوَكَالَةَ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ، لِأَنَّ الْمَدْيُونَ يَدَّعِي بَرَاءَةً بَعْدَ الشَّغْلِ فَكَانَتْ عَارِضَةً وَالشُّغْلُ أَصْلًا،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُورِدَ بِالْعَكْسِ بِأَنَّهُ مُدَّعٍ وَيَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ وَهُوَ عَدَمُ الضَّمَانِ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ:
-
8/1568/156
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْأَصْلِ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنْكِرُ، وَهَذَا صَحِيحٌ لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَتِهِ وَالتَّرْجِيحُ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا رحمهم الله لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ،
-
فَإِنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةً لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ.
-
فِي الْأَصْلِ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنْكِرُ وَهَذَا صَحِيحٌ لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَرُوِيَ «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ أَنْكَرَ وَالتَّرْجِيحُ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَعْنِي إذَا تَعَارَضَ الْجِهَتَانِ فِي صُورَةٍ فَالتَّرْجِيحُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى يَكُونُ بِالْفِقْهِ: أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ،
-
فَإِنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ فَهُوَ يَدَّعِي الرَّدَّ صُورَةً،
-
فَلَوْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَيْضًا فَكَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ،
-
فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ اعْتَبَرَ الصُّورَةَ،
-
وَإِذَا عَجَزَ عَنْهَا اعْتَبَرَ
-
8/1578/157
قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى حَتَّى يَذْكُرَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ)
-
مَعْنَاهَا، فَإِنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ.
-
قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى حَتَّى يَذْكُرَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ إلَخْ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْلُومِيَّةَ الْمُدَّعِي بِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا يُعَيِّنُهُ مِنْ بَيَانِ جِنْسِهِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْرِهِ مِثْلُ كَذَا
-
وَكَذَا دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا أَوْ كُرًّا، لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى الْإِلْزَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَالْإِلْزَامُ فِي الْمَجْهُولِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ،
-
8/1588/158
لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى الْإِلْزَامُ بِوَاسِطَةِ إقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَالْإِلْزَامُ فِي الْمَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ (فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فِي يَدِ الْمُدَّعَى) عَلَيْهِ كُلِّفَ إحْضَارَهَا لِيُشِيرَ إلَيْهَا بِالدَّعْوَى،
-
وَكَذَا فِي الشَّهَادَةِ وَالِاسْتِحْلَافِ، لِأَنَّ الْإِعْلَامَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ وَذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ فِي الْمَنْقُولِ لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى وُجُوبُ الْحُضُورِ، وَعَلَى هَذَا الْقُضَاةُ مِنْ آخِرِهِمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ
-
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَيْنًا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كُلِّفَ إحْضَارَهَا إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ لِلْإِشَارَةِ إلَيْهَا فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ وَالِاسْتِحْلَافِ لِأَنَّ الْإِعْلَامَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ، وَذَلِكَ فِي الْمَنْقُولِ بِالْإِشَارَةِ لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ، وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ لِكَوْنِهَا بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ،
-
بِخِلَافِ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ فَإِنَّ اشْتِرَاكَ شَخْصَيْنِ فِيهَا مُمْكِنٌ،
-
فَإِذَا حَضَرَ شَخْصٌ عِنْدَ حَاكِمٍ وَقَالَ لِي عَلَى
-
8/1598/159
وَوُجُوبُ الْجَوَابِ إذَا حَضَرَ لِيُفِيدَ حُضُورُهُ وَلُزُومُ إحْضَارِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ لِمَا قُلْنَا وَالْيَمِينِ إذَا أَنْكَرَهُ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
-
قَالَ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا لِيَصِيرَ الْمُدَّعَى مَعْلُومًا) لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ، وَالْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِهِ وَقَدْ تَعَذَّرَ مُشَاهَدَةُ الْعَيْنِ
-
فُلَانٍ كَذَا دِرْهَمًا مَثَلًا أَشْخَصَ إلَيْهِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم فَعَلُوا كَذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلَى الْمَطْلُوبِ حُضُورُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، عَلَى هَذَا الْقُضَاةُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إلَى آخِرِهِمْ: أَيْ أَجْمَعُوا. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ سَمَّاهُمْ ظَالِمِينَ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ الطَّلَبِ،
-
فَإِذَا حَضَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ لِيُفِيدَ حُضُورَهُ، وَلَزِمَ عَلَيْهِ إحْضَارُ الْمُدَّعَى بِهِ لِمَا قُلْنَا مِنْ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا، وَلَزِمَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ إذَا أَنْكَرَهُ وَعَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَسَنَذْكُرُهُ: أَيْ وُجُوبَ الْيَمِينِ عَلَيْهِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ.
