بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ)
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 3860 to 3954
-
1/4851/485
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْأَدَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَهُوَ الْخَلَفُ عَنْهُ (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ) أَوْ فَوَّتَهَا عَمْدًا (وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إذَا ذَكَرَهَا وَقَدَّمَهَا عَلَى فَرْضِ الْوَقْتِ.
-
وَالْأَصْلُ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَفَرْضِ الْوَقْتِ مُسْتَحَقٌّ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ) فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْفَائِتَةِ عَلَى الْوَقْتِيَّةِ (؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ تَبَعٌ فَكَانَ بَيْنَ أَصَالَتِهِ وَتَبَعِيَّتِهِ مُنَافَاةٌ. وَنُوقِضَ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ أَصْلُ الْفُرُوضِ وَهُوَ شَرْطٌ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ مُسْتَقِلٌّ، وَهُوَ شَرْطٌ لِلِاعْتِكَافِ الْوَاجِبُ بِالِاتِّفَاقِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُنَافَاةِ، إلَّا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ شَرْطًا لِغَيْرِهِ فَيُجْعَلُ شَرْطًا لَهُ مَعَ بَقَائِهِ مَقْصُودًا، وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فَإِنَّ الْأَحْوَالَ شُرُوطٌ، وَقَالَ ﷺ «لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِالصَّوْمِ» فَكَانَا شَرْطَيْنِ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ، وَتُدْفَعُ الْمُنَافَاةُ بِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ فَقُلْنَا وَمِنْ ذَلِكَ مَحَلُّ النِّزَاعِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا ثُمَّ لِيُعِدْ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ» وَدَلَالَتُهُ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ ظَاهِرَةٌ حَيْثُ أُمِرَ بِإِعَادَةِ مَا هُوَ فِيهَا عِنْدَ التَّذَكُّرِ.
-
وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّاسِي لَا غَيْرُ، وَالْوُجُوبُ ثَابِتٌ عَلَى مَنْ فَوَّتَ الصَّلَاةَ عَمْدًا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ، وَمَتْرُوكُ الظَّاهِرِ لَا يَكُونُ حُجَّةً لَا سِيَّمَا فِي إفَادَةِ الْفَرْضِيَّةِ. لَا يُقَالُ: يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِدَلَالَتِهِ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَى الْمَعْذُورِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ كَانَ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ عُقُوبَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ رَحْمَةٌ،
-
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَعْذُورِ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ غَيْرِهِ وَهُوَ الْعَاصِي. الثَّانِي أَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا يُعَارِضُ الْمَشْهُورَ،
-
فَإِنَّ الْجَوَازَ ثَبَتَ بِهِ كَمَا زَالَتْ الشَّمْسُ مَثَلًا،
-
فَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ فَرْضًا بِمَا رَوَيْتُمْ بَطَلَ مَا ثَبَتَ بِالْمَشْهُورِ. الثَّالِثُ أَنَّكُمْ عَمِلْتُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ تَعْمَلُوا بِخَبَرِ الْفَاتِحَةِ وَهُمَا خَبَرُ وَاحِدٍ فَكَانَ تَنَاقُضًا. الرَّابِعُ أَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ وَضِيقِ الْوَقْتِ وَكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ، وَشَرَائِطُ الصَّلَاةِ لَا تَسْقُطُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَالطَّهَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
-
1/4861/486
«مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا ثُمَّ لِيُعِدْ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ»
-
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ قَضَاءَ الصَّلَاةِ رَحْمَةٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَوْصُوفٌ بِالرَّأْفَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ،
-
وَمِنْ رَأْفَتِهِ أَنْ يُوجِبَ عَلَى الْمُفَرِّطِ مَا يَتَدَارَكُ بِهِ تَفْرِيطَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
-
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّا مَا أَبْطَلْنَا بِهِ الْعَمَلَ بِالْمَشْهُورِ بَلْ أَخَّرْنَاهُ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ احْتِيَاطًا، وَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ مِنْ إهْمَالِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَصْلًا، عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُ لَيْسَ خَبَرَ وَاحِدٍ بَلْ هُوَ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ الثَّابِتِ بِهِ. وَعَنْ الثَّالِثِ
-
1/4871/487
بِأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُ فَسَادُ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا يُوجِبُ نَسْخَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ،
-
