Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

فَصْلٌ فِي الْبِئْرِ)

العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 676 to 769

  1. 1/981/98

    لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ كُلُّهُ عِنْدَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ حَتَّى يُرَاقَ كُلُّهُ وَرَدَ عَلَيْهِ مَاءُ الْبِئْرِ نَقْضًا فِي أَنَّهُ لَا يُنْزَحُ كُلُّهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَذَكَرَ مَاءَ الْبِئْرِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ بَيَانًا لِوَجْهِ الْمُخَالَفَةِ. قَوْلُهُ:

  2. (وَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَتْ) قِيلَ نُزِحَتْ الْبِئْرُ: أَيْ مَاؤُهَا بِحَذْفِ الْمُضَافِ لِعَدَمِ الْإِلْبَاسِ لِمَا أَنَّ نَزْحَ عَيْنِ الْبِئْرِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَبِنَزْحِ النَّجَاسَةِ لَا يَتِمُّ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ الظَّاهِرِيِّ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ (وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا) دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَا، فَكَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ كَقَوْلِهِمْ جَرَى النَّهْرُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛

  3. لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِإِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ ذِكْرٌ وَلَا تَطْهُرُ الْبِئْرُ إلَّا بِإِخْرَاجِهَا، وَعَنْ هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ إلَى أَنَّ ضَمِيرَ نُزِحَتْ لِلنَّجَاسَةِ، وَجَوَابُ " إذَا " هُوَ الْمَجْمُوعُ مِنْ قَوْلِهِ نُزِحَتْ إلَى قَوْلِهِ طَهَارَةً لَهَا، وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ نُزِحَتْ النَّجَاسَةُ، وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا.

  4. وَأَقُولُ: التَّرْكِيبُ الْجَزْلُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ نُزِحَتْ النَّجَاسَةُ وَالْمَاءُ وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا إلَخْ،

  5. وَلَوْ جَعَلْنَا نُزِحَتْ فِي الْحَقِيقَةِ مُسْنَدٌ إلَى مَا حَتَّى يَعُودَ الْمَعْنَى نُزِحَتْ مَا فِي الْبِئْرِ لِيَتَنَاوَلَ النَّجَاسَةَ وَالْمَاءَ جَمِيعًا، وَكَانَ مِنْ بَابِ جَرَى النَّهْرُ انْدَفَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ.

  6. وَقَوْلُهُ: وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ النَّزْحِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى غَسْلِ الْأَحْجَارِ وَنَقْلِ الْأَوْحَالِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّلَفِ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (وَمَسَائِلُ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ دُونَ الْقِيَاسِ) ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ

  7. 1/991/99

    (فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ مِنْ بَعْرِ الْإِبِلِ أَوْ الْغَنَمِ لَمْ تُفْسِدْ الْمَاءَ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ تُفْسِدَهُ لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ آبَارَ الْفَلَوَاتِ لَيْسَتْ لَهَا رُءُوسٌ حَاجِزَةٌ وَالْمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا فَتُلْقِيهَا الرِّيحُ فِيهَا فَجَعَلَ الْقَلِيلَ عَفْوًا لِلضَّرُورَةِ،

  8. وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ، وَهُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ فِي الْمُرَوِّي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ،

  9. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ وَالرَّوْثِ وَالْخِثَى وَالْبَعْرِ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ

  10. تُطَمَّ الْبِئْرُ كُلُّهَا طَمًّا لِتَنَجُّسِ الْأَوْحَالِ وَالْجُدْرَانِ،

  11. وَإِمَّا أَلَّا تَنْجُسَ أَبَدًا إذْ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهِ فَكَانَ كَالْمَاءِ الْجَارِي. قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْجَارِي، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ وَاتَّبَعْنَا الْآثَارَ.

