بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 3955 to 4138
-
1/4981/498
(يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ» وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَكُونُ جَابِرًا لِنُقْصَانٍ يَقَعُ فِيهِمَا، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى السَّبَبِ وَهِيَ الْأَصْلُ فِي الْإِضَافَاتِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَأَقْوَى وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ اخْتِصَاصُ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. قَوْلُهُ: (يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) ظَاهِرٌ.
-
1/4991/499
السَّلَامِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ» فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَا فِعْلِهِ فَبَقِيَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ سَالِمًا
-
وَقَوْلُهُ: (فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَا فِعْلِهِ فَبَقِيَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ فِي الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ الْحُجَّتَيْنِ الْمَصِيرَ إلَى مَا بَعْدَهُمَا وَهَاهُنَا صَيَّرَ إلَى مَا قَبْلَهُمَا وَهُوَ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ دُونَ الْفِعْلِ.
-
وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا لَمْ تَكُنْ حُجَّةٌ فَوْقَهُمَا.
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ فَقَدْ يُصَارُ إلَيْهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْأُصُولِ كُلُّهُمْ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّا لَمْ نَجْعَلْ الْقَوْلَ مُرَجِّحًا لِلْفِعْلِ حَتَّى لَزِمَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ بَعْدَ تَعَارُضِ الْفِعْلَيْنِ وَتَهَاتُرِهِمَا وَقَالَ مَالِكٌ: إهْمَالُ الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فَيُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا إذَا كَانَ السَّهْوُ بِنُقْصَانٍ، وَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ بِالزِّيَادَةِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يُفَصِّلُ.
-
رَوَى ثَوْبَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ» .
-
وَقَوْلُهُ:
-
1/5001/500
وَلِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مِمَّا لَا يَتَكَرَّرُ فَيُؤَخَّرُ عَنْ السَّلَامِ حَتَّى لَوْ سَهَا عَنْ السَّلَامِ يَنْجَبِرُ بِهِ،
-
وَلِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مِمَّا لَا يَتَكَرَّرُ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ التَّأْخِيرِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ كَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يَتَأَخَّرَ عَنْ زَمَانِ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ السَّهْوُ إلَّا أَنَّهُ تَأَخَّرَ لِضَرُورَةِ أَلَّا يَتَكَرَّرَ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَجَدَ زَمَانَ سَهْوِهِ وَأَمْكَنَ أَنْ يَسْهُوَ بَعْدَهُ فَإِنْ سَهَا فَإِمَّا أَنْ يَسْجُدَ ثَانِيًا أَوْ لَا،
-
فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ بَقِيَ نَقْصٌ لَازِمٌ لَا جَبْرَ لَهُ،
-
وَإِنْ سَجَدَ تَتَكَرَّرُ السَّجْدَةُ وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِالْإِجْمَاعِ فَلَزِمَ التَّأْخِيرُ.
-
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي اقْتَضَى التَّأْخِيرَ عَنْ زَمَانِ الْعِلَّةِ اقْتَضَى التَّأْخِيرَ عَنْ السَّلَامِ حَتَّى لَوْ سَهَا عَنْ السَّلَامِ بِالْقِيَامِ إلَى الْخَامِسَةِ لَزِمَهُ السَّجْدَةُ لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ فَيُؤَخَّرُ عَنْهُ
-
1/5011/501
وَهَذَا خِلَافٌ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، وَيَأْتِي بِتَسْلِيمَتَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ صَرْفًا لِلسَّلَامِ الْمَذْكُورِ إلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ.
-
وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام ، وَالدُّعَاءِ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الدُّعَاءَ مَوْضِعُهُ آخِرُ الصَّلَاةِ.
-
قَالَ (وَيَلْزَمُهُ السَّهْوُ
-
لِيَنْجَبِرَ النُّقْصَانَ بِهِ (وَهَذَا الْخِلَافُ) بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ (فِي الْأَوْلَوِيَّةِ) أَمَّا لَوْ أَتَى بِهَا قَبْلَ السَّلَامِ جَازَ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْأُصُولِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ قَبْلَ وَقْتِهِ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ نُجْزِهِ لَأَمَرْنَا بِالْإِعَادَةِ وَتَكَرَّرَ السُّجُودُ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، فَلَأَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ عَلَى وَجْهٍ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
-
وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْإِيضَاحِ، وَهُوَ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ عِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيفَ لِمَعْنَى التَّحِيَّةِ لَا التَّحْلِيلِ: يَعْنِي أَنَّ لِلسَّلَامِ حُكْمَيْنِ: التَّحِيَّةَ لِلْقَوْمِ، وَالتَّحْلِيلَ، وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِمُرَادٍ فِي هَذَا السَّلَامِ؛
-
لِأَنَّهُ قَاطِعٌ لِلْإِحْرَامِ، وَالتَّحْلِيلُ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْرَارِ السَّلَامِ،
-
وَإِذَا بَطَلَ مَعْنَى التَّحِيَّةِ لَا يَنْحَرِفُ. وَجْهُ الصَّحِيحِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ صَرْفًا لِلسَّلَامِ الْمَذْكُورِ: يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ إلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسَبَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ قَائِلَ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ إلَى الْبِدْعَةِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) اخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدَّعَوَاتِ أَنَّهَا فِي قَعْدَةِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ، فَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يَأْتِي بِهَا فِيهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ قَعْدَةٍ فِي آخِرِهَا سَلَامٌ فَفِيهَا صَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ: وَاخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَقَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛
-
لِأَنَّ الدُّعَاءَ مَوْضِعُهُ آخِرُ الصَّلَاةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْأَخِيرَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ أَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ يُخْرِجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا فَكَانَتْ الْقَعْدَةُ الْأُولَى قَعْدَةَ الْخَتْمِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى خِلَافِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛
-
لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ مُتَقَرِّرٌ،
-
فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ الصَّحِيحُ مَذْهَبَهُمَا.
-
قَالَ (وَيَلْزَمُهُ السَّهْوُ) هَذَا بَيَانُ مَا ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ بِقَوْلِهِ يَسْجُدُ
-
1/5021/502
إذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا لَيْسَ مِنْهَا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ وَاجِبَةٌ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهَا تَجِبُ لِجَبْرِ نَقْصٍ تَمَكَّنَ فِي الْعِبَادَةِ فَتَكُونُ وَاجِبَةً كَالدِّمَاءِ فِي الْحَجِّ،
-
وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا لَا يَجِبُ إلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ تَأْخِيرِهِ أَوْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ سَاهِيًا هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا لَا تَعْرَى عَنْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ.