-
قَالَ (وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً لَزِمَهُ ذِكْرُ قِيمَتِهَا) يَعْنِي إذَا وَقَعَ الدَّعْوَى فِي عَيْنٍ غَائِبَةٍ لَا يَدْرِي مَكَانَهَا لَزِمَ الْمُدَّعِي ذِكْرُ قِيمَتِهَا (لِيَصِيرَ الْمُدَّعَى بِهِ مَعْلُومًا) وَذِكْرُ الْوَصْفِ لَيْسَ بِكَافٍ (لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ) وَإِنْ بُولِغَ فِيهِ لِإِمْكَانِ الْمُشَارَكَةِ فِيهِ كَمَا مَرَّ، فَذِكْرُهُ فِي تَعْرِيفِهَا غَيْرُ مُفِيدٍ (وَالْقِيمَةُ) شَيْءٌ (تُعْرَفُ بِهِ) الْعَيْنُ فَذِكْرُهَا يَكُونُ مُفِيدًا، وَقَوْلُهُ (وَقَدْ تَعَذَّرَ مُشَاهَدَةُ الْعَيْنِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ:
-
8/1608/160
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يُشْتَرَطُ مَعَ بَيَانِ الْقِيمَةِ ذِكْرُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
-
يَعْنِي وَالْحَالُ أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تَعَذَّرَتْ وَإِغْلَاقُ تَرْكِيبِهِ لَا يَخْفَى (وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يُشْتَرَطُ مَعَ بَيَانِ الْقِيمَةِ ذِكْرُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِقِيمَةِ الْمُسْتَهْلَكِ بِنَاءً عَلَى الْقَضَاءِ بِمِلْكِ الْمُسْتَهْلِكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ قَائِمٌ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَهْلَكَةِ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ صَحَّحَ الصُّلْحَ عَنْ الْمَغْصُوبِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ،
-
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَيَّنَ الْمُسْتَهْلِكُ مِلْكًا لَهُ لَمَا جَازَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ حِينَئِذٍ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَهْلِكِ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ وَهِيَ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، وَالصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ لَا يَجُوزُ،
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمُسْتَهْلَكِ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ لِيَعْلَمَ الْقَاضِي بِمَاذَا يَقْضِي،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
-
وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ أَبَى ذَلِكَ
-
8/1618/161
قَالَ (وَإِنْ ادَّعَى عَقَارًا حَدَّدَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ)
-
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي دَعْوَى الدَّابَّةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ الْقِيمَةُ،
-
فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
-
قَالَ (وَإِنْ ادَّعَى عَقَارًا حَدَّدَهُ إلَخْ) إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَقَارًا فَلَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَحْدِيدُهُ، وَذِكْرُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِلْإِعْلَامِ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ فِيهِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِذِكْرِ الْبَلْدَةِ،
-
ثُمَّ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ فِيهِ ثُمَّ بِذِكْرِ حُدُودِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ التَّعْرِيفُ بِالْإِشَارَةِ لِتَعَذُّرِ النَّقْلِ صِيرَ إلَى ذَلِكَ لِلتَّعْرِيفِ،
-
وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَسْمَاءِ أَصْحَابِ الْحُدُودِ وَأَنْسَابِهِمْ، إلَّا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا مِثْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِمَا،
-
وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْحَدِّ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْرِيفِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عَرَفَ هُوَ الصَّحِيحُ،
-
فَإِنَّ ذِكْرَ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْحُدُودِ يُكْتَفَى بِهَا عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ لِوُجُودِ الْأَكْثَرِ،
-
وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ ذِكْرَ الِاثْنَيْنِ لَا يَكْفِي،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا غَلَطَ فِي الْحَدِّ الرَّابِعِ وَأَنَّثَ فِي الْكِتَابِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِهِ: أَيْ بِالْغَلَطِ فِي الْحَدِّ الْمُدَّعَى،
-
وَلَا كَذَلِكَ بِتَرْكِهَا، كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْبَيْعِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ وَتَرَكَا ذِكْرَ الثَّمَنِ جَازَ،
-
وَلَوْ غَلِطَا فِي الثَّمَنِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُ صَارَ عَقْدًا
-
8/1628/162
لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّعْرِيفُ بِالْإِشَارَةِ لِتَعَذُّرِ النَّقْلِ فَيُصَارُ إلَى التَّجْدِيدِ فَإِنَّ الْعَقَارَ يُعْرَفُ بِهِ، وَيَذْكُرُ الْحُدُودَ الْأَرْبَعَةَ، وَيَذْكُرُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْحُدُودِ وَأَنْسَابَهُمْ،
-
وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجَدِّ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْرِيفِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ هُوَ الصَّحِيحُ،
-
وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْهُورًا يَكْتَفِي بِذِكْرِهِ،
-
فَإِنْ ذَكَرَ ثَلَاثَةً مِنْ الْحُدُودِ يُكْتَفَى بِهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِوُجُودِ الْأَكْثَرِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا غَلِطَ فِي الرَّابِعَةِ لِأَنَّهُ يُخْتَلَفُ بِهِ الْمُدَّعَى وَلَا كَذَلِكَ بِتَرْكِهَا، وَكَمَا يُشْتَرَطُ التَّحْدِيدُ فِي الدَّعْوَى يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ.