  12. قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَقَعَتْ) إشَارَةٌ إلَى مَا يَجِبُ نَزْحُهُ مِنْ الْمَاءِ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ النَّجَاسَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ) هُوَ أَحَدُ وَجْهَيْ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الضَّرُورَةُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ،

  13. وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ وَرَوْثِ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ وَالْفَلَوَاتِ،

  14. فَإِنَّ آبَارَ الْأَمْصَارِ وَخَثَى الْبَقَرِ وَالْجَامُوسِ وَبَعْرَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ لِشُمُولِهَا الضَّرُورَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْكِتَابِ، لَكِنْ يُفَرَّقُ بَيْنَ آبَارِ الْأَمْصَارِ وَالْفَلَوَاتِ فَإِنَّ آبَارَ الْأَمْصَارِ لَهَا رُءُوسٌ حَاجِزَةٌ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ الْبَعْرَةَ شَيْءٌ صُلْبٌ وَعَلَى ظَاهِرِهَا رُطُوبَةُ الْأَمْعَاءِ لَا يَتَدَاخَلُ الْمَاءُ فِي أَجْزَائِهَا، وَعَلَى هَذَا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ آبَارِ الْأَمْصَارِ وَالْفَلَوَاتِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ،

  15. فَإِنَّ الْمُنْكَسِرَ تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ فَتُفْسِدُهُ،

  16. وَكَذَا الْبَعْرُ وَالرَّوْثُ وَالْخَثَى؛ لِأَنَّ الرَّوْثَ وَالْخَثَى لَا صَلَابَةَ لَهُمَا فَيَتَدَاخَلُ الْمَاءُ فِي أَجْزَائِهِمَا فَيَنْجَسُ الْمَاءُ.

  17. وَإِذَا عَرَفَتْ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ اخْتِلَافَ أَقْوَالِ الْمَشَايِخِ فِي جَعْلِ الْكُلِّ غَيْرَ مُفْسِدٍ وَجَعْلِ بَعْضِهِ مُفْسِدًا دُونَ بَعْضٍ مَرْجِعُهُ إلَى وَجْهَيْ الِاسْتِحْسَانِ. وَقَوْلُهُ:

  18. (وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ) هُوَ أَيْضًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ،

  19. وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَيَقْتَضِي عَدَمَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الصَّلَابَةَ وَالْإِمْسَاكَ فِي الْجَمِيعِ مَوْجُودٌ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ) إشَارَةٌ إلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ،

  20. فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكَثِيرُ هُوَ أَنْ يُغَطَّى وَجْهُ رُبْعِ الْمَاءِ،

  21. وَقِيلَ وَجْهُ أَكْثَرِهِ، وَقِيلَ أَلَّا يَخْلُوَ دَلْوٌ مِنْ بَعْرَةٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: ذَكَرَ الْبَعْرَتَيْنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الثَّلَاثَ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا قَالَ (وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ) ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله لَا يُقَدِّرُ شَيْئًا بِالرَّأْيِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي

  22. 1/1001/100

    تَشْمَلُ الْكُلَّ

  23. وَفِي الشَّاةِ تَبْعَرُ فِي الْمِحْلَبِ بَعْرَةً أَوْ بَعْرَتَيْنِ قَالُوا تُرْمَى الْبَعْرَةُ وَيُشْرَبُ اللَّبَنُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ،

  24. وَلَا يُعْفَى الْقَلِيلُ فِي الْإِنَاءِ عَلَى مَا قِيلَ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّهُ كَالْبِئْرِ فِي حَقِّ الْبَعْرَةِ وَالْبَعْرَتَيْنِ

  25. (فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا خَرْءُ الْحَمَامِ أَوْ الْعُصْفُورِ لَا يُفْسِدُهُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله . لَهُ أَنَّهُ اسْتَحَالَ إلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ فَأَشْبَهَ خَرْءَ الدَّجَاجِ. وَلَنَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اقْتِنَاءِ الْحَمَامَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا وَاسْتِحَالَتِهِ لَا إلَى نَتْنِ

  26. تَحْتَاجُ إلَى التَّقْدِيرِ فَكَانَ هَذَا مُوَافِقًا لِمَذْهَبِهِ فَلِهَذَا قَالَ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ.