بِخِلَافِ صُورَةِ النِّزَاعِ فَإِنَّ فِيهَا الْعَمَلَ بِالْكِتَابِ وَالْخَبَرِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ وَقْتُ الظُّهْرِ،
-
وَلَا يَتَعَرَّضُ لِتَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ عَلَيْهِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ، وَخَبَرُ التَّرْتِيبِ يَدُلُّ عَلَى التَّقْدِيمِ فَعَمِلْنَا بِهِمَا. وَعَنْ الرَّابِعِ بِأَنَّ وَقْتَ النِّسْيَانِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْفَائِتَةِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ التَّذَكُّرِ وَهُوَ نَاسٍ،
-
وَأَمَّا ضِيقُ الْوَقْتِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ جَعْلَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ شَرْطُ جَوَازِ أَدَاءِ الْوَقْتِيَّةِ إنَّمَا هُوَ
-
1/4881/488
(وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ يُقَدِّمُ الْوَقْتِيَّةَ ثُمَّ يَقْضِيهَا) لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِضِيقِ الْوَقْتِ،
-
وَكَذَا بِالنِّسْيَانِ وَكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْوِيتِ الْوَقْتِيَّةِ،
-
وَلَوْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ جَازَ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقْدِيمِهَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَقَدَّمَ الْوَقْتِيَّةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالْحَدِيثِ
-
لِتَدَارُكِ الْفَائِتَةِ وَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَدَارُكُهَا بِتَفْوِيتِ مِثْلِهَا فَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ،
-
وَأَمَّا كَثْرَةُ الْفَوَائِتِ فَإِنَّهَا فِي مَعْنَى ضِيقِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهَا مَعَ كَثْرَتِهَا يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ الْوَقْتِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِالْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا.
-
قَوْلُهُ: (وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ يُقَدِّمُ الْوَقْتِيَّةَ) وَقَوْلُهُ:
-
(وَلَوْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ جَازَ) أَيْ جَازَ فِعْلُهُ (هَذَا) وَهُوَ تَقْدِيمُ الْفَائِتَةِ (؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقْدِيمِهَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا) أَرَادَ النَّهْيَ الَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ الْأَمْرِ، وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ: لَوْ بَدَأَ بِالْفَائِتَةِ أَجْزَأَ،
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ هُنَاكَ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْبُدَاءَةِ بِالْفَائِتَةِ،
-
وَلَوْ بَدَأَ بِفَرْضِ الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبُدَاءَةِ بِفَرْضِ الْوَقْتِ هُنَاكَ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالتَّطَوُّعِ لِانْعِدَامِ الْمُوجِبِ لِلنَّهْيِ فَمُنِعَ الْجَوَازُ لِهَذَا، وَهَاهُنَا النَّهْيُ عَنْ الْبُدَاءَةِ بِالْفَائِتَةِ لَيْسَ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهَا بَلْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ فَرْضِ الْوَقْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنْهَى عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالتَّطَوُّعِ أَيْضًا لِوُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلنَّهْيِ، وَالنَّهْيُ مَتَى مَا لَمْ يَكُنْ
-
1/4891/489
(وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ كَمَا وَجَبَتْ فِي الْأَصْلِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهُنَّ مُرَتِّبًا، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»
-
لِمَعْنًى فِي عَيْنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَهُ.
-
قَالَ (وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِبَيَانِ أَنَّ التَّرْتِيبَ كَمَا أَنَّهُ فَرْضٌ بَيْنَ الْوَقْتِيَّةِ وَالْفَائِتَةِ فَكَذَا بَيْنَ الْفَوَائِتِ نَفْسِهَا،
-
فَإِذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ كَمَا وَجَبَتْ فِي الْأَصْلِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَيْ يَوْمَ حَفْرِهِ فَقَضَاهُنَّ مُرَتِّبًا ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أَمْرٌ بِالتَّشْبِيهِ مُطْلَقًا، وَالْكَامِلُ مِنْهُ مَا يَقَعُ عَلَى كَمِّهِ وَكَيْفِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَدَاءَ
-
1/4901/490
(إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ) لِأَنَّ الْفَوَائِتَ قَدْ كَثُرَتْ (فَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ فِيمَا بَيْنَ الْفَوَائِتِ) نَفْسِهَا كَمَا سَقَطَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَقْتِيَّةِ، وَحْدُ الْكَثْرَةِ أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا لِخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ
-
بِوَصْفِ التَّرْتِيبِ شَرْطٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ كَمَا صَلَّيْت لِسِرٍّ.