-
قَالَ (وَيَلْزَمُهُ إذَا تَرَكَ فِعْلًا مَسْنُونًا) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فِعْلًا وَاجِبًا إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِتَسْمِيَتِهِ سُنَّةً أَنَّ وُجُوبَهَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ. قَالَ (أَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ
-
لِلسَّهْوِ وَلِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَيُّ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ يُوجِبُهُ فَفَسَّرَ هَاهُنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ زِيَادَةُ فِعْلٍ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ لَيْسَ مِنْهَا كَمَا إذَا أَتَى بِرُكُوعَيْنِ أَوْ بِثَلَاثِ سَجَدَاتٍ (وَهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ: يَلْزَمُهُ السَّهْوُ (يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ وَاجِبَةٌ) وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّهُ سُنَّةٌ (وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهَا تَجِبُ) ظَاهِرٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالزِّيَادَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا لَا يَجِبُ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ تَأْخِيرِهِ،
-
فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يَجِبُ بِالزِّيَادَةِ أَيْضًا وَلَا تَرْكَ هُنَا وَلَا تَأْخِيرَ، فَقَالَ: الزِّيَادَةُ لَا تَعْرَى عَنْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَيَلْزَمُهُ إذَا تَرَكَ فِعْلًا مَسْنُونًا) بَيَانٌ لِلنُّقْصَانِ الْمُوجِبِ لِلسَّجْدَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
-
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الْمُضَافَةِ إلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَالتَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى. وَقَوْلُهُ (أَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) بَيَانُ أَنَّهَا كَمَا تَجِبُ لِتَرْكِ الْأَفْعَالِ تَجِبُ لِتَرْكِ الْأَذْكَارِ.
-
اعْلَمْ أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ عُرِفَتْ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا نُقِلَ ذَلِكَ
-
1/5031/503
(أَوْ الْقُنُوتَ أَوْ التَّشَهُّدَ
-
عَنْهُ إلَّا فِي الْأَفْعَالِ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَلَّا تَجِبَ فِي الْأَذْكَارِ، لَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ، وَيَثْبُتُ النُّقْصَانُ بِتَرْكِهَا أَيْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَبْرِ مِنْ السَّجْدَةِ، وَعَلَى هَذَا إذَا تَرَكَ الْفَاتِحَةَ (أَوْ الْقُنُوتَ) فِي الْوِتْرِ (أَوْ التَّشَهُّدَ)
-
1/5041/504
أَوْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَاتٌ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام وَاظَبَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَرْكِهَا مَرَّةً وَهِيَ أَمَارَةُ الْوُجُوبِ وَلِأَنَّهَا تُضَافُ إلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِهَا وَذَلِكَ بِالْوُجُوبِ ثُمَّ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ يَحْتَمِلُ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالْقِرَاءَةَ فِيهِمَا وَكُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَفِيهَا سَجْدَةٌ هُوَ الصَّحِيحُ.
-
(وَلَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافِتُ أَوْ خَافَتْ فِيمَا يَجْهَرُ تَلْزَمُهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ) لِأَنَّ الْجَهْرَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمُخَافَتَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ
-
فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ (أَوْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) تَجِبُ السَّجْدَةُ (لِأَنَّهَا وَاجِبَاتٌ لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ وَهِيَ مِنْ أَمَارَاتِ الْوُجُوبِ) وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا تَجِبُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ (وَلِأَنَّهَا تُضَافُ إلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ) يُقَالُ: تَكْبِيرَاتُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَقُنُوتُ الْوِتْرِ وَتَشَهُّدُ الصَّلَاةِ (فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ) ؛
-
لِأَنَّ الْإِضَافَةَ دَلِيلُ الِاخْتِصَاصِ، وَالِاخْتِصَاصُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ اخْتِصَاصَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ مَعَهُ، وَالْوُجُوبُ طَرِيقٌ لِلْوُجُودِ، وَالْخَصَائِصُ جَمْعُ خِصِّيصَةٍ بِمَعْنَى الْمُخَاصِّ كَالشَّرِيكِ بِمَعْنَى الْمُشَارِكِ. وَقَوْلُهُ: (وَكُلُّ ذَلِكَ) أَيْ كُلُّ الْمَذْكُورِ مِنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا (وَاجِبٌ فِيهَا سَجْدَةٌ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْوَاجِبِ عَلَى الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ سَهْوٌ؛
-
لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَرْكِهَا تَأْخِيرُهَا بِالْقِيَامِ إلَى الْخَامِسَةِ،
-
فَإِنَّ فِي التَّأْخِيرِ نَوْعَ تَرْكٍ، وَتَأْخِيرُ الرُّكْنِ يُوجِبُ السَّجْدَةَ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَشَّى بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبُ وَبِالتَّرْكِ التَّأْخِيرُ وَالتَّرْكُ، وَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي مَوْضِعَيْنِ.
-
وَقِيلَ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: تَجُوزُ صَلَاتُهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ، أَيْ تَتِمُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ.
-
وَقِيلَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ وَاجِبَةٌ بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ: أَيْ عَدَمُ تَأْخِيرِهَا وَاجِبٌ،
-
فَإِذَا أُخِّرَتْ فَقَدْ تَرَكَ هَذَا الْوَاجِبَ وَفِيهِ تَمَحُّلٌ كَمَا تَرَى. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ قِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى سُنَّةٌ وَهُوَ وَجْهُ الْقِيَاسِ، وَوَجْهُ الصِّحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُوَاظَبَةِ بِلَا تَرْكٍ.
-
وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمُخَافَتَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ) ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ فِيمَا يُجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْإِمَامِ وَاجِبٌ لِيَسْتَمِعَ الْقَوْمُ لِقِرَاءَتِهِ لِكَوْنِهَا أُقِيمَتْ مَقَامَ قِرَاءَتِهِمْ لِوُجُودِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ، وَلَمَّا قَامَتْ مَقَامَهَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ انْحِطَاطِ مَرْتَبَةِ الْفَرْعِ عَنْ مَرْتَبَةِ
-
1/5051/505
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْمِقْدَارِ،
-
وَالْأَصَحُّ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَعَنْ كَثِيرٍ مُمْكِنٌ، وَمَا يَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ آيَةٌ وَاحِدَةٌ وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ. .
-
الْأَصْلِ فَكَانَ وَاجِبًا: وَالْمُخَافَتَةُ إنَّمَا كَانَتْ صِيَانَةً لِلْقُرْآنِ عَنْ لَغْوِ الْكُفَّارِ وَلَغَطِهِمْ، وَصِيَانَتُهُ عَنْ ذَلِكَ وَاجِبَةٌ، وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ يَكُونُ وَاجِبًا.