  27. وَقَوْلُهُ: (تُرْمَى الْبَعْرَةُ وَيُشْرَبُ اللَّبَنُ) مَعْنَاهُ لَا يَنْجَسُ إذَا رُمِيَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ: لَا تَنْجُسُ إذَا رُمِيَتْ مِنْ سَاعَتِهَا وَلَمْ يَبْقَ لَهَا لَوْنٌ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهَا أَنَّهَا تَبْعَرُ عِنْدَ الْحَلْبِ، وَلِلضَّرُورَةِ أَثَرٌ فِي إسْقَاطِ حُكْمِ النَّجَاسَةِ.

  28. وَقَوْلُهُ: (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ) أَيْ الْإِنَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ فِي عَدَمِ تَنَجُّسِ الْإِنَاءِ بِالْبَعْرَةِ وَالْبَعْرَتَيْنِ. .

  29. قَالَ (فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا خَرْءُ الْحَمَامِ أَوْ الْعُصْفُورِ) خَرْءُ الْحَمَامِ أَوْ الْعُصْفُورِ طَاهِرٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ غِذَاءٌ اسْتَحَالَ إلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ،

  30. فَإِنَّ مَا يُحِيلُهُ الطَّبْعُ مِنْ الْغِذَاءِ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يُحِيلُهُ إلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَهُوَ نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَنَوْعٌ يُحِيلُهُ إلَى صَلَاحٍ كَالْبَيْضِ وَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ. وَهَذَا مِنْ نَوْعِ الْأَوَّلِ فَأَشْبَهَ خَرْءَ الدَّجَاجِ وَهُوَ نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَاسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا طَهَارَتَهُ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ،

  31. فَإِنَّ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى اقْتِنَاءِ الْحَمَامَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ حَتَّى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﷺ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ» وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى عَدَمِ نَجَاسَتِهِ، وَأَصْلُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَكَرَ الْحَمَامَةَ وَقَالَ إنَّهَا أَوْكَرَتْ عَلَى بَابِ الْغَارِ حَتَّى سَلِمْت فَجَازَاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ جَعَلَ الْمَسَاجِدَ مَأْوَاهَا» وَقَوْلُهُ: (وَاسْتِحَالَتُهُ لَا إلَى نَتْنٍ) جَوَابُ الشَّافِعِيِّ.

  32. وَوَجْهُهُ أَنَّ مُوجِبَ التَّنَجُّسِ النَّتْنُ وَالْفَسَادُ وَالنَّتْنُ هُنَا غَيْرُ مَوْجُودٍ وَانْتِفَاءُ الْجُزْءِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْكُلِّ.

  33. فَإِنْ قَالَ الْفَسَادُ وَحْدَهُ مِمَّا يُوجِبُهُ. قُلْنَا

  34. 1/1011/101

    رَائِحَةٍ فَأَشْبَهَ الْحَمْأَةَ

  35. (فَإِنْ بَالَتْ فِيهَا شَاةٌ نُزِحَ الْمَاءُ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله لَا يُنْزَحُ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا) وَأَصْلُهُ أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا. لَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» وَلَهُمَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ فَصَارَ كَبَوْلِ

  36. مَنْقُوضٌ بِالْمَنِيِّ فَإِنَّهُ قَدْ فَسَدَ وَهُوَ طَاهِرٌ، وَسَائِرُ الْأَطْعِمَةِ تَفْسُدُ بِطُولِ الْمُكْثِ وَلَا تَنْجُسُ، عَلَى أَنَّهُ إنْ تَنَجَّسَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ سَقَطَ لِلضَّرُورَةِ. وَقَوْلُهُ: (فَأَشْبَهَ الْحَمْأَةَ) يَعْنِي فِي النَّتْنِ دُونَ الْفَسَادِ.

