Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

فَصْلٌ فِي تَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ

العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 4714 to 4859

  1. 2/802/80

    تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ لَمَّا كَانَ ذِكْرًا مُخْتَصًّا بِالْأَضْحَى نَاسَبَ ذِكْرُهُ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ،

  2. ثُمَّ قِيلَ تَرْجَمَةُ الْفَصْلِ بِتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ وَقَعَ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ التَّكْبِيرِ لَا يَقَعُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،

  3. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ أَخَذَ اسْمَهُ، وَقَوْلُهُ (وَيَبْدَأُ بِتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ) اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي ابْتِدَاءِ التَّشْرِيقِ وَانْتِهَائِهِ،

  4. فَأَمَّا ابْتِدَاؤُهُ فَكِبَارُ الصَّحَابَةِ كَعَمْرٍو وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالُوا: يَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَصِغَارُهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالُوا: يَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.

  5. وَأَمَّا انْتِهَاؤُهُ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلَاةُ الْعَصْرِ مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ النَّحْرِ فَعِنْدَهُ ثَمَانِ صَلَوَاتٍ يُكَبِّرُ فِيهَا، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: انْتِهَاؤُهُ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَيَكُونُ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ

  6. 2/812/81

    أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَخْتِمُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَأَخَذَا بِقَوْلِ عَلِيٍّ أَخْذًا بِالْأَكْثَرِ، إذْ هُوَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَأَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْذًا بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ بِدْعَةٌ.

  7. وَمُحَمَّدٌ. وَوَجْهُ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ. وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ وَيَمْضِي ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ،

  8. فَإِنَّ الْعَاشِرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ نَحْرٌ خَاصٌّ، وَالثَّالِثَ عَشَرَ تَشْرِيقٌ خَاصٌّ، وَالْيَوْمَانِ فِيمَا بَيْنَهُمَا لِلنَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ.

  9. وَقَوْلُهُ (وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الْخَلِيلِ ﷺ ) قِيلَ أَصْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا جَاءَ بِالْقُرْبَانِ خَافَ الْعَجَلَةَ عَلَى إبْرَاهِيمَ عليهما السلام فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَلَمَّا رَآهُ إبْرَاهِيمُ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، فَلَمَّا عَلِمَ إسْمَاعِيلُ بِالْفِدَاءِ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» ، فَبَقِيَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إمَّا سُنَّةً أَوْ وَاجِبًا عَلَى مَا يُذْكَرُ.

  10. وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَفْضَلُ مَا قُلْت وَقَالَتْ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلِي يَوْمَ عَرَفَةَ:

  11. 2/822/82

    وَالتَّكْبِيرُ أَنْ يَقُولَ مَرَّةً وَاحِدَةً: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه.

  12. (وَهُوَ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ عَلَى الْمُقِيمِينَ فِي الْأَمْصَارِ فِي الْجَمَاعَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَيْسَ عَلَى جَمَاعَاتِ النِّسَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ،

  13. وَلَا عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسَافِرِينَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مُقِيمٌ. وَقَالَا: هُوَ عَلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ، وَلَهُ مَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ. وَالتَّشْرِيقُ هُوَ التَّكْبِيرُ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ، وَلِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ، إلَّا أَنَّهُ

  14. اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» قَوْلُهُ (مَرَّةً وَاحِدَةً) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ التَّكْبِيرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَهُ فِي ذِكْرِ التَّهْلِيلِ بَعْدَهُ قَوْلَانِ.

  15. قَوْلُهُ (وَهُوَ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ عَلَى الْمُقِيمِينَ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ اخْتَارَ كَوْنَهُ وَاجِبًا وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ فَإِنَّهُ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَيَكُونُ وَاجِبًا عَمَلًا بِالْأَمْرِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ.

  16. قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ سُنَّةٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَفِي قَوْلِهِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَلِّلَ مَا يَقْطَعُ بِهِ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ؛ حَتَّى لَوْ قَامَ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ تَكَلَّمَ لَمْ يُكَبِّرْ؛ فَفِي قَوْلِهِ الْمَفْرُوضَاتِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ بَعْدَ الْوِتْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالنَّافِلَةِ.

  17. وَقَيَّدَ بِالْإِقَامَةِ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُكَبِّرُ إلَّا إذَا اقْتَدَى بِمُقِيمٍ، وَقَيَّدَ بِالْأَمْصَارِ لِأَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ فِي الْقُرَى، وَقَيَّدَ بِالْجَمَاعَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْبِيرَ عَلَى الْمُنْفَرِدِ، وَقَيَّدَ بِالْمُسْتَحَبَّةِ احْتِرَازًا عَنْ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ لَا تَكْبِيرَ عَلَيْهِنَّ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَقَالَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ لِأَنَّهُ تَبِعَ لَهَا (وَلَهُ مَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ) يُرِيدُ بِهِ مَا ذَكَرَ فِي أَوَّلِ بَابِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا فِطْرَ وَلَا أَضْحَى إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ التَّكْبِيرَاتُ شُرِعَتْ تَبَعًا لِلْمَكْتُوبِ فَكَيْفَ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا لَمْ يُشْتَرَطْ لِلْمَتْبُوعِ؟