-
فَإِنْ قِيلَ: رَوَى أَبُو قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَأَنَّهُ يُسْمِعُنَا الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِخْفَاءَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِبَيَانِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مَشْرُوعَةٌ فِيهِمَا، وَعِنْدَنَا لَا تَجِبُ السَّجْدَةُ إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْمِقْدَارِ) أَيْ فِي مِقْدَارِ مَا يُوجِبُ جَهْرَهُ وَإِخْفَاءَهُ السَّجْدَةَ، فَفِي الظَّاهِرِ الرِّوَايَةُ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي الْفَصْلَيْنِ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ السَّجْدَةِ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَقَاضِي خَانْ.
-
وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا جَهَرَ بِأَكْثَرِ الْفَاتِحَةِ سَجَدَ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ غَيْرُ مُمْكِنِ الِاحْتِرَازِ فَاعْتُبِرَ أَكْثَرُ الْفَاتِحَةِ.
-
ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: إنْ جَهَرَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَصَحُّ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ) اخْتِيَارًا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
-
(وَهَذَا) أَيْ وُجُوبُ السَّجْدَةِ فِي الْفَصْلَيْنِ إنَّمَا هُوَ (فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ) أَيْ وُجُوبَهُمَا (مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ) قِيلَ أَمَّا أَنَّ وُجُوبَ الْجَهْرِ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ فَمُسَلَّمٌ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ، وَأَمَّا كَوْنُ وُجُوبِ
-
1/5061/506
قَالَ (وَسَهْوُ الْإِمَامِ يُوجِبُ عَلَى الْمُؤْتَمِّ السُّجُودَ) لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ بِنِيَّةِ الْإِمَامِ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يَسْجُدْ الْمُؤْتَمُّ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَمَا الْتَزَمَ الْأَدَاءَ إلَّا مُتَابِعًا.
-
(فَإِنْ سَهَا الْمُؤْتَمُّ لَمْ يَلْزَمْ الْإِمَامَ وَلَا الْمُؤْتَمَّ السُّجُودُ)
-
الْمُخَافَتَةِ مِنْ خَصَائِصِهَا فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُخَافَتَةُ فَيَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَجْهُ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ. رَوَى أَبُو مَالِكٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُنْفَرِدِ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافَتُ أَنَّ عَلَيْهِ السَّهْوَ لِمَا ذَكَرْنَا،
-
وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُخَافَتَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِنَفْيِ الْمُغَالَطَةِ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي صَلَاةٍ تُؤَدِّي إلَى سَبِيلِ الشُّهْرَةِ، وَالْمُنْفَرِدُ لَمْ يُؤَدِّ كَذَلِكَ فَلَمْ تَكُنْ الْمُخَافَتَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ.
-
قَالَ (وَسَهْوُ الْإِمَامِ يُوجِبُ عَلَى الْمُؤْتَمِّ السُّجُودَ) إذَا سَهَا الْإِمَامُ وَجَبَ السُّجُودُ لِلْمُؤْتَمِّ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلسُّجُودِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ وَهُوَ الْإِمَامُ تَقَرَّرَ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ أَيْضًا بِالْتِزَامِهِ الْمُتَابَعَةَ،
-
فَإِنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ وَالْإِقَامَةَ لَمَّا تَعَدَّتْ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ إلَى صَلَاتِهِ حَتَّى لَوْ نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ صَارَتْ صَلَاتُهُمْ أَرْبَعًا بِالْتِزَامِ الْمُتَابَعَةِ، فَكَذَلِكَ النُّقْصَانُ وَمَا يَجْبُرُهُ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يَسْجُدْ الْمُؤْتَمُّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَمَا الْتَزَمَ الْأَدَاءَ إلَّا مُتَابَعًا) وَبَيْنَ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُتَابَعَةِ مُنَافَاةٌ،
-
فَإِذَا تَحَقَّقَ أَحَدُ الْمُتَنَافِيَيْنِ انْتَفَى الْآخَرُ. وَاعْتُرِضَ عَلَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ بِمُخَالَفَاتٍ يَجُوزُ وُقُوعُهَا مِنْ الْمُؤْتَمِّ، كَمَا إذَا لَمْ يَرْفَعْ الْإِمَامُ يَدَهُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ فَإِنَّ الْقَوْمَ تَرْفَعُ،
-
وَإِذَا لَمْ يُثَنِّ الْإِمَامُ يُثَنِّي الْمَأْمُومُ،
-
وَإِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ وَتَسْبِيحَهُ وَتَسْمِيعَهُ وَتَكْبِيرَةَ الِانْحِطَاطِ وَقِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَبِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لَيْسَتْ بِقَادِحَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَالْمُقِيمُ إذَا اقْتَدَى بِالْمُسَافِرِ يُتِمُّ رَكْعَتَيْنِ.
-
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَزِمَ بِشَيْءٍ بَاشَرَهُ الْإِمَامُ وَتَعَدَّى إلَى الْمُؤْتَمِّ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إنَّهَا ثَبَتَتْ عَلَى الْمُقْتَدِي ابْتِدَاءً كَمَا ثَبَتَتْ عَلَى الْإِمَامِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ جَوَّزَتْ ضَرُورَةَ إتْمَامِ الْفَرْضِ فَلَا تَتَعَدَّى إلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ.
-
(فَإِنْ سَهَا الْمُؤْتَمُّ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا الْمُؤْتَمِّ السُّجُودُ) ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَيْسَتْ بِمَبْنِيَّةٍ عَلَى صَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَسَادًا وَلَا نُقْصَانًا،
-
فَلَا يَجِبُ نُقْصَانُ صَلَاتِهِ بِنُقْصَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ.
-
وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ فَإِمَّا أَنْ يَسْجُدَ وَحْدَهُ وَفِيهِ مُخَالَفَةُ إمَامِهِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ إتْمَامِ الْفَرْضِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ إمَامُهُ وَفِيهِ قَلْبُ الْمَوْضِعِ.
-
فَإِنْ قُلْت:
-
1/5071/507
لِأَنَّهُ لَوْ سَجَدَ وَحْدَهُ كَانَ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ،
-
وَلَوْ تَابَعَهُ الْإِمَامُ يَنْقَلِبُ الْأَصْلُ تَبَعًا.