  37. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ بَالَتْ فِيهَا) أَيْ فِي الْبِئْرِ (شَاةٌ) أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ،

  38. وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُنَجِّسُهُ وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الْمَاءِ فَيَخْرُجُ عَنْ طَهُورِيَّتِهِ نَجِسَ. عِنْدَهُمَا إنْ وَقَعَ مِنْهُ قَطْرَةٌ فِي الْمَاءِ أَفْسَدَتْهُ، وَالْكَثِيرُ الْفَاحِشُ مِنْهُ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ. لِمُحَمَّدٍ حَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ، وَقِصَّتُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُرَيْنَةَ تَصْغِيرِ عُرَنَةَ وَادٍ بِحِذَاءِ عَرَفَاتٍ سُمِّيَتْ بِهَا قَبِيلَةٌ يُنْسَبُ إلَيْهَا الْعُرَنِيُّونَ بِحَذْفِ يَاءِ فَعِيلَةٍ كَقَوْلِهِمْ الْجُهَنِيُّونَ أَتَوْا الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا: أَيْ لَمْ تُوَافِقْهُمْ فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ وَانْتَفَخَتْ بُطُونُهُمْ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَخْرُجُوا إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ وَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَخَرَجُوا وَشَرِبُوا فَصَحُّوا ثُمَّ ارْتَدُّوا وَقَتَلُوا الرُّعَاةَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَثَرِهِمْ قَوْمًا فَأُخِذُوا، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ حَتَّى مَاتُوا» .

  39. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَمَرَهُمْ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ حَرَامًا، وَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» وَلَهُمَا قَوْلُهُ: ﷺ «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِاسْتِنْزَاهِ الْبَوْلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيَّعَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَكَانَ يَمْشِي عَلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ مِنْ زِحَامِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي حَضَرَتْ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا وُضِعَ فِي الْقَبْر ضَغَطَتْهُ الْأَرْضُ ضَغْطَةً كَادَتْ تَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبَبِهِ فَقَالَ: إنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ» وَلَمْ يُرِدْ بِهِ بَوْلَ نَفْسِهِ،

  40. فَإِنَّ مَنْ لَا يَسْتَنْزِهْهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بَوْلَ الْإِبِلِ عِنْدَ مُعَالَجَتِهَا.

  41. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتْنٍ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَقَدْ ذَكَرَ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِي شُرْبِ أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَبْوَالَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِي حَدِيثِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فَقَدْ دَارَ

  42. 1/1021/102

    مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيًا،

  43. ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ بِالشِّفَاءِ فِيهِ فَلَا يَعْرِضُ عَنْ الْحُرْمَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي لِلْقِصَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ.

  44. قَالَ (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ أَوْ صَعْوَةٌ أَوْ سُودَانِيَّةٌ أَوْ سَامٌّ أَبْرَصُ نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ عِشْرِينَ دَلْوًا إلَى ثَلَاثِينَ بِحَسَبِ كِبَرِ الدَّلْوِ وَصِغَرِهَا) يَعْنِي بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه «أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ إذَا مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ وَأُخْرِجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا نُزِحَ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا»

  45. بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً وَأَلَّا يَكُونَ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهِ.

  46. وَقِيلَ إنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَيْنِ فِي التَّقْرِيرِ وَشَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَلْيُطْلَبْ ثَمَّةَ.

  47. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيًا) وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي زَمَانِنَا فَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ الشِّفَاءُ فِيهِ (فَلَا يَعْرِضُ عَنْ الْحُرْمَةِ) وَأَبُو يُوسُفَ نَظَرَ إلَى الْقِصَّةِ فَقَالَ: يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي لَا لِغَيْرِهِ. وَمُحَمَّدٌ لَمَّا طَهَّرَهُ لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّبَنِ فَيَحِلُّ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ.