  18. قُلْنَا بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ عَلَى قَوْلِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ اشْتَرَطَهَا قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْتَرِطُهَا قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَمَّ الْعَبْدُ

  19. 2/832/83

    يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ إذَا اقْتَدَيْنَ بِالرِّجَالِ، وَعَلَى الْمُسَافِرِينَ عِنْدَ اقْتِدَائِهِمْ بِالْمُقِيمِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ. قَالَ يَعْقُوبُ: صَلَّيْت بِهِمْ الْمَغْرِبَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَهَوْت أَنْ أُكَبِّرَ فَكَبَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ. دَلَّ أَنَّ الْإِمَامَ وَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ لَا يَتْرُكُهُ الْمُقْتَدِي، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَلِمَ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ فِيهِ حَتْمًا وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ.

  20. فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ،

  21. فَمَنْ شَرَطَهَا لَمْ يُوجِبْ التَّكْبِيرَ،

  22. وَمَنْ لَمْ يَشْرِطْهَا أَوْجَبَهُ (قَالَ يَعْقُوبُ: صَلَّيْت بِهِمْ الْمَغْرِبَ فَسَهَوْت أَنْ أُكَبِّرَ فَكَبَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ، دَلَّ) أَيْ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى (أَنَّ الْإِمَامَ إنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ لَا يَتْرُكُهُ الْمُقْتَدِي) لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ،

  23. بِخِلَافِ سُجُودِ السَّهْوِ فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ لَا يَسْجُدُ الْمُقْتَدِي لِأَنَّهُ يُؤْتَى بِهِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ،

  24. بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ، وَلَكِنْ إنَّمَا يُكَبِّرُ الْقَوْمُ قَبْلَ الْإِمَامِ إذَا وَقَعَ الْيَأْسُ مِنْ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ بِأَنْ قَامَ. قِيلَ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ فَوَائِدُ: مِنْهَا بَيَانُ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ أُسْتَاذِهِ حَيْثُ قَدَّمَهُ وَاقْتَدَى بِهِ.

  25. وَمِنْهَا بَيَانُ حُرْمَةِ أُسْتَاذِهِ فِي قَلْبِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْمُقْتَدَى بِهِ أُسْتَاذَهُ سَهَا عَمَّا لَا يَسْهُو الْمَرْءُ عَنْهُ عَادَةً وَهُوَ التَّكْبِيرُ. وَمِنْهَا مُبَادَرَةُ أُسْتَاذِهِ إلَى السَّتْرِ عَلَيْهِ حَيْثُ كَبَّرَ لِيَتَذَكَّرَ هُوَ فَكَبَّرَ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ كُلِّ أُسْتَاذٍ وَتِلْمِيذِهِ: يَعْنِي أَنَّ التِّلْمِيذَ يُعَظِّمُ الْأُسْتَاذَ وَالْأُسْتَاذَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ عُيُوبَهُ. .

  26. 2/842/84

    (بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ)

  27. قَالَ (إذَا انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ كَهَيْئَةِ النَّافِلَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعٌ وَاحِدٌ) وَقَالَ

  28. (بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ)

  29. قَرَنَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ بِصَلَاةِ الْعِيدِ لِأَنَّهُمَا يُؤَدَّيَانِ بِالْجَمَاعَةِ فِي النَّهَارِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَأَخَّرَهَا عَنْ الْعِيدِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَاجِبَةً فِي الْأَصَحِّ عَلَى مَا مَرَّ، يُقَالُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ تَكْسِفُ كُسُوفًا، وَكَسَفَهَا اللَّهُ كَسْفًا يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى. قَالَ جَرِيرٌ يَرْثِي بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ:

  30. الشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ … تَبْكِي عَلَيْك نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا

  31. قِيلَ مَعْنَاهُ: لَيْسَتْ تَكْسِفُ ضَوْءَ النُّجُومِ مَعَ طُلُوعِهَا، وَلَكِنْ لِقِلَّةِ ضَوْئِهَا وَبُكَائِهَا عَلَيْك لَمْ يَظْهَرْ لَهَا نُورٌ.

  32. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: تَغْلِبُ النُّجُومُ فِي الْبُكَاءِ، يُقَالُ بَاكَيْتُهُ فَبَكَّيْته: أَيْ غَلَبْته فِي الْبُكَاءِ. وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى

  33. 2/852/85

    الشَّافِعِيُّ: رُكُوعَانِ. لَهُ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، وَلَنَا رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحَالُ أَكْشَفُ عَلَى الرِّجَالِ لِقُرْبِهِمْ فَكَانَ التَّرْجِيحُ

  34. ذَلِكَ، وَسَبَبُ شَرْعِيَّتِهَا الْكُسُوفُ، وَلِهَذَا تُضَافُ إلَيْهِ. وَشُرُوطُهَا شُرُوطُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَهِيَ سُنَّةٌ «؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّاهَا» .