-
(وَمَنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَهُوَ إلَى حَالَةِ الْقُعُودِ أَقْرَبُ عَادَ وَقَعَدَ وَتَشَهَّدَ) لِأَنَّ مَا يَقْرُبُ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ،
-
ثُمَّ قِيلَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ
-
أَمَّا مَا ذَكَرْت آنِفًا أَنَّ الْمُحَالَفَةَ إنَّمَا لَا تَجُوزُ فِيمَا لَزِمَ بِشَيْءٍ بَاشَرَهُ الْإِمَامُ وَتَعَدَّى إلَى الْمُؤْتَمِّ وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُخَالَفَةُ إنْ كَانَتْ لِأَمْرٍ بَاشَرَهُ الْمُؤْتَمُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ. فَالْجَوَابُ إنَّا قُلْنَا إنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيمَا لَزِمَ بِشَيْءٍ بَاشَرَهُ الْإِمَامُ لَمْ تَجُزْ، وَلَمْ نَقُلْ إنَّ فِيمَا بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ جَازَتْ الْمُخَالَفَةُ.
-
وَاَلَّذِي يَحْسِمُ هَذِهِ الْمَادَّةَ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ إنْ كَانَتْ لِإِتْمَامِ الْفَرْضِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ جَازَتْ بِالنَّصِّ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ فِيمَا ثَبَتَ ابْتِدَاءً كَالْمَسَائِلِ التِّسْعِ الْمُتَقَدِّمَةِ جَازَتْ؛ لِأَنَّهَا كَلَا مُخَالَفَةَ حَيْثُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالِاقْتِدَاءِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ فِيمَا لَزِمَ عَمَّا بَاشَرَهُ أَحَدُهُمَا كَاَلَّتِي نَحْنُ فِيهَا لَمْ تَجُزْ لِأَدَائِهَا إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ الْمُنَافِي لِوَضْعِ الْإِمَامَةِ.
-
قَالَ (وَمَنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى) أَيْ وَمَنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى فِي الْفَرَائِضِ الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ الثُّلَاثِيَّةِ (ثُمَّ تَذَكَّرَ) فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ بِأَنْ لَمْ يَرْفَعْ رُكْبَتَيْهِ، أَوْ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ بِأَنْ رَفَعَهُمَا (فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ عَادَ وَقَعَدَ وَتَشَهَّدَ لِأَنَّ مَا يَقْرُبُ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ) كَفِنَاءِ الْمِصْرِ لَهُ حُكْمُ الْمِصْرِ فِي حَقِّ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ.
-
وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ السَّجْدَةِ، فَقِيلَ يَسْجُدُ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ وَاجِبًا بِقَدْرِ مَا اشْتَغَلَ بِالْقِيَامِ،
-
وَقِيلَ لَا يَسْجُدُ وَهُوَ الْأَصَحُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ فَصَارَ كَمَا إذَا لَمْ يَقُمْ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَعُدْ؛ لِأَنَّهُ
-
1/5081/508
لِلتَّأْخِيرِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ كَمَا إذَا لَمْ يَقُمْ (وَلَوْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَمْ يَعُدْ) لِأَنَّهُ كَالْقَائِمِ مَعْنًى (يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ.
-
(وَإِنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ حَتَّى قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ رَجَعَ إلَى الْقَعْدَةِ مَا لَمْ يَسْجُدْ) لِأَنَّ فِيهِ إصْلَاحَ
-
كَالْقَائِمِ مَعْنًى لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ،
-
وَلَوْ قَامَ مَا جَازَ لَهُ الْعَوْدُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَرْكُ الْفَرْضِ وَهُوَ الْقِيَامُ لِأَجْلِ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْقُعُودُ الْأَوَّلُ.
-
وَلَا يَلْزَمُ سَجْدَتَا التِّلَاوَةِ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ الْفَرْضَ لِأَجْلِهَا، وَهُنَّ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْجُدُونَ وَيَتْرُكُونَ الْقِيَامَ لِأَجْلِهَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ فَسَبَّحُوا لَهُ، فَعَادَ الْمَرْوِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ وَسَبَّحَ لَهُمْ فَقَامُوا» .
-
وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّهُ عَادَ حِينَ لَمْ يَتِمَّ قَائِمًا وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ مَا تَمَّ قَائِمًا.
-
(وَإِنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ حَتَّى قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ) فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَالرَّابِعَةِ فِي الثُّلَاثِيَّةِ وَالثَّالِثَةِ فِي الثُّنَائِيَّةِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مَا قَعَدَ عَلَى الرَّابِعَةِ أَوْ لَا يَكُونُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُقَيِّدَ الْخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي (رَجَعَ إلَى الْقَعْدَةِ) ؛ لِأَنَّ إصْلَاحَ الصَّلَاةِ بِهِ مُمْكِنٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ عَمَلُهُ احْتِرَازًا عَنْ الْبُطْلَانِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ
-
1/5091/509
صَلَاتِهِ وَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ. قَالَ (وَأَلْغَى الْخَامِسَةَ) لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى شَيْءٍ مَحَلُّهُ قَبْلَهَا فَتَرْتَفِضُ (وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ أَخَّرَ وَاجِبًا.
-
(وَإِنْ قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ بَطَلَ فَرْضُهُ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ شُرُوعَهُ فِي النَّافِلَةِ قَبْلَ إكْمَالِ أَرْكَانِ الْمَكْتُوبَةِ،
-
وَمِنْ ضَرُورَتِهِ خُرُوجُهُ عَنْ الْفَرْضِ وَهَذَا لِأَنَّ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ صَلَاةٌ حَقِيقَةً حَتَّى يَحْنَثَ بِهَا فِي يَمِينِهِ لَا يُصَلِّي (وَتَحَوَّلَتْ صَلَاتُهُ نَفْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) خِلَافًا
-
مُمْكِنٌ (؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ) لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِصَلَاةٍ وَلَا لَهُ حُكْمُهَا، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَا يَحْنَثُ بِمَا دُونَ الرَّكْعَةِ (وَأَلْغَى الْخَامِسَةَ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى شَيْءٍ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ مَا فَعَلَ وَهُوَ الْخَامِسَةُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَبْلَهَا وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكُلُّ مَنْ رَجَعَ مِنْ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ إلَى شَيْءٍ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ يَرْتَفِضُ ذَلِكَ الْفِعْلُ الْمَرْجُوعُ عَنْهُ كَمَا إذَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ تَذَكَّرَ السَّجْدَةَ الصُّلْبِيَّةَ أَوْ التِّلَاوَةَ فَسَجَدَ لَهُمَا ارْتَفَضَتْ الْقَعْدَةُ لِمَا أَنَّ مَحَلَّهَا قَبْلَ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ (وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ؛
-
لِأَنَّهُ أَخَّرَ وَاجِبًا) وَهُوَ إصَابَةُ لَفْظِ السَّلَامِ.