  48. قَالَ (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ) حَاصِلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْحَيَوَانَ الْوَاقِعَ فِي الْبِئْرِ لَا يَخْلُو مِنْ أَوْجُهٍ سَبْعَةٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ فَأْرَةً أَوْ نَحْوَهَا، أَوْ دَجَاجَةً أَوْ نَحْوَهَا أَوْ شَاةً وَنَحْوَهَا، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، وَالْمَيِّتُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْتَفِخًا أَوْ لَا، فَمَا أُخْرِجَ حَيًّا لَا يُنَجِّسُ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا إلَّا الْخِنْزِيرُ لِكَوْنِهِ نَجِسَ الْعَيْنِ وَالْكَلْبُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ،

  49. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا أُخْرِجَ مَيِّتًا فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ فِيهَا فَأْرَةً أَوْ عُصْفُورَةً أَوْ صَعْوَةً.

  50. قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: الصَّعْوُ: صِغَارُ الْعَصَافِيرِ الْوَاحِدَةُ صَعْوَةٌ، وَالسَّوَادِيَّةُ: طُوَيْرَةٌ طَوِيلَةُ الذَّنَبِ تَأْكُلُ الْعِنَبَ وَالْجَرَادَ. وَسَامٌ أَبْرَصُ: الْكَبِيرُ مِنْ الْوَزَغِ وَلَمْ يَنْتَفِخْ (نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ عِشْرِينَ دَلْوًا إلَى ثَلَاثِينَ بِحَسَبِ كِبَرِ الدَّلْوِ وَصِغَرِهَا) قِيلَ الصَّاعُ كَبِيرٌ وَمَا دُونَهُ صَغِيرٌ: يَعْنِي يَنْقُصُ عَنْ الْعِشْرِينَ فِي الْكَبِيرِ وَيُزَادُ عَلَيْهِ فِي الصَّغِيرِ.

  51. وَقَوْلُهُ: (يَعْنِي بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ) يَعْنِي أَنَّ النَّزْحَ إنَّمَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا إذَا كَانَ بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ نَجَاسَةِ الْبِئْرِ حُصُولُ الْفَأْرَةِ الْمَيِّتَةِ فِيهَا فَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ

  52. 1/1031/103

    وَالْعُصْفُورَةُ وَنَحْوُهَا تُعَادِلُ الْفَأْرَةَ فِي الْجُثَّةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا، وَالْعِشْرُونَ بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ وَالثَّلَاثُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ.

  53. قَالَ (فَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا حَمَامَةٌ أَوْ نَحْوُهَا كَالدَّجَاجَةِ وَالسِّنَّوْرِ نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا إلَى سِتِّينَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ) وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه «أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَاجَةِ: إذَا مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ نُزِحَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا» وَهَذَا لِبَيَانِ الْإِيجَابِ، وَالْخَمْسُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ،

  54. ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ مِنْهَا،

  55. الْمُوجِبِ لِلنَّجَاسَةِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ وَأُخْرِجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا " يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا " وَالْعُصْفُورَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْفَأْرَةِ،

  56. وَكَذَا حُكْمُ الْفَأْرَتَيْنِ حُكْمُ الْوَاحِدَةِ إلَى الْأَرْبَعِ، وَفِي الْخَمْسِ أَرْبَعُونَ إلَى الْعُصْفُورِ، وَفِي الْعَشْرِ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.

  57. وَقَوْلُهُ: (وَالْعِشْرُونَ بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ وَالثَّلَاثُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ) إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يُنْزَحُ مِنْهَا دِلَاءٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عِشْرُونَ، وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثُونَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعُونَ،

  58. فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَوْجَبَ عِشْرِينَ وَبَعْضَهُمْ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ وَبَعْضَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ، فَأَخَذَ عُلَمَاؤُنَا بِالْعِشْرِينِ؛ لِأَنَّهُ الْوَسَطُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَكَانَ وَاجِبًا لِتَعَيُّنِهِ، وَمَا زَادَ اسْتِحْبَابًا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي ثَلَاثِينَ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ عِشْرُونَ لِلْوُجُوبِ، وَالْأَوْلَى مَا قِيلَ إنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ إذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ فَمَاتَتْ فِيهَا أَنَّهُ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا أَوْ ثَلَاثُونَ» هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ السَّمَرْقَنْدِيُّ بِإِسْنَادِهِ وَأَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ فَكَانَ الْأَقَلُّ ثَابِتًا بِيَقِينٍ وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ وَالْأَكْثَرُ يُؤْتَى بِهِ لِئَلَّا يُتْرَكَ اللَّفْظُ الْمَرْوِيُّ وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَكُونُ الْمَيِّتُ فِيهَا حَمَامَةً أَوْ نَحْوَهَا كَالدَّجَاجَةِ وَالسِّنَّوْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ.