-
وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ، وَمَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا. وَاخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ فِي تَأْوِيلِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ لَا يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى لِاسْتِدْعَائِهِ أَنْ تَكُونَ الْفَوَائِتُ سَبْعًا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْفَوَائِتَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَالزَّائِدُ غَيْرُ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ سِتٌّ فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ سَبْعًا.
-
فَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْمُرَادُ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْقَاتُهَا،
-
فَإِنَّ فَوْتَ الصَّلَاةِ السَّابِعَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتَّةِ أَوْقَاتٍ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِفَوْتِ السَّابِعَةِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ.
-
وَقِيلَ أَرَادَ أَوْقَاتَ الْفَوَائِتِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي زِيَادَةَ الْأَوْقَاتِ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ،
-
1/4911/491
فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (وَإِنْ فَاتَتْهُ أَكْثَرُ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَجْزَأَتْهُ الَّتِي بَدَأَ بِهَا) لِأَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَصِيرُ سِتًّا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُ اعْتَبَرَ دُخُولَ وَقْتِ السَّادِسَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ بِالدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ،
-
وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْفَوَائِتُ الْقَدِيمَةُ وَالْحَدِيثَةُ، قِيلَ تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ مَعَ تَذَكُّرِ الْحَدِيثَةِ لِكَثْرَةِ
-
وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِفَوْتِ وَقْتِ السَّابِعَةِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ.
-
وَقِيلَ أَرَادَ بِالْفَوَائِتِ الْأَوْقَاتَ، وَمَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْأَوْقَاتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ. وَرَدَّ بِرَدٍّ يَشْمَلُهُ وَمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ كُلِّهَا كَمَا تَرَى.
-
وَالْحَقُّ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافَانِ وَتَقْدِيرُهُ: إلَّا أَنْ تَزِيدَ أَوْقَاتُ الْفَوَائِتِ عَلَى أَوْقَاتِ سِتِّ صَلَوَاتٍ بِحَسَبِ دُخُولِ الْأَوْقَاتِ دُونَ خُرُوجِهَا، وَإِنَّمَا سَقَطَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفَوَائِتِ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ لَمَّا أَفَادَتْ سُقُوطَهُ فِي اعْتِبَارِهَا فَلَأَنْ تُفِيدَهُ فِي نَفْسِهَا أَوْلَى،
-
وَقِيلَ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ.
-
قَوْلُهُ: (وَحَدُّ الْكَثْرَةِ) ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ (؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ بِالدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ) فِيهِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّ الْكَثْرَةَ أَمْرٌ إضَافِيٌّ جَازَ إطْلَاقُهَا عَلَى مَا هُوَ أَزْيَدُ مِمَّا دُونَهُ، فَمَا وَجْهُ الدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَصْلُ ذَلِكَ الْقَضَاءُ بِالْإِغْمَاءِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَقَضَى الصَّلَوَاتِ. وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَضَاهُنَّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَمْ يَقْضِهِنَّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْرَارَ مُعْتَبَرٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْفَوَائِتُ الْقَدِيمَةُ وَالْحَدِيثَةُ) صُورَتُهُ: رَجُلٌ تَرَكَ صَلَاةَ شَهْرٍ سَفَهًا وَمَجَانَةً ثُمَّ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ
-
1/4921/492
الْفَوَائِتِ، وَقِيلَ لَا تَجُوزُ وَيُجْعَلُ الْمَاضِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ
-
وَاشْتَغَلَ بِأَدَاءِ الصَّلَوَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا فَقَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ تِلْكَ الْفَوَائِتَ تَرَكَ صَلَوَاتٍ دُونَ سِتٍّ وَصَلَّى صَلَاةً أُخْرَى وَهُوَ ذَاكِرٌ لِهَذِهِ الْمَتْرُوكَةِ الْحَدِيثَةِ.
-
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا: تَجُوزُ هَذِهِ الصَّلَوَاتُ لِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ، وَالِاشْتِغَالُ بِالْحَدِيثِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الِاشْتِغَالِ بِتِلْكَ، وَالِاشْتِغَالُ بِالْكُلِّ يُفَوِّتُ الْوَقْتِيَّةَ عَنْ وَقْتِهَا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ وَيُجْعَلُ الْمَاضِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ
-
1/4931/493
زَجْرًا لَهُ عَنْ التَّهَاوُنِ.