  35. وَكَيْفِيَّةُ أَدَائِهَا أَنْ يُصَلِّيَ إمَامُ الْجُمُعَةِ فِي الْجَامِعِ أَوْ فِي الْمُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ كَهَيْئَةِ النَّافِلَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا كَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ أَوْ غَيْرِهِ نُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَصَلَّى الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ إنْ حَفِظَهَا وَإِلَّا فَمَا يَعْدِلُهَا مِنْ غَيْرِهَا،

  36. ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَمْكُثُ فِي رُكُوعِهِ قَدْرَ مَا مَكَثَ فِي قِيَامِهِ،

  37. ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُومُ وَيَقْرَأُ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ إنْ حَفِظَهَا وَإِلَّا فَمَا يَعْدِلُهَا مِنْ غَيْرِهَا،

  38. ثُمَّ يَرْكَعُ ثَانِيًا وَيَمْكُثُ فِي رُكُوعِهِ مِثْلَمَا مَكَثَ فِي قِيَامِهِ هَذَا،

  39. ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ،

  40. ثُمَّ يَقُومُ وَيَمْكُثُ فِي قِيَامِهِ وَيَقْرَأُ فِيهِ مِقْدَارَ مَا قَرَأَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَمْكُثُ فِي رُكُوعِهِ مِثْلَ مُكْثِهِ فِي هَذَا الْقِيَامِ،

  41. ثُمَّ يَقُومُ وَيَمْكُثُ فِي قِيَامِهِ مِثْلَمَا مَكَثَ فِي الرُّكُوعِ ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَمْكُثُ فِيهِ مِثْلَمَا مَكَثَ فِي قِيَامِهِ،

  42. ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُومُ مِثْلَ ثُلُثَيْ قِيَامِهِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الرَّكْعَةِ،

  43. ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَيُتِمُّ الصَّلَاةَ.

  44. وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَبِي بَكْرَةَ

  45. 2/862/86

    وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلَفٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ كَأَطْوَلِ صَلَاةٍ كَانَ يُصَلِّيهَا فَانْجَلَتْ الشَّمْسُ مَعَ فَرَاغِهِ مِنْهَا» وَإِذَا تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ كَانَ التَّرْجِيحُ لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحَالُ أَكْشَفُ عَنْ الرِّجَالِ لِقُرْبِهِمْ وَتَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي صَلَاةِ الْأَثَرِ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَطَالَ الرُّكُوعَ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ رُكُوعِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَرَفَعَ أَهْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ رُءُوسَهُمْ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ ﷺ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ،

  46. فَمَنْ خَلْفَهُمْ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَاكِعًا رَكَعُوا،

  47. فَمَنْ خَلْفَهُمْ رَكَعُوا، فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَ الْقَوْمُ

  48. 2/872/87

    لِرِوَايَتِهِ (وَيُطَوِّلُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا وَيُخْفِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَجْهَرُ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ

  49. رُءُوسَهُمْ وَمَنْ كَانُوا خَلْفَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ظَنُّوا أَنَّهُ رَكَعَ رُكُوعَيْنِ فَرَوَوْا عَلَى حَسَبِ مَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ، وَمِثْلُ هَذَا الِاشْتِبَاهِ قَدْ يَقَعُ لِمَنْ كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ وَعَائِشَةُ كَانَتْ فِي صَفِّ النِّسَاءِ.

  50. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى حَدِيثَهَا مِنْ الرِّجَالِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَدْ كَانَ فِي صَفِّهِمْ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ فِي صَفِّ الصِّبْيَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.

  51. وَقَوْلُهُ (وَيُطَوِّلُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا)

  52. 2/882/88

    أَمَّا التَّطْوِيلُ فِي الْقِرَاءَةِ فَبَيَانُ الْأَفْضَلِ، وَيُخَفِّفُ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمَسْنُونَ اسْتِيعَابُ الْوَقْتِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ،

  53. فَإِذَا خَفَّفَ أَحَدُهُمَا طَوَّلَ الْآخَرُ.

  54. وَأَمَّا الْإِخْفَاءُ وَالْجَهْرُ فَلَهُمَا رِوَايَةُ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ جَهَرَ فِيهَا»

  55. أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ (فَبَيَانُ الْأَفْضَلِ) لِأَنَّ فِيهِ مُتَابَعَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ صَحَّ «أَنَّ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِقَدْرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ» . وَقَوْلُهُ (فَلَهُمَا رِوَايَةُ عَائِشَةَ)

  56. 2/892/89

    وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَمُرَةَ رضي الله عنهم ، وَالتَّرْجِيحُ قَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، كَيْفَ وَإِنَّهَا صَلَاةُ النَّهَارِ وَهِيَ عَجْمَاءُ.