-
وَقِيلَ وَاجِبًا قَطْعِيًّا وَهُوَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بَطَلَ فَرْضُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ،
-
وَلَا أَنَّهُ أَعَادَ صَلَاتَهُ. وَلَنَا أَنَّهُ اسْتَحْكَمَ شُرُوعَهُ فِي النَّافِلَةِ قَبْلَ إكْمَالِ أَرْكَانِ الْمَكْتُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ صَلَاةٌ أُخْرَى حَقِيقَةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَرْكَانِ، وَحُكْمًا؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ الشَّرْعُ وُجُودَهَا، وَأَوْجَبَ الْحِنْثَ عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى رَكْعَةً، وَكُلُّ مَنْ اسْتَحْكَمَ شُرُوعَهُ فِي النَّافِلَةِ قَبْلَ إكْمَالِ أَرْكَانِ الْمَكْتُوبَةِ خَرَجَ عَنْ الْفَرْضِ لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْفَرْضِ
-
1/5101/510
لِمُحَمَّدٍ عَلَى مَا مَرَّ (فَيَضُمُّ إلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً وَلَوْ لَمْ يَضُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ،
-
ثُمَّ إنَّمَا يَبْطُلُ فَرْضُهُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ سُجُودٌ كَامِلٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِرَفْعِهِ لِأَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْحَدَثِ
-
وَالنَّفَلِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ أَحَدُ الْمُتَنَافِيَيْنِ فَيَنْتَفِي الْآخَرُ ضَرُورَةً.
-
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بِوُجُودِ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ أَرْبَعٍ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ اسْتَحْكَمَ الشُّرُوعَ فِي النَّفْلِ لِمَ لَا يَمْنَعُ مَا سَبَقَ مِنْ رَكَعَاتِ الْمَكْتُوبَةِ عَنْ الِاسْتِحْكَامِ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ مَا سَبَقَ مِنْ رَكَعَاتِ الْمَكْتُوبَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَشَدَّ اسْتِحْكَامًا لِكَوْنِهِ كَثِيرًا وَفَرْضًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ الْمُسَاوَاةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ بُطْلَانُ الْفَرْضِ أَوْلَى مِنْ بُطْلَانِ النَّفْلِ.
-
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الِاسْتِحْكَامَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ وَقَدْ تَحَقَّقَ وُجُودُهُ فِيهِ،
-
وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمْ مَانِعًا لَمَا تَحَقَّقَ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ بِبُطْلَانِ الْفَرْضِ بُطْلَانُ وَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ،
-
وَلَا شَكَّ أَنَّ بُطْلَانَ وَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ وَتَحَوُّلَهُ نَفْلًا أَوْلَى مِنْ بُطْلَانِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَوَصْفِهَا وَفِي إبْطَالِ النَّفْلِ ذَلِكَ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى. وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فِي الرَّابِعَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الرَّاوِي «صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا» وَالظُّهْرُ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَمِنْهَا الْقَعْدَةُ، وَإِنَّمَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا الثَّالِثَةُ حَمْلًا لِفِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام عَلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ.
-
وَقَوْلُهُ: (عَلَى مَا مَرَّ) إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَ فِي بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ. وَقَوْلُهُ: (فَيَضُمُّ إلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً) يَعْنِي عِنْدَهُمَا، وَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ بِالْفَسَادِ لَا يُجْبَرُ بِالسَّجْدَةِ (وَلَوْ لَمْ يَضُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ) وَالْمَظْنُونُ غَيْرُ مَضْمُونٍ (ثُمَّ إنَّمَا يَبْطُلُ فَرْضُهُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ كَامِلٌ) ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ حَقِيقَةٌ فِي وَضْعِ الْجَبْهَةِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِرَفْعِهِ؛
-
لِأَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَلَمْ يَصِحَّ الرَّفْعُ مَعَ الْحَدَثِ)
-
1/5111/511
وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي السُّجُودِ بَنَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
-
(وَلَوْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَادَ إلَى الْقَعْدَةِ مَا لَمْ يَسْجُدْ لِلْخَامِسَةِ وَسَلَّمَ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَأَمْكَنَهُ الْإِقَامَةُ عَلَى وَجْهِهِ بِالْقُعُودِ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ.
-
(وَإِنْ قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ ضَمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَتَمَّ فَرْضُهُ) لِأَنَّ الْبَاقِيَ إصَابَةُ لَفْظَةِ السَّلَامِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا يَضُمُّ إلَيْهَا أُخْرَى لِتَصِيرَ الرَّكْعَتَانِ نَفْلًا لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تُجْزِئُهُ «لِنَهْيِهِ عليه الصلاة والسلام عَنْ الْبَتْرَاءِ» ،
-
ثُمَّ لَا تَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ
-
فَلَمْ يَتِمَّ السُّجُودُ (وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي هَذَا السُّجُودِ) فَذَهَبَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْعُدْ فِي الرَّابِعَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَوَضَّأُ وَيَعُودُ إلَى الْقَعْدَةِ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ بِإِتْمَامِهَا بِالتَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَبْنِي؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ فَسَدَتْ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ وَلَا بِنَاءَ عَلَى الْفَاسِدِ.
-
قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ وَأَقْيَسُ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لَوْ تَمَّ قَبْلَ الرَّفْعِ وَجَعَلَ دَوَامَهُ كَتَكْرَارِهِ لَمْ يَنْقُضْهُ الْحَدَثُ: يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ الْحَدَثَ يَنْقُضُ كُلَّ رُكْنٍ وُجِدَ هُوَ فِيهِ، حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَةُ ذَلِكَ الرُّكْنِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْحَدَثُ،
-
وَلَوْ تَمَّ السُّجُودُ بِالْوَضْعِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى إعَادَتِهِ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْحَدَثَ بَعْدَ الرَّفْعِ.