-
وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الْفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ عَادَ التَّرْتِيبَ عِنْدَ الْبَعْضِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَجَعَلَ يَقْضِي مِنْ الْغَدِ مَعَ كُلِّ وَقْتِيَّةٍ فَائِتَةً فَالْفَوَائِتُ جَائِزَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْوَقْتِيَّاتُ فَاسِدَةٌ إنْ قَدَّمَهَا لِدُخُولِ الْفَوَائِتِ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ،
-
زَجْرًا لَهُ عَنْ التَّهَاوُنِ) وَأَنْ لَا تَصِيرَ الْمَعْصِيَةُ وَسِيلَةً إلَى الْيُسْرِ وَالتَّخْفِيفِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الْفَوَائِتِ) صُورَتُهُ أَنْ يَتْرُكَ الرَّجُلُ صَلَاةَ شَهْرٍ ثُمَّ يَقْضِيَهَا إلَّا صَلَاةً أَوْ صَلَاتَيْنِ،
-
ثُمَّ صَلَّى صَلَاةً دَخَلَ وَقْتُهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ هَلْ تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ أَوْ لَمْ تَجُزْ؟ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَمَالَ إلَى عَدَمِ الْجَوَازِ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَالْمُصَنِّفُ، وَمَالَ إلَى الْجَوَازِ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ، وَاخْتَارَهُ مِنْ الْمَشَايِخِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُمْ.
-
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
-
وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّرْتِيبَ قَدْ سَقَطَ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ وَالسَّاقِطُ لَا يَعُودُ كَمَاءٍ نَجِسٍ قَلِيلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْجَارِي حَتَّى كَثُرَ وَسَالَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْقِلَّةِ لَا يَصِيرُ نَجِسًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْأَوَّلِ (وَهُوَ الْأَظْهَرُ) يَعْنِي دِرَايَةً وَرِوَايَةً. أَمَّا دِرَايَةً فَلِأَنَّ عِلَّةَ السُّقُوطِ الْكَثْرَةُ الْمُفْضِيَةُ إلَى الْحَرَجِ وَلَمْ يَبْقَ بِالْعَوْدِ إلَى الْقِلَّةِ وَالْحُكْمُ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ عِلَّتِهِ فَكَانَ كَحَقِّ الْحَضَانَةِ إذَا سَقَطَ بِالتَّزَوُّجِ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ الزَّوْجِيَّةُ فَإِنَّ الْحَقَّ يَعُودُ،
-
وَأَمَّا رِوَايَةً فَلِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَجَعَلَ: أَيْ شَرَعَ يَقْضِي مِنْ الْغَدِ مَعَ كُلِّ وَقْتِيَّةٍ فَائِتَةً فَالْفَوَائِتُ جَائِزَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ: يَعْنِي سَوَاءٌ قَدَّمَهَا
-
1/4941/494
وَإِنْ أَخَّرَهَا فَكَذَلِكَ إلَّا الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ لِأَنَّهُ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ حَالَ أَدَائِهَا.
-
عَلَى الْوَقْتِيَّاتِ أَوْ أَخَّرَهَا عَنْهَا.
-
وَالْوَقْتِيَّاتُ فَاسِدَةٌ قَدَّمَهَا لِدُخُولِ الْفَوَائِتِ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَدَّى صَلَاةً مِنْ الْوَقْتِيَّاتِ صَارَتْ هِيَ سَادِسَةَ الْمَتْرُوكَاتِ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَضَى مَتْرُوكَةً بَعْدَهَا عَادَتْ الْمَتْرُوكَاتُ خَمْسًا،
-
ثُمَّ لَا يَزَالُ هَكَذَا فَلَا يَعُودُ إلَى الْجَوَازِ (وَإِنْ أَخَّرَهَا) أَيْ الْوَقْتِيَّاتِ عَنْ الْفَوَائِتِ (فَكَذَلِكَ) أَيْ لَا تَجُوزُ الْوَقْتِيَّاتُ (إلَّا الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ) أَمَّا فَسَادُ مَا وَرَاءَ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْوَقْتِيَّاتِ فَلِأَنَّهُ كُلَّمَا صَلَّى فَائِتَةً عَادَتْ الْفَوَائِتُ أَرْبَعًا فَفَسَدَتْ الْوَقْتِيَّةُ ضَرُورَةً،
-
وَأَمَّا جَوَازُ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ فَلِمَا ذَكَرَ (أَنَّهُ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ حَالَ أَدَائِهَا) وَالظَّنُّ مَتَى لَاقَى فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ وَقَعَ مُعْتَبَرًا،
-
وَإِنْ كَانَ خَطَأً، وَالتَّرْتِيبُ لَا يُوجِبُهُ الشَّافِعِيُّ فَكَانَ ظَنُّهُ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا عَفَا أَحَدُ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ وَظَنَّ صَاحِبُهُ أَنَّ عَفْوَ صَاحِبِهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي حَقِّهِ فَقَتَلَ ذَلِكَ الْقَاتِلَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مُتَأَوَّلًا وَمُجْتَهِدًا فِيهِ صَارَ ذَلِكَ الظَّنُّ مَانِعًا وُجُوبَ الْقِصَاصِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
-