  59. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الْأَظْهَرُ) قِيلَ؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ آخِرُ الْمُصَنَّفَاتِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ. وَفِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَهُوَ مَا يَكُونُ الْمَيِّتُ فِيهَا شَاةً أَوْ آدَمِيًّا أَوْ كَلْبًا يُنْزَحُ جَمِيعُ مَا فِيهَا وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ:

  60. (ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ) تَفْسِيرٌ لِلدَّلْوِ فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا مُبْهَمَةً فَاحْتَاجَ إلَى تَفْسِيرِهَا

  61. 1/1041/104

    وَقِيلَ دَلْوٌ يَسَعُ فِيهَا صَاعًا،

  62. وَلَوْ نُزِحَ مِنْهَا بِدَلْوٍ عَظِيمٍ مَرَّةً مِقْدَارُ عِشْرِينَ دَلْوًا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.

  63. قَالَ (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا شَاةٌ أَوْ كَلْبٌ أَوْ آدَمِيٌّ نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ) لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما أَفْتَيَا بِنَزْحِ

  64. وَقِيلَ دَلْوٌ يَسَعُ فِيهَا صَاعٌ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. قَوْلُهُ:

  65. (وَلَوْ نُزِحَ مِنْهَا بِدَلْوٍ عَظِيمٍ مَرَّةً مِقْدَارَ عِشْرِينَ دَلْوًا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ) وَهُوَ نَزْحُ الْمِقْدَارِ الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّرْعُ.

  66. قَالَ فِي الْأَصْلِ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ فَأْرَةٌ فَجَاءُوا بِدَلْوٍ عَظِيمٍ يَسَعُ عِشْرِينَ دَلْوًا فَاسْتَقَوْا بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَجْزَأَهُمْ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ الْقَطْرَ الَّذِي يَعُودُ مِنْهُ إلَى الْبِئْرِ أَقَلُّ. وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِتَوَاتُرِ الدِّلَاءِ يَصِيرُ الْمَاءُ فِي مَعْنَى الْجَارِي.

  67. وَقُلْنَا لَمَّا قَدَّرَ الشَّرْعُ الدِّلَاءَ بِقَدْرٍ خَاصٍّ عَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْقَدْرُ الْمَنْزُوحُ وَأَنَّ مَعْنَى الْجَرَيَانِ سَاقِطٌ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالدَّلْوِ الْعَظِيمِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَنْتَفِخْ الْحَيَوَانُ وَلَمْ يَنْفَسِخْ،.

  68. فَإِنْ انْتَفَخَ أَوْ تَفَسَّخَ فِيهَا نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا صَغُرَ الْحَيَوَانُ أَوْ كَبُرَ لِانْتِشَارِ الْبِلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الِانْتِفَاخِ وَالتَّفَسُّخِ يَنْفَصِلُ مِنْهُ بِلَّةٌ نَجِسَةٌ فَكَانَ كَالْقَطْرَةِ مِنْ الدَّمِ أَوْ الْخَمْرِ يَنْتَشِرُ فِي الْمَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي ذَنَبِ الْفَأْرَةِ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ: يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ؛

  69. لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ نَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ بِخِلَافِ

  70. 1/1051/105

    الْمَاءِ كُلِّهِ حِينَ مَاتَ زِنْجِيٌّ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ

  71. (فَإِنْ انْتَفَخَ الْحَيَوَانُ فِيهَا أَوْ تَفَسَّخَ نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا صَغَرَ الْحَيَوَانُ أَوْ كَبُرَ) لِانْتِشَارِ الْبِلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ. قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا أَخْرَجُوا مِقْدَارَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ) وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ أَنْ تُحْفَرَ حُفْرَةٌ مِثْلُ مَوْضِعِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَيُصَبُّ فِيهَا مَا يُنْزَحُ مِنْهَا إلَى أَنْ تَمْتَلِئَ أَوْ تُرْسَلَ فِيهَا قَصَبَةٌ وَيُجْعَلَ لِمَبْلَغِ الْمَاءِ عَلَامَةٌ ثُمَّ يُنْزَحُ مِنْهَا عَشْرُ دِلَاءٍ مَثَلًا،

  72. ثُمَّ تُعَادُ الْقَصَبَةُ فَيُنْظَرُ كَمْ اُنْتُقِصَ فَيُنْزَحُ لِكُلِّ قَدْرٍ مِنْهَا عَشْرُ دِلَاءٍ، وَهَذَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله نَزْحُ مِائَتَا دَلْوٍ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ فَكَأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى مَا شَاهَدَ فِي بَلَدِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي مِثْلِهِ يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ الْمَاءُ وَلَمْ يُقَدِّرْ الْغَلَبَةَ بِشَيْءٍ

  73. الْفَأْرَةِ الصَّحِيحَةِ الْجَسَدِ. وَقَوْلُهُ:

  74. (وَإِنْ كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمِيمُ زَائِدَةً مِنْ عَنَتْ: أَيْ بَلَغَتْ الْعُيُونَ،

  75. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَصْلِيَّةً مِنْ مَعَنَتْ الْأَرْضُ: أَيْ رُوِيَتْ، وَمَاءٌ مَعِينٌ: أَيْ جَارٍ وَأَنْ يَكُونَ فَعِيلًا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَعِينَةٌ؛ لِأَنَّ الْبِئْرَ مُؤَنَّثَةٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ أَوْ تَوَهُّمِ أَنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَقَوْلُهُ: (لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا) صِفَةٌ.

  76. وَقَوْلُهُ: (أَخْرَجُوا) جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ.

  77. وَقَوْلُهُ: (مِقْدَارُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَاءِ الَّذِي كَانَ زَمَنَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ. وَقَوْلُهُ: (فَيُنْزَحُ لِكُلِّ قَدْرٍ مِنْهَا عَشْرُ دِلَاءٍ) حَتَّى إذَا كَانَ طُولُ الْمَاءِ عَشْرَ قَبَضَاتٍ فَانْتَقَصَ لِعَشْرِ دِلَاءٍ قَبْضَةً وَاحِدَةً يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْمَاءِ مِائَةُ دَلْوٍ فَيُنْزَحُ تِسْعُونَ دَلْوًا أُخْرَى.

  78. وَقَوْلُهُ: (بَنَى جَوَابَهُ عَلَى مَا شَاهَدَ فِي بَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ بَلَدَهُ بَغْدَادُ وَغَالِبُ مِيَاهِ آبَارِ بَغْدَادَ لَا تَزِيدُ عَلَى ثَلَثِمِائَةِ دَلْوٍ. وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يُقَدِّرْ الْغَلَبَةَ بِشَيْءٍ) ؛ لِأَنَّهَا

  79. 1/1061/106

    كَمَا هُوَ دَأْبُهُ. وَقِيلَ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ فِي أَمْرِ الْمَاءِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ.

  80. قَالَ (وَإِنْ وَجَدُوا فِي الْبِئْرِ فَأْرَةً أَوْ غَيْرَهَا وَلَا يُدْرَى مَتَى وَقَعَتْ وَلَمْ تَنْتَفِخْ وَلَمْ تَنْفَسِخْ أَعَادُوا صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانُوا تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَغَسَلُوا كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مَاؤُهَا،

  81. وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْتَفَخَتْ أَوْ تَفَسَّخَتْ أَعَادُوا صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله . وَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ شَيْءٍ حَتَّى يَتَحَقَّقُوا مَتَى وَقَعَتْ) لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَصَارَ كَمَنْ

  82. مُتَفَاوِتَةٌ وَالنَّزْحُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْعَجْزُ أَمْرٌ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. وَقَوْلُهُ: (كَمَا هُوَ دَأْبُهُ) أَيْ عَادَتُهُ،

  83. فَإِنَّ عَادَتَهُ أَنْ يُفَوِّضَ مِثْلَ هَذَا إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ وَكَمَا فِي حَبْسِ الْغَرِيمِ وَحَدِّ التَّقَادُمِ.