  57. (وَيَدْعُو بَعْدَهَا حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إذَا رَأَيْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَفْزَاعِ شَيْئًا فَارْغَبُوا إلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ» ، وَالسُّنَّةُ فِي الْأَدْعِيَةِ تَأْخِيرُهَا عَنْ الصَّلَاةِ (وَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامَ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ

  58. فَإِنَّهَا رَوَتْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً فَجَهَرَ بِهَا: يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ» (وَلَهُ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ قِرَاءَتِهِ فِيهَا حَرْفًا (وَالتَّرْجِيحُ قَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَالْحَالُ أَكْشَفُ عَلَى الرِّجَالِ لِقُرْبِهِمْ.

  59. فَإِنْ قِيلَ: ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه رَوَى حَدِيثَهَا،

  60. فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَمَا جَوَابُهُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْجَوَابَ بِالرُّجُوعِ إلَى الْأَصْلِ فَإِنَّهَا صَلَاةٌ نَهَارِيَّةٌ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِخْفَاءُ. قَالَ عليه الصلاة والسلام «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.

  61. وَقَوْلُهُ (وَيَدْعُو بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ إنْ شَاءَ جَالِسًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَإِنْ شَاءَ قَائِمًا وَإِنْ شَاءَ يَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ وَالْقَوْمُ تُؤَمِّنُ. وَقَوْلُهُ (مِنْ هَذِهِ الْأَفْزَاعِ) الْفَزَعُ

  62. 2/902/90

    فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى) تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ.

  63. (وَلَيْسَ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ) لِتَعَذُّرِ الِاجْتِمَاعِ فِي اللَّيْلِ (أَوْ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ) ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» (وَلَيْسَ فِي الْكُسُوفِ خُطْبَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ.

  64. الْخَوْفُ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) يَعْنِي الْإِمَامَ (صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى إنْ شَاءُوا رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءُوا أَرْبَعًا) لِأَنَّ هَذَا تَطَوُّعٌ وَالْأَصْلُ فِي التَّطَوُّعَاتِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ) أَيْ فِتْنَةِ التَّقْدِيمِ وَالتَّقَدُّمِ وَالْمُنَازَعَةِ فِيهِمَا.

  65. وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ) عَابَ أَهْلُ الْأَدَبِ مُحَمَّدًا فِي هَذَا اللَّفْظِ وَقَالُوا: إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَمَرِ لَفْظُ الْخُسُوفِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: يُقَالُ كَسَفَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ جَمِيعًا، وَقَوْلُهُ ﷺ «فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» الْحَدِيثَ.

  66. رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ وَلَدُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّاسُ: إنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِهِ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» أَيْ الْتَجِئُوا إلَيْهَا.

  67. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَاجِبَةً. قُلْنَا: قَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ وَالْعَامَّةُ ذَهَبَتْ إلَى كَوْنِهَا سُنَّةً لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهَا تُوجَدُ بِعَارِضٍ لَكِنْ صَلَّاهَا النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام فَكَانَتْ سُنَّةً وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ.

  68. وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ فِي الْكُسُوفِ) أَيْ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (خُطْبَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ: يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ كَمَا فِي الْعِيدَيْنِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ «خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ» وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُفْعَلْ،

  69. وَإِنْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام خَطَبَ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ إنَّهَا كَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ.

  70. 2/912/91

    (بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ)

  71. (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ فِي جَمَاعَةٍ،

  72. فَإِنْ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانًا جَازَ، وَإِنَّمَا الِاسْتِسْقَاءُ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الْآيَةَ، «وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى وَلَمْ تُرْوَ عَنْهُ الصَّلَاةُ»

  73. (بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ)

  74. أَخَّرَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ عَنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ سُنَّةٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ فِي جَمَاعَةٍ،

  75. فَإِنْ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانًا جَازَ وَإِنَّمَا الِاسْتِسْقَاءُ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ وَرُوِيَ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ عليه السلام لَمَّا كَذَّبُوهُ بَعْدَ طُولِ تَكْرِيرِهِ الدَّعْوَةَ حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْقَطْرَ وَأَعْقَمَ أَرْحَامَ نِسَائِهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً،

  76. وَقِيلَ سَبْعِينَ سَنَةً، فَوَعَدَهُمْ أَنَّهُمْ إنْ آمَنُوا رَزَقَهُمْ اللَّهُ الْخِصْبَ وَرَفَعَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ.

  77. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ شَرَائِعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرَائِعُ لَنَا إذَا قَصَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَهَذَا كَذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ الصَّلَاةُ، وَإِنَّمَا الْمَرْوِيُّ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام فِي ذَلِكَ الدُّعَاءُ. رَوَى أَنَسٌ رضي الله عنه «أَنَّ النَّاسَ قَدْ قَحَطُوا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

  78. 2/922/92

    (وَقَالَا: يُصَلِّي الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. قُلْنَا: فَعَلَهُ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى فَلَمْ يَكُنْ سُنَّةً، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ.