وَنُوقِضَ بِمَا إذَا صَلَّى الظُّهْرَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ نَاسِيًا ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ عَلَى وُضُوءٍ ذَاكِرًا لِلظُّهْرِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمَا جَمِيعًا، وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ حَالَ أَدَائِهَا كَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يَجِبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْعَصْرِ ثَانِيًا لِمَا أَنَّهُ لَمَّا قَضَى الظُّهْرَ قَدْ وَقَعَ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ قَضَى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْفَائِتَةِ، وَالتَّرْتِيبُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَكَانَ ظَنُّهُ هَاهُنَا مُوَافِقًا لِمَذْهَبِهِ كَمَا ذَكَرْتُمْ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فَسَادٌ قَوِيٌّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَظَهَرَ أَثَرُهُ فِيمَا يُؤَدَّى بَعْدَهُ،
-
وَأَمَّا فَسَادُهَا بِسَبَبِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ فَضَعِيفٌ
-
1/4951/495
(وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فَهِيَ فَاسِدَةٌ إلَّا إذَا كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ) وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّرْتِيبِ (وَإِذَا فَسَدَتْ الْفَرْضِيَّةُ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْطُلُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ) ،
-
فَإِذَا بَطَلَتْ الْفَرْضِيَّةُ بَطَلَتْ. وَلَهُمَا أَنَّهَا عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ
-
مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى.
-
قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ) مَسْأَلَةُ التَّرْتِيبِ وَلَكِنْ ذَكَرَهَا تَمْهِيدًا لِلِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهَا، وَفِي ضِيقِ الْوَقْتِ كَلَامٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فِيمَا مَضَى فَلْنَتَكَلَّمْ بِهِ هَاهُنَا، وَهُوَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ضِيقِ الْوَقْتِ لِأَصْلِ الْوَقْتِ أَوْ لِلْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ. حُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الِاعْتِبَارُ بِأَصْلِ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَعَلَى هَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ إنْ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ وَعَلَيْهِ أَدَاءُ الْعَصْرِ،
-
وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِهَا وَتَقَعُ الْعَصْرُ أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ تَغَيُّرِهَا فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَرَاهَةِ يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ كَخَوْفِ فَوْتِ أَصْلِ الْوَقْتِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِهَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ شَيْءٍ مِنْ الظُّهْرِ بَعْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَقْتُ عَصْرِ الْيَوْمِ لَيْسَ إلَّا. وَقَوْلُهُ:
-
(وَإِذَا فَسَدَتْ الْفَرْضِيَّةُ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ) يَعْنِي يَنْقَلِبُ نَفْلًا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْطُلُ) وَالْفَائِدَةُ أَيْضًا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَهْقَهَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ طَهَارَتَهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكُلُّ مَا عُقِدَ لِأَجْلِهِ التَّحْرِيمَةُ إذَا بَطَلَ بَطَلَتْ التَّحْرِيمَةُ؛
-
لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ وَسِيلَةٌ إلَى تَحْصِيلِهِ،
-
وَإِذَا بَطَلَ الْمَقْصُودُ بَطَلَتْ الْوَسِيلَةُ (وَلَهُمَا أَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ) وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْوَصْفَ
-
1/4961/496
(ثُمَّ الْعَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا، حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَهُمَا يَفْسُدُ فَسَادًا بَاتًّا لَا جَوَازَ لَهُ بِحَالٍ) وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
-
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَصِّلًا لِأَصْلِهِ فَكَانَ كَالْفَصْلِ الْمُنَوَّعِ فَيَبْطُلُ الْأَصْلُ بِبُطْلَانِهِ.
-
وَالثَّانِي أَنَّ وَصْفَ الْفَرْضِيَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَدْخَلٌ فِيمَا انْعَقَدَتْ التَّحْرِيمَةُ لِأَجْلِهِ أَوْ لَا؟ لَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ ظَرْفٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّمْيِيزِ بِوَصْفٍ يَحْصُلُ بِهِ تَعَيُّنُ مَا أَحْرَمَ لَهُ.