-
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَفِي الْعَقَارِ لَا يُكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُدَّعِي وَتَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ بَلْ لَا تَثْبُتُ الْيَدُ فِيهِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ
-
آخَرَ بِالْغَلَطِ، وَبِهَذَا الْفَرْقِ بَطَلَ قِيَاسُ زُفَرُ التَّرْكَ عَلَى الْغَلَطِ، وَكَمَا يُشْتَرَطُ التَّحْدِيدُ فِي الدَّعْوَى يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ.
-
وَأَمَّا الثَّانِي
-
8/1638/163
أَوْ عِلْمِ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ إذْ الْعَقَارُ عَسَاهُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا
-
فَلَا بُدَّ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ فِي يَدِهِ، وَفِي الْعَقَارِ لَا يُكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُدَّعِي وَتَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ، بَلْ لَا تَثْبُتُ الْيَدُ فِيهِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ بِأَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُمْ عَايَنُوا أَنَّهُ فِي يَدِهِ، حَتَّى لَوْ قَالُوا سَمِعْنَا ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ،
-
وَكَذَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ لَا بُدَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْيَدِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَعْلَمُ الْقَاضِي أَنَّهُ فِي يَدِهِ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ لِأَنَّ الْعَقَارَ قَدْ يَكُونُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَهُمَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُصَدِّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعِيَ بِأَنَّ الْعَقَارَ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِيَحْكُمَ الْقَاضِي بِالْيَدِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
-
8/1648/164
بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ.
-
وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا فِي يَدِهِ أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَدِهِ، وَبِالْمُطَالَبَةِ يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا فِي الْمَنْقُولِ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
-
وَكَانَ الْقَضَاءُ فِيهِ قَضَاءً بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْغَيْرِ وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى نَقْضِ الْقَضَاءِ عِنْدَ ظُهُورِهِ فِي يَدِ ثَالِثٍ،
-
بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ فَإِنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ.
-
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ حَقِّهِ، وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى تَقْدِيرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُطَالَبَةِ فَتَأَمَّلْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ فَكَانَ مَعْنَاهُ الْمُطَالَبُ حَقَّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا فِي يَدِهِ أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَدِهِ، وَبِالْمُطَالَبَةِ تَزُولُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ وَعَنْ هَذَا: أَيْ بِسَبَبِ هَذَا الِاحْتِمَالِ
-
8/1658/165
قَالَ الْمَشَايِخُ فِي الْمَنْقُولِ: يَجِبُ أَنْ يَقُولَ وَهُوَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، لِأَنَّ الْعَيْنَ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ بِحَقٍّ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ حَقًّا فِي الذِّمَّةِ ذَكَرَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ لِمَا قُلْنَا: يَعْنِي قَوْلَهُ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ
-
8/1668/166
الذِّمَّةِ قَدْ حَضَرَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُطَالَبَةُ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِالْوَصْفِ بِأَنْ قَالَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً،
-
فَإِنْ كَانَ مَضْرُوبًا يَقُولُ كَذَا كَذَا دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ أَوْ وَسَطٌ إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ.
-
8/1678/167
قَالَ (وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي الذِّمَّةِ ذُكِرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ الذِّمَّةِ قَدْ حَضَرَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُطَالَبَةُ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِالْوَصْفِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ
-
قَالَ (وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا) لِيَنْكَشِفَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ (فَإِنْ اعْتَرَفَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِهَا)
-
وَبِالْجُمْلَةِ: لَا بُدَّ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْإِعْلَامِ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ بِهِ التَّعْرِيفُ.