  84. وَقَوْلُهُ: (وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ) أَيْ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِقَوْلِ الْغَيْرِ هُوَ الْمَرْجِعُ فِيمَا لَمْ يَشْتَهِرْ مِنْ الشَّرْعِ فِيهِ تَقْدِيرٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ كَمَا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ حَيْثُ قَالَ ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَالشَّهَادَةُ حَيْثُ قَالَ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَشَرْطُ الْبِصَارَةِ لَهُمَا فِي أَمْرِ الْمَاءِ؛

  85. لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تُسْتَفَادُ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ بِهَا لِيَدْخُلَا تَحْتَ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَهَذَا الْقَوْلُ: أَيْ الْأَخْذُ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ.

  86. قَالَ: (وَإِنْ وَجَدُوا فِي الْبِئْرِ فَأْرَةً أَوْ غَيْرَهَا) كَلَامُهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ) بَيَانُهُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ طَاهِرًا بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي نَجَاسَتِهِ فِيمَا مَضَى، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فَلَا يُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ إلَّا زَمَانَ التَّيَقُّنِ بِوُقُوعِ النَّجِسِ؛

  87. لِأَنَّ الْيَقِينَ يَزُولُ بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، كَمَنْ رَأَى

  88. 1/1071/107

    رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ لِلْمَوْتِ سَبَبًا ظَاهِرًا وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الْمَاءِ فَيُحَالُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّ الِانْتِفَاخَ وَالتَّفَسُّخَ دَلِيلُ التَّقَادُمِ فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ، وَعَدَمُ الِانْتِفَاخِ وَالتَّفَسُّخِ دَلِيلُ قُرْبِ الْعَهْدِ فَقَدَّرْنَاهُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا،

  89. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَالَ الْمُعَلَّى: هِيَ عَلَى الْخِلَافِ، فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي الْبَالِي وَبِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الطَّرِيِّ وَلَوْ سُلِّمَ فَالثَّوْبُ بِمَرْأَى عَيْنِهِ وَالْبِئْرُ غَائِبَةٌ عَنْ بَصَرٍ فَيَفْتَرِقَانِ.

  90. فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً لَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لِمَوْتِ الْحَيَوَانِ فِي الْبِئْرِ سَبَبًا ظَاهِرًا وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الْمَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكُلُّ مَا لَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ يُحَالُ عَلَيْهِ كَمَنْ جَرَحَ إنْسَانًا فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ يُحَالُ بِمَوْتِهِ عَلَى الْجِرَاحَةِ؛

  91. لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ، وَكَمَيِّتٍ الْتَوَتْ فِي عُنُقِهِ حَيَّةٌ فَإِنَّهُ يُحَالُ بِمَوْتِهِ عَلَى نَهْشِهَا،

  92. وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ بِغَيْرِ الْجَرْحِ وَالنَّهْشِ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُومَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُحَقَّقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، إلَّا أَنَّ الِانْتِفَاخَ دَلِيلُ تَقَادُمِ الْعَهْدِ، وَأَدْنَى حَدِّ التَّقَادُمِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛

  93. لِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ، وَعَدَمُ الِانْتِفَاخِ وَالتَّفَسُّخِ دَلِيلُ قُرْبِ الْعَهْدِ فَقَدَّرْنَاهُ بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْمَقَادِيرِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ،

  94. فَإِنَّ مَا دُونَهُ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا (وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَالَ الْمُعَلَّى إلَخْ) ظَاهِرٌ