  79. فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَخَشِينَا الْهَلَاكَ عَلَى أَنْفُسِنَا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا غَدَقًا مُغْدِقًا عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ، قَالَ الرَّاوِي: مَا كَانَ فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، فَارْتَفَعَتْ السَّحَابُ مِنْ هَاهُنَا وَمِنْ هَاهُنَا حَتَّى صَارَتْ رُكَامًا،

  80. ثُمَّ مَطَرَتْ سَبْعًا مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ،

  81. ثُمَّ دَخَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ وَالسَّمَاءُ تَسْكُبُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبُنْيَانُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَلَالَةِ ابْنِ آدَمَ. قَالَ الرَّاوِي: وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ خَضِرًا،

  82. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، فَانْجَابَتْ السَّحَابَةُ عَنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى صَارَتْ حَوْلَهَا كَالْإِكْلِيلِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ الدُّعَاءِ»

  83. (وَقَالَا: يُصَلِّي الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ) فِي الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ، وَالصَّلَاةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما . (قُلْنَا) إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُهُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّهَا سُنَّةٌ أَوْ لَا، وَالسُّنَّةُ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهَاهُنَا (فَعَلَهُ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى فَلَمْ يَكُنْ) فِعْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ تَرْكِهِ حَتَّى يَكُونَ مُوَاظَبَةً فَلَا يَكُونُ (سُنَّةً) فَإِنْ قِيلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ حِينَئِذٍ مُتَنَاقِضٌ؛

  84. لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا وَلَمْ تُرْوَ عَنْهُ الصَّلَاةُ ثُمَّ قَالَ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَرْوِيَّ لَمَّا كَانَ شَاذًّا فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى جَعَلَهُ كَأَنَّهُ غَيْرُ مَرْوِيٍّ. قَوْلُهُ (وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ) يَعْنِي أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ،

  85. 2/932/93

    (وَيَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) اعْتِبَارًا بِصَلَاةِ الْعِيدِ (ثُمَّ يَخْطُبُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ» ثُمَّ هِيَ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ

  86. وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ قَوْلَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ.

  87. وَقَوْلُهُ (وَيُجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) اتَّفَقَا عَلَى الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ اعْتِبَارًا بِصَلَاةِ الْعَبْدِ. وَاخْتَلَفَا فِي الْخُطْبَةِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: هِيَ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: خُطْبَةٌ

  88. 2/942/94

    (وَلَا خُطْبَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْجَمَاعَةِ وَلَا جَمَاعَةَ عِنْدَهُ (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِالدُّعَاءِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ» (وَيَقْلِبُ رِدَاءَهُ) لِمَا رَوَيْنَا. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَقْلِبُ رِدَاءَهُ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ.

  89. وَاحِدَةٌ وَبِكُلِّ ذَلِكَ وَرَدَ الْحَدِيثُ (وَلَا خُطْبَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهَا تَبَعُ الْجَمَاعَةِ وَلَا جَمَاعَةَ عِنْدَهُ) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُبْتَذِلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى فَرَقَى الْمِنْبَرَ، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ» (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام فَعَلَ ذَلِكَ) رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ شَاءَ رَفَعَ يَدَيْهِ بِالدُّعَاءِ،

  90. وَإِنْ شَاءَ أَشَارَ بِأَصَابِعِهِ (وَيَقْلِبُ رِدَاءَهُ) وَصِفَةُ الْقَلْبِ إنْ كَانَ الرِّدَاءُ مُرَبَّعًا أَنْ يَجْعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَأَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ.

  91. وَإِنْ كَانَ مُدَوَّرًا بِأَنْ كَانَ جُبَّةً أَنْ يَجْعَلَ الْأَيْمَنَ أَيْسَرَ وَالْأَيْسَرَ أَيْمَنَ. (وَقَوْلُهُ لِمَا رَوَيْنَا) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ» قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَقْلِبُ) وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْكَرْخِيُّ مَعَ مُحَمَّدٍ.

  92. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الِاسْتِسْقَاءَ (دُعَاءٌ) وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَدْعِيَةِ قَلْبُ رِدَاءٍ

  93. 2/952/95

    وَمَا رَوَاهُ كَانَ تَفَاؤُلًا (وَلَا يَقْلِبُ الْقَوْمُ أَرْدِيَتَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ.

  94. فَكَذَا هَذَا. وَقَوْلُهُ (وَمَا رَوَاهُ كَانَ تَفَاؤُلًا) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْحَدِيثِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَفَاءَلَ بِتَغَيُّرِ الْهَيْئَةِ لِتَغَيُّرِ الْهَوَاءِ: يَعْنِي غَيَّرْنَا مَا كُنَّا عَلَيْهِ فَغَيِّرْ اللَّهُمَّ الْحَالَ. وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ بَاطِلٌ.

  95. وَالثَّانِي هَبْ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام تَفَاءَلَ بِذَلِكَ فَلْيَتَفَاءَلْ كُلُّ مَنْ يُبْتَلَى بِذَلِكَ تَأَسِّيًا بِهِ عليه الصلاة والسلام . وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيلًا فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ بَلْ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ بَعْدَ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ يَدُلُّ عَلَى الْقَلْبِ، وَمَا رَوَى أَنَسٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَحْوِيلَ فِيهِ فَتَعَارَضَا فَصِيرَ إلَى مَا بَعْدَهُمَا مِنْ الْحُجَّةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِهِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ.

  96. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّ الْحَالَ يَنْقَلِبُ إلَى الْخَصْبِ مَتَى قَلَبَ الرِّدَاءَ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَتَأَتَّى مِنْ غَيْرِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّأَسِّي ظَاهِرًا فِيمَا يَنْفِيهِ الْقِيَاسُ. وَقَوْلُهُ (وَلَا يُقَلِّبُ الْقَوْمُ أَرْدِيَتَهُمْ) قِيلَ هُوَ بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّ فِيهِ تَكْثِيرًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.

  97. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالنَّفْيِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ احْتِجَاجٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَمِثْلُ هَذَا صَنَعَ فِي آخِرِ بَابِ الْكُسُوفِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالنَّفْيِ لَا يَصِحُّ إذَا لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ مُتَعَيِّنَةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعِلَّةِ الشَّخْصِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي وَلَدِ الْمَغْصُوبِ إنَّهُ لَا يُضْمَنُ الْغَصْبُ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ

  98. 2/962/96

    (وَلَا يَحْضُرُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الِاسْتِسْقَاءَ) ؛ لِأَنَّهُ لِاسْتِنْزَالِ الرَّحْمَةِ، وَإِنَّمَا تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَةُ.

  99. (بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ)

  100. (إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ جَعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٍ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةٍ خَلْفَهُ،

  101. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ أَنَّ الْقَوْمَ قَلَبُوا أَرْدِيَتَهُمْ حِينَ رَأَوْا قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ. أُجِيبَ بِأَنَّ قَلْبَهُمْ هَذَا كَخَلْعِهِمْ النِّعَالَ حِينَ رَأَوْهُ عليه الصلاة والسلام خَلْعَ نَعْلَيْهِ فِي صَلَاةِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُجَّةً فَكَذَا هَذَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي كَوْنِهِ سُنَّةً

  102. وَقَوْلُهُ (وَلَا يَحْضُرُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الِاسْتِسْقَاءَ) ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ يُنْقَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قِيلَ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَا أَطَاقُوا مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي،

  103. ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ الْيَوْمَ الرَّابِعَ وَبِالْعَجَائِزِ وَالصِّبْيَانِ مُتَنَظِّفِينَ فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ مُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ، وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ الدَّوَابِّ

  104. (بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ)

  105. وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ شَرْعِيَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا لِعَارِضِ خَوْفٍ، وَقَدَّمَ الِاسْتِسْقَاءَ لِأَنَّ الْعَارِضَ ثَمَّةَ انْقِطَاعُ الْمَطَرِ وَهُوَ سَمَاوِيٌّ وَهَاهُنَا اخْتِيَارِيٌّ وَهُوَ الْجِهَادُ الَّذِي سَبَبُهُ كُفْرُ الْكَافِرِ، وَصُورَةُ صَلَاةِ الْخَوْفِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ (إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ) لَيْسَ اشْتِدَادُ الْخَوْفِ شَرْطًا عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا.

  106. قَالَ فِي التُّحْفَةِ: سَبَبُ جَوَازِ صَلَاةِ

  107. 2/972/97

    فَيُصَلِّي بِهَذِهِ الطَّائِفَةِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ،

  108. فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مَضَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ، فَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسَلِّمُوا، وَذَهَبُوا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَصَلُّوا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ وُحْدَانًا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ)؛ لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ (وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا وَمَضَوْا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، وَصَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ بِقِرَاءَةٍ) ؛

  109. لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ (وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا) وَالْأَصْلُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قُلْنَا» .

  110. الْخَوْفِ نَفْسُ قُرْبِ الْعَدُوِّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْخَوْفِ وَالِاشْتِدَادِ.

  111. وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ: الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ عِنْدَ الْبَعْضِ حَضْرَةُ الْعَدُوِّ لَا حَقِيقَةُ الْخَوْفِ، لِأَنَّ حَضْرَةَ الْعَدُوِّ أُقِيمَ مَقَامَ الْخَوْفِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا فِي تَعْلِيقِ الرُّخْصَةِ بِنَفْسِ السَّفَرِ لَا حَقِيقَةِ الْمَشَقَّةِ لِأَنَّ السَّفَرَ سَبَبُ الْمَشَقَّةِ فَأُقِيمَ مَقَامَهَا، فَكَذَا حَضْرَةُ الْعَدُوِّ هَاهُنَا سَبَبُ الْخَوْفِ أُقِيمَ مَقَامَ حَقِيقَةِ الْخَوْفِ.