-
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ لَجَازَ الْإِحْرَامُ بِدُونِ التَّعْيِينِ فَلَا يَثْبُتُ تَفْرِيغُ الذِّمَّةِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ فَكَانَ جُزْءًا وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ.
-
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَصْفَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَصَّلًا؛ لِأَنَّ الْمُحَصَّلَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَالْوَصْفُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْصُوفِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ لِلْمَوْصُوفِ مَدْخَلًا لِمَا انْعَقَدَتْ بِهِ التَّحْرِيمَةُ لَا مِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُهُ حَتَّى يَكُونَ جُزْءًا بَلْ مِنْ حَيْثُ نَفْيُ غَيْرِهِ مِمَّا يُزَاحِمُهُ فِي الْوَقْتِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُزْءًا لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْكُلِّ (ثُمَّ) إذَا فَسَدَ (الْعَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا وَقَالَا فَسَادًا بَاتًّا لَا جَوَازَ لَهُ بِحَالٍ) ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ التَّرْتِيبِ حُكْمُ الْكَثْرَةِ، وَكُلُّ مَا هُوَ حُكْمٌ لِعِلَّةٍ يَتَأَخَّرُ عَنْ عِلَّتِهِ، فَسُقُوطُ التَّرْتِيبِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَقَعُ مِنْ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الْكَثْرَةِ لَا فِيمَا قَبْلَهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَثْرَةَ عِلَّةٌ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ وَقَدْ حَصَلَتْ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا السُّقُوطُ، وَهِيَ كَمَا جَازَ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً لِمَا سَيَأْتِي مِنْ الصَّلَوَاتِ جَازَ أَنْ تَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ آحَادِهَا. لَا يُقَالُ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ آحَادِهَا جُزْؤُهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْلُولًا لَهَا؛
-
لِأَنَّهَا جُزْؤُهَا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ،
-
وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ، وَذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا قَبْلَ الْكَثْرَةِ.
-
وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَهُوَ مَعْنًى مَعْقُولٌ. وَثُبُوتُ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَفَسَادِهَا بِطَرِيقِ التَّبْيِينِ غَيْرُ عَزِيزٍ فِي الشَّرْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِعَرَفَاتٍ يَتَوَقَّفُ،
-
فَإِنْ أَفَاضَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ تَنْقَلِبُ صَلَاتُهُ نَفْلًا وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا مَعَ الْعِشَاءِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُفِضْ إلَيْهَا بَلْ تَوَجَّهَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ إلَى مَكَّةَ صَحَّتْ،
-
وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ،
-
فَإِنْ سَعَى إلَيْهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ انْقَلَبَتْ الظُّهْرُ نَفْلًا وَإِلَّا بَقِيَتْ فَرْضًا،
-
وَكَذَلِكَ الْمُعْتَادَةُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا دُونَ عَادَتِهَا وَصَلَّتْ ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً،
-
وَإِنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا كَانَتْ صَحِيحَةً. وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ) يَعْنِي فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
-
1/4971/497
(وَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ فَهِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ) خِلَافًا لَهُمَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبَةٌ عِنْدَهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا،
-
وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، وَعَلَى هَذَا إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى السُّنَّةَ وَالْوِتْرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ فَعِنْدَهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالسُّنَنَ دُونَ الْوِتْرِ، لِأَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ عَلَى حِدَةٍ عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْوِتْرَ أَيْضًا لِكَوْنِهِ تَبَعًا لِلْعِشَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ:
-
(وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ) يَعْنِي أَنَّ التَّرْتِيبَ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْفَرَائِضِ لَا غَيْرُ. وَقَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا. وَقَوْلُهُ: (فَعِنْدَهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالسُّنَّةَ دُونَ الْوِتْرِ) ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ إذَا كَانَ وَاجِبًا عِنْدَهُ صَارَ كَأَنَّهُ صَلَّى فَرْضًا بِنِسْيَانِ فَرْضٍ آخَرَ، وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْوِتْرَ أَيْضًا؛
-
لِأَنَّ دُخُولَ وَقْتِهِ بَعْدَ أَدَاءِ الْعِشَاءِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَلَمْ يُوجَدْ فَكَانَ مُصَلِّيًا قَبْلَ وَقْتِهِ