-
(وَإِنْ كَانَ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ) فَلَا يَخْلُوَ إمَّا أَنْ يُقَيِّدَ الْخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْعُدْ عَلَيْهَا،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ثُمَّ تَذَكَّرَ ضَمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَتَمَّ فَرْضُهُ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ إصَابَةُ لَفْظِ السَّلَامِ، وَبِتَرْكِهَا لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يَضُمُّ إلَيْهَا أُخْرَى) ظَاهِرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الضَّمَّ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ جَائِزٌ، وَلَفْظُ الْأَصْلِ يَدُلُّ عَلَى
-
1/5121/512
الظُّهْرِ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ اسْتِحْسَانًا) لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ فِي الْفَرْضِ بِالْخُرُوجِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ. وَفِي النَّفْلِ بِالدُّخُولِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ،
-
وَلَوْ قَطَعَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ
-
الْإِيجَابِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: عَلَيْهِ أَنْ يُضِيفَ وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْإِيجَابِ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّهُمَا يَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ، وَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّ السُّنَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ طَرِيقَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي الظُّهْرِ بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ قَصْدًا. وَقَوْلُهُ: (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ اسْتِحْسَانًا) يَعْنِي أَنَّ الْقِيَاسَ أَلَّا يَسْجُدَ؛
-
لِأَنَّ هَذَا سَهْوٌ وَقَعَ فِي الْفَرْضِ وَقَدْ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى النَّفْلِ،
-
وَمَنْ سَهَا فِي صَلَاةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ النُّقْصَانَ قَدْ تَمَكَّنَ فِي الْفَرْضِ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ لَا عَلَى وَجْهِ الْمَسْنُونِ وَهُوَ الْخُرُوجُ بِإِصَابَةِ لَفْظَةِ السَّلَامِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ، وَفِي النَّفْلِ بِالدُّخُولِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ وَهُوَ الْمَشْرُوعُ فِيهِ بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ السَّجْدَةَ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ؛
-
لِأَنَّهُ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى؛ لِأَنَّ مَنْ قَامَ مِنْ الْفَرْضِ إلَى النَّفْلِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيمٍ وَلَا تَكْبِيرٍ عَمْدًا لَمْ يُعَدُّ ذَلِكَ نَقْصًا فِي النَّقْلِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ وَجْهَيْ الشُّرُوعِ فِي النَّفْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَقْصٌ فِي الْفَرْضِ، وَلَمَّا كَانَ النَّفَلُ بِنَاءً عَلَى التَّحْرِيمَةِ الْأُولَى جُعِلَ فِي حَقِّ وُجُوبِ سَجْدَةِ السَّهْوِ كَأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَنْ تَنَفَّلَ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَهَا فِي الْأُولَى فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ شَفْعٍ مِنْهَا صَلَاةً عَلَى حِدَةٍ لَكِنَّ التَّحْرِيمَةَ وَاحِدَةٌ.
-
(وَلَوْ قَطَعَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ) خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى عِنْدَهُ فِي نَفْلٍ لَازِمٍ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ. قُلْنَا: شَرَعَ عَلَى أَنَّهُ مُسْقِطٌ
-
1/5131/513
وَلَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِيهِمَا يُصَلِّي سِتًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ الْمُؤَدَّى بِهَذِهِ التَّحْرِيمَةِ، وَعِنْدَهُمَا رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ خُرُوجُهُ عَنْ الْفَرْضِ وَلَوْ أَفْسَدَهُ الْمُقْتَدِي فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِالْإِمَامِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ السُّقُوطَ بِعَارِضٍ يَخُصُّ الْإِمَامَ.
-
قَالَ (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا
-
لَا مُلْزِمٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَسَقَطَ أَصْلًا لِئَلَّا يَلْزَمَ إلْزَامُ مَا لَا يَلْزَمُ.
-
(وَلَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِيهِمَا لَزِمَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ سِتُّ رَكَعَاتٍ) إنْ اقْتَدَى بِهِ فِي الْخَامِسَةِ يَأْتِي بَعْدَ الْإِمَامِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ،
-
وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ فِي السَّادِسَةِ يَأْتِي بَعْدَهُ بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ، يُصَلِّي رَكْعَةً وَيَقْعُدُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَقْعُدُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَقْعُدُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِي تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ لَزِمَهُ مَا أَدَّى بِهَا الْإِمَامُ وَقَدْ أَدَّى الْإِمَامُ سِتًّا (وَعِنْدَهُمَا لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ خُرُوجُهُ مِنْ الْفَرْضِ) فَلَا يَلْزَمُ غَيْرُ هَذَا الشَّفْعِ (وَلَوْ أَفْسَدَهُ الْمُقْتَدِي لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِمَا إذَا أَفْسَدَهُ الْإِمَامُ) فَإِنَّ حَالَ الْمَأْمُومِ لَا يَكُونُ أَقْوَى حَالًا مِنْ الْإِمَامِ وَإِلَّا لَزِمَ زِيَادَةُ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ؛
-
لِأَنَّ السُّقُوطَ بِعَارِضٍ يَخُصُّ الْإِمَامَ) تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْوُجُوبِ وَهُوَ الشُّرُوعُ مِنْ الْمُخَاطَبِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْإِبْطَالِ قَامَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، فَكَذَا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ لِبِنَاءِ صَلَاتِهِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا عَمَلًا بِالْمُقْتَضِي إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ عَنْ الْإِمَامِ بِعَارِضٍ يَخُصُّهُ وَهُوَ شُرُوعُهُ فِي النَّفْلِ لَا عَلَى قَصْدِ النَّفْلِ، وَمَا خُصَّ بِهِ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ؛
-
لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ أَيْضًا قَوِيٌّ بِالنَّظَرِ إلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَقْعُدْ عَلَى الرَّابِعَةِ بِأَنَّ هُنَاكَ بَطَلَ فَرْضُهُ وَكَانَ الْإِحْرَامُ فِي الِابْتِدَاءِ مُنْعَقِدًا لِسِتٍّ،
-
فَإِذَا اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ لَزِمَهُ مُوجِبُ تِلْكَ التَّحْرِيمَةِ،
-
وَأَمَّا هَاهُنَا فَقَدْ تَمَّ فَرْضُهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَشَرَعَ فِي النَّفْلِ وَالْمُقْتَدِي اقْتَدَى بِهِ فِي النَّفْلِ فَلَا يَلْزَمُ غَيْرُ رَكْعَتَيْنِ.
-
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هُنَاكَ صَلَاةً وَاحِدَةً فَيَلْزَمُ الْجَمِيعُ، وَهَاهُنَا صَلَاتَيْنِ فَيَلْزَمُ الْأَخِيرَةُ. قِيلَ كَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ وَبِدَلِيلِ مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛
-
لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ الِاخْتِلَافَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فَنَقَلَهُ،
-
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمَا مُتَّفِقِينَ عَلَيْهِمَا فِي مَسْأَلَةِ اتِّفَاقِهِمَا فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ.