  112. قِيلَ صَلَاةُ الْخَوْفِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا إذَا تَنَازَعَ الْقَوْمُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فَقَالَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ نَحْنُ نُصَلِّي مَعَك،

  113. وَأَمَّا إذَا تَنَازَعُوا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ تَمَّامَ الصَّلَاةِ وَيُرْسِلَهُمْ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَيَأْمُرَ رَجُلًا مِنْ الطَّائِفَةِ الَّتِي كَانَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ تَمَامَ صَلَاتِهِمْ أَيْضًا وَتَقُومَ الَّتِي

  114. 2/982/98

    وَأَبُو يُوسُفَ وَإِنْ أَنْكَرَ شَرْعِيَّتَهَا فِي زَمَانِنَا فَهُوَ مَحْجُوجٌ عَلَيْهِ بِمَا رَوَيْنَا.

  115. قَالَ (وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُقِيمًا صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ)

  116. صَلَّتْ مَعَ الْإِمَامِ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ.

  117. وَقَوْلُهُ (وَأَبُو يُوسُفَ وَإِنْ أَنْكَرَ شَرْعِيَّتَهَا) أَيْ كَوْنَهَا مَشْرُوعَةً، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا مِثْلَمَا قَالَا ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: كَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الْآيَةَ، لِيَنَالَ كُلُّ طَائِفَةٍ فَضِيلَةَ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ عليه الصلاة والسلام ، وَقَدْ ارْتَفَعَ ذَلِكَ بَعْدَهُ عليه الصلاة والسلام ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِإِمَامٍ عَلَى حِدَةٍ،

  118. فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا بِصِفَةِ الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ.

  119. وَقَوْلُهُ (بِمَا رَوَيْنَا) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قُلْنَا. قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: هَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ التَّحْقِيقِ، لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَمْ يُنْكِرْ شَرْعِيَّتَهَا فِي زَمَنِهِ عليه الصلاة والسلام ، فَكَيْفَ تَكُونُ صَلَاتُهُ عليه الصلاة والسلام حُجَّةً عَلَى أَبِي يُوسُفَ؟

  120. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ لَا مِنْ حَيْثُ الْعِبَارَةُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْخَوْفُ، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِنَيْلِ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ عليه الصلاة والسلام لِأَنَّ تَرْكَ الْمَشْيِ وَالِاسْتِدْبَارِ فِي الصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ وَالصَّلَاةَ خَلْفَهُ فَضِيلَةٌ،

  121. وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ لِإِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ، وَالْخِطَابُ لِلرَّسُولِ قَدْ لَا يَخْتَصُّ بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ عِنْدَنَا عَلَى مَا عُرِفَ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ إلَى قِيَامِ الدَّلِيلِ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِهِ وَهُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَقَامُوا صَلَاةَ

  122. 2/992/99

    لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه السلام صَلَّى الظُّهْرَ بِالطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» (وَيُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى مِنْ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً وَاحِدَةً)

  123. الْخَوْفِ بِأَصْفَهَانَ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ حَارَبَ الْمَجُوسَ بِطَبَرِسْتَانَ وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ

  124. وَقَوْلُهُ (وَيُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى مِنْ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ) مَذْهَبُنَا، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ بِالْعَكْسِ لِأَنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ

  125. 2/1002/100

    لِأَنَّ تَنْصِيفَ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَجَعَلَهَا فِي الْأُولَى أَوْلَى بِحُكْمِ السَّبْقِ.

  126. (وَلَا يُقَاتِلُونَ فِي حَالِ الصَّلَاةِ،

  127. فَإِنْ فَعَلُوا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ عليه السلام شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ،

  128. الْأُولَيَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ فِي ذَلِكَ حَظٌّ.

  129. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ تَنْصِيفَ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ) مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَشَطْرُ الْمَغْرِبِ رَكْعَةٌ وَنِصْفٌ فَيَكُونُ حَقُّ الطَّائِفَةِ الْأُولَى نِصْفَ رَكْعَةٍ وَالرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تَتَجَزَّأُ فَثَبَتَ فِي كُلِّهَا بِحُكْمِ السَّبْقِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ شَاءَ صَلَّى مِثْلَ مَذْهَبِنَا وَإِنْ شَاءَ صَلَّى مِثْلَ مَذْهَبِ الثَّوْرِيِّ

  130. (وَلَا يُقَاتِلُونَ فِي حَالِ الصَّلَاةِ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ) وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَفْسُدُ، وَهُوَ قَوْلُ

  131. 2/1012/101

    وَلَوْ جَازَ الْأَدَاءُ مَعَ الْقِتَالِ لَمَا تَرَكَهَا.

  132. الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ وَالْأَمْرُ بِأَخْذِ السِّلَاحِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْقِتَالِ بِهِ، وَلَنَا مَا ذَكَرَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْأَحْزَابِ» فَلَوْ جَازَ الْأَدَاءُ مَعَ الْقِتَالِ لَمَا تَرَكَهَا، وَالْأَمْرُ بِأَخْذِ الْأَسْلِحَةِ لِكَيْ لَا يَطْمَعَ الْعَدُوُّ فِيهِمْ إذَا رَآهُمْ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ أَوْ لِيُقَاتِلُوا بِهَا إذَا احْتَاجُوا

  133. 2/1022/102

    (فَإِنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا فُرَادَى يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءُوا إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى التَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ وَسَقَطَ التَّوَجُّهُ لِلضَّرُورَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ الْمُصَلُّونَ بِجَمَاعَةٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِانْعِدَامِ الِاتِّحَادِ فِي الْمَكَانِ.