-
قَالَ (وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى إلَخْ) إذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى بِشُرُوطِهَا سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا لِيَنْكَشِفَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِالْخُرُوجِ عَمَّا لَزِمَهُ بِالْحُجَّةِ،
-
8/1688/168
لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ فَيَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ (وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام " أَلَك بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: لَك يَمِينُهُ " سَأَلَ وَرَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى فَقْدِ الْبَيِّنَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ لِيُمْكِنَهُ الِاسْتِحْلَافُ
-
. قَالَ (فَإِنْ أَحْضَرَهَا قُضِيَ بِهَا) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهَا (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ) اسْتَحْلَفَهُ (عَلَيْهَا) لِمَا رَوَيْنَا،
-
وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ كَيْفَ أُضِيفَ إلَيْهِ بِحَرْفِ اللَّامِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ.
-
أَوْ يَصِيرُ مَا هُوَ بِعَرَبِيَّةٍ أَنْ يَصِيرَ حُجَّةً حُجَّةً، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِمَا ادَّعَاهُ أَوْ يُنْكِرَ،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يَخْرُجَ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ بِنَفْسِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي لِكَمَالِ وِلَايَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَ الْحُكْمُ مِنْ الْقَاضِي أَمْرًا بِالْخُرُوجِ عَلَى مُوجِبِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلِهَذَا قَالُوا: إطْلَاقُ الْحُكْمِ تَوَسُّعٌ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يَجْعَلَ الْقَاضِي الشَّهَادَةَ الْمُحْتَمِلَةَ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الَّتِي هِيَ بِعَرْضِيَّةٍ أَنْ تَصِيرَ حُجَّةً إذَا قَضَى الْقَاضِي بِهَا حُجَّةً فِي حَقِّ الْعَمَلِ مُسْقِطًا احْتِمَالَ الْكَذِبِ فِيهَا،
-
فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ لِيَنْكَشِفَ لَهُ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ؛
-
فَإِذَا سَأَلَ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ،
-
وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ الْمُدَّعِيَ الْبَيِّنَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَك بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: لَك يَمِينُهُ» سَأَلَ ﷺ وَرَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى فَقْدِ الْبَيِّنَةِ،
-
فَإِنْ أَحْضَرَهَا قَضَى بِهَا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْ الدَّعْوَى لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ عَلَى الْكَذِبِ،
-
وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ اسْتَحْلَفَهُ عَلَيْهَا لِمَا رَوَيْنَا، يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ ﷺ «لَك يَمِينُهُ» وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ الِاسْتِحْلَافَ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ
-
8/1698/169
كَيْفَ أُضِيفَ إلَيْهِ بِحَرْفِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ " لَك يَمِينُهُ " . قِيلَ إنَّمَا جَعَلَ يَمِينَ الْمُنْكِرِ حَقَّ الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ خَصْمَهُ أَتْوَى حَقَّهُ بِإِنْكَارِهِ، فَالشَّرْعُ جَعَلَ لَهُ حَقَّ اسْتِحْلَافِهِ، حَتَّى إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ فَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ مُهْلِكَةٌ لِخَصْمِهِ فَيَكُونُ إتْوَاءً بِمُقَابَلَةِ إتْوَاءٍ وَهُوَ مَشْرُوعٌ كَالْقِصَاصِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ مَا زَعَمَ فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَنَالُ الثَّوَابَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى صَادِقًا،
-
ثُمَّ إنَّمَا رَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى الْبَيِّنَةِ لَا عَلَى الْعَكْسِ لِأَنَّ نَفْسَ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ اسْتِحْقَاقَ الْمُدَّعِي لِمَا ادَّعَاهُ، لِأَنَّ فِيهِ إسَاءَةَ الظَّنِّ بِالْآخَرِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَوَجَبَ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي لِإِثْبَاتِ اسْتِحْقَاقِهِ بِهَا فَيُطَالِبُهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّذْكِيرِ لَهُ،
-
فَلَوْ قَدَّمْنَا الْيَمِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إذْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ الْيَمِينِ،
-
فَمِنْ الْجَائِزِ إقَامَتُهَا بَعْدَهَا، وَفِي ذَلِكَ افْتِضَاحُهُ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
-
8/1708/170
(بَابُ الْيَمِينِ)
-
(وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ وَطَلَبَ الْيَمِينَ لَمْ يُسْتَحْلَفْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، مَعْنَاهُ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