-
قَالَ (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا) الْأَصْلُ أَنَّ وُقُوعَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَيْنَ شَفْعَيْ الصَّلَاةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ،
-
ثُمَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّفْعَانِ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوْ
-
1/5141/514
فَسَهَا فِيهِمَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أُخْرَيَيْنِ لَمْ يَبْنِ) لِأَنَّ السُّجُودَ يَبْطُلُ لِوُقُوعِهِ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ،
-
بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ إذَا سَجَدَ السَّهْوَ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ حَيْثُ يَبْنِي لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْنِ يُبْطِلُ جَمِيعَ الصَّلَاةِ، وَمَعَ هَذَا لَوْ أَدَّى صَحَّ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ.
-
(وَمَنْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ،
-
فَإِنْ سَجَدَ الْإِمَامُ كَانَ دَاخِلًا وَإِلَّا فَلَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ دَاخِلٌ سَجَدَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَسْجُدْ، لِأَنَّ عِنْدَهُ سَلَامُ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الصَّلَاةِ أَصْلًا لِأَنَّهَا وَجَبَتْ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي إحْرَامِ الصَّلَاةِ وَعِنْدَهُمَا يُخْرِجُهُ عَلَى
-
الْفَرْضِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَمَا إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا (فَسَهَا فِيهِمَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أُخْرَيَيْنِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أُخْرَاوَيْنِ وَلَيْسَ بِصَوَابٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ السَّجْدَةَ بِلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَدَّى صَحَّتْ بِدُونِ مَا يَبْنِي فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْبِنَاءِ بَلْ فِيهِ إحْرَازُ فَضِيلَةِ الدَّوَامِ، وَفِيهِ نَقْضُ الْوَاجِبِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ نَقْضِ الْوَاجِبِ أَوْلَى وَمَعَ هَذَا لَوْ بَنَى صَحَّ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ.
-
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَإِنْ بَنَى عَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَنَى حَصَلَتْ السَّجْدَتَانِ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِمَا وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَمَا إذَا سَجَدَ الْمُسَافِرُ لِلسَّهْوِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْنِ وَقَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَفِي الْبِنَاءِ نَقْضُ الْوَاجِبِ وَنَقْضُ الْوَاجِبِ أَدْنَى فَيُحْتَمَلُ دَفْعًا لِلْأَعْلَى.
-
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ) أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَخَوَاتِهَا أَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لَا خُرُوجًا مَوْقُوفًا وَلَا بَاتًّا، وَعِنْدَهُمَا يُخْرِجُهُ خُرُوجًا مَوْقُوفًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ حَكَمْنَا بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ وَإِلَّا فَلَا.
-
لِمُحَمَّدٍ أَنَّ السَّجْدَةَ وَجَبَتْ جَبْرًا لِنُقْصَانٍ تَمَكَّنَ فِي الْمُؤَدَّى بِالِاتِّفَاقِ.
-
وَالْجَبْرُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ الْمَجْبُورُ قَائِمًا، وَقِيَامُهُ بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ فَيُحْكَمُ بِبَقَائِهَا تَحْصِيلًا لِلْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ. وَلَهُمَا أَنَّ السَّلَامَ مُحَلِّلٌ فِي نَفْسِهِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا لَا يَعْمَلُ ضَرُورَةَ الْحَاجَةِ إلَى أَدَاءِ السَّجْدَةِ،
-
وَلَا ضَرُورَةَ إذَا لَمْ يَعُدْ فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ لِتَحَقُّقِ الْمُقْتَضِي وَزَوَالِ الْمَانِعِ وَهَذَا يَجُرُّ إلَى تَخْلِيصِ الْعِلَّةِ كَمَا تَرَى وَالْمُخَلِّصُ مَعْلُومٌ. لَا يُقَالُ: إذَا كَانَ بَقَاءُ التَّحْرِيمَةِ ضَرُورَةَ أَدَاءِ السَّجْدَةِ يَنْبَغِي أَلَّا يَتَعَدَّى إلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَشْكِيكٌ فِي الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مَسْمُوعًا،
-
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا الْأَصْلُ تَجْرِي عَلَيْهِ الْفُرُوعُ، مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ
-
1/5151/515
سَبِيلِ التَّوَقُّفِ لِأَنَّهُ مُحَلِّلٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَعْمَلُ لِحَاجَتِهِ إلَى أَدَاءِ السَّجْدَةِ فَلَا يَظْهَرُ دُونَهَا،
-
وَلَا حَاجَةَ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ الْعَوْدِ، وَيَظْهَرُ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا وَفِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِالْقَهْقَهَةِ وَتَغَيُّرِ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
-
فَإِنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ الِاقْتِدَاءَ صَحِيحٌ عَلَى سَبِيلِ الْبَتَاتِ، وَعِنْدَهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّفِ. وَمِنْهَا انْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ بِالْقَهْقَهَةِ عِنْدَهُ تَنْتَقِضُ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ خِلَافًا لَهُمَا، وَمِنْهَا تَغَيُّرُ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَهُ يَتَغَيَّرُ لِكَوْنِهَا فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ نَوَى قَبْلَ السَّلَامِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَغَيَّرُ؛
-
لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْخُرُوجُ مَوْقُوفًا كَانَ خَارِجًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عِنْدَهُمَا كَحُكْمِهَا عِنْدَهُ احْتِيَاطًا. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْخُرُوجَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، بَلْ مَعْنَاهُ الْخُرُوجُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَكِنْ بِعُرْضَةِ الْعَوْدِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
-
1/5161/516
وَ (مَنْ سَلَّمَ يُرِيدُ بِهِ قَطْعَ الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّ السَّلَامَ غَيْرُ قَاطِعٍ وَنِيَّتُهُ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ
-
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ سَلَّمَ يُرِيدُ بِهِ قَطْعَ الصَّلَاةِ) يَعْنِي فِي عَزْمِهِ أَلَّا يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ (فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ) فِي مَجْلِسِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَتَكَلَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَوْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهَذِهِ تُفِيدُ أَنَّ الِانْحِرَافَ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ السُّجُودِ.