  134. ثُمَّ يَسْتَقْبِلُوا الصَّلَاةَ.

  135. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ) بِأَنْ لَا يَدَعَهُمْ الْعَدُوُّ أَنْ يُصَلُّوا نَازِلِينَ بَلْ يَهْجُمُونَهُمْ بِالْمُحَارَبَةِ (صَلَّوْا رُكْبَانًا إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اشْتِدَادَ الْخَوْفِ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ رُكْبَانًا وَفُرَادَى مُومِئِينَ لَا شَرْطُ جَوَازِ صَلَاةِ الْخَوْفِ حَتَّى لَوْ رَكِبَ فِي غَيْرِ حَالَةِ الِاشْتِدَادِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ،

  136. بِخِلَافِ الْمَشْيِ وَالذَّهَابِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ وَإِنْ كَانَ عَمَلًا كَثِيرًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً اُسْتُحْسِنَ ذَلِكَ لِنَيْلِ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْمَكَانِ شَرْطُ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَالْخَوْفُ مِنْ سَبُعٍ يُعَايِنُونَهُ كَالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ وَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ لِدَفْعِ سَبَبِ الْخَوْفِ عَنْهُمْ،

  137. وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ السَّبُعِ وَالْعَدُوِّ.

  138. 2/1032/103

    (بَابُ الْجَنَائِزِ)

  139. (وَإِذَا اُحْتُضِرَ الرَّجُلُ وُجِّهَ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) اعْتِبَارًا بِحَالِ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَارُ فِي بِلَادِنَا الِاسْتِلْقَاءُ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ لِخُرُوجِ الرُّوحِ وَالْأَوَّلُ هُوَ السُّنَّةُ (وَلُقِّنَ الشَّهَادَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ ﷺ :

  140. (بَابُ الْجَنَائِزِ)

  141. الْجَنَائِزُ جَمْعُ جِنَازَةٍ، وَالْجِنَازَةُ بِالْكَسْرِ السَّرِيرُ، وَبِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ.

  142. وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ. وَعَنْ الْأَصْمَعِيِّ لَا يُقَالُ بِالْفَتْحِ. وَلَمَّا كَانَ الْمَوْتُ آخِرَ الْعَوَارِضِ ذَكَرَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ آخِرًا لِلْمُنَاسَبَةِ، إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَذْكُرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَهَا، وَلَكِنْ أَخَّرَهَا لِيَكُونَ خَتْمُ كِتَابِ الصَّلَاةِ بِمَا يُتَبَرَّكُ بِهَا حَالًا وَمَكَانًا (إذَا اُحْتُضِرَ الرَّجُلُ) أَيْ قَرُبَ مِنْ الْمَوْتِ، وَقَدْ يُقَالُ اُحْتُضِرَ إذَا مَاتَ لِأَنَّ الْوَفَاةَ حَضَرَتْهُ أَوْ مَلَائِكَةُ الْمَوْتِ.

  143. وَقَوْلُهُ (عَلَى شِقِّهِ) أَيْ جَنْبِهِ (الْأَيْمَنِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ) فَإِنَّهُ يُوضَعُ فِيهِ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ (لِأَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ، وَالشَّيْءُ إذَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ.

  144. وَقَوْلُهُ (وَلُقِّنَ الشَّهَادَةَ) تَلْقِينُهَا أَنْ يُقَالَ عِنْدَهُ وَهُوَ يَسْمَعُ، وَلَا

  145. 2/1042/104

    «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَالْمُرَادُ الَّذِي قَرُبَ مِنْ الْمَوْتِ (فَإِذَا مَاتَ شُدَّ لَحْيَاهُ وَغُمِّضَ عَيْنَاهُ) بِذَلِكَ جَرَى التَّوَارُثُ،

  146. ثُمَّ فِيهِ تَحْسِينُهُ فَيُسْتَحْسَنُ.

  147. يُقَالُ لَهُ قُلْ لِأَنَّ الْحَالَ صَعْبٌ عَلَيْهِ فَرُبَّمَا يَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. وَقَوْلُهُ (وَالْمُرَادُ الَّذِي قَرُبَ مِنْ الْمَوْتِ) دَفْعٌ لِوَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قِرَاءَةُ التَّلْقِينِ عَلَى الْقَبْرِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضٌ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ وَ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَقَوْلُهُ (ثُمَّ فِيهِ تَحْسِينُهُ) لِأَنَّهُ إذَا تُرِكَ مَفْتُوحَ الْعَيْنِ يَصِيرُ كَرِيهَ الْمَنْظَرِ وَيَقْبُحُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ.

  148. 2/1052/105

    (فَصْلٌ فِي الْغُسْلِ)

  149. (وَإِذَا مَا أَرَادُوا غُسْلَهُ