-
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ هَذَا السَّلَامَ) أَيْ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ (غَيْرُ قَاطِعٌ) أَيْ بِالِاتِّفَاقِ، أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ مُحَلِّلًا،
-
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُحَلِّلًا فَهُوَ مُحَلِّلٌ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّفِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْبَتَاتِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُشْرَعْ قَاطِعًا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَحْصُلُ بِالسَّلَامِ فَبَقِيَتْ نِيَّتُهُ، وَهِيَ لَا تَصْلُحُ لِلْقَطْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ السَّلَامَ غَيْرُ قَاطِعٍ شَرْعًا فَجَعْلُهُ قَاطِعًا بِالنِّيَّةِ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ لَا يَتَغَيَّرُ بِالْقَصْدِ وَالْعَزَائِمِ وَاعْتُرِضَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ السَّلَامَ وَحْدَهُ مُخْرِجٌ عَنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُخْرِجًا مَعَ نِيَّةِ
-
1/5171/517
الْقَطْعِ، وَهَلْ هَذَا إلَّا تَنَاقُضٌ،
-
فَإِنَّ غَايَةَ مَا فِي الْبَابِ أَلَّا تَكُونَ النِّيَّةُ مُعْتَبَرَةً،
-
وَأَمَّا السَّلَامُ وَحْدَهُ فَمَوْجُودٌ فَكَأَنَّهُمَا قَالَا السَّلَامُ مُخْرِجٌ السَّلَامُ غَيْرُ مُخْرِجٍ.
-
وَالثَّانِي أَنَّ نِيَّةَ الِاشْتِرَاكِ تُغَيِّرُ أَفْضَلَ الْمَشْرُوعَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ إذَا نَوَاهُ غَيَّرَ الْإِيمَانَ فِي الْحَالِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ مُخْرِجٌ عَنْ إحْرَامِ الصَّلَاةِ لَكِنْ عَلَى عَرْضِيَّةِ الْعَوْدِ إلَيْهِ بِالسُّجُودِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ الْعَوْدَ أَوْ يَنْوِيَ عَدَمَ الْعَوْدِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ لِنِيَّتِهِ.
-
وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى كَانَتْ لِبَيَانِ الْإِطْلَاقِ وَهَذِهِ لِبَيَانِ التَّقْيِيدِ وَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ كَلَامَنَا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ سَلَامَ السَّاهِي
-
1/5181/518
فَلَغَتْ.
-
(وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَأْنَفَ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْتَقْبِلْ الصَّلَاةَ» (وَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ كَثِيرًا بَنَى عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهِ) لِقَوْلِهِ
-
غَيْرَ قَاطِعٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ قَاطِعًا بِقَصْدِهِ وَعَزِيمَتِهِ. وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِلْمَشْرُوعِ، وَلَيْسَ مِنْ قَصْدِ مَنْ يَنْوِي الِاشْتِرَاكَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِيمَانَ الْمَشْرُوعَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِقَصْدِهِ وَعَزِيمَتِهِ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ يُغْنِكَ عَمَّا طُوِّلَ فِي الْكُتُبِ.
-
قَالَ (وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ) وَمَنْ شَكَّ فِي كَمِّيَّةِ مَا صَلَّى فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَا عَرَضَ الشَّكُّ لَهُ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ، قَالَ صَاحِبُ الْأَجْنَاسِ مَعْنَاهُ أَوَّلُ مَا سَهَا فِي عُمُرِهِ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ مَعْنَاهُ: أَنَّ السَّهْوَ لَيْسَ بِعَادَةٍ لَهُ لَا أَنَّهُ لَمْ يَسْهُ قَطُّ، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: يَعْنِي فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ وَهُمَا قَرِيبَانِ.
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ الشَّكُّ كَثِيرًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ رَأْيٌ أَوْ لَا.
-
فَإِنْ كَانَ بَنِي عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ
-
1/5191/519
عليه الصلاة والسلام «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ» (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ» وَالِاسْتِقْبَالُ بِالسَّلَامِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ عُرِفَ مُحَلِّلًا دُونَ الْكَلَامِ، وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ يَلْغُو، وَعِنْدَ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ يَقْعُدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَتَوَهَّمُ آخِرَ صَلَاتِهِ كَيْ لَا يَصِيرَ تَارِكًا فَرْضَ الْقِعْدَةِ.
-
«إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْتَقْبِلْ الصَّلَاةَ» وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ» وَرُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّوْفِيقَ لَا بُدَّ مِنْهُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِحَمْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى؛
-
لِأَنَّ فِيهِ الْأَمْرَ بِالِاسْتِقْبَالِ وَذَلِكَ يُنَاسِبُ الصُّورَةَ الْأُولَى لِعَدَمِ التَّكْرَارِ الْمُفْضِي إلَى الْحَرَجِ بِتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ، وَيُحْمَلُ الثَّانِي عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْأَمْرَ بِالتَّحَرِّي الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْأَحْرَى، وَالْأَحْرَى هُوَ مَا يَكُونُ أَكْثَرُ رَأْيِهِ عَلَيْهِ، وَتَعَيُّنُ الثَّالِثِ لِلثَّالِثَةِ يَقْتَضِي الشَّكَّ وَالْأَمْرَ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَالِاسْتِقْبَالُ بِالسَّلَامِ أَوْلَى) يَتَعَلَّقُ بِأَوْلَى الصُّوَرِ: يَعْنِي إذَا اسْتَأْنَفَ، وَالِاسْتِئْنَافُ بِالسَّلَامِ أَوْلَى لَا بِالْكَلَامِ أَوْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ السَّلَامَ (عُرِفَ مُحَلِّلًا دُونَ الْكَلَامِ وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَغْوٌ) مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِالْعَمَلِ الْقَاطِعِ. وَقَوْلُهُ: (وَعِنْدَ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ) يَتَعَلَّقُ بِأُخْرَاهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّكَّ إذَا وَقَعَ فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَنَّهَا الْأُولَى أَوْ
-
1/5201/520
الثَّانِيَةُ عَمِلَ بِالتَّحَرِّي، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ فَيَجْعَلُهَا أُولَى ثُمَّ يَقْعُدُ لِجَوَازِ أَنَّهَا ثَانِيَتُهَا، وَالْقَعْدَةُ
-
1/5211/521
فِيهَا وَاجِبَةٌ، ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى وَيَقْعُدُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا فِي الْحُكْمِ ثَانِيَةً،
-
ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى وَيَقْعُدُ
-
1/5221/522
لِجَوَازِ أَنَّهَا رَابِعَتُهَا، ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى وَيَقْعُدُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا رَابِعَتَهَا فِي الْحُكْمِ وَالْقَعْدَةُ فِيهَا فَرْضٌ، وَذَوَاتُ
-
1/5231/523
الثَّلَاثِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ،
-
وَإِنْ وَقَعَ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّشَهُّدِ أَوْ بَعْدَ السَّلَامِ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ حَمْلًا لِأَمْرِهِ
-
1/5241/524
عَلَى الصَّلَاحِ